الهرطقة المئة (الإسلام)
القديس يوحنا الدمشقي
(650 – 749م) – (29 – 131هـ)
(لأول مرة على النت العربي)
عرض للطباعة
الهرطقة المئة (الإسلام)
القديس يوحنا الدمشقي
(650 – 749م) – (29 – 131هـ)
(لأول مرة على النت العربي)
ملاحظة:
1. توقيت هذه الترجمة ليس معرقلاً للحوار الحالي كما قد يعتقد البعض وليس حجة للدخول في صراعات دينية كما قد يودّ آخَرون، بل هو فرصة لهؤلاء للعدول النهائي عن الصراع ولأولئك للتقدم الحقيقي في الحوار، وذلك لكيما نبحث جميعنا من الآن فصاعداً عن المحبة التي عن المسيح، والتي لا ترتضي البتة بالصراعات العدوانية التي لا تسر الله، كما ولا تقبل باستمرار حوار المداهنة والمجاملة والمراوغة على حساب حقيقتها التي تبقى هي وحدها الدواءَ الشافي للجميع وإن كانت جارحة في نزاهة صدقها.
2. لقد صدر نص هذا الكتاب باللغات اليونانية والألمانية والفرنسية، وغيرها ربما؛ فلا شيء يمنع بالتالي من أن يُنقل إلى العربية للاستفادة منه بحسب المبادئ التي نوهنا إليها خَلَل طيات الكتاب عموماً وفي المقدمة خصوصاً.
3. لا تصدروا حكماً سريعاً على هذه الترجمة قبل أن تتمعنوا جيداً بمكنونات الكتاب التي لا ترجو سوى البنيان، صدقتم ذلك أم لم تصدقوا.
4. عنوان الكتاب لم نختره نحن بل هكذا عُرف في أصله اليوناني (أنظر ح37، ص37).
ملاحظة حول مراجع القديس يوحنا حول الإسلام: (هذه الملاحظة لي وليست للمعرب)
أ- القرآن: في زمن القديس يوحنا لم يكن القرآن بعد مثبتاً على حلته الحالية عند المسلمين آنذاك. في البداية، استظهر الصحابة فحوى القرآن ونقلوه شفهياً. وعند اختفاء العديد من المقررين في المعارك، حصل أول تنقيح رسمي له على عهد الخليفة أبي بكر (632-634). ولكن، كانت توجد أيضاً عدة روايات موازية مع اختلافات عدة في ما بينها؛ وقد تبنت دمشق من جهتها قرآن أُبَيّ ابن كعب. ثمّ سعى الخليفة عثمان إلى إنشاء نص موحد يجمع كافة المسلمين، وأرسل أربع نسخ منه إلى جهات مختلفة منها مكة ودمشق وأتلف الروايات الأخرى. بيد أن مشروعه قد اعترض عليه ولم يحقق الإجماع المنشود. وفي الكوفة قُبلت نسخة ابن مسعود الذي رفض أن يخضع لأمر الخليفة عثمان وبقي نصه مستعملاً في تلك المدينة، في حين أن مسلمي دمشق لبثوا آمناء لقرآن أُبَيّ ابن كعب كما يبدو. وواقعي هو القول بأن أصل الإنشاء القرآني الحالي يعود إلى عهد الخليفة عبد الملك (685-705) عن طريق الحجاج حاكم العراق، ولكننا نعلم بآن اختلافات عدة كانت لا تزال قائمة ما بين نص عثمان ونص أُبَيّ المستعمل في دمشق آنذاك: فترتيب السور لم يكن هو نفسه وأسماؤها لا تتطابق دوماً، وكذلك عددها (116 مقابل 114)، إضافة إلى وجود صلاتين في الثاني دون الأول. لأن لا يذكر القديس يوحنا الدمشقي الآيات القرآنية كما نعلمها الآن ليس من ثم بمستغرب؛ إذ ينبغي الرجوع في هذا المضمار إلى نص أُبَيّ الذي قُبل في دمشق دون سواه في زمنه – والذي كانت لا تزال بعض نسخه موجودة في القرن العاشر- أو إلى التقاليد غير المكتوبة بعد. ولقد كان القرآن بعد غير مشكل ومنقط.
ب_ الأحاديث والسيرة والتفاسير: الأحاديث هي أقوال محمد وكلماته، ولم يكن بعد كتب حديث، مثلما نملك حالياً، فمثلاً: البخاري، اصح كتاب حديث عند اهل السنة، ولد عام 194 للهجرة، واصح كتاب سيرة، لابن هشام، توفي صاحبه عام 213 للهجرة. أما أول من جمع القراءات في كتاب كان أبو عبيد القاسم بن سلام الذي ولد عام 157 للهجرة. وكتب التفاسير المعتمدة حالياً كُتبت في زمن ابعد فمثلاً في القرن الرابع كان كل من الطبري و النيسابوري وابن أبي حاتم. وفي القرن السادس الزمخشري. وتفسير ابن كثير في القرن الثامن للهجرة. وكل من الرازي والنسفي والبيضاوي في القرن السابع وفي القرن الثامن الخازن وابي حيان. وفي القرن العاشر الشربيني و أبي السُّعود والجلالين.... أما أقدم من جمع التفسير فقد كان يزيد بن هارون السُّلمي الذي ولد في أخر أيام القديس يوحنا.
{مقدمِّة المعرِّب}
هذا الكتاب موجَّه فقط إلى المسيحيين الأُمناء للمسيح ولوصاياه، والذين من ميزاتهم أن يكونوا رجالَ حوارٍ وسلامٍ ومحبّةٍ في المسيح تجاه جميع الناس ولا سيّما أولئك الذين يُعايشونهم في الزمن والمكان عينهما حتّى ولو كانوا من الأعداء الإلِدّاء. وهو لا يستهدف إثارة النَعَرات الطائفيّة ولا يرمي إلى تهييج المماحكات الكلاميّة والمُشادّات المذهبيّة. حاشا وكلاّ! فإنّ ذلك غريبٌ قطعاً عن القدّيسين ومن يحذو حَذوَهم. بل جُلَّ ما يَنشده هو أن يَعِيَ المسيحي العربي تلك الأسس التي عليها، وعليها فقط، ينبغي أن يُشيِّد علاقاتِه بجهدِ محبّته الحثيث، لئلاّ يصبح سلامُه كسلام العالم، أي تآمراً خائناً من أجل مكسبِ خسيسِ أو تهاوناً جباناً في الاعتراف بالعلم، ولئلاّ يضحي حوارُه مجادَلةً عقيمةً ومباحثةً سخيفةً وهدراً للوقت الذي ينبغي استغلاله بالأحرى في تمجيد إلهنا الواحد الحقيقيّ المثلّث الأقانيم غير المنقسم، وفي اللهج باسم ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح ابن الآب الوحيد الآزلي الذي تجسد في آخر الأومنة من الروح القدس ومن والدة الإله القديسة مريم الدائمة البتولية، وتأنس ليفتدينا بالصليب من لعنة خطيئتنا ويحررنا بتنازله حتى الجحيم من قيود موتنا ويهبنا بقيامته الخلاصية وصعوده المجيد نعمة روح الحق المعزي، فنعرفه على حقيقته ونكون كرزة لعبادته الحسنة في العالم وشهوداً لمدح حمده السني إلى أقاصي الأرض، وحتى مجيئه الثاني الذي سيحضر هو فيه بمجدٍ ليدين الأحياء والأموات، هو الذي لم يزل "حقاً" محرراً و "وحياة" محيية و "طريقاً" وحيداً إلى الله الآب.
وما اعترفنا به لتونا معروف على أنه كفر وإشراك في الدين بالنسبة إلى المسلمين الذين لا يمكنهم أن يفقهوا هذه الحقائق الإلهية والذين لا يستطيعون استيعابها في أذهان قلوبهم، وذلك لأن أذهانهم منهمكة وحسب بأعمالٍ ناموسية لا تبرر الإنسان (أنظر غلا 2: 16)، ولأن قلوبهم مهجورة من الثالوث القدوس علة استنارة الإنسان وتأليه. ولهذا السبب عينه، علينا أن نساعدهم بحمية ليعرفوا المخلص فينا فيتبرروا ويخلصوا ويتقدسوا ويتألهوا –على غرار ما أنعم به علينا وما نحن مدعوون إليه- إذا ما التزموا هم أيضاً به معنا في رعيته الواحدة. ومن هنا واجب اليقظة الروحية الأصلية الذي تقتضيه شهادتنا للمسيح تجاههم في سيرة فاضلة أمينة ترسم أمامهم صورة الرب بصفاء وتجمع معه بأمانةٍ لوصية التبشير به الملقاةِ على عاتقنا؛ وعندئذ تبقى المسألة منوطة بقبولهم الحر لنعمة الرب الذي "ما من أحد يقدر أن يأتي إليه ما لم يجتذبه الآب أولاً" (يو 6: 44)، والذي لا يأتي أحدُ إلى الآب إلا به (يو 14: 6)، والذي هو وحده قادرٌ على خلاصهم وخلاص الجميع بالطريقة التي تتماشى وتدبير مشيئة القدوسة من مسيرة كل إنسان.
