الرؤية الرعوية واللاهوتية
الرؤية الرعوية واللاهوتية
في تعاليم القديس يوحنا ذهبي الفم (1)
يُعد القديس يوحنا ذهبي الفم وبحق النموذج المشرق للراعي الروحي الصالح " والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف". فقد كان لعمله الرعوي صدى واضحًا في أرجاء واسعة من المسكونة، ولم تكن هناك على الإطلاق فجوة بين تعاليمه النظرية وحياته العملية. وقد توجّه بعمله الرعوي هذا لكل طبقات المجتمع، ولم يترك أي جانب من جوانب الحياة الاجتماعية، إلاّ وتناوله في تعاليمه. وفي محاولاته لإعادة صياغة المجتمع وتجديده، نجده يبدأ من الأبناء وينصح الوالدين ويوجههم إلى نوعية الطعام الروحي الذي ينبغي تقديمه للأبناء. ولذلك نجد أن نيقوديموس الآثوسي يتساءل ممتدحًا القديس يوحنا ذهبي الفم، بماذا ندعو كاهن الكنيسة ومُعلّمها يوحنا، هل ندعوه الكنيسة؟ بالطبع يجب أن ندعوه هكذا، طالما أن مكانته تُعد أعلى من كهنة ومعلمي الكنيسة كافة. ويقول إننا نستطيع أن ندعوه:
1 ـ ملاكًا؛ لأنه بالحقيقة قد عاش حياة مُماثلة لحياة الملائكة كما أنه عاش في نسك مستمر، في صلوات، في سهر روحي، وفي أعمال الرحمة التي لم تنقطع.
2 ـ رسولاً؛ إذ أنه من خلال تعاليمه الرسولية، حمل الإيمان المسيحي لشعوب وثنية، وتمكن من جذبهم للإيمان بالمسيح. ووصل عمله التبشيري إلى أقاصي المسكونة وصل إلى كليكيا (kilik…a)، فينقيا (foin…kh)، العربية (Arab…a)، إيران (pers…a)، أثيوبيا، بيثنيا (Biqun…a)، بنطس (pÒntoς)، سكيثس (SkÚqej) الخ.
3 ـ نبيًا؛ لأنه تنبأ في مرات كثيرة بأمور مختلفة.
4 ـ شهيدًا؛ إذ أنه عانى الآلام قبل استشهاده، وهو في طريقه إلى المنفى سواء من الجنود المرافقين له أو من هجوم الأساقفة غير المستقيمين.
5 ـ ندعوه العجائبي؛ بعدما أظهر رفاته الكثير من المعجزات، حتى دُعي "يوحنا العجائبي".
6 ـ الرحيم؛ وقد دُعي بهذه الصفة بسبب أحشاء الرأفة التي كان يحملها، ومحبته الغنيّة للفقراء، ولهذا سمى "يوحنا الرحيم".
7 ـ الكارز بالتوبة؛ إذ أن حديثه كان من القوة، ليجذب كل خاطئ يسمعه، إلى التوبة.
8 ـ الخطيب البليغ؛ إذ أن قدرته الخطابية كانت تتجاوز كل المعلّمين الكنسيين المعروفين في زمانه.
9 ـ أخيرًا المفسر للكتب المقدسة؛ لأنه قام بتفسير الكثير من أسفار العهدين القديم والجديد ورسائل ق. بولس، ولهذا وصف بأنه "فم المسيح وفم بولس".
وبسبب نشاطه المتنوع، وكتاباته الغزيرة، فقد نال الكثير من الألقاب سواء من معاصريه، أو من الذين أتوا بعده. فقد كان وبحق وباعتراف عام شخصية متفردة لا تتكرر، أنار الجميع بتعاليمه، فصار بمثابة مُعلّم للمسكونة.
وبحسب رأى أينوكآنديوس (innokšntioj)، بابا روما، والمعاصر لذهبي الفم، هو "مُعلّم المسكونة الكبير". وبحسب المؤرخ ثيئودوريت أسقف كورش، هو "فم الكنيسة وعين الناس النقية"، أيضًا هو "يوحنا المعمدان الجديد". وبحسب سمعان المترجم هو "رجل الله الحقيقي والمبشر الحقيقي بالتوبة"، وبحسب إيسيذورس الفرمي هو "حكمة الله السرية" وبحسب نيقوديموس الآثوسي هو "معلّم المعلّمين".
