من أقوال البطريرك إغناطيوس
من أقوال البطريرك إغناطيوس
المسيحيون فيما بينهم:
لا يدهش الإنسان من رؤية المسيحيين في هذه البقعة يتراشقون النقد اللاذع ويتبادلون الشتائم لا بل الافتراءات, إذا علم أن الشرق الأوسط في نظر هيئات التبشير الأجنبية حقل تبشير خصب سواء كان ذلك بالنسبة إلى الكاثوليك أم البروتستانت. ومهمة التبشير مهمة مسيحية أصلاً غايتها عرض الإيمان المسيحي لمن لم يعرفه بقصد هدايته إلى الإيمان بفعل الروح القدس. ولكن, قد تكثر الإرساليات في مكان ما لأنها هي غير منسجمة ولا موحدة في الأساس, فيحدث الاصطدام بينها ويبدأ تسارق المؤمنين وتتبع عندئذ كل الوسائل لتنتصر فرقة على فرقة. وفي معظم الحالات لا تكون وسائل الترغيب والاجتذاب من النوع العقلي الاقناعي الخلقي..
والبلاد هنا مشحونة - كما يبدو لكل ناظر - بالمرسلين الأجانب الذين يؤمونها وينظرون إليها كبلدان متأخرة, من الوجهة الدينية على الأقل, وأنها بالتالي تفتقر إلى نور الإنجيل وهداية الكنيسة. وان المسيحيين الشرقيين من أرثوذكس وسريان وأقباط وأرمن هم أيضاً - في نظر المبشرين وبصورة خاصة - يفتقرون إلى النور والهداية, خصوصاً وأنهم برهنوا عن كونهم أقرب منالاً وأسهل اقتناصاً من مواطنيهم المسلمين مثلاً. لذلك اشتدت حرارة التبشير في هذه البلاد فكان من نتائجها شطر كل من الكنائس الشرقية إلى ثلاثة أقسام: قسم محافظ وقسم كاثوليكي وقسم بروتستانتي.
وتارك كنيسته لا يكون إجمالاً صافي القلب بالنسبة إليها خصوصاً إذا كان «اهتداؤه» وليد مختلف الإغراءات - كما هي الحال في معظم «الاهتداءات» في بلادنا. لذلك تراه يلجأ إلى محاربة كنيسته الأولى. وهذه بدورها لا ترى في هجره إياها مدعاة للشكر بل مثاراً لنقمتها وبغضها. وهذا الجو من النقمة والبغض هو الذي كان يسيطر بين المسيحيين لسنوات طويلة وهو كان السبب في التجافي والتباعد والمقاطعة. وما كانت الأمور دائماً هكذا في الشرق الأوسط.
ولدينا الآن صورة طريفة عن الكتابة الجدلية آنذاك. فميخائيل مشاقة الإنجيلي انقض السنة 1964 على من دعاهم «بالبابويين» انقضاض النسر, ضارباً شاتماً حيث يلزم, منكراً الوحي الإلهي بعد الفترة الرسولية لينكر على الكنيسة الكاثوليكية إلهيتها, وناعتاً الطريقة الرهبانية بكاملها بأنها «اختراع شيطاني قبيح». وكان مشاقة يرد - إذ ذاك - على ترجمة كتاب لليسوعي يوحنا شمفاشر الجرماني (الترجمة 1860). وقد توصل حتى إلى تأكيد رسولية «كنيسة الروم» وتحميل اللاتين وحدهم مسؤولية انشقاق 1054.
ولكن المعركة الكبرى تبعت هذه المناوشات بعد ست وعشرين سنة وكانت هذه المرة بين الأرثوذكس والكاثوليك. وقد سجلت الوقائع مجلتا «الهدية» و«البشير».
افتتح القتال في أيار 1886 ودام حتى تموز 1887, ولم يدخل البروتستانت إلا من خلال«النشرة الأسبوعية» السنة 1988 مرة والسنة 1889 في مقال لفانديك عنوانه «كشف الأباطيل في عبادة الصور والتماثيل». ولكن هذا التدخل لم يؤثر في مجرى الأحداث.
كان موضوع الجدل يحوم حول نقاط أربع:
1. بطرس الرسول وعلاقته بالرسل الآخرين: وفي هذه النقطة ذهب «مسرة» إلى أن بطرس ليس رئيساً لرهط التلاميذ ولكنه كان على الأكثر «متقدماً بين متساوين». والتاريخ يؤيد هذه النظرة. لكن «البشير» حاول إثبات رئاسة بطرس واعتمد في ذلك عدة مراجع آبائية وطقسية وخصوصاً «الميناون» مرتكزاً على الأساس اللاهوتي الكاثوليكي القائل «قانون الصلاة هو قانون الإيمان».
2. ثم يتطرق «مسرة» إلى علاقة بطرس بمدينة رومية فيخالف رأي أفسافيوس القائل بأن تقليداً يجعل موت الرسول بطرس في رومية كما يجعله مؤسساً للكنيسة هناك, ويذهب إلى أن الرسول بولس هو الذي أسس تلك الكنيسة لا بطرس.
3. أما النقطة الثالثة فهي أن كنيسة رومية ما زالت تتصور أنها إمبراطورية لذلك وجب أن يكون لها إمبراطور هو البابا. ويؤكد «مسرة» أن الرسل ومن بعدهم لم يعرفوا يوماً أن من شروط إيمان الكنيسة الجامعة «الانضواء تحت جناح رومية».
4. وأخيراً إن صفة «الجامعية» في الكنيسة لا تنطبق فقط على كنيسة رومية لأنها متسعة وممتدة ولكنها تنطبق بصورة أصح على الكنيسة الأرثوذكسية من حيث الامتداد والشمول والعمق العقائدي. وبعد أن أقفل «البشير» المساجلة في 20 تموز 1887 عاد فحركها من جديد إذ تحدث عن «الكنيسة التي بدون رأس» وذهب إلى أن الأرثوذكسية خطت خطواتها الأولى نحو البروتستانتية ثم نعت الأرثوذكس بـ «المنشقين» وشدد على أن أي اتحاد لن يكون إلا على أساس الاعتراف الكامل برئاسة بطرس وخلفائه من بعده.
فرفضت «الهدية» بالطبع فكرة «البشير» وأجابت بأن الاتحاد يكون إذا رفضت الكنيسة الكاثوليكية عدداً من «الأخطاء» التي «تبعدها عن الإيمان القويم». ونشرت «الهدية» «اعتراف الرأي القويم» لأفجانيوس البلغاري 1829 وفيه لائحة «بأخطاء» الكنيسة الكاثوليكية.
واتبع الشماس أرسانيوس حداد خط المطران مسرة فنشر هو أيضاً في مجلة «المنار» 1899 مقالاً ينكر فيه على الكاثوليك ركوعهم أيام الآحاد والخمسين ومفهومهم لأولية روما. ثم اتهم «البشير» -كما فعل مسرة من قبله- بأنه يحور النصوص لتلائم غايته. ويذكر كمثل رسالة القديس فوتيوس إلى زكريا الأرمني «وهي لا وجود لها».
ولم يتوقف هذا الحوار العقيم إلا بعد صدور «تاريخ الانشقاق» لمسرة في ثلاثة أجزاء آخرها صدر السنة 1899. ومن يدري فقد يكون من أسباب هذا التوقف انشغال الكنيسة الأرثوذكسية بقضاياها الداخلية في تلك الفترة المهمة من حياتها حيث تم انتقال الرئاسات في الكرسي الأنطاكي من مسؤولين يونان إلى مسؤولين عرب.
وبينما استمرت هذه المشاحنات, في أيامنا الحاضرة ولا تزال تظهر من وقت إلى آخر في «الصخرة» المصرية و«المسرة» اللبنانية وغيرهما برز عدد من المجلات منها «الإيمان» الدمشقية و«الأرثوذكسية» المرجعيونية, وقد توقف صدورها و«النور» لسان حال الشبيبة الأرثوذكسية كما عادت إلى الصدور مجلة «النعمة» لسان حال البطريركية الأنطاكية وهذه كلها كانت غايتها نشر الإيمان أكثر من المماحكات الكلامية.
ويمكننا القول إن نسمة حياة دينية جديدة قد هبّت في هذه البلاد إثر قيام حركات الشبيبة التي اتخذت مهمة الالتزام الديني الرصين. فتحول مناخ الحوار إلى مناخ ثقة بالنفس مبنية على التعمق في الإيمان ودرس التراث درساً على أشد ما يمكن من الرصانة. هذه الحركات رأت أن الجدل قد أدى إلى هزال اللاهوت المسيحي بالعربية وأضعفه لأنه أغرقه في منطق الدفاع والتحدي وكلاهما يخالف البحث العلمي الهادئ, كما أدى إلى حرمان المكتبة العربية من الدراسات اللاهوتية الرصينة والكتابات الروحية الأصيلة.
وكانت «الحركة المسكونية» منذ العام 1910 تمتد في العالم بسرعة فائقة فتأثرت شبيبتنا بها واعتبرت من صميم إيمانها الاهتمام بالبعد المسكوني في الإيمان والعقيدة, هذا البعد الذي دفع بالمؤمنين إلى ملاقاة غيرهم من ذوي الإيمان الآخر أو الديانة الأخرى.