وعلى هذا، ينبغي أن نميز الآن بوضوح ما بين الإسلام والمسلمين. فالإسلام، أو الدين الإسلامي، وهو الذي ينتقده قديسنا، وأما المسلمون فإخوة لنا مات المسيح من أجلهم أيضاً، ونحن مُلزمون –من أجل المسيح- بأن نحبهم إلى الغاية حتى ولو لم نجن منهم سوى الاضطهاد، لا بل لأنهم يضطهدوننا بضروب متنوعة. فالتلميذ ليس أفضل من المعلم ولا العبد أفضل من سيده (متى 10: 24)؛ ونعلم من جهة أخرى أن "الله قد برهن على محبته لنا بأن المسيح عنا ونحن بعد خطأة" (رو 5: 8)! فكم ينبغي علينا إذاً أن نحبهم؟
أجل، إنها لنعمة جزيلة القدر من بها الله علينا نحن المسيحيين في شرقنا العربي، إذ نحن مُحاطون بمن أوصانا الرب بأن نحبهم عندما يضطهدوننا، وأن نُحسِن إليهم عندما يبغضوننا، وأن نباركهم عندما يلعنوننا وأن نصلي من أجلهم عندما يفترون علينا (أنظر لو 6: 27-28). نحن لا نخشى عقيدتهم، لأن "كل غرسةٍ لم يغرسها الآب السماوي تقلع" (متى 18: 13)، كما أننا لا نخاف منهم لأن "المحبة الكاملة تطرد الخوف خارجاً" (1يو 4: 18)، والمحبة لا تبدو محبة إلا إذا طالت الأعداء أنفسهم بنيرانهم المقدسة.
وبما أن نظرة المسلمين إلينا لم تتغير منذ نشأتهم وحتى اليوم، فلا ينبغي التفتيش من ثم عن نقاط معهم على المستوى العقائدي، بل على المستوى الأخلاقي الاجتماعي حيث يتفق على السلوك بالمعروف وعلى تجنب المنكر عن كل الخيرين من الناس. ومن العبث بمكان أن نسترسل في الجدل معهم حول إيمانين مختلفين تماماً، إذ إن أركان إيماننا الأساسية (الثالوث – التجسد - الفداء) منبوذة عندهم. وحوارنا معهم بالتالي سيكون ذالك الحوار الحياتي الذي يترجم هذا الإيمان إلى بساطة الحياة الإنجيلية معهم ومع سواهم، هذه الحياة التي تنظر إلى الواقع بنور المسيح وتُضفي على العلاقات نفحة معرفته وتبرز في الأحداث وجه حقيقته متجلياً بالرحمة اللامتناهية والمحبة التي لا حدود لها. وهذا لا يتطلب بالضرورة نقاشاً في الدين وفي العقيدة، بل صمتاً مُفعماً من قوة الصلاة، و "ما يصلح من الكلام ويفيد البنيان –إذا دعت الحاجة- ليؤتي السامعين نعمة" (أف 4: 29).
