عظات لـ القديس لاون الكبير بابا رومية
الفهرس
- في صلاح المحبة
- الأيام بين قيامة الرب وصعوده
- الحكمة المسيحية
- لكل عمل أجرته
- المسيح الحي في كنيسته
- ينقي الإنسان نفسه بالصوم وبأعمال الرحمة
- خدمة المهمة الرسولية
- هو سر مصالحتنا
- الشريعة أعطيت عن يد موسى وأما النعمة والحق فقد أتيا عن يد يسوع المسيح
- أجعل شريعتي في بواطنهم
- أظهر الله مجده للعالم كله
- صليب المسيح هو ينبوع جميع البركات
- اعرف أيها المسيحي كرامتك
- حملتْه في روحها أولا قبل جسدها
- يا لقوة الصليب العجيبة يا لمجد الآلام الذي لا يوصف
- اعرف كرامة طبيعتك
- ميلاد الرب هو ميلاد السلام
رد: الأيام بين قيامة الرب وصعوده
(العظة الأولى في الصعود، 2-4 : PL 54، 395-396)
الأيام بين قيامة الرب وصعوده
لم تبق فارغة، أيّها الأحبّاء، تلك الأيّام التي انقضتْ بين قيامة الرّبّ وصعوده. بل ثبّتتْ فيها أسرار كبيرة، وكشفتْ فيها أسرار كثيرة.
فيها زال الخوف من الموت القاسي، وعرفْنا ليس فقط خلود النفس بل والجسد أيضا. فيها أرسل بفيض من الربّ الروح القدس إلى جميع الرسل. وبعد تسليم مفاتيح الملكوت، عهد إلى القديس بطرس الرسول من دون غيره في رعاية خراف الربّ.
في هذه الأيّام، انضمّ الربّ رفيق درب ثالث إلى التلميذيْن السائريْن إلى عماوس. وليبدّد كلّ ظلام شكوكنا، أخذ يؤنّب قلة الإيمان في هذيْن الخائفيْن والمرتعديْن. فدخل النور في قلبيْهما وأخذتْ شعلة الإيمان تتّقد. كانوا فاتريْن، ثم أخذا يزدادان اضطراما كلّما فسّر لهم الربّ الكتب. وعند كسر الخبز انفتحتْ أعين هذيْن الآكليْن. ولمّا انفتحتْ أعينهما وظهر لهما الربّ في مجد طبيعته البشريّة، فرحا، فكان نصيبهما أفضل من أبينا الأول، أبي جنسنا البشريّ، الذي غشيه العار بسبب معصيته.
ففي كلّ هذه المدّة، أيها الأحبّاء، التي انقضتْ بين القيامة والصعود، هذا ما اهتمّتْ به عناية الله، هذا ما علّمتْه، هذا ما أظهرتْه لعيونهم وقلوبهم، ليعرف يسوع المسيح حقّا: أنّه قام من بين الأموات، وأنّه ولد حقّا وتألّم ومات.
ولهذا فإنّ الرسل الطوباويّين وجميع التلاميذ الذين ارتعبوا من مصير الصليب وشكّوا في القيامة، قوّى الربّ إيمانهم بالحقيقة الساطعة. ولذلك، لمّا صعد الربّ إلى أعالي السماوات، لم يحزنوا بل امتللأوا فرحا عظيما.
وفي الحقيقة كان مصدر فرح عظيم لا يمكن وصفه، مشهد الطبيعة البشريّة، وقد أعطيتْ أمام جماعة الرسل المقدّسة كرامة تفوق الكائنات السماويّة: علتْ فوق رتب الملائكة، وارتفعتْ فوق رؤساء الملائكة، ولم تنلْ أسمى المخلوقات ما نالتْ من الرفعة. وبرضى الآب الأزليّ شاركتْه على عرش مجده، لأنّها كانتْ متّحدة به في الابن.
رد: عظات لـ القديس لاون الكبير بابا رومية
(العظة 92، 1 و2 و3: PL 54، 454-455)
لكل عمل أجرته
قال الربّ يسوع المسيح: "إنْ لم يزدْ برّكم على الكتبة والفرّيسيّين لا تدخلوا ملكوت السّماوات" (متى 5: 20). وكيف يزيد البرّ إن لم "تتغلّبْ الرحمة على الدينونة" (ر. يعقوب 2: 13)؟ وأيّ شيء أحقّ وأوجب من أن تتمثّل الخليقة بخالقها الذي خلقها على صورته ومثاله؟ أراد الله أن يكون إصلاح المؤمنين وقداستهم بمغفرة الخطايا، فإذا أزيلتْ شدّة الانتقام، وكفّ كلّ عذاب، أعيدت البرارة إلى الخاطئ، وكانتْ نهاية الآثام بداية للفضائل.