وبنتيجة هذا كله تغير مفهوم الاتحاد عند الكثيرين. فهو لم يعد تاريخاً نرجع إلى تبنيه كما كان أو عقيدة نرتد إليها بعد أن أنكرناها ولا إعادة مجموعة بشرية ضالة إلى الحظيرة القديمة لأن نظرة من هذا النوع تفترض أن الحاضر عبد دائم للماضي ومقيد به وأن الاتحاد أمر لا علاقة له بالمستقبل. فلقد أصبح مفهوم الاتحاد اليوم مركزاً حول نقطة واحدة: وهي أن الكنائس تقترب من بعضها بمقدار ما تقترب كل منها من المسيح لأن المسيح هو علة الاتحاد وسبيله وغايته, والعمل الاتحادي عمل داخلي تطهيري بمقدار ما قد يبدو منه أنه توسعي يرمي إلى التعاظم العددي المسيحي. وهذه النظرة تناهض الساعين إلى الاتحاد من حيث أنه تضامن سياسي أو تفاهم اجتماعي أو اتفاق بشري غايته تكوين جبهة وقوة في هذا العالم على أساس المساومة والتساهل في الشؤون الأساسية.
ولكن هذا لا يعني أن الفكر المسيحي العربي ينعم اليوم بالصفاء الكلي فإن هناك فرقاً مستوردة تبرز في بلدنا مدعية المسيحية بينما هي يهودية دون ريب, أعني بها السبتيين وشهود يهوه, وأمثالهم. هذه الفرق تضعف أهمية العهد الجديد وتبالغ في أهمية العهد القديم وتعيد المؤمن من «النعمة والحق» إلى «الناموس والوصايا». كما أنها تعتبر المسيح أحد شهود إله إبراهيم واسحق ويعقوب ليس إلا ولا تؤمن به أنه «الكلمة متجسداً», وتنكر النفس وخلودها والدينونة الأخيرة وبالطبع عقيدة الثالوث بكاملها. هذه الفرق أثارت عدداً من الكتاب ومنهم الخوري عيسى أسعد 1947, واسبيرو جبور1950 والقس عبد الله صايغ 1950 والمطران جحا 1951 فكتبوا كلهم ردوداً كان أعنفها ردود القس صايغ الذي كان يعتقد أن فرقاً كهذه صهيونية تكون خطراً لا على الإيمان فقط بل على الدول العربية ذاتها. ويؤكد مؤمناً أن هذه الفرق ترمي إلى تقويض المسيحية لبنيان الإيمان اليهودي وبعثه من جديد.
التاريخ الكنسي:
ولم ينج التاريخ الكنسي من أثر الجدل. والواقع أن الكتّاب حاولوا جميعهم بمقادير مختلفة تبرير طوائفهم أو كنائسهم تجاه الآخرين. وعلى هذا الأساس ترجم ميخائيل عرمان «تاريخ الكنيسة المسيحية القديمة والحديثة» السنة 1875, وكتب فان هام «كتابه الوضاح ..» السنة 1876.
غير أن المجالات الفكرية في هذا الحقل كانت أضيق منها في حقول أخرى, ذلك لأن الحوار بين الكنائس كان حديث العهد, ولأن طبيعة الحوار الجدلية انتزعت من الحقل التاريخي كثيراً من مقوماته. لذلك فلا غرابة أن يكون عندنا فقر شديد في الأبحاث التاريخية.
وإني أذكر هنا المطران مسرة (1891-1899) والدكتور أسد رستم (1958) اللذين يمثلان عصريهما, الأول في «تاريخ الانشقاق» والثاني في «كنيسة مدينة الله العظمى» و«نحن وروما والفاتيكان».
كان جراسيموس مسرة - كما رأينا - يسعى إلى إظهار الكنيسة الأرثوذكسية ناصعة الطهارة غير حائدة قيد شعرة عن الحقيقة المسيحية الرسولية, وإلى أن الكنيسة الكاثوليكية هي وحدها سبب الانشقاق الكبير (1054) وسبب استمراره لأنها انحرفت عن الإيمان القويم واتبعت طريقاً رسمها الآباء اليسوعيون. ثم أورد الكاتب مفهومه للاتحاد -كما سبق - بأن لن يكون إلا إذا عادت الكنيسة الكاثوليكية إلى «الإيمان القويم» ورجعت إلى الشركة المسكونية في الكنيسة الرسولية.
