الموسيقى الكنسية البيزنطية... الشماس إغناطيوس (الحوشي)
الموسيقى الكنسية البيزنطية
الشماس إغناطيوس (الحوشي)
« الموسيقى هي صوتُ الخالقِ المقيمِ في وسَطِ العالم »
(البطريرك باسيليوس الثالث)
لقد اهتمَّت الكنيسةُ منذُ نشأَتِها بالموسيقى، لأنَّها أدركَتْ العامِلَ التربَويَّ والتهذيبيَّ لهذا الفن، وتأثيرَهُ في الإنسان. فإذا كانت الموسيقى بشكلٍ عامٍ تهدِّئُ النَّفسَ وتُروِّحُ عَنها ضِيقَتَهَا مُبعِدَةً الشَّيطانَ، فإنَّ الموسيقى الكنسيَّةَ لا تَكْتَفي بتَحْقِيقِ ذلك وَحَسبْ، وإنَّما تَقودُ أيضاً إلى الله. وهذا هو هدفُها الرئيسيُّ، الأمرُ الذي يجبُ إدراكُهُ بوَعيٍ وعدمُ إِهمالِه.
الموسيقى الكنسيةُ البيزنطيةُ، هي ليست مجرَّدَ تعبيرٍ عن عواطفَ ومشاعرَ عالميَّةٍ وأرضيَّةٍ، ولكنها ابنةُ الشوقِ، الذي لا يهدأُ، إلى ما يفوقُ الإحساسَ. هي ثمرةُ عبادةٍ داخليةٍ صحيحةٍ، تُعبِّرُ عن تمجيدِنا وشُكرنا لله، عن تضرُّعِنا إليه ومحبَّتنا له. النبعُ الذي تستقي منه، هو الإيمانُ الصادقُ بأن العنصرَ الروحيَّ يفوقُ على العنصرِ الماديِّ، وأنَّ الجوهرَ هو أهمُّ من الشكلِ، وأنَّ العمقَ يغلِبُ على المظهرِ، لهذا فنحنُ لا نستَمتِعُ بها كموسيقى بحدِّ ذاتها، مجردةٍ عن مضمونها العباديِّ، ولكنْ نشعرُ بها لغةً تعبِّرُ عمَّا في القلبِ من مشاعرَ وأحاسيس. تَستلهمُ أَلحانَها من المعاني السرِّيةِ لكَلِماتِ النصُوصِ العباديَّةِ والمزاميرِ المرتَّلةِ، فتعبِّرُ بذلك عن فحوى العبادةِ، وتفتَحُ طُرقاً تُقرِّبُ الملموسَ من غيرِ الملموسِ، والمنظورَ من اللامنظورِ، والزائلَ من الأبديِّ.
الموسيقى الكنسيةُ البيزنطيةُ، ليست هي مجردَ فنٍّ يبحثُ في كَيفيَّةِ أداءِ التراكيبِ الموسيقيَّةِ المتنوعةِ وتحليلِها، ولكنَّها ترتبطُ جذرياً بالنصِّ الذي تعبِّرُ عنه، وتُعطيهِ لحناً مُضفيةً عليهِ جماليَّةً برّاقةً. لهذا بالضبط، نجدُ في القوانينِ الكنسيةِ كما في التقليد ما يَتَطلَّبُ من المرتِّلينَ تجنُّبَ الصَّخبِ والتصنُّعِ، والاستعراضِ الفنيِّ للمقدِراتِ الصوتيَّةِ، الأمرُ الذي لا يمتُّ بصِلةٍ لروحِ الكنيسةِ، الروحِ الذي يرغبُ في أنْ يكونَ الترتيلُ وَقوراً خُشوعياً واعياً، ضِمنَ إطارِ تقوى اللهِ وخوفِهِ، ليساعِدَ بالتالي على بعثِ مشاعرِ التَّقوى والخشوعِ في الآخرين، فيُنقِّيهم، ويملأُ نفوسَهُم ونفوسَ المرتِّلينَ فرحاً روحياً، ويرفَعُها إلى السَّماء.
