الله والشر حسب أنافورة القديس باسيليوس الكبير
[FRAME="4 90"]
مستوحى من كتاب:BASIL DE CESAREE TRADUIT PAR MARIE CLAUDE ROSSET, LES PERS DANS LA FOI, MIGNE , PARIS , 1997.
مقدمة:
لا بد قبل الإطلاع على فكرة الله والشر الموجودة في انافورة القديس باسيليوس الكبير، وتحديدًا في القسم الثاني من الانافورة، من أخذ فكرة عامة عن الفكر اليوناني الذي قد تأثر به قديسنا.
فالرواقيون قالوا بأن الله هو جيد BIEN، أما الشر فهو ضروري لتناغم العالم. أما أفلاطون فقال: " الله هو ضرورة جيدة".
بالنسبة إلى أفلوطين " الشر لا يوجد في الفلك المعقول ( المُدرَك بالعقل وليس بالحواس) ، ولكنه يوجد في خارج العالم العقلي ، في العالم الحسي.
إن السبب الذي دفع الأفلاطونية الحديثة كما عند المسيحيين لأخذ فكرة الشر أهميةً كان تحت ضغط المانويين.
إعتقد أوريجنوس بأن الله خلق في بدء العالم أرواحاً ، أو عقّالاً مساويين ومتشابهين ولكنهم أحرار قابلين للتغير.
بالنسبة إلى الفيلسوف بروكلس،(لقرن الخامس)، وجود الشر ليس وجود كائن، ولكنه يعبر عن نقص في الخليقة. هو الأول الذي إستطاع أن يعطي جواباً فلسفياً مسيحياً ، منسّق عن مشكلة الشر." الشر هو غياب الخير بكل بساطة".
قبله عرض إيريناوس لهذه المشكلة بطريقة هامشية ، بدفاعه ضد الغنوصيين ، ولكنه عرضه بطريقة منهجية.
بالنسبة إلى القديس باسيليوس الكبير كان همه أن يثبت أن الله ليس مسؤوًلا عن الشر،كما يشير العنوان التالي لمؤلفه:" الله ليس مخترع المصائب". الشر ليس له حقيقة وجودية، إنه ليس إلا غياب الخير.
وعى باسيليوس خطر المانويين . فقال بأن الشر ليس إلهاً ، وليس أبدياً ، كما دافع ماني ، وحتى ليس مخلوقاً.
من المهم أن نعرف بأن الشيطان " أنه يمتلك حياة مختصة LIBRE ARBITRE، بحرية الإختيار ، يملك القدرة بالبقاء بخدمة الله ، بالإبتعاد عن الخير".فسقط الإنسان بغواية الحية.فسقوطه ليس إلا إستتباع، لا نتيجة السقوط الأول للملاك، أي الشيطان.
باسيليوس أخذ من اوريجنوس الصورة الأفلاطونية لسقوط النفس، فقال: " الخروج من الخير ليس هو شيئا آخر سوى الوجود القائم في الشر. وهو يكبر عندما يبتعد شخص عن الخير ، عند نفس القياس الذي يعيشه في الشر".
لقد فعل الأفلاطونيون من هذا السقوط أصل العالم الحسي.بينما باسيليوس أعطى للسقوط تفسيراً مسيحياً.
نجد هذه الفكرة في أنافورة القديس باسيليوس الكبير. في القسم الثاني الذي يتحدث فيها عن خلق الإنسان وجبله وعصيانه الله. هذه نجد صداها في سفر التكوين، وفي رسائل القديس بولس الرسول.
1- جبل الإنسان:
يتحدث النص اليتورجي بان الله وضع الإنسان في فردوس ، في جنة. فالإنسان مدعو الى التأله.
لقد وعد الله الإنسان بحياة خالدة ، وبالتمتع بخيرات ابدية. فالإنسان عصى الله بسبب حريته المعطاة له. فإن الله يترك لنا حرية الإختيار.فالذي يختار هو الإبن الحر وليس العبد . العبد ليس مسؤولاً عن أعماله. يفعل مايأمر به سيده.