وأعتقد أن ما يربو على ألف وأربعمئة سنة من العيش المشترك هي زمن كافٍ ووافٍ ليعرف كل واحدٍ منا ما يفكر به الآخر على الصعيد العقائدي النظري العام؛ ومتابعة الحوار من جهتهم تكون إما للاستزادة في المعرفة من ثم وإما لمجرد الاستفزاز ليس إلاّ.. في الحالة الأولى نحن مدعوون إلى إظهار وجه يسوع أمامهم بشكل عملي، هو الذي "يرغبون في رؤيته" (أنظر يو 12: 21) الآن أكثر من أي وقت مضى بعدما سمعوا عنه الكثير وودوا التقرب منه؛ وهذا ما يمكن تمييزه، إذ إن الله الذي أوحى إلى ذلك المسلم بهذه الرغبة هو نفسه الذي يوحي إلينا بكيفية تلبيتها. وأما في الحالة الثانية، فموقفنا ينبغي أن يكون موقف يسوع نفسه القائل: "أنتم تعبدون ما لا تعلمون ونحن نعبد ما نعلم" (يو 4: 22)، وأيضاً: "إنّا ننطلق بما نعلم ونشهد بما رأينا، ولا تقبلون شهادتنا. إذا قلت لكم الأرضيات ولا تصدقون، فكيف تصدقون إن قلت لكم السماويات" (يو 3: 11-12)؟
وإن عدم احترام عقيدة ما يطال المعتقد بها أيضاً. هكذا يفكر أغلب الناس، ومنهم المسلمون أنفسهم. وأما نحن المسيحيين، فإذا ما استهزأنا بالضلال، فهذا لا يعني على الإطلاق بأنا نستهزي بالضال، ولا سيما إذا ما كان يدعي أنه هو وحده على حق في ما يعتقده. فاحترامنا للمسلم يتحقق بمعزل عن ذهنيته وعقيدته، ولا نعامله البتة بالمثال؛ وذلك لأننا حريصون أشد الحرص على خلاصه باهتدائه إلى المخلص فينا. والمخلص قد أتى "لينادي المأسورين بالتخلية وللعميان بالبصر ويطلق المرهقين أحراراً" (لو 4: 18). لقد جاء إلى العالم، هو النور، لكي لا يمكث في الظلام كل من يؤمن به" (يو 12: 46)؛ وأوصانا قائلاً: "فليضئ نوركم قدام الناس ليرو أعمالكم الصالحة ويُمجدوا أباكم الذي في السماوات" ( متى 5: 16)؛ أي نوره هو فينا، هذا "النور الذي يضيء في الظلمة، والظلمة لا تدركه" (يو 1: 5)، لأنه يبددها ويزيل سطوتها بضياء معرفته، هو "صورة الله غير المنظور" (كو 1: 15)، وضياء مجده وضابط كل شيء بكلمة قدرته (عب 1: 3)، والوسيط بين الله والناس (1تيم 2: 5)، والذي يحل فيه كل ملى اللاهوت جسدياً (كو 2: 9)، والذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يبلغون (1تيم 2: 4).
والمسلمون يعرفون بأن الله واحد؛ ولكنهم يشوهون هذه الوحدة برفضهم فيها سر الثالوث الواحد الفائق الجوهر، وبالتالي "يصرفون سمعهم عن الحق ويعدلون إلى الخرافات" (2تيم 4: 4). ولا عجب في ذلك، فإن من يصاب بضعف أو انحراف أو التباس في نظرته إلى الله، ينحسر بصره العقلي حتماً عن مكنونات التدبير الإلهي في الكون، ويمضي متلمساً من يُرشده سواء السبيل، اللهم إذا ما احس هو بعجزه ورغب في تقويم سيرته وسعى بإخلاص متواضع إلى الخروج من أغلال تعصبه بُغية التوصل إلى المعرفة الكاملة وإلى كمال المعرفة في الرب يسوع الذي "ما من أحد يستطيع أن يقول إنه رب إلا بالروح القدس" (1كور 12: 3)، هذا الروح الذي يمنحه الآب السماوي لمن يسأله (لو 11: 13).