في هذا يمكن أن يزيد برّ المسيحيّ على برّ الكتبة والفرّيسيّين، إذا لم ينبذْ الشريعة، بل نبذ فهمها بحسب الجسد. ولهذا لمّا علّم الربّ التلاميذ كيف يصومون قال لهم: "إذا صمْتم فلا تعبّسوا كالمرائين، فإنّهم يكلّحون وجوههم، ليظهر للنّاس أنّهم صائمون. الحقّ أقول لكم إنّهم أخذوا أجرهم" (متى 6: 16). وما هو هذا الأجر سوى مديح الناس؟ ففي سبيل الحصول على هذا المديح يتظاهر البعض غالبا بالبرّ والتقوى، غير مبالين بالضمير، ويطلبون الشهرة على أساس من الباطل، مثل الخطيئة التي تعيش في الخفاء وتسرّ بالمديح الكاذب.
من أحبّ الله يكفيه أنّه يرضي من يحبّ. ولا يمكنه أن ينتظر مكافأة أكبر من المحبّة نفسها. لأنّ المحبّة من الله، بل الله نفسه هو محبّة. والنفس التقيّة العفيفة تفرح بامتلائها بهذا الحبّ، فلا ترغب في أيّ شيء سواه. وكلام الربّ حقّ كلّه حين قال: "حيث يكون كنزك يكون قلبك" (متى 6: 21). وما هو كنـز الإنسان إلا ما جمع من جهود وما جنى من ثمار؟ لأنه "إنّما يحصد الإنسان ما يزرع" (غلاطية 6: 7). وبحسب ما كان العمل تكون الأجرة. وحيث يجد الإنسان مسرّته يضع القلب همّه. وبما أنّ أنواع الغنى كثيرة وأسباب الفرح مختلفة، فكنـز كلّ واحد هو موضوع رغبته. فإن كانتْ رغبته في الأرضيّات فلن يجد فيها السعادة بل الشقاء.
وأمّا الذين يرغبون في الأعالي لا في الأرضيّات، ولا يضعون همّهم في ما يفنى، بل في ما يبقى ويدوم، فإنّهم يكدّسون لهم أموالا لا تفنى، وفيها قال النبي: "كنـزنا وخلاصنا قريب، وهو الحكمة والعلم ومخافة الله: هذه هي كنوز البرّ" (ر. أشعيا 33: 6). بهذه الكنوز، وبنعمة الله، حتى الأموال الأرضيّة تنقل إلى السماء، عندما يستخدم المؤمنون أموالهم التي ورثوها أو اكتسبوها بطرق أخرى كأداة لأعمال البرّ. فإذ يوزّعون على الفقراء ممّا أمكنهم أن يوفّروه فإنّهم يجمعون لهم أموالا لا تبلى، لأنّ ما وفّروه بالصّدقة لا يمكن أن يفقدوه بعد. وحقّا يكون قلبهم حيث يكون كنـزهم. وتكون سعادتهم الكبرى في العمل على زيادة مثل هذه الأموال التي لا خوف عليها من الزوال.
رد: المسيح الحي في كنيسته
(العظة 12 في الآلام 3، 6-7: PL 54، 355-357)
المسيح الحي في كنيسته
لا شكّ، أيّها الأحبّاء، في أنّ ابن الله اتّخذ الطبيعة البشريّة، فاتّحد بها اتّحادا صميما، وبذلك أصبح المسيح نفسه موجودا ليس فقط في الإنسان الذي هو بكر الخليقة كلّها، بل وفي جميع القدّيسين أيضا. وكما أنّ الرأس لا ينفصل عن الأعضاء، كذلك لا تنفصل الأعضاء عن الرأس.
ومع أنّ حياته لا تقاس بهذا الزمن، بل هي أبديّة، لأنّه الله، وهو كلّ شيء في الكلّ، إلا أنّه منذ الآن مقيم من غير انفصال في هيكله الذي هو الكنيسة، بحسب وعده: "هاءنذا معكم طوال الأيّام إلى نهاية العالم" (متى 28: 20).
فكلّ ما صنع وعلّم ابن الله من أجل مصالحة العالم ليس أمرا نعرفه فقط من التاريخ الماضي، بل نشعر به اليوم أيضا بقوّة أعماله الحاضرة.
