هذه كلمات قرأتها وشدتني كثيراً وأحببت أن أشارككم بها
نار الفضائل
في ظلمات الدهر وبين أعماق الضجة العامرة بالمصائب نقف كشهود، لنخدم إما إلهاً يصرخ إلينا أن نأتي إليه، يفرح ويبتهج بكل عائد تائب إلى أحضانه التي تسع الكل كائن من كان. وإما نزوات وأهواء تجعل منا عبيداً لحسود كذاب.
فترانا نتوه ونتوه وراء أهواء نبتدعها وتبدعها لنا الحياة، وتلونها لنا بأشكال متعددة، بحرية زائفة، وحب نفعي، ورجاء باطل، وإيمان متأرجح وغير ذلك.
فالمحبة إن كانت نفعية ليست بصالحة. فالحب كما علمنا إياه الرب هو حب ذبيح على الصليب. هو محبة تعطي ولا تطلب ما لنفسها شيئاً. هي محبة تذبح لأجل حب القريب. فإن خفتت هذه المحبة فلنشعلها نحن سويةً بقلوبنا. فإن لم تحترق أنت ولم أحترق أنا في هذا العالم فمن أين سيخرج النور.
وماذا أخبركم عن السلام الداخلي، الذي نطلبه من ذبيحة الصليب. فإن تشعر بسلام داخلي مصدره الرب، هذا ليس أمراً ثانوياً كما يعتقد البعض وإنما هو غاية المسيحية في بعدها الأخير. فلا حياة مسيحية بدون روح قدس يهب فيها فيشعل فيها نار السلام فتدفئ دواخلنا، وتهدئ من روع نفوسنا، فنرى بها الرب، ونكون هنيئين كوننا نعاين الرب في دواخلنا، فطوبى لمن يشعل نار السلام فإنه لله ابنٌ حبيب وأمين، وله قد أعد ما لم تره عين ولم تسمع به أذن.
والسلام قائم على إيمان بإن الرب قادر على نشلنا من مشاكلنا وإن بدت كبيرةً وعظيمةً. فهو القائل "تعالوا إلي يا جميع المتعبين وثقيلي الأحمال وأنا وحدي راحتكم، فلا هناء لكم إلا بي. فلنهزأنّ إذاً سويةً بالمشاكل التي تظن نفسها أنها قادرة علينا. فلا نقل كسائر الناس "يا الله ما أكبر مشكلتي" بل لنقل بكل ثقة "يا أيتها المشكلة ما أعظم إلهي". بهذا الإيمان نستطيع أن نفعل كل شيء بالمسيح الذي يقوينا.
وفي عهد السعي وراء نزوات وشهوات، يبرز اليأس كحل مريح لا هم فيه. فهو يخدر نفوسنا ليجعلها باردةً فتنسى أن لها رجاءً ليس من بعده رجاء. يمدنا بيد المعونة إن صرخنا صرخة العشار "اللهم ارحمني".فاليأس هو سلاح الشرير الخبيث، ليجعلنا عبيداً له أذلاء، لا نقوى على شيء سوى التأوه والندب. فلا نندبن كسائر الناس الذين لا رجاء لهم، بل لنصرخ صرخاتنا في وجه كل مصيبة، أننا نرجو الله. والله هو العليم بما نحتاجه ولنا في ذلك ثقة كبيرة. ولنشعل أيضاً سوية نار الرجاء في قلوبنا، ولنعتبر أنفسنا في وسط الجحيم ولكن لا نيأسن من رحمة الرب.
فهيا بنا سوية نخلق فينا نار الفضائل، ولنتدربن على ذلك من الآن. حتى إذا ما اشتعلت فينا النار تتحول إلى نورٍ في الظلمة يضيء، ونكون بذلك شهوداً لله العلي في كل آن وزمان، وفي كل ظرف واضطهاد. أنتم النور فأوقدوه عالياً حتى يضيء لمن هم بحاجة.
الأب باسيليوس نصار