ويقول الرب : "إن شئت أن تكون كاملاً، فاذهب وبع ما لك وأعطيه للمعوزين، فيكون لك كنز في السماوات، ثم تعال اتبعني" (متى 19: 21). وهذا يعني أن الكمال لا يقتني إلا باتّباع المعلم الأوحد الذي وإن قرأ المسلم الكثير عنه ، يبقى الأهم من ذلك أن يفهم ما يقرأ، وهذا لا يُستطاع إن لم يرشده أحد (أنظر أع 8: 30-31)؛ وهذه مهمة المسيحيين الحقيقيين. أما إذا قام هؤلاء برسالتهم وبقي المسلم غير مصدق. فهذا يعني أنه ليس من خراف يسوع، لأن "خرافه تسمع صوته، هو يعرفها هي تتبعه" (أنظر يو 10: 26-27)، ولأن الإيمان ليس للجميع (2تسا 3: 2)، ولأن "ليس أحد يعرف الابن إلا الآب ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن يريد الابن أن يكشف له" (متى 11: 27). وعندها حسبنا أن نقتدي بابن الله الحبيب هذا الذي "لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحدُ صوته في الساحات العامة. لا يكسر القصبة المضوضة ولا يُطفئ الفتيلة المدخنة، إلا أن يقود الحق إلى الغلبة" (متى 12: 19- 20) بالصليب! فلنتشبث إذاً بسلاح الجهاد المقدس هذا ولا نفلته مهما قيل لنا "فلينزل الآن عن الصليب لنرى ونؤمن" (مر 15: 32)، وذلك لأنه مرساة المخلصين ومعتقل الحرية الذي به يقودنا السيد إلى الفوز بمعرفته في سمو جوهره وواقعية تجسده ومجانية محبته المبذولة لأجل حياة العالم. فعليه نحيا في معرفتنا ليسوع الذي قال: "إذا ما رفعتم ابن البشر فعندئذ تعرفون أني أنا هو" (يو 8: 28) – والحياة الأبدية هي أن نعرفه (أنظر يو 17: 3)، ومنه نستقي الروح الذي يعلمنا كيف نكون عباد الله حقاً "بالروح والحق" (يو 4: 24)، والذي يعضد ضعفنا (رو 8: 26) لنحسن أداء الشهادة الحقيقية للناهض من بين الأموات لمجد الله الآب.
ويتضح لنا بالتالي أن الحوار الذي نحن مدعوون إليه اليوم خصوصاً ليس حواراً جدلياً لمجرد الجدل من جهتنا، بل هو حوار المحبة الراسخة في استعداداتها، تلك المحبة الإلهية المتجسدة فينا بالتزامنا بالمسيح، والتي لا تستطيع ألاّ تكشف المخلص بروح الوداعة المحبي الخلاص، والتي "لا تطرح جوهرها قدام الخنازير" (متى 7: 6)، أي أنها لا تستسلم لشهوات الأحاديث الجوفاء التي تغذي المشاجرات والخصومات والتجاديف والظنون السيئة والمنازعات الباطلة (أنظر 1تيم 6: 4- 5 و تيم 3: 9)؛ وذلك لئلا يجدف على اسم الله وعلى التعليم (1تيم 6: 1)، ولئلا نعوق إنجيل المسيح بشيء (1كور 9: 12).
نعم، يعتقد المسلمون بقرآن منزل كما يدعون؛ أما نحن فنعترف بإله متجسد –وإيماننا هذا هو الذي غلب العالم (أنظر 1يو 5: 4)-، لأننا متيقنون من أن الله لا يسكن في مصنوعات الأيدي (أع 17: 24)، بل في هيكله الذي صنعه هو لنفسه، ولأننا لم نتبع خرافات مُصنعة (2بط 1: 16)، بل ما سمعناه وما رأيناه بأعيننا وما تأملناه وما لمسته أيدينا في شأن كلمة الحياة (1يو 1: 1). إذاً، المقارنة ليست بين كتابٍ وكتابٍ آخر بل بالآحرى بين كتاب وشخص حي تحدث عنه الأنبياء في العهد القديم ويتحدث عنه الرسل في بُشرى العهد الجديد بوحي الروح القدس، وهذا ما يجعل المقارنة مستحيلة في النطاق العقائدي. ولكن هذا لا يُلغي حوار المحبة "التي تفوق كل إدراك" (أف 3: 19)، بل يتطلب اللجاجة فيها –ولو بصمت أحياناً لأن الجميع لم يؤتوا موهبة التكلم في مثل هذه الأمور، بيد أننا جميعاً قادرون على المحبة بالذي أحبنا- لأنها "الطريق المثلى" (1كور 12: 31) التي علمنا إياها الرب نفسه والتي نحن مُلزمون بانتهاجها تجاه جميع الناس وليس فقط المسلمين؛ وذلك بحسب ما أوتينا من واهب لخدمته، وحتى لو قاسينا مخاطر الاضطهادات ومعاكسة الإتهامات الكاذبة من جرائها. فإننا عارفون بمن آمنا (أنظر 2تيم 1: 12)، وينبغي أن يعرف العالم أننا نحسب الآب وأننا نعمل بما أوصانا الآب (يو 14: 31) في ابنه الوحيد الذي تبنانا به لنكون أبناء له بالروح القدس الواحد في "بيته الذي هو كنيسة الله الحي، عمود الحق وقاعدته" (1تيم 3: 15).