من جهة أخرى، تلعبُ الموسيقى الكنسيةُ البيزنطيةُ دوراً هاماً في زرعِ وتعزيزِ الإيمانِ في وُجدانِ الكَنيسة. فبالرغمِ من أنَّ الشَّعبَ الأُرثوذُكسيَّ المؤمنَ لا يَعي بدقَّةٍ إيمانَهُ الحقيقيَّ، لكنَّهُ مع ذلك يشعُرُ بالأُرثوذُكسيةِ ويحيَاها، ليسَ فقط في العبادةِ الإلهيَّةِ، في الأيقوناتِ، في الطُّقوسِ، في التسابيحِ الكنسَّيةِ (التي يَصعُبُ أحياناً إدراكُ معانيها بدقَّةٍ) وحسبْ، بل وفي التَّرانيمِ الكنسيَّةِ أيضاً، أي في التراتيلِ، التي تُجسِّدُ العَقَائِدَ القويمَةَ، والتقليدَ الكنسيَّ في داخِلِهِ. وهكذا يترابطُ المضمونُ معَ الشكلِ، والرُّوحُ مع التعبيرِ، فيَضمَنُ الواحِدُ وُجودَ الآخرِ، بحيثُ تلتَحمُ الموسيقى بشكلٍ لا ينفَصلُ بالعناصِرِ العباديَّة الأُرثوذُكسيَّةِ الأُخرى.
ما هي أَنواعُ الموسيقى التي استخدمَتْها المسيحيَّةُ في بداياتِها؟
لا تَتوفرُ مَعلُوماتٌ صريحةٌ وواضحَةٌ للإجابةِ على هذا السؤالِ ، ولكنْ من المعلوماتِ القليلةِ المتوفِّرَةِ ولاسيَّما في كُتُبِ العهدِ الجديد، نعلَمُ أنَّ المسيحيينَ الأَوائلَ، في صلاتِهمِ المُشتَرَكةِ، وعبادَتِهم، كانوا يُسبِّحُونَ الربَّ ”بمزاميرَ وتسابيحَ وأَناشيدَ رُوحيَّةٍ“ (أف 5: 18-20). ما هي هذهِ المزاميرُ والتَّسابيحُ والأناشيدُ الرُّوحيةُ؟ يُحدِّدُ القديسُ غريغوريوسُ النيصصيُّ لغوياً معانِيَ المصطلحاتِ الواردةِ في عبارةِ الرَّسولِ بولسَ، بأنَّ كلمةَ مزامير «ψαλμοί»، تُستَخدمُ للدلالَةِ على الألحانِ النَّاتِجةِ عن العَزفِ على آلةٍ مُوسيقيةٍ، وأنَّ كَلمةَ تسبيح «ὕμνος»، تَعنيْ تقديمَ المَديحِ للهِ على الخَيراتِ التي يَمنحُنا إيَّاها، وأما كلمةُ نشيد «ῳδή» فتعني إطلاقَ الصَّوتِ من الفَمِ بالكلامِ واللَّحنِ معاً، ثم يُضيفُ بأنَّ مدلولاتِ هذهِ المصطلحاتِ صارتْ تَختلِطُ فيما بينها بحيثُ أنَّ كلمةَ مزمُورٍ صارت تُستخدَمُ للدَّلالةِ على التسبيحِ، وكلمةَ تسبيحٍ للدلالةِ على المزمورِ، وأنَّ كلمةَ تسبيحٍ صارَتْ تُطلَقُ على النَّشيدِ وبالعكسِ، وهكذا.
ومهما يَكُنْ من أَمرِ المُصطَلحاتِ، فمنَ المعرُوفِ أنَّ مزاميرَ داوودَ كانت تُرتَّلُ بمرافَقةِ آلاتٍ مُوسيقيَّةٍ، وأنَّ مَقاطِعَ من العَهدِ القديمِ كانت تُستخدَمُ كتسابيحَ في مجامِعِ اليهودِ، مثلَ نشيدِ مُوسى، وتسبحةِ دبُّورة، وتسبحةِ الفتيةِ الثَّلاثةِ وتسابيحَ أُخرى، مما يَقُودُ إلى الاعتقادِ بأنَّ الكنيسةَ التي نَشأَتْ في وسطٍ يَهوديٍّ واستخدمَتْ مزاميرَ داوودَ والتسابيحَ الكتابيةَ في صلواتِها وعبادتِها قد استَخدَمَتْ أيضاً الألحانَ اليَهُوديَّةَ نفسَها، خاصةً إذا أَخذنا بعَينِ الاعتبارِ أنَّها كانت مُضطَهَدَةً خلالَ القُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولى منْ تاريخِهَا، ويَصعُبُ عليها أَنْ تَزدهِرَ فنياً وتُطوِّرَ مُوسيقاها الخاصَّةِ.
