حتى لا يموت الإحساس بالإيمان القويم
حتى لا يموت الإحساس
بالإيمان القويم
شعوري أنّ أكثر المعتبَرين أبناء الإيمان لا يعون أهمية العقيدة القويمة ويميلون، بالحري، إلى تكوين معتقداتهم الخاصة بهم. يقبلون ما يحلو لهم من العقيدة ويُعرضون عما لا يناسبهم. لذلك تراهم، بعامة، باردين، غير حسّاسين إن لم نقل غير مبالين بخطر الهرطقة إذا ومتى شقّت طريقها إليهم وعشّشت في وسطهم وشرعت تستوطن في عقولهم. هذا يعتبرها مسألة كلامية والكلام "لا ضريبة عليه"، كما يقترح المثَل الشائع. وآخر يعتبرها وجهة نظر ولكلٍ الحقّ المشروع في إبداء رأيه. وثالث يهمّه أن يبرئ ساحة صاحبها حفظاً لكرامته ولا يولي سلامة العقيدة أهمية تُذكر. ورابع يتعلّل بشتى العلل تبريراً لتقاعسه عن التصدّي للهرطقة والسعي أو المطالبة بإزالتها. واحد يقول في صاحب القول الناشز: "كان يشاء أن يبسِّط الأمور على طريقته". وآخر يقول: "كان يريد أن يقرِّب ما بين هذه الديانة وتلك". وثالث يقول إنّه شاب أو مسنّ ولا يؤاخَذ على كلامه. ورابع يقول: "لا لزوم لإثارة اللغط بين الناس. المسألة أكبر منهم في كل حال". وخامس يقول: "هناك قضايا أهمّ!" وسادس يقول: "لماذا في هذا الوقت بالذات تُثار القضية؟ على الكتف أحمال! الوقت غير مناسب". وسابع يقول: "دع سواك يقوم بذلك. لماذا تسوِّد وجهك؟" أنت تجازف بموقعك. قد ينتقمون منك. قد يقطعون باب رزقك. قد يجرِّدونك إذا كنت كاهناً. قد يطردونك من ديرك إذا كنت راهباً. كل ذلك قد يخطر بالبال وأكثر. الناس، بعامة، يقدّمون مصالحهم. يهمّهم عدم الاحتكاك بالناس أكثر مما يهمّهم السلام مع الله. يهمّهم ما يعتبرونه وحدة الصف أولاً ولو على حساب الحقّ. لا يريدون أن يتعرّضوا للخضّ. وفي نهاية المطاف، متى سادت هذه الروحية يقبلون، بيسر، التعايش بين العقيدة والهرطقة. يتخدّر الوجدان ويسقط الحقّ. تمسي مصالح الناس هي المقياس. لذا حيث لا وزن للعقيدة القويمة يُلتمس تنتفي المسيحية الحقّ.
قرأت، منذ بعض الوقت، قولاً بليغاً تفوّه به سيادة المتروبوليت جاورجيوس خضر، في إحدى مقالات السبت على صفحات جريدة النهار. قال: "العقيدة أهم من حياتنا". لِمَ هذا القول مهم؟
لأنّ العقيدة كشف إلهي ولأنّ العقيدة خارطة الخلاص. الهرطقة تقطع عن الله. كل مسراك الإيماني مرتبط بعقيدتك. إذا لم تبالِ بعقيدة التجسّد مثلاً، إذا لم تؤمن بأنّ يسوع إله وإنسان معاً، فإنّه لا معنى لصلاتك ولا لصيامك ولا للوصايا الإلهية ولا لحياة الفضيلة ولا للأخلاق المسيحية. لا معنى لمسيحيّتك. هذه كلّها لا يعود لها معنى. لماذا؟ لأنّ أهميتها هي في كونها تعدّك للتأله. هذه لا قيمة لها في ذاتها. فإن لم يكن ابن الله قد تجسّد، أي صار إنساناً، فإنه لا يكون قد اتّحد بي وبك بالبَشَرَة. وإذا لم يكن قد اتّحد بي وبك بالبَشَرَة لا يكون بإمكاني أنا أن أتّحد به بالمعمودية وتالياً باللاهوت، أي لا يمكنني أن آخذ ما هو له. لا يمكنني أن أتألّه. أجل غاية المسيحية هي التألّه. كل معنى مجيء المسيح، إذ ذاك، يضيع. هو لم يأتِ ليؤسّس ديانة جديدة أو يضع نظاماً اجتماعياً جديداً أو يعرض أخلاقية جديدة. المسيح جاء أولاً ليعطينا حياة جديدة. الحديد في الآتون لا يتوخّى عِشرة الحديد وحسب، بل أن يستمدد ناره أولاً. عشرتنا مع يسوع هي بقصد أن نتّخذه بالحبّ، أن نأخذ منه طاقة الألوهة أولاً. لذا سرى القول: "الله صار إنساناً ليصير الإنسان إلهاً". العقيدة الفاسدة تُترجَم فَهماً فاسداً ومسرى فاسداً وتحرمنا، تالياً، من التألّه. والتألّه عندنا هو الخلاص. من هنا أنّ في الهرطقة ضلالاً مُبيناً. العقيدة القويمة مرتبطة بيننا ارتباطاً عضوياً بكل تفصيل من تفاصيل حياتنا المسيحية. العقيدة إطار الوجدان القويم وخارطة الحياة المسيحية