ويعد ق. يوحنا ذهبي الفم هو أكثر الآباء إنتاجًا في كتاباته التي تتسم بالتنوع في موضوعاتها والعمق في محتواها، تتميز أيضًا بالبساطة والوضوح. لقد أدرك احتياجات النفس الإنسانية، ولهذا فإن عظاته كانت تتلامس مع هذه النفوس، وكان لها تأثير إيجابي على الرعية، وأتت بثمار كثيرة، ظهرت في تحويل الكثيرين من الخطاة للتوبة، ورجوع الكثيرين من الوثنيين للإيمان. ويعتبر ق. ذهبي الفم من أعظم رجال الإنسانية، بالإضافة إلى أنه واحد من أهم آباء الكنيسة. وهو الذي لم يتراجع قط عن مواقفه في الحق، وظل أمينًا لمبادئه وواجبه، وشاهدًا للحقيقة حتى المنتهى.
وبسبب غيرته في الحق لم يتردد أن يواجه المخطئين سواء كانوا من الحكام، أم كانوا من القائمين على رعاية الشعب من أساقفة وكهنة، وهذا الصدام كلّفه الكثير، ليس فقط استبعاده عن كرسي رئاسة الأسقفية، بل ونفيه، ومن منفاه انتقل إلى ملكوت السموات.
وقد اتصفت كتاباته الغزيرة والثرية بحسب المنظور الكنسي، بالطابع الرعوي التبشيري، وهذا يرجع إلى المشكلات الاجتماعية الحادة التي كان يتسم بها مجتمعه في ذلك العصر. وكان لأحاديثه مذاقة خاصة، نتيجة لخبراته الشخصية المرتبطة بأهمية الإيمان المسيحي بالنسبة للحياة الروحية لكل مؤمن وللشعب بشكل عام، الأمر الذي كان يُشكّل له السلاح الأساسي الذي كان يستخدمه لحل مثل هذه المشكلات الإنسانية والأخلاقية التي سادت تلك الفترة. هكذا نجده في تفسيره لإنجيل يوحنا يُركّز على هذا التوجه، قائلاً: " نحن دائمًا في احتياج للإيمان، لأن الإيمان هو مصدر الخيرات ودواء الخلاص وبدونه لا نستطيع أن نفهم التعاليم العقائدية ".
ومن أجل هذا نجده يتوجه إلى الكهنة في سلسلة عظات باعتبارهم مسئولين مسئولية مباشرة عن الرعية ونموها في الحياة الروحية. ويُشدد في هذه العظات على الرسالة الروحية للكاهن وعلى مسئوليته الشخصية تجاه المؤمنين. وهذا نابع من رؤية القديس يوحنا ذهبي الفم للكنيسة، حيث يرى أن رسالتها تتحدد في هذا الإطار، أي في تتميم خلاص المؤمنين، والكهنة هم المعنيون بذلك، بل أن الهدف الرئيسي من وراء خدمتهم هو تحقيق هذا الأمر. ويرى أن خدمة الكهنوت أعطيت من الله "كموهبة إلهية"، ولهذا فهي أهم وأكرم من كل المناصب الأرضية. وعلى الرغم من أنها تمارس على الأرض فإن نتائجها تعبر إلى السموات، وهذه خدمة تليق بالملائكة. ولهذا وُصفت الرتبة الكهنوتية "بالملائكية"، طالما أن الكهنوت يُمارس على الأرض، لكنه مرتبط "بنظام السمائيين". وهذا أمر طبيعي ومنطقي، إذ أن الكهنوت، كما يقول ق. يوحنا ذهبي الفم " لم يؤسسه إنسان ولا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا أي قوة أخرى مخلوقة، لكنه المعزي الروح القدس نفسه، هو الذي جعله هكذا، حتى يبدو وكأنه يُمارس من ملائكة، على الرغم أنه يمارس من بشر ". هكذا فإن العظات التعليمية التي يقدمها الكهنة لها دور هام جدًا في إنارة أذهان أعضاء الكنيسة، أي المؤمنين بحقائق الإيمان المسيحي، وأيضًا في مواجهة الهراطقة، وهى تُشكّل حائط صد ضد تعاليمهم المنحرفة. ويشبه القديس يوحنا ذهبي الفم الكاهن بالفلاح الذي يزرع باستمرار وينتظر طويلاً حتى يجني حصاده، ويشبهه بالنهر الذي يُنعش النفوس ويجعلها تُثمر باستمرار، وبالطبيب والذي بأدوية كلمته المناسبة يشفي مؤمنين كثيرين، وأخيرًا يُشبهه بالنحلة التي تستقي من الكتاب