أما طَريقَةُ الإنشادِ لدى اليَهُودِ فكانَتْ كالتَّالي: كان واحدٌ من المُرتِّلينَ، أو مجموعةٌ مِنهُم، يُنشدُونَ معاً أبياتَ المزمورِ، وعندَ نِهايةِ كُلِّ بيتٍ كان الشَّعبُ يُكرِّرُ العبارَةَ الأخيرَةَ منهُ، وهذا يُسمَّى الترتيلُ بالإصغاء، «καθ’ὑπακοή» لأن الشَّعبَ كانَ يُصْغِيْ إلى كَلِمَاتِ المزمُورِ ثُمَّ يُكرِّرُ ترنيمَ ما ينشِدُهُ المرتِّلُونَ بعدَ سَماعِهِ. أحياناً كانت العِبارةُ المرتَّلةُ من الشَّعبِ تشمَلُ شَطراً كاملاً من البيتِ الشعريِّ، حتى أنَّها كانت تأخذُ شَكلاً ثابتاً مثل: ”لأنَّ إلى الأَبدِ رحمتَهُ، آليلوييا“ أو ”لأنَّ اللهَ معَنا“ أو”نُسبِّحُ ونُباركُ ونَرفعُ إلى مدى الدُّهور“، وأحياناً أُخرى كانتْ تقتَصرُ على كلِمةٍ واحدةٍ مثلَ: ”آليلوييا“ أو” آمين“.
ومع مُرورِ الوقتِ، بدأَتِ المسيحيةُ تنفَصلُ شيئاً فشيئاً عن اليهوديَّةِ مُدركةً بأنَّ تسابيحَ العهدِ القديمِ لم تَعُدْ وحدَها كافيةً لتُعبِّرَ عن كُلِّ مشاعرِ المسيحيِّينَ ومُتطلَّباتِهِمِ العباديَّةَ، وأنَّها عاجِزةٌ عن التَّجاوبِ بشكلً كامِلٍ مع مضمُونِ الإيمانِ الجديدِ، وخاصةً أنَّ مواضيعَ جديدةً تُميِّزُ أحداثَ وشخصيَّاتِ وتعليمَ العهدِ الجديدِ ظهرَتْ إلى الوجُود، مثلَ حَدَثِ الصَّلْبِ الخلاصيِّ العظيمِ، وشخصِ والدةِ الإلهِ العَذراءَ مريمَ التي فيها تَمَّ العَجَبُ الفائقُ الطبيعَةِ، عَجَبُ ولادَةِ الرَّبِّ يسوعَ المسيحِ، وكذلكَ التعليمِ الصَّريحِ والواضحِ عن الثالُوثِ القُدُّوسِ. ولا ننسى أيضاً ظُهورَ الشُّهَداءِ القدِّيسينَ الذينَ قدَّمُوا ذواتَهُم وأهرقُوا دِماءَهُم محبَّة بالربِّ، ودفاعاً عن كَنيستِهِ المُقَدَّسَةِ، في عصرٍ كانتْ فيهِ تُواجِهُ الوثنيَّةَ وعِبادَةَ الشيطان. لهذا أَخذَتْ تُضافُ رويداً رويداً تسابيحُ جديدةٌ تلبِّي حاجةَ العبادةِ والإيمانِ المسيحيين. وحيثُ أنَّ الثَّقافَةَ اليُونانيَّةَ هي التي كانَتْ سائدَةً في ذلك العصرِ بعُلُومِها المُختَلِفَةِ، كالفلسفَةِ والخطابَةِ والشِّعرِ والموسيقى، فقد جاءَتْ هذهِ التَّسابيحُ الجديدةُ بغالبيَّتِها يونانيةَ الإنشاءِ، مضبوطَةً شِعريَّاً على أوزانِ الأشعارِ اليُونانيَّةِ ومُوسِيقَاهَا المُتنوِّعَةِ، ولاسيَّما أنَّ آباءَ الكنيسةِ الذينَ صاغُوا الإيمانَ كانوا مالِكينَ اللُّغَةَ اليُونانيَّةَ وآدابَها بشكلٍ ممتاز.