هو الذي ولد بقوّة الروح القدس من مريم العذراء، والذي يجعل كنيسته الطاهرة خصبة بالروح نفسه، فتلد بالمعموديّة جمهور أبناء الله الذي لا يحصى، والذين قيل فيهم: "الّذين لا من دم، ولا من رغبة لحم، ولا من رغبة رجل، بل من الله ولدوا" (يوحنا 1: 13).
هو الذي فيه يتبارك نسل إبراهيم الذي يشمل العالم كلّه. وهو أبو جميع الأمم، بما أنّ أبناء الوعد لا يولدون بحسب الجسد بل بحسب الإيمان.
هو الذي لا يستثني أمّة من الأمم، فيجعل من كلّ أمّة تحت السماء قطيعا واحدا مقدّسا يشمل جميع الخراف. وهو يتمّم كلّ يوم ما وعد به حيث قال: "ولي خراف أخرى ليستْ من هذه الحظيرة، فتلك أيضا لا بدّ لي أن أقودها، وستصغي إلى صوتي، فتكون هناك رعيّة واحدة وراع واحد" (يوحنا 10: 16).
ومع أنّه قال للقديس بطرس خاصّة: "ارع خرافي" (يوحنا 21: 17)، فإنّ الربّ الواحد هو الذي يرعى خدمة جميع الرعاة، ويغذّي في المراعي النضرة والمرويّة جميع الخراف المقبلة إلى الصخرة. فتتقوّى الخراف العديدة المسمّنة بقوّة المحبّة. وكما أنّ الراعي الصالح تنازل فبذل نفسه في سبيل خرافه، كذلك لا تتردّد هي أن تبذل نفسها في سبيل راعيها.
هو الذي تشارك في آلامه ليس فقط جماعة الشهداء الممجّدين، بل وإيمان جميع المولودين منذ لحظة ولادتهم.
لهذا يحتفل بحسب الشريعة بفصح الربّ بفطير الصدق والحقيقة، وينبذ خمير الخطيئة القديمة، فتنتشي الخليقة الجديدة بالربّ نفسه وفيه تجد غذاءها.
وما ينجم عن المشاركة في جسد المسيح ودمه هو أنّنا نتحوّل إلى ما نأخذه ونتغذّى به. فنحمله في كلّ شيء وفي كلّ مكان، في روحنا وفي جسدنا، وهو الذي متْنا ودفنّا وقمْنا معه.
رد: ينقي الإنسان نفسه بالصوم وبأعمال الرحمة
(العظة 6 في الصوم، 1- 2: PL 54، 285- 287)
ينقي الإنسان نفسه بالصوم وبأعمال الرحمة
أيها الأحباء، إن "الأرض ممتلئة دائما برحمة الرب" (ر. مزمور 32: 5). فالطبيعة نفسها تعلم كل واحد عبادة الله، إذ إن السماء والأرض والبحر وكل ما فيها يشيد بصلاح الله وبقدرته. والجمال العجيب في العناصر المسخرة لخدمتنا يفرض على الخليقة العاقلة شكرا واجبا لله.
وبما أننا أقبلْنا على هذه الأيام التي تشير بنوع خاص إلى أسرار التكفير وتوبة الإنسان، وهي الأيام التي تسبق عيد الفصح، يجب علينا أن نستعد بجهد خاص لتطهير أنفسنا أمام الله.
يتميز الاحتفال الفصحي بأن الكنيسة كلها تنال فيه مغفرة الخطايا. ولا توهب المغفرة فقط لمن ولدوا ولادة ثانية في المعمودية المقدسة، بل وأيضا لهؤلاء الذين عدوا منذ القدم بين أبناء التبني.
هي المعمودية التي تجدد الإنسان بصورة خاصة. ومع ذلك فعلى الجميع أن يسعوْا في تجديد أنفسهم في كل يوم ليزيلوا عنهم صدأ الموت. وفي المسيرة نحو الكمال لا يوجد أحد إلا ويمكنه أن يكون أفضل مما هو عليه. ولهذا لا بد من مواصلة السعي والاجتهاد حتى لا يبقى أحد في يوم الفداء منغمسا في رذائله القديمة.
أيها الأحباء، ما يعمله المسيحي في كل حين، يجب أن يعمله في هذه الأيام بعناية وتقوى فائقة، فيحافظ على أيام الصوم التي تعود إلى الرسل، ولا يقلل من الطعام فقط بل يمتنع بصورة خاصة عن الرذائل.