2- عصيان الإنسان:
إذاً الإنسان عصى الله بسبب الحرية المعطاة له. الله هو خالقه، وخالق باقي المخلوقات.
فالإنسان إمتاز عن باقي المخلوقات بأن الله نفخ فيه نسمة حياة وجبله من تراب. إمتزج هذا التراب بيده. صار هناك علاقة بين الله والإنسان. بينما باقي المخلوقات قال الله لها:" ليكن كذا ... فكان كذا".العلاقة كلامية بين باقي المخلوقات والله. بينما الإنسان هو مخلوق إمتاز بهذه الحرية. إنه ابن الله بالتبني. لقد تبنى اللهُ الإنسان ووضعه ملكاً على هذه الخليقة ليسيطر عليها. لقد سمىّ الإنسان باقي المخلوقات باسمائها. فإن إعطاء الإسم للشخص هو شيء مهم في العهد القديم. فأنت تسيطر على الآخر بإعطائه إسماً. إنك تحوي الآخر، لهذا السبب ليس للإله إسم كما قال الله لموسى.
لقد سمع الإنسان للحية.هذه الحية يراها الآباءُ الشيطان. هذا الملاك الساقط الذي أراد أن يصل إلى ما فوق الله. عندما علم أن الإنسان مدعو إلى الـتأله أراد أن يُسقط هذا الحب المتبادل. فاستطاع بحيله أن يقطع حبل الحياة .
" لقد إنقاد الإنسان لغواية الحية فأميت بزلاته"، بخطاياه التي إستتبعت هذا السقوط التي من بينها الجوع والحزن والكره والحسد والبغض ألخ...وآخر هذه الآلام الموت. الموت هو العدو الأول والأخير للإنسان .
إذاً وضع الله الإنسان على هذه الأرض . إن اسم آدم يعني تراب. " لقد اعدته إلى الأرض التي منها أخذ ". ليس السبيل هنا،هل ان جنة عدن هي مكان فعلي على الأرض أم أنها حالة روحية.
لقد دبر له الخلاص بالولادة الجديدة . كما أنه بآدم دخلت الخطيئة إلى العالم فيجب بآدم ثانٍ أن تخرج الخطيئة الأ وهو المسيح.
3- الناموس:
" فإنك لم تعرض ...". الله لم يعرض عن جبلته التي خلقها. الله هو خالق كل الأشياء. وبما أنه خالق كل الأشياء هل هو خالق الشر؟ الجواب ، لا.
" أيها الصالح" . إنه الصالح الذي منه كل الأشياء الصالحة . لايمكن أن يخرج شيئ منه إلا وهو صالح . إذاً لماذا الشر؟ إن الشر بسماح من الله. الله لا يجرب الإنسان . إن الشهوة هي التي تجربه ، وتولد الخطيئة. ما الشر سوى الإبتعاد عن الله . إن الإنسان في حالة الشر يضع غير الله مكان الله . فصنع التماثيل أو الأصنام للتعبير عن ذلك.
أما الآن فقد زالت الأصنام وبقي بعض الأشياء التي صنمّها الإنسان ووضعها مكان الله.
" إن نسيني شعبي فانا لا أنساه" الله لا ينسى كما ينسى المحبوب الحبيب. نجد في سفر نشيد الأناشيد اجمل ما قيل عن إله يحب محبوبه. في السفر صورة العاشق و المعشوق.
إن الله إفتقدنا نحن كلنا بطرائق مختلفة . ليس من خلال شعبه المختار فقط. إن الشمس لا يمكن أن تُحجب عن الأنوار. إن شمس الأنوار أشرق نوره على كل البشرية ، كلٌ حسب إستطاعته أخذ من هذا النور . كل الشعوب كانت لها شذرات من الشمس العقلية. إن الله لا يمكن أن يكون إلا رحيماً . لقد رحمنا الله ولم ينسانا. إنها صورة الرحم الذي يحضن الطفل. هكذا الله رحمنا برحمته الواسعة التي لا حدّ لها.
