أضواءٌ على عقوبةِ الإعدام
أضواءٌ على عقوبةِ الإعدام
الأرشمندريت أ. د. قيس صادق[2]
السَّيداتُ والسَّادة!
سلامُ الله عليكم،
إنَّ الولوجَ في مسألةِ "عقوبةِ الإعدام من المنظورِ المسيحيّ" حسب ما قد فوّضْتُ به، هو ليسَ بالأمرِ السَّهلِ وخاصةً أنَّ عاملَ الوقتِ القصير يلعبُ دوراً رئيساً في تحديدِ مراحل العرضِ، الذي يتطلَّب التأمُّلَ في لاهوتِ الكنيسةِ حول المشيئةِ الإلهيَّةِ في خَلْقِ الإنسان، ودورِ الإنسانِ في المحافظةِ على خِلْقةِ الله، لذا لن أدخلْ في تعريفِ أو تحديدِ مفهومِ عقوبةِ أو فعل الإعدامِ تفادياً للتكرار، وتقديراً لما بذلهُ الإخوةُ الباحثونَ من جهدٍ في هذا الأمر. لذلكَ سأحاول أن أُلقي بعضَ الأضواءِ حولَ المسألةِ قيدَ البحث.
ترى المسيحيَّةُ أنَّ اللهَ قد نفخَ في الإنسان نسمةَ حياةٍ فخلَقهُ «علـى صورتهِ، على صورةِ اللهِ خلقَهُ ذكراً وأنثى خلقََهم، وقالَ لهم انموا واكثُروا واملأُوا الأرضَ واخْضِعوها....» (تكوين 1/27-29). هذا الموقف يؤكِّدهُ الإسلامُ أيضاً الذي يعتَبرُ الإنسانَ مخلوقاً فضَّلهُ اللهُ على كلِّ ما قد خَلق وكرَّمهُ حتَّى أنَّه استخلفهُ الأرضَ وعهِدَ إليهِ مسؤوليّةَ إنمائِها: «ولقد كرَّمْنَا بني آدمَ وحملناهم في البرِّ والبحرِ ورزقناهُم من الطِّيباتِ وفضَّلناهُم على كثيرٍ ممَّن خَلقْنا تفضيلاً» (الإسراء، الآية 70). وبذلكَ فالإنسانُ المسيحيُّ مدعوٌّ لأن يمارسَ فضيلةَ ἁρετή - virtus المحافظةِ على الصُّورةِ الإلهيَّةِ الكامنةِ في جوهرهِ، وفي جوهرِ قريبهِ؛ أن يُحافِظَ على حياتِه وحياةِ قريبِه وأنَّ يثمِّن ذلك. والقريبُ - في النَّظرةِ المسيحيَّة - هو الإنسان، أي إنسانٍ، الإنسانُ بالمُطْلق، بغضِّ النظر عن جنسِهِ، أو عِرقِهِ، أو دينهِ، أو مذهَبهِ، أو لونِه، أو قوميّتِهِ. فهو الحاملُ صورةَ اللهِ ومثالِه. فالعلاقةُ بين الإنسانِ والله (أي العلاقةُ العموديَّة) لا تكتملُ إلاّ بعلاقةِ الإنسانِ بالإنسانِ (العلاقةُ الأفقيَّة)، وبالتالي ليس من خلاصٍ في المسيحيَّةِ إلاّ بتلاقي الأفقيُّ والعموديُّ معاً فيشكِّلان صليباً يجسِّدُ المسيحيُّ عليه رسالتَهُ في الأرض: خدمةُ البشريّةِ المتألمِّةِ والمعذَّبةِ التّائقةُ إلى استمطارِ النَّعمةِ الإلهيَّة.
حياةُ الإنسانِ هِبةٌ من لدُنِ الله، والإعدامُ - وإن تفنَّنَ الجلاَّدونَ بطُرِقهِ - هو جريمةُ قتلٍ ألبسوها قناع القانونِ والعدالة تحت شعاراتٍ ابتكرها المشرّعون لتبرير جريمتهم مثل: تحقيق العدالة، حماية القانون، حفظ الأمن، وتوطيد الاستقرار. هنا يكمنُ التناقضُ: قتلٌ باسمِ العدالة؟؟ هل تُقوَّمُ الجريمةُ بجريمة؟؟ هذا الموضوعُ بحاجةٍ إلى موقفٍ حاسمٍ جريء. فالقتلُ مهما تعدَّدت أسبُابُه وأنواعُه هو خطيئةٌ ἁμαρτία- peccatum تُنهي وتُلاشي حياةَ القريبِ التي اكتسبها كهبةٍ إلهيَّةٍ وليست بشريَّةٍ، منذ لحظةِ تكوينِه كجنينٍ في أحشاءِ أمِّه.