تفصيلاً ومبعث قوّتها. لذا حقٌّ القول إنّ العقيدة أثمن من حياتنا لأنّها، في الحقيقة، حياتنا الجديدة، حياة روح الربّ فينا. آباؤنا كانوا مستعدّين لأن يموتوا ولا يتنازلوا عن نقطة واحدة من العقيدة القويمة المسلَّمة إليهم مرّة من القدّيسين لأن هذا معناه تخلّيهم عن الكشف الإلهي وعن خلاصهم وحياتهم وحياة أولادهم وحياة البشرية الجديدة. من هنا أنّ كل كلام يبرِّد فينا الغيرة على حقّ الإنجيل ليس من الله بل من أهوائنا، من هذا العالم ومن أمير هذا العالم. وحدة الجماعة تحفظ في الحقّ لا على حساب الحقّ. الجماعة التي تجتمع على غير الحقّ تجمعها المصالح المشتركة. وهذه، لا تلبث أن تفترق وتتنافر لأن ما يجمعها، ظرفياً، هو في العمق شكلُ وحدةٍ لا مضمونُ وحدة. ما سيحدثُ لك نتيجة تمسّكك بقول الحقّ ونبذ الهرطقة لا يهمّ. المهم أن يُطاع الله لا الناس. المهم أن نتمسّك بحقّ الإنجيل بأيدينا وأرجلنا. فقط في طاعة الله يكون لنا خير. الوقت ليس وقتاً مناسباً؟! هذا كلام بطّال! كل الوقت للحقّ، لحبّ الله. كل وقت موافق لقول الحقّ بمحبّة لأنّه لا موقف له قيمة بغير الحقّ. أما الباطل فلا يجوز أن تعطى له فرصة البتّة. فقط محبّو الباطل ينامون على الباطل ويتعلّلون بعلل الخطايا. مجرّد الإدّعاء بأن الوقت غير مؤاة لقول الحقّ يطرح على ما في نفسك علامة سؤال كبيرة. ثم لماذا هذا الخوف والقلق؟! الإرهاب ظاهرة سياسية لا كنسية لدى المؤمنين. الكنيسة، أصلاً، جماعة مضطَهَدين. "إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم أنتم أيضاً". والإنسان يضطهده لا الآخرون وحسب بل نفسه أيضاً، أفكاره ومخاوفه وهواجسه. نحن لم نوعَد بالسلام. "في العالم سيكون لكم اضطراب ولكن لا تخافوا، أنا قد غلبتُ العالم". يسوع، أصلاً، جاء ليفرِّق الإنسان ضدّ أبيه والابنة ضدّ أمّها والكنّة ضدّ حماتها وأعداء الإنسان أهل بيته. جاء ليلقي سيفاً لا سلاماً. كل ذلك لأنّ كل وحدة غير الوحدة معه وفيه هي وحدة فاسدة ومؤذية وكاذبة وقاتلة. عالم الباطل قَلَبَه المسيح رأساً على عقب. هو جاء، في الحقيقة، ليلقي ناراً على الأرض، فماذا يريد لو اضطرمت؟! (لوقا 12: 49).
إذاً كل هذا الذي يخدّر النفس ويعطّلها خوفاً على النفس والمكاسب الخاصة وراحة البال الكذوب ووحدة صف عمقُه الانقسام وليس المسيح قوامَه، كل هذا قتّال للنفس. كل هذه التعقيدات، كل هذا الحذر، كل هذا الخوف، كل هذا الشعور بالإرهاب ليس من الله. حتى متى يُفرَّط بحقّ الله بحجّة ومن دون حجّة؟!
في عظَتَين لغبطة السيّد البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق، ظهرت أولاها على صفحات جريدة النهار بتاريخ الأربعاء 29 كانون الأول 2004، وهي في مناسبة عيد الميلاد، وظهرت الثانية على صفحات الجريدة عينها بتاريخ الأربعاء 4 أيار 2005، وهي في مناسبة اثنين الباعوث، أقول في هاتَين العظتَين استبان قولان فيهما تعرُّض لعقيدة الثالوث القدّوس. قال، في العظة الأولى، عن ابن الله إنّه والآب السماوي شخص واحد. وقال في العظة الثانية أنّ الآب والابن والروح القدس هم، بالتأكيد، "الشخص نفسه". رجاؤنا أن يُصار إلى إصلاح هذا الخطأ بصورة علنية حتى لا يرسَخ في الأذهان ويشكّل طعناً بالإيمان القويم ويُعثر الضعفاء.
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
رد: حتى لا يموت الإحساس بالإيمان القويم
اهلا يا أبونا.
هل تعرف يا ابونا أن البطرك قال في لقاء متلفز يوم الفصح ان المسيح خلق؟ حسنا انت يبدو لا تتابع الفاز و عليك بمتابعته من اليوم و رايح
أيضا ما رايك بأقوال سيدنا خضر الذي تستلهم منه؟ نرجو تحديث قاعدة البيانات يا ابونا
اظن انك في السنة تحتاج ان تكتب هذه المقالة بعدد ايام السنة
شكرا للغيور الأورثوذكسي