ماذا فعل ؟ " لقد أرسل أنبياء مؤدبين لنا "،يدلوننا على الطريق. لقد أعطونا الحليب الروحي في طفولتنا الروحية،و الغذاء المناسب لخبرتنا الروحية. كان لا بد من المعجزات.هي تدخّل إلهي في تاريخ البشرية.
إن الإنسان يضعف ويخور . فتأتي العجيبة وتذكره بالله. هذا لا يعني أن الإنسان عبد. إنه حر وليس مسيّر، ولكن العجيبة تأتي لتفعيل الإيمان، وبعث الحياة الروحية.
" إن العجائب أتت على أيدي قديسيك" .فالقديسون أرضوا الله مدة حياتهم من خلال أقوالهم وأفعالهم. لقد كانوا مرشدين إلى الله ومرآته في هذا العالم .إن حياتهم أفاضت كلمات إلهية محيية للبشر.إن النبي هو الذي يقول كلمة الله ، ماذا يقول الله. ومن الأمور التي يبشروننا بها هي الخلاص الآتي بيسوع المسيح . لقد عرفنا ذلك من خلال العهد الجديد ، وتحقق الخلاص بمجيء يسوع المسيح.
ألم يكن الخلاص في العهد القديم ؟ نعم. ولكن شذرات شذرات. بعض الأشخاص المميزين عرفوا الله . إمتازوا عن غيرهم. أرشدونا من خلال الناموس.
لقد كان الناموس مؤدبنا إلى الإيمان . لما كنا أطفالاً بالإيمان كان له دور المؤدب. وعندما بلغنا رشدنا لم يعد له دور. ولكنه دخل في تركيبة شخصيتنا. لا يمكن ان نهرب منه . كما أن الرجل لا يمكن أن يتهرب من البيئة التي عاش فيها أيام الطفولة.هكذا الناموس لا يمكن أن نتهرب منه . إن له دور في إرشادنا نحو الهدف المنشود. لقد كان الناموس يعيننا في مسيرتنا الروحية.
لقد نبهنا الله من خلال بعض المختارين ، وهو ترائى لنا . كما فسرت لاحقاً الكنيسة هذه الظهورات . مثل ذلك ( ظهور الثلاتة رجال لإبرهيم :تك 17).
4- تجسد المسيح:
" ولما حان كمال الأزمنة "
لقد كانت البشرية تعاني من جراء ضربات الخطيئة، و تدبدب نحو خلاصها . فلما بلغت رشدها إقتبلت الخلاص الإلهي . إمتلأ الكأس من النعم الإلهية وصارت البشرية كاملة . كلمنا الرب بإبنه نفسه وليس بأنبياء
الآن حل ملء اللاهوت جسدياً. إن الله الذي خاف منه آدمُ قديماً عندما سار في الجنة، ها هو يتمشى في أرضنا ويسير بيننا، ورأينا مجده مجد وحيد .هو الكلمة الأزلي قبل كل الدهور . الله صنع به كل شيئ ، مما يرى ومما لا يرى ( دستور الإيمان النيقاوي ). الإبن تجسد لكي يعيد إلينا الحلة الأولى قبل السقوط . لقد صالحنا مع الله . لم يعد الله هذا الإله المخيف الذي نفرّ من امام وجهه ، كما إختبأ من أمام وجهه آدمُ في الفردوس.
إن الإبن خالط الناس إذ لم يكن مألوفاً أن الإله يعاشر الناس.و ليس من عادة الآلهة أن تكون انيسة للبشر. لقد كان الخوف من الألوهة أنيس البشر.
إن الموت كان من الأسباب التي دعت الى التطلع الى عالم سماوي يعطى البشرية الطمأنينة والسلام للشعوب الباحثة عن خلاصها بعيداً عن عالم مليئ بالشرور .