وبذلكَ تَعتبرُ المسيحيَّةُ حقَّ العيشِ والتمتُّعِ بالحياةِ هو حقٌّ إلهيٌّ ليس لأي كائنٍ بشريٍّ الحقّ في الحدِّ من نمائِه أو التقليلِ من أهميَّته.
الإعدامُ هو جريمةُ قتلٍ مُتَعمَّدٍ مع سبقِ الإصرار، وهو جريمةٌ موجَّهةٌ قبل كلِّ شيءٍ ضدِّ الحضور الإلهيِّ في الإنسان. هكذا يرى الكتابُ المقدَّس أنَّ القتلَ خطيئةً موجّهةً ضدّ الله السَّاكن في القريب المقتول والمعدوم، ويعتبرها خطيئةً صارخةً إلى السَّماء: «فقالَ ماذا صنعتَ؟ إنَّ صوتَ دماءِ أخيكَ صارخٌ إليَّ من الأرض» (تكوين 4/10)، فلعنَ الله قايين لأنّه قتلَ أخاه، وكلُّ من يقتل مثله يكون ملعوناً سبعةَ أضعافٍ (تكوين 4/15)؛ وتنصّ إحدى الوصايا العشر "لا تقتل"، لإنَّ "منْ قتَلَ يستوجبُ الدينـونَة" ( متّى 5/21).
إذن، القتلُ - وهنا يُدْرَجُ الإعدامُ أيضاً - هو خطيئةٌ قاتلةٌ لنفسِ القاتل لأنَّها تلاشي الجوهرَ الذي سَكبَ الله فيه صورتَه ومثالَه. والقاتلُ (القاضي والجلاَّد والقانون ...) يعيقُ العملَ الإلهيَّ ويحدُّ من نمائِه وتطوّرِه، ويسلبُ القريبَ حقّاً لم يحصلْ عليه من أيِّ إنسانٍ آخر، بل كانَ اللهُ قد أنعمَ عليهِ به، ألا وهو حقُّ الحياةِ والعيشِ، وبالتالي فالإعدامُ يُغلِقُ بابَ الرّجاء بالتوبة للقريبِ الماثِلُ أمامَ الله سائلاً انسكابَ الرَّحمةِ الإلهيّةِ عليه. الإعدامُ هو ملاشاةٌ لوصيّةِ المحبّةِ ومحوٌ لحقِّ الإنسانِ في بناءِ العائلةِ والمجتمع، وأمَّا دينونة منفِّذِه فهي نار جهنّم.
لضيق الوقت، لن أتطرّق إلى فِكْرِ ومواقفِ آباءِ الكنيسةِ التي لا تُحصى - والتي هي في تماهٍ وموقفِنا - ولكنَّني سأقفُ معكُم أمامَ بعضٍ من قوانينِ الكنيسةِ المتعلِّقةِ بعقوبةِ القاتل، مع التركيز على أنَّ السّيد المسيح نفسه قد أمر بالنهي عن عقوبة الإعدام، بالرُّغمِ من أنَّ الشريعةَ ترى إعدامَ المرأةِ الزّانيةِ رجماً بالحجارةِ حتَّى الموت: «فأتاهُ الكتبةُ الفرِّيسيونَ بإمرأةٍ أُخِذَت في زِنى. فأقاموها في وسَطِ الحلقةِ وقالوا له: يا معلِّم، إنَّ هذهِ المرأةَ أُخِذَت في الزِّنى المشهود. وقد أوصانا موسى في الشَّريعةِ برجمِ أمثالِها، فأنتَ ماذا تقول؟ ... فلمَّ ألحُّوا عليهِ في السؤال انتَصَبَ وقالَ لهم: منَ كانَ منكم بلا خطيئةٍ فليبدأ ويَرْمِها بحجرٍ... وأمَّا أولئكَ فلمَّ سَمِعوا طَفِقوا يخرجونَ واحداً فواحداً... وبقيَ يَسوعُ وحدهُ والمرأةُِ قائمةٌ في الوَسَطِ. فانتَصَبَ يسوعُ وقَالَ لها يا امرأةُ أينَ الذينَ يشْكونَكِ أما حكَمَ عليكِ أحدٌ. قالتْ: لا يا ربُّ. فقالَ لها يسوعُ: ولا أنا أحكمُ عليكِ إذهبي ولا تعودي تَخْطَئِين» (يوحنّا 8/3 - 11).