وأعمال الرحمة أفضل عمل يمكن أن يضاف إلى أعمال الصوم الحكيمة والمقدسة. وتشمل لفظة الرحمة أعمالا تقوية عديدة وجديرة كلها بالثناء: فبها يتساوى جميع المؤمنين، وإن كانوا في إمكاناتهم وأموالهم غير متساوين.
المحبة الواجبة لله وللناس معا، لا يحول دونها أي مانع، بحيث إن المؤمن هو دائما حر للقيام بما توصي. قال الملائكة: "المجد لله في العلى، والسلام في الأرض، للناس أهل رضاه" (لوقا 2: 14). فالسعادة هي بأعمال الرحمة وبالسلام. وسعيد هو كل من يرحم ويخفف من ألم أي إنسان يعاني من أي نوع من الشقاء.
كثيرة هي أعمال البر، وبتنوعها تمكن جميع المسيحيين الحقيقيين من الإسهام في توزيع الصدقات، فلا يتصدق الأغنياء والموسرون فقط، بل وأهل الوسط والفقراء أيضا. ومن لم يكونوا متساوين بالمقدرة على السخاء يتساوون أقله بمشاعر المحبة في النفس.
رد: عظات لـ القديس لاون الكبير بابا رومية
(الرسالة 28 الى فلافيانوس 3-4: PL 54، 763-767)
هو سر مصالحتنا
تنازل الجلال فظهر في تواضعنا، والقوي أخذ ضعفنا، والخالد أخذ طبيعتنا المائتة. ولكي يؤدى الثمن المفروض على طبيعتنا الخاطئة، اتحدت الطبيعة التي لا يمسها تبديل أو ضعف بطبيعتنا الخاضعة للآلام. وقدم العلاج المناسب لنا، وهو الوسيط الوحيد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح نفسه، الذي من حيث إنه إنسان استطاع أن يموت، ومن حيث إنه إله لم يكن للموت عليه من سلطان.
إله حق وإنسان حق ، ولد واتخذ طبيعة الإنسان بتمامها وكمالها. كامل فيما هو لله وكامل فيما هو لنا. وما هو لنا هو طبيعتنا البشرية التي منحنا إياها الخالق منذ البدء، والتي تعهد بإصلاحها.
كل ما أحدثه فيها إبليس المخادع، وكل ما قبل الإنسان المخدوع في ذاته، لم يكنْ له أثر في المخلص. وهو لما شاركنا في ضعفنا البشري، لم يصبحْ بذلك شريكا في آثامنا.
اتخذ صورة العبد، ولم يتخذْ وصمة الخطيئة: رفع الإنسان ولم يحط من قدر الله. لأن ذاك التفاني الذي غدا به غير المنظور منظورا، والذي به أراد الخالق وسيد كل الخليقة أن يكون واحدا منا نحن الخاضعين للموت، كان تنازل رحمة لا عجز من حيث القدرة. ومن ثم، الذي خلق الإنسان وهو في صورة الله، هو نفسه صار إنسانا في صورة العبد.
دخل إذا ابن الله في ضعة هذا العالم، منحدرا من عرشه السماوي، من غير أن ينقطع عن مجد الآب، حين ولد بحسب نظام جديد وولادة جديدة.
نقول "نظام جديد"، لأنه أصبح غير منظور من حيث إنه إله، ومنظورا من حيث إنه إنسان. لا يدركه العقل، وتدركه العيون. قديم قبل الزمن، وصار له بداية في الزمن. سيد الكل، واتخذ صورة العبد، وحجب عن الأنظار عظمة جلاله. إله فوق كل ألم، ولم يأنفْ أن يكون إنسانا قابلا للألم. ومع كونه خالدا خضع لشريعة الموت.
إله حق وإنسان حق، ولا انتقاص في هذه الوحدة، لأنهما متماسكان معا، أي تواضع الإنسان ورفعة اللاهوت.
فكما أن الرحمة في الله لا تحدث تبديلا في طبيعته الإلهية، كذلك كرامة اللاهوت في الإنسان لا تذيب طبيعته البشرية. يعمل بحسب كل طبيعة، مع مشاركة الطبيعة الأخرى في ما هو خاص بكل منهما: يعمل الكلمة بحسب ما يناسب الكلمة، ويعمل الجسد بحسب ما يناسب الجسد.
تسطع إحداهما بالآيات، وتثقل الأخرى بالإهانات. وكما أن الكلمة لم يكف عن أن يكون مساويا للآب، كذلك لا يتوقف لحظة عن أن يكون إنسانا بكامل طبيعة جنسنا البشري.