وهذا ما فعله القديس يوحنا الدمشقي الذي تأسس على صخرة إيمانه بالمسيح، فلم يستطع من ثم ألاّ يصد أمواج المزاعم التي حاولت وتحاول النيل من المنارة الوحيدة –أي الكنيسة- التي بناها الله متوطئة بحر هذا العالم "لينتزع الناس من سلطان الظلمة وينقلها -باختيارهم-إلى ملكوت ابنه الحبيب" (كو 1: 13). وسوف نستشف في دفاعه هذا، علاة على إيمانه الوضيد، خبرة موضوعية للإسلام والمسلمين كما سنرى لتونا في فصل تمهيدي يضعنا في جو الأحداث التي رافقت مؤلفنا القديس في هذا المضمار ويسهل علينا الاطلاع على تفكيره وكتاباته في هذا الشأن. وبما أنه قديس، فهذا يعني أن من يسمع منه –والآن أيضاً- فقد سمع من الرب (أنظر لو 10: 16) المستريح في القديسين، إذ إنه لا يسعى في نصيه الآتيين (1) إلا إلى مساعدتنا في تحديد كنه الإسلام وفي الإجابة الصحيحة على انتقاد المسلمين إذ ما سألونا.
وينبغي على هذه الإجابة أن تبنى على معرفة عميقة للرب يسوع وللإيمان الذي من عنده حتى تكون صحيحة وتؤدي رسالتها بغيرة مُحبة للسيد ودأب يضع كل رجائه عليه، وخصوصاً بحرارة الإيمان الممتلئ من الروح القدس الذي يضع الأمور في نصابها ويحرق المعتقدات الباطلة المشحونة بالتناقضات المتطرفة ليقود أصحابها –بالمحبة السلامية التي في المسيح- إلى صراط الإله الحق الديان الرحمان الذي به يليق كل حمد وحب ومجد، ومنه ينهل كل عون واهتداء ونعمة، وله تجب العبادة المستقيمة الساجدة لوحدته في أقانيمه الثلاثة إلى أبد الدهور. آمين! تعال أيها الرب يسوع المسيح (رؤ 22: 20)!
بعون الله
(المعرب)
{كتاباته عن الإسلام}
كتابات قديسنا عن الإسلام تشكل القليل القليل من مجموعة مؤلفاته، بحيث أننا لا نملك في هذا المضمار سوى نصين قصيرين نسبياً وقد لا يتجاوزان العشرين صفحة. النص الأول هو مقطع من كتاب الهرطقات، وهو عبارة عن تعريف جدلي أحياناً بمعتقد الإسلام يليه تفنيد بعض الإنتقادات الموجهة إلى المسيحيين ودراسة موجزة لأربع سور من القرآن.
أما المناقشة بين مسلم ومسيحي فتبدو بمثابة مُصنف من الأجوبة على الحملات الكلامية التي تحاول النيل من المعتقد المسيحي في بعض النقاط.