رحيق الحقائق الإلهية وتعطي عسلاً لنفوس المؤمنين. ويعتبر ق. يوحنا ذهبي الفم أن عمل الرحمة نحو الفقراء هو من المواهب الأساسية للخدمة الكهنوتية، أي رعاية الفقراء والمتألمين، والمتروكين، وبشكل عام كل من ليس لهم أحد يسأل عنهم. وكان ق. يوحنا ذهبي الفم نفسه يرعى 3000 فقير يوميًا في مدينة أنطاكية، و 7000 فقير في مدينة القسطنطينية، وبالطبع ساعده عدد من الكهنة والشمامسة ممن كانوا قائمين على هذا العمل الضخم، أيضًا أسس مضيفة للغرباء، ومستشفى لرعاية المرضى، وكان يقوم بترتيب زيارات للسجناء يومي الأربعاء والجمعة من كل أسبوع، كما أنه حرر الكثيرين من الأسرى والسجناء. لقد كرز ق. يوحنا ذهبي الفم، دون انقطاع، بأهمية عمل الرحمة تجاه المحتاجين، حتى أنه دُعيَ بيوحنا الرحيم. وكان يعتبر أن التبشير بعمل الرحمة للفقراء والمحتاجين هو عمل يُمليه عليه ضميره، وهو أيضًا رسالة روحية ينبغي تتميمها. ويصف هذه الخدمة بأنها:
1 ـ عمل 2 ـ فضيلة 3 ـ سر
ولم يتردد أن يعتبر عمل الرحمة أسمى من البتولية، ومن الشهادة، ويشبه من يُقدمه بالكاهن، فهو يرتدي ثوب الوداعة وهو مكرس لله مثل الكاهن. ولديه أيضًا مذبح لكن ليس من حجر، لكن مذبحه هو نفوس المؤمنين هناك حيث يسكن المسيح. ويؤكد ق. يوحنا ذهبي الفم على أن واجب ممارسة أعمال الرحمة هو أمر ملزم للجميع، للأغنياء وللذين يمتلكون القليل. وعندما ادعى البعض أن الكثيرين من الفقراء يطلبون الكثير على الرغم من أنهم ليس لهم احتياج حقيقي لذلك، أجاب بأن حينما يتوفر للإنسان الاحتياجات الضرورية فإنه لا يكون قد وصل إلى حالة الفقر الحقيقي]. وفي رده على تساءل البعض أن الكثيرين من الفقراء، بينما هم أصحاء جسديًا، لا يعملون، يقول أخبرني هل كل ما تملكه قد آل إليك من العمل، أم عن طريق الوراثة؟ بل حتى وإن كنت تعمل وتحقق دخلاً، فيجب ألاّ تُغيّر موقفك من الآخر؟ هكذا يؤكد أن ميناء الرحمة ينبغي أن يظل مضيئًا، على مثال ما كان يفعله المسيح تجاه الخطاة وكل من له احتياج. فمن ناحية يجب على الفقير أن يكون أمينًا ومُمتّن، ومن ناحية أخرى على الغني أن يُقدم عمل الرحمة دون تمييز. إن عمل المحبة قد أخذ أبعادًا جديدة بعد أن طابق المسيح نفسه بالفقير. في هذه الحالة على الرغم من أن عمل الرحمة يُقدم على الأرض، فإنه يصير أداة تواصل مع الله، إذ يستجيب الإنسان للمحبة الإلهية تجاه البشر، ويتمثل بمحبة المسيح على قدر الإمكان. ويعدد القديس يوحنا ذهبي الفم أعمال الرحمة، بحسب قول الرب في (مت35:25ـ36) " لأني جعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. كنت غريبًا فآويتموني. عريانًا فكسوتموني. مريضًا فزرتموني. محبوسًا فأتيتم إليّ " وحين يشير ق. ذهبي الفم إلى الإحسان وعمل الرحمة فإنه ينصح ألاّ يكون هذا كواجب، بل كوصية إنجيلية. ويضع في اعتباره الضعف الإنساني أيضًا، لكنه يُضيف أن ذاك الذي يقدم من فضلاته، سيأخذ من الله فضلات، بينما الذي يُقدم كل شيء، سيأخذ من الله بوفرة. ويرى ق. يوحنا ذهبي الفم أن هناك شروط محددة لمن يُريد أن يقدم عمل الرحمة وهى:
1ـ أن يُمارس ذلك العمل باستقامة وحيوية، فالمال الذي يُحصل عليه بالظلم لا يصلح أن يكون وسيلة لعمل الرحمة، بل هو عدم أمانة أمام الله. وحينها سيكون من الأفضل ألا يتم عمل الرحمة في هذه الحالة حتى وإن كان الفقير في حالة عوز شديد.