والقول الذي يجب أن يقال دائما هو هو نفسه، وهو قول واحد: إنه ابن الله حقا وابن الإنسان حقا. الله من حيث إن الكلمة كان منذ البدء، والكلمة كان لدى الله، والكلمة كان الله. وإنسان من حيث إن الكلمة صار بشرا وسكن بيننا (يوحنا 1: 1 و14).
(راجع طومس لاون على الرابط التالي http://web.orthodoxonline.org/librar...il_and_Leo.htm
و اقنوم واحد في طبيعتين (في فكر الآباء) على الرابط التالي http://habib.orthodoxonline.org/?p=159)
رد: الشريعة أعطيت عن يد موسى وأما النعمة والحق فقد أتيا عن يد يسوع المسيح
(العظة 51، 3-4 و8: PL 54، 310-311 و313)
الشريعة أعطيت عن يد موسى
وأما النعمة والحق فقد أتيا عن يد يسوع المسيح
كشف الله عن مجده أمام شهود مختارين، فتألق جسده الشبيه بكل جسد، حتى صار وجهه ساطعا مثل النور وثيابه بيضاء مثل الثلج.
كان الهدف الرئيسي من التجلي إزالة الشك من قلوب التلاميذ بسبب الصليب. فبعد مشاهدتهم جلال كرامة المسيح المخفية لن يضطرب إيمانهم عندما يرون مذلة الآلام التي سيتحملها طوعا.
وبتدبير إلهي ليس أقل شأنا كان ذلك تثبيتا لرجاء الكنيسة، إذ يعي جسد المسيح كله أي تبدل سيجرى فيه، ويترجى جميع أعضاء الجسد المشاركة في المجد الذي تجلى في الرأس.
وفي هذا قال الرب نفسه، لما تكلم على مجيئه في العزة والجلال: "والصديقون يشعون حينئذ كالشمس في ملكوت أبيهم" (متى 13: 43). وقد أكد ذلك الطوباوي بولس حين قال: "أرى أن آلام الزمن الحاضر لا تعادل المجد الذي سيتجلى فينا" (روما 8: 18). وقال أيضا: "لأنكم قد متم وحياتكم محتجبةٌ مع المسيح في الله. فإذا ظهر المسيح الذي هو حياتكم، تظهرون أنتم أيضا عندئذ معه" (قولوسي 3: 3 و4).
وقد بين للرسل في هذه الآية تعليما آخر، ليثبتهم وليزودهم بمعرفة أكمل.
فقد ظهر موسى وإيليا، أي الشريعة والأنبياء، يكلمان الرب، فتم حقا بحضور هؤلاء الرجال الخمسة ما قيل في الإنجيل: أن "يحكم في كل قضية بناء على كلام شاهديْن أو ثلاثة" (متى 18: 16).
وأي كلام أثبت وأقوى من الكلام الذي يتفق فيه العهد القديم والجديد، والذي فيه تؤيد العهود القديمة تعليم الإنجيل.
نعم، لقد اتفقتْ أقوال العهد القديم والجديد. فما تم الوعد به تحت غطاء الأسرار أظهره جليا ساطعا نور المجد الذي ظهر في التجلي، وصح ما قاله الطوباوي يوحنا: "الشريعة أعطيتْ عن يد موسى، وأما النعمة والحق فقد أتيا عن يد يسوع المسيح" (يوحنا 1: 17). به تمتْ وعودٌ تنبأ بها الأنبياء بالصور والرموز، وتعاليم الشريعة، لأنه علم النبوة الحقيقية لما حضر، وبالنعمة جعل العمل بالوصايا أمرا ممكنا.
فلْيثبتْ إذا إيمان الجميع بحسب تعليم الإنجيل المقدس، ولا يخجلْ أحدٌ بصليب المسيح الذي به فدى العالم.
ولا يخفْ أحدٌ أن يتألم من أجل البر، ولا يشك في الوعود المقبلة، لأن المؤمن يعبر من التعب إلى الراحة، ومن الموت إلى الحياة. وبما أنه تحمل كل ضعف في جسدنا الوضيع، إذا ثبتْنا نحن في الاعتراف به وفي محبته انتصرْنا بنصره وقبلْنا كل ما وعد به.
فحتى نكون قادرين على تتميم الوصايا، والصبر على الآلام، يجب أن يصدح دوما في مسامعنا صوت الآب القائل: "هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيْت،، فله اسمعوا" (متى 17: 5).