كيف كانت الكنيسة ترتل في القرون الأولى؟
خلاَلَ القُرونِ الأَربعةِ الأُولى، كانَ النَّمَطُ السَّائدُ هو التَّرتيلُ الجماعيُّ «τὸ ἀπὸ κοινοῦ ψάλλειν» حيثُ يَشترِكُ جميعُ المُؤمنينَ الحاضرينَ في التَّرتيل.
1- بعضُ المصادِرِ يَذكُرُ أنَّهُ في الكَنيسَةِ الأُولى كانَتْ تُوجَدُ عادةُ الترتيلِ بجوقتين «τὸ ψάλλειν εἰς δύο χορούς» . ويَعْزُو البعضُ سَبَبَ انتشارِ هذا التقليدِ في التَّرتيلِ إلى حاجَةِ الكَنِيسَة لمُواجَهَةِ الهرطَقَةِ الآريوسيَّةِ التي كانت تنشُرُ تعاليمَهَا بنَفسِ الطَّريقَةِ. فيذكُرُ ثيوذوريتُوسْ وصوزومِنوس في تاريخَيْهِما، أنَّ كاهنَينِ منْ أَنطاكِيةَ أدخلا إلى أنطاكيَة كما وإلى القِسْطَنطينيَّة طريقةَ الترتيلِ بِجَوقتَينِ لغايَةٍ عَمَليَّةٍ، وهي أَنْ يفصِلُوا المسيحيينَ عن الآريوسيَّةِ، التي كانتْ قَدْ سَبَقَتْ فاستخدَمَتْ هذا النَّهْجَ في التَّرتيلِ مُروِّجَةً من خلالِهِ تعاليمَها المنحرفَة.
2- نظامٌ آخرُ في التَّرتِيلِ كانَ مَعرُوفاً أيضاً، وهو الترتيلُ بالتبادل «τὸ κατ’ἀντιφωνίαν ψάλλειν» حيثُ كانَ يُمكِنُ لكُلِّ واحدٍ منَ المُؤمِنينَ، بِحَسَبِ مُؤَهِّلاتِهِ المُوسيقِيَّةِ، أَنْ ينتَصِبَ أَثنَاءَ إقامَةِ الاجتِمَاعِ اللِّيتُورجِيِّ، فَيُرَتِّلَ أو يُكَرِّرَ ترتيلَ واحدٍ أو أَكثَرَ منَ التَّراتيلِ التي كانَتْ تُرتِّلُها الكَنيسَةُ، والتي غالِباً ما تَكُونُ أَحَدَ مزاميرِ العَهْدِ القَديم. وهذا هو بِحَسَبِ الشَّهاداتِ التاريخِيَّةِ النَّهجُ الأقدمُ، وكانَ مُنتَشِراً في مناطِقِ سوريا وعلى الأخصِّ في أَنطاكِيَة. يُخبرُنا المؤرِّخُ سُقراط بأنَّ القدِّيسَ إغناطيوسَ حامِلَ الإلهِ هو الذي وَضَعَ طَريقَةَ الإنشادِ بالتَّبادُلِ فيقُول: ”إنَّ إِغناطِيُوسَ الأُسقُفَ الثَّالِثَ على أَنطاكِيَةَ بعد بطرُسَ، قد رأى في رُؤيا مَلائِكَةً يُسبِّحُونَ الثَّالُوثَ القُدُّوسَ بتَرانِيمَ مُتَبادَلَة، وسلَّمَ هذِهِ الطَّريقَةَ في التَّرتِيلِ إلى الكَنيسَةِ في أَنطَاكِيَةَ، ومنها انتَقَلَ هذا التَّقليدُ إلى كَافَّةِ الكنائِس“. ويُؤَكِّدُ القدِّيسُ فُوتيوسُ الكَبير (القرن التاسع) هذِهِ المَعلُومَةَ فيقُول: ”إغناطيوسُ حاملُ الإلهِ هُوَ أوَّلُ مَنْ وَضَعَ طَريقةَ الإنشَادِ بالتَّبادُل“. وقَدْ عَمَّ استخدامُهُ مِنْ قِبَلِ الآريوسيينَ في الكَنيسَةِ الشَّرقِيَّةِ، ولكنَّهُمْ انحَرَفوا إلى إِعطَائِهِ طابَعاً مسرحياً استعراضياً مُصطَنَعاً مُبعِداً الشَّعبَ المُؤمِنَ عن جَوْهَرِ العِبَادَة. ورُغمَ ذلكَ فَقَدْ تَبنَّاهُ الآباءُ القدِّيسُونَ وصَارَ ينتَشِرُ في الكَنائِسِ الأُرثوذُكسِيَّة. ويُذكَرُ أنَّ باسيليوسَ الكبيرَ قدْ واجَهَ مُعَارَضَةً شديدَةً مِنْ قِبَلِ رَعِيَّتِهِ في قيصَريَّةَ الجَديدَةَ، عندَما حاوَلَ إدخَالَهُ إلَيها بَعدَ أَنْ كَانَتْ مُتَمَسِّكَةً بِما سَلَّمَهُ إليها أُسقُفُها السَّابِقُ غريغوريُوس صانعُ العَجائب مِنْ نِظامٍ في التَّرتِيل. وهكَذا اضطُرَّ مِراراً وتَكراراً، أَنْ يُدافِعَ عن عَمَلِهِ مُقابِلَ الاتِّهامات التي كَانَتْ تُوَجَّهُ إِليهِ مِنْ أَنَّهُ مُحَدِّثٌ ومُبتَدعٌ، مُؤكِّداً أَنَّ الأَمرَ ليسَ هُوَ فَرضُ التَّحديثِ على الكَنيسَةِ ولكنْ وَضْعُ كُلِّ ما مِنْ شَأنِهِ أَنْ يَخدُمَ الكَنيسَةَ ومُتطلَّباتِ العِبَادَةِ فَوقَ أَيِّ هَدَفٍ آخر.
3- الترتيلُ بالإصغاءِ «τὸ καθ’ὑπακοήν ψάλλειν» والذي سَبَقَ أَنْ ذَكَرناهُ آنفاً، كانَ مُستَخدَماً أَيضاً وكانَ يَتِمُّ بِأَنْ يَتلُو الشمَّاسُ أو القارِئُ بِتَلحِينٍ أَحَدَ المزامِيرِ فَيُجيبُهُ الشَّعبُ مُردِّداً أَحدَ أَبياتِ المَزمُور. وهذا ما أَدخَلَهُ القِدِّيسُ أَثَناسِيُوسُ الكَبيرُ إلى كَنيسَةِ الإسكَندَريَّة، بَعدَ أَنْ كانَ قَد سَبَقَ وفَرَضَ التَّرتِيلَ البَسيطَ على كَنائِسِ الإسكَندريَّةِ، وذلك لأَنَّهُ كما يَروي هُوَ نَفْسُهُ في مُؤَلَّفِهِ «حول الهرب» ”وأما أنا الزَّعيمَ الجاهِلَ، فلئَلا أَترُكَ شَعبي في هذا الاضْطِراب، وبالأَوْلى لكَيْ لا أُجازِفَ بِهِ، جَلَستُ على العَرشِ وصِرتُ أَحُثُّ الشمَّاسَ مِنْ جِهَةٍ على أَنْ يَقرَأَ المزمُورَ، والشَّعبَ مِنْ جِهَةٍ أُخرى على أَنْ يُجِيبَ مُرَدِّداً العِبَارَةَ: لأنَّ إلى الأَبَدِ رَحْمَتَهُ. وهكذا انصَرَفَ الجَميعُ“. الاضطرابُ والمجازَفَةُ اللَّذانِ كانَ يَتكَلَّمُ عَنهُمَا أَثَنَاسِيوس، يُشيرانِ إلى الحِصَارِ الذي أَقَامَهُ جُنُودُ الإسكَندَريَّةِ الآريوسيونَ حَوْلَ الكَنيسَةِ، حَيْثُ كانَ الشَّعبُ المُؤمِنُ مُجْتَمِعاً، والأُسقُفُ يُقِيمُ الخِدمَةَ الإلهيَّةَ. فالجنودُ كانوا يَملِكُونَ أَمراً باعتقَالِ أُسقُفِ المَدينَةِ، و إذا حَدَثَ أَنْ واجَهوا مِنهُ مُعارَضَةً ما، كانَ لَدَيهِمِ الإذنُ بِإِحداثِ مَجْزَرَةٍ حتَّى وَلَوْ داخِلَ الكَنيسَةِ. وَلكِنَّ الأُسقُفَ القِدِّيسَ إذْ قَدْ أَدرَكَ خُطُورَةَ المَوقِفِ، لجأَ إلى هذا الحَلِّ، وهُوَ أَنْ يَرَتَّلَ بِالطَريقَةِ التي اعْتَادَ الجُنُودُ الآريوسيُّونَ على ممارستها في عبادتهم، فَكَانَتْ النَّتيجَةُ أَنْ تَخَشَّعَتْ قُلُوبُهُم لدى استِمَاعِهِم لِلتراتيل، فانصَرَفُوا مُحَرِّرينَ الكَنِيسَةَ مِنَ الحِصَار.
4- مِنَ الطُّرُقِ التي استُخْدِمَتْ في التَّرتيلِ أَيضاً كانَ تَنْظِيمُ جَوقَاتٍ نِسائِيَّةٍ التي سَمَحَ بِهَا القِدِّيسُ أَفرامُ السُّوريُّ، واضْطُرَّ أَنْ يَفْرِضَهَا في كَنيسَةِ إديسا، ليُحَارِبَ بَعضَ النَّزَعَاتِ الهُرطوقِيَّةِ الظَّاهِرَةِ هُناكَ والميَّالَةِ إلى الغْنُوسِيَّةِ. لذلِكَ فَقَدْ اتَّخَذَ بَعضَ الإجراءاتِ ذاتَ الطَّابَعِ الليتُورجيِّ، حَيْثُ سَمَحَ بتأليفِ بَعضِ التَّسابيحِ والأَنَاشِيدِ الكَنسَيَّةِ، وَمِنَ المَعرُوف أَنَّهُ هُوَ نفسُهُ كانَ شَاعِراً، وأَنَّهُ كَتَبَ الكَثيرَ مِنَ الأَشعَارِ الكَنَسِيَّة.
نقلاً عن: http://www.pyrgou.org
رد: الموسيقى الكنسية البيزنطية... الشماس إغناطيوس (الحوشي)
توضيح رائع ....يشفى غليل الروح العطشى لكل مؤمن حقيقى فى زمن تحولت فيه الموسيقى الكنسيه الى هيوط عجيب فى بعض الطوائف ...اشكرك اخى وادامك الرب يسوع لحفظ هذا التقليد الابائى الذى بدونه لا نشعر بفرح الام المسيح او الام الفرح المسيحيه العظيمه بارك الرب يسوع بخطواتك ...والى الامام
رد: الموسيقى الكنسية البيزنطية... الشماس إغناطيوس (الحوشي)
شكراً أخ حبيب لهالموضوع الرائع بالفعل
و الأخ أغناطيوس الحوشي بترتيلو من الأشخاص بالفعل بيرفعو لعند ربنا
و معروف انو هو أستاذ بالموسيقى و انو هو مؤلف و ملحن عدة أناشيد
رد: الموسيقى الكنسية البيزنطية... الشماس إغناطيوس (الحوشي)
ايها الاباء الاجلاء
سالت عن ما يمنع المشاركه بالالات الموسيقيه مع الالحان على الخورص مع ان الشواهد لا تمنع كما تعلمون......وهذا سالت عنه فيما سبق....اجابة لو سمحتم يا ابائى الاجلاء
وربنا يبارك بكهنوتكم
رد: الموسيقى الكنسية البيزنطية... الشماس إغناطيوس (الحوشي)
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ghaleb aldaoud
ايها الاباء الاجلاء
سالت عن ما يمنع المشاركه بالالات الموسيقيه مع الالحان على الخورص مع ان الشواهد لا تمنع كما تعلمون......