2ـ لا ينبغي أن يُقدم عمل الرحمة بضيق وتأفف، فعندما تعطي يجب أن يكون العطاء بسخاء وحين تقدم شيئًا فلا تظن أنك تعطي، لكنك في الحقيقة تأخذ.
3ـ ينبغي أن يُقدم عمل الرحمة بلا إهانة أو مذلة، لأن في هذا قسوة شديدة، فبدلاً من أن تخفف ألمه، تضيف إليه ألمًا، ومن يُمارس عمل الرحمة بهذه الطريقة، سيفقد مكافأته من الله.
إن عمل الرحمة كما يراه ق. يوحنا ذهبي الفم لا ينحصر في الالتزام الذي ينبغي تتميمه، لكنه في الحقيقة مصدر نفع وخيرات للجميع، سواء لمن يقدم، أو لمن يستفيد من التقدمة. إذًا فكل من يعطي أهمية خاصة لعمل الرحمة، سيحصد منفعة روحية، إذ يربح اسمًا حسنًا بين الفقراء، ويتمتع بحب وقبول عام. عدا ذلك فسيكون من يقدم عمل الرحمة قد عرف كيف يوظف الخيرات المادية في مكانها الصحيح. إنه عمل يؤدي لغفران الخطايا، ويقود لملكوت الله. وهذا العمل لا يقود لتنقية النفس فقط، بل أنه يُعيد ميلادها، ويعطيها جمالها الأول. ودون أن يقلل ق. ذهبي الفم من الطرق الأخرى التي تقود للكمال؛ يلاحظ وهو يعلق على موضوع الدينونة الأخيرة أن البركة التي تُعطى لمَن عاش حياة العفة، لن تُعطى له إن كان لم يسع إلى خدمة المسيح في شخص الفقير، وأن الزاني، أو الحاسد، أو الثَمِل، أو الهرطوقي لن يُدان عما ارتكبه فقط من شرور، بل إن الإدانة ستقع عليه لأنه تجاهل مساعدة المسيح في شخص المحتاج. ولذلك نجده يؤكد دومًا على هذه الحقيقة في كل عظاته، وهى أن ملكوت الله يُستعلن فقط لمن عاش بالمحبة تجاه الآخر الذي هو على صورة الله ومثاله. وفي تفسيره لرسالة رومية، يتوجه نحو المؤمنين قائلاً: "دعونا نُبطل الفقر في هؤلاء المحتاجين حتى ولو أنهم مازالوا يفعلون الشرور، وليتنا لا نفحص الأمر بالتفصيل. لأننا نحن أيضًا نحتاج لمحبة الله وحنوه، فخلاصنا مرتبط بمحبتنا للآخر. فمهما كان مقدار السخاء الذي نُظهره نحو الآخر، فإننا لا نستطيع أن نقدم محبة للغير تماثل تلك التي نحتاجها نحن من الله محب البشر. لأنك حين تدقق وتفحص حالة مَن هو في احتياج شديد، فإنك تصير غير مستحق لمحبة الله. لأنك حين تضع هذا مع مَن هم شركائك في الإنسانية، ستجد أن الله يضع هذا معك أيضًا".