لقد كان إله الفلاسفة فكرة عامة، مجردة. أما إله المسيحيين فكان إلهاً شخصاً . لقد نزل وخالط البشر . لقد رآه البشر متجسداً . أما إله الفلاسفة فقد بقي في عالم المثل . إن إله المسيحيين إله مخلص لجميع البشر .
إن الأبدية التي كانت مغلقة سابقاً أصبحت مفتوحة على الإنسانية . تقدس التاريخ بوجود المسيح وأصبح له معنى. لقد وحدّ المسيح البشرية المتفرقة إلى واحد. إنه الإله الأزلي قبل كل الدهور . فأصبح من الممكن أن تتأله الإنسانية، إذ تبناها المسيح. لقد تجسد الإله لكي يتأله الإنسان . إن الزمن الإلهي يبدأ بتأله الإنسان نفسه . إن الإنسان يتذوق العشق الإلهي منذ الآن.
" اليوم تكون معي ". " اليوم صار الخلاص ". " الآن وقت يعمل فيه للرب".
لقد نزلت الألوهة وزارتنا، وتذوقنا منذ الآن عربون الخيرات الأبدية. أما حين تحين ساعة اللقاء الحقيقية فنرى الله وجهاً لوجه. فيقول بولس بما معناه أننا سنتفاجأ بما أعدّه الله للذين أحبوّه ، فلا يخطر على بالنا ما أعده لنا.
كيف حصل هذا؟
حصل بتجسده من القديسة مريم العذراء . لقد إحترم الله حرية الإنسان. إذ يقول العهد الجديد:إن الله أرسل ملاكه ...ونحن نعلم ذلك.
لقد إحترم الله حرية العذراء . قالت العذراء " ليكن لي حسب قولك" بهذه الكلمة إختصرت العذراء إنتظار البشرية المتشوقة للمخلص.
أتى بصورة بشرية. شابهنا بكل شيئ ما عدا الخطيئة. عرف ما يعانيه الإنسان من مشاعر وعواطف، فقد جاع وعطش وبكى وتحنن ونعس وتعب وخاف من الموت.
لقد كانت الإنسانية مدعوة إلى التأله. فعندما تحول الإنسان عن مسيره الطبيعي ، نزل هو لكي يرفعه فوق الملائكة والشاروبيم والسارافيم . فعل ذلك بدون إستبعاد أو كره أو تحت أي نوع من الضغط. لقد إحترم حرية الإنسان . إنتظر كلمة " ليكن لي ".وعندما نزل أعطانا أوامر الخلاص الأبدية.فلم يضع لنا شريعة مفروضة ومبرمجة سلفًا، بل هدانا إليه.
لقد كنا سابقاً مضلين بالأصنام التي لا نفع لها. لقد أضلتنا وأبعدتنا عن الخلاص الحقيقي. فأتى المسيح وأعطانا الكهنوت الجديد الذي نصير به" شعباً خاصاً ، كهنوتاً ملوكياً ، أمة مقدسة".
إن الكهنوت يفترض وجود شعب معين. أما الأمة المقدسة فهي أمته التي لملم شملها من الجهات الأربع.
ماذا فعل المسيح؟
لقد أنحدر بالصليب إلى الجحيم.إن الجحيم ويسوع لا يلتقيان.. النور والظلام لا يلتقيان . لا بد لواحد أن ينسحب لصالح الآخر . لم يستطع الظلام أن يصمد أمام العشق الإلهي . إن الجحيم تباد فقط بالعشق الإلهي.لقد ولى زمن تملك الخطيئة على الإنسان .
وأصبح الإنسان نجي الله. ولكن، ما زال الله يحترم حرية الإنسان.دائمًا يردد " من أراد". وليس " إفعل بالقوة".
فماذا علينا أن نعمل نحن بعد أن رأينا عمل الله الخلاصي ؟ هذا هو السؤال؟
الإيبوذياكون مكسيم الصّباغ[/FRAME]