يا أخ ghaleb aldaoud حسب معلوماتي الكنيسة لا تمنع الآلات الموسيقية لأنها ضد الألحان مع التراتيل. ولكن بما كنيستنا الأرثوذكسية تقوم تراتيلها على النمط البيزنطي فإذا دققت السمع في التراتيل الكنسية(المرتلة بشكل صحيح وموزون) تجد أنك تسمع لحناً ولكنه بشري بدون آلة وهنا يكمن جمال الترتيل فما الحاجة إلى الآلات مادمنا نستطيع نحن إعطاء اللحن الجميل؟
رد: الموسيقى الكنسية البيزنطية... الشماس إغناطيوس (الحوشي)
[align=center]
أخي غالب الألات الموسيقية هي آلات طرب بينما اللحن الكنسي مجرد من الطرب و محصور بالخشوع و التقوى
[/align]
رد: الموسيقى الكنسية البيزنطية... الشماس إغناطيوس (الحوشي)
نحب أن نقدم الأفضل للرب ..
الآلات كما في الفرق الموسيقية ..
أما الترتيل البيزنطي فهو مأخوذ من نمط أجواق الملائكة ..
أنا عن نفسي .. من لما تأتيني نغمة الإيصون لأخذ الطبقة .. أحس أنها انتقال لعالم ملائكي رائع ..
هناك أيضا ً ترانيم كثيرة أحبها ( مع آلات موسيقية ) .. إلا أنها لا تسد جزء من مكانة التراتيل البيزنطية ..
إنها (التراتيل البيزنطية ) عـيّـنـة من الملكوت .. كما أن الأيقونة هي منظر من الملكوت ..
رد: الموسيقى الكنسية البيزنطية... الشماس إغناطيوس (الحوشي)
شكرا اخ حبيب موضوع رائع .
وكما قال االأخ مكسيموس الموسيقى البيزنطانية تنقلك الى عالم الملائكة .
اما عن عدم استخدام الآلات فاعتقد ان الآلة تجعلك تركز ذهنك على اللحن دون التركيز العميق في معنى الكلمة وهنا يحصل ان يستمتع الشخص بالنغم والايقاع الموسيقي دون التامل في الكلام المرتل .اما طريقة الترتيل البيزنطي كماتلاحظ فانها تعطي لكل كلمة حقها وتجعلها محفورة في العمق من قلبنا و تحافظ على روحانية الصلاة .
صلواتكم
رد: الموسيقى الكنسية البيزنطية... الشماس إغناطيوس (الحوشي)
اخوتى الاحباء
شكرا لكم على اجاباتكم على موضوع الالات الموسيقيه فى التراتيل البيزنكيه
انا اريد ان اوضح شىء بسيط وهو اننى بسالطى جيد جدا وخورص ممتاز وهذا ليس تبجحا ولا تفاخرا ...فانا خادم لاقل اخ فى الكنيسه ولا تعرفونى لانال منكم اىمديح ...وعندما ادخل الكنيسه وابدا بالترتيل انسى نفسى واعيش فى نشوى لا توصف وانا مستغرق فى اداء اللحن ...ولكننى ليس مقتنع بصحة ما تقولون ...فالذى قال :سبحوه بصوت البوق وباوتار وارغون وبعود عشارى الاوتنار ...,,وووووووالخ لا استطيع ان اعدل ما يقول...له المجد الان وكل اوان والى دهر الداهرين.امين
رد: الموسيقى الكنسية البيزنطية... الشماس إغناطيوس (الحوشي)
معك حق أخي الحبيب ..
و هناك على سبيل المثال أناشيد رائعة لأبونا نقولا مالك و غيره ..
منها بصوته على العود .. و منها مع فرقة موسيقية كاملة ..
و هذا أمر رائع جدا ً ...
أما في الكنيسة فنحن نقدم للرب ماهو أفضل ..
أي أننا لا نمتنع عن تقديم ما تفضلت بذكره .. و لكن لكل شيء وقته و مكانه ..