ولا عجب أن تعكس كتب مسرة ذلك الجو الذي يفتش فيه الخصم عن أي سلاح لمقاتلة خصمه وغايته الظفر لا التنقيب العلمي في صفاء وشفافية, «فالبشير» نفسه أسهم في نقل حقائق التاريخ من صعيد الوقائع إلى صعيد التأويل والتبرير والجدل المتعالي واحتقار الخصم. وما يلفتنا بصورة خاصة في الكتابات التاريخية آنذاك أن دفورنيك لم يكن بعد قد قام باكتشافاته في الفاتيكان ولم يكن النور قد ألقي بعد على قضايا تاريخية مهمة مثل حرم فوتيوس وما إلى ذلك.
هذه المكتشفات ذاتها إلى جانب التيار الوحدوي الجارف كانت منطلق الدكتور رستم في كتبه التاريخية التي ذكرناها آنفاً.
كان رستم يبدو وكأنه يريد أن يبرهن للكنائس الشرقية السريانية والقبطية والأرمنية وغيرها أن الأصل المسيحي في الشرق الأوسط هو أرثوذكسي يوناني, وأن الكنائس الشرقية الأخرى كنائس محلية في سوريا ومصر وأرمينيا. وهو بذلك يرد على البطريرك أغناطيوس برصوم في كتابه «الدرر النفيسة في مختصر تاريخ الكنيسة» (1940).
وكان يجهد في الوقت ذاته إلى البرهان بأن الانشقاق الكبير (1054) يستدعي توبة واستغفاراً من الكاثوليك والأرثوذكس على السواء وأن لكليهما قسطاً وافراً من المسؤولية في حدوثه. كما تبنى نظرية دفورنيك القائلة بأن الكاردينال همبرتو قد تصرف من عندياته عندما قام بتمثيليته المشهورة في كنيسة الحكمة المقدسة. ويرى الدكتور رستم أيضاً أن الحركة الصليبية كانت للإغراق لا للإنقاذ فقد كرست الانشقاق وثبتته وأعلمت به كثيرين من الأنطاكيين الذين لم يكونوا عالمين به.
وإذ نذكر مقالاً للأب أثناسيوس حاج 1923 في «البطريركية الأنطاكية بين الاتحاد والانفصال» نرى أن باب التاريخ وخصوصاً المحلي منه لا يزال مشرعاً ينتظر من يلجه بروح العلم والمحبة, وإن كان من فضل عميم للدكتور أسد رستم فلأنه قام بمحاولة باللغة العربية لم يكن لها مثيل.
الحياة الروحية:
وهذا الحقل هو الأخير الذي سيكون خاتمة مطافنا, وإن لم يكن فعالاً بعد في الفكر المسيحي العربي. ذلك أن الرهبنات الشرقية هي التي تحمل هذا المشعل وهي إلى حد ما منزوية جغرافياً عن الناس, تكتب ولكن كتاباتها فيها الكثير من التأمل والتسبيح أكثر مما فيها من الأبحاث والدراسات. في مصر تقوم الكنيسة القبطية بحركة روحية واسعة النطاق في أديرتها ومدارسها الأحدية ومختلف حلقاتها الاجتماعية لكن الغاية منها كلها مدرسة تلقينية. وفي لبنان نشأت مؤخراً عام 1957 رهبنة دير مار جرجس الحرف وهي على حد تعبير رئيسها الأرشمندريت الياس «محاولة لتجنيد كلي, لالتزام المسيحية إلى أبعد حدودها, انبثقت من صميم الكنيسة امتداداً لتيار النهضة وتبنت الروحانية الرهبانية الآبائية الأصيلة التي تسعى لحل مشاكل الإنسان بالدرجة الأولى عن طريق الحياة الروحية العميقة القائمة على توجيه قلب الإنسان إلى الله. الإنسان في هذه الروحانية يعيش كله لله ولكنه في هذا الهم الوحيد يحمل الناس ويمثلهم. يمتهن عرض الطبيعة البشرية على النعمة الإلهية بالتوبة والصلاة من أجل التطهير والتجلي. هذه الرهبنة ما تزال حديثة ناشئة ولا يسوغ القول منذ الآن أنها حققت شيئاً يذكر في حقل الفكر الديني بالرغم من أنها في «نشرتها» البسيطة وبعض منشوراتها أسهمت في طرح مشكلة الإنسان من المنظار الروحي الكياني. ولكن مجرد وجودها وإثارتها للموضوع قد فتح باباً ثميناً في شرقنا العربي ينبغي ألا يغلق.
«مأخوذة من كتاب الكنيسة هي أنتم». انتهت.
رد: من أقوال البطريرك إغناطيوس
شكرا لك اخي ويا ريت شبابنا وشاباتنا تفهم وتقرأ هذا الموضوع المهم بالنسبة للكنيسة الارثوذكسية وشكرا لتعبك وربنا يقويك.
اذكرني بصلواتك
رد: من أقوال البطريرك إغناطيوس
ان هذا لموضوع مهم ، و كما ذكرت يريت ينقراء