ولكن، لم هذا التقدير للقديس يوحنا الدمشقي بشأن موضوع يبدو لنا اليوم، وبعد أكثر من اثني عشر قرناً من زمن كتابته، على أنه الموضوع الذي كان ينبغي أن يهم الكنيسة قبل سواه؟ من باب المقارنة، بذل مؤلفنا قصارى جهده ليقاوم بدعة محاربي الأيقونات؛ أما الإسلاف في الواقع، فعلى الرغم من قدرته السياسة والعسكرية، لم يظهر بمثابة تهديدٍ مباشرٍ للإيمان الأرثوذكسي. لوما كان التفكير اللاهوتي الإسلامي في ضعفه الأقصى إبان النصف الأول من القرن الثامن، لم يكن للمفكرين المسيحيين ما يقلقون لأجله. فالقرآن كان معبراً على أنه تجميع لقصصٍ كتابية نُقلت وفهمت بشكل سيء، ولهذا كان الهزء به يكفي. طبعاً، موقف المسيحيين سيتعدل بعد بضع سنوات، عندما سيجدون بإزائهم علماء مسلمين قادرين تماماً على إجاد المنطق وعلى إعداد معتقد متماسك؛ وهذا ما لم يكن في عصر يوحنا. ولكن، على الرغم من إيجازهم، هذان النصان لهما أهمية كبيرة لمعرفة الصلات التي كانت قائمة بين المسلمين والمسيحيين في القرن الأول لاحتلال سوريا. فنحن أمام كتابات أولى من نوعها، والتي نرى فيها لاهوتياً يعيش في أرض إسلامية ويهتم بهذا الدين الجديد وبدراسة عقيدته في مسعى جدلي ودفاعي.
وقد أضفت شخصي يوحنا عليهما أهمية كبرى أيضاً.فالمؤلف كان يعلم ما يتكلم به، إذ لم يستق معلوماته عن الإسلام من الكتب. بل إن وضع عائلته الرسمي والصداقات الشخصية التي عقدها مع المسؤولين في الحكم هي التي سمحت له بأن يعرف هذا الدين، وكذلك النقاط الأساسية التي كانت تُنتقد في العقيدة المسيحية ممن كانوا يحاولون إعداد "اللاهوت" الإسلامي في تبريرهم محتوى الكشف القرآني. وأيضاً سهلت له معرفته باللغة العربية مناقشاته مع أصدقائه في بلاط الخلافة بما فيها المواضيع الدينية. والحال أن في هذه الحقبة التي كان فيها يوحنا قاطناً في دمشق، بدأ بعض من مواطنيه المسلمين في التساؤل عن حرية الاختيار وفي الجدال حول مسألة إنشاء القرآن؛ وهذه المحاولات الأولية هي التي ستصبح "لاهوتاً" جدلياً عرف بعلم الكلام في القرن التالي. وإضافة إلى معرفته الشخصية بالإسلام والمسلمين، هنالك الواقع الذي يؤكد بأن يوحنا كان لاهوتياً ذا عقيدة ثابتة والممثل الأصيل للأرثوذكسية الخلقدونية. وبالتالي، يعد هذان النصان بين أقدم الشهادات المعروفة لدى لاهوتي مسيحي بشأن الإسلام، وقد حررهما الشخص الأكثر كفؤاً في ذلك العصر، سواء في دقة معلوماته أم في مدى معرفته.
الحواشي
(1) عرب هذان النصان مع ما سبقهما من معلومات عن كتاب:
Jean DAMASCENE- Ecrits sur l'Islam-coll. Sources Chretiennes, n 383-cerf, 1992
فعلا لا اعرف كيف اشكرك اخينا المبارك حبيب
الرب يبارك حياتك على هذا العمل الرائع الذى قدمته لنا وكنت ابحث عنه منذ اكثر من عام ..
لكن لى رجاء /:
ارجو منك اخى الحبيب ان تقول لى كيفية ايجاد هذا الكتاب سواء مترجم ام لا حتى لو لينك على الانترنت فأنا فى حاجة ماسة له فهذا القديس العظيم هو موضع دراستى منذ عام تقربا واتمنى حقا ان اجد له اى كتاب او رساله .. فأنا لم اهثر له سوى على كتاب " المائة مقاله فى الايمان الارثوذكس" معرب وهو جزء من كتابه الشهير " ينبوع المعرفة" وكان يهمنى حقا ايجاد " الهرطقة المائة" التى تقدمت انت بمحبتك ووضعتها لنا لذا انا عاجزة عن شكرك اخى الحبيب
أخي ixos سلام ونعمة
هذا الكتاب غير متوفر في الأسواق إلا في لبنان... يمكنك شرائه من لبنان إن احببت... وحتى في لبنان غير متوفر بشكل جيد إذا ان الكتاب غير معروف من هو الناشر أو المترجم...
صلواتك
اخي العزيز كيف استطيع تحميل الكتاب
متابع .........