لقد نصَّ القانونُ 23 لمجمع أنكيرا (المنعقِدُ في العام 314 في عهد الإمبراطورين قسطنطين الكبير وليكينيوس): «أمّا الذينَ يقتُلونَ غير متعمِّدين فقد صارَ حكمٌ سابقٌ بأنّهم يُقبَلونَ في الشَّرِكة[3] التامّة بعد قضاءِ سبعِ سنواتٍ في التوبةِ حسبَ الدرجاتِ المذكورة أنفاً، على أنَّنا نجعلُ في هذا القانون مدَّة العِقابِ خمسَ سنوات».
وقد نصَّ القانون 21 للمجمع ذاته على عقوبةِ قاتلِ الجنين بقضاءِ عشرَ سنواتٍ في التوبة: «قد حُدِّدَ في قانونٍ سابقٍ أن تُقطَع اللواتي يجهِضْنَ الأطفالَ أو يصنَعنَ العقاقيرَ للإجهاضِ من الشَّركةِ حتَّى الموت. وقد وافقَ البعضُ على هذا. ومع ذلك فنحنُ نرغبُ في أنْ يُعامَلْنَ ببعضِ الشَّفَقَةِ، ولذلكَ قد حدَّدنا بأن يقْضِينَ عشرَ سنواتٍ في التوبةِ حسبِ الدرجاتِ المذكورة».
وأمّا القانون 22 للمجمع ذاته فقد حدَّد عقوبةَ القاتلِ بتعمُّدٍ بالقطعِ من الشَّرِكة حتَّى آخر حياتهِ "ليبقَ القاتلونَ عمداً مع الرّاكعين ولا يُسمح لهم في الشَّرِكة التَّامةِ إلاّ في آخرِ حياتهم".
ويَعتَبرُ القدّيسُ باسيليوس الكبير (329 - 379) في رسالته القانونيَّةِ حـولَ القتَـلة، أنَّ "من يقتُلُ آخرَ فهو مجرمٌ سفّاك" (القانون 8)، ويحدِّدُ مدَّة عقابِ القتَلة عن غير تعمّدٍ بعشرِ سنواتٍ، وأمَّا مدَّة عقابِ القتلَةِ عن تعمّدٍ فعشرينَ سنةً: «إنَّ مَنْ يقتلُ عمداً ثمَّ يندمُ، يُفرضُ عليه القصاصُ بالقطعِ من الشَّرِكةِ عشرينَ سنة. أربعُ سنواتٍ ينوحُ فيها على خطيئتِه خارجَ بابِ الكنيسةِ متوسِّلاً إلى المؤمنينَ وهم داخلونَ إلى الكنيسةِ أن يصلّوا من أجلِه، وخمسُ سنواتٍ يكونُ فيها مع السَّامعين ويخرجُ معهم[4]، وسبعُ سنواتٍ مع الرّاكعينَ ويخرجُ معهم، وأربعُ سنواتٍ يقفُ فيها مع المؤمنينَ دونَ أن يُسمَح له بالشَّركةِ حتّى نهايةِ العشرين سنة، فيتقدَّمُ إذ ذاكَ إلى تناولِ القرابين المقدَّسة» (القانون 56).
وأمَّا «الذي قتَلَ كُرْهاً فيكونُ محروماً من شركةِ المقدَّسات مدَّةَ عشرِ سنوات. فيكون سنتانِ مع الباكينَ، وثلاثةُ سنواتٍ يقفُ فيها مع السَّامعين، وأربعُ سنواتٍ يكونُ راكعًا، وسنةً واحدةً فقط يقفُ فيها مع المؤمنين. وبعدَ ذلكَ يُقبَلُ في شركةِ المقدَّسات» (القانون 58).
ماذا بَعد؟
لقد ذكرنا سابقاً بأنَّنا أمامَ قضيّةٍ بحاجةٍ إلى موقفٍ جريء. فقضيّةُ حقوقِ الإنسانِ قضيّةٌ تكتنفُها تعقيداتٌ كبيرة. هنا لن أدخل في ثنائياتٍ القضيَّةِ الكامنة في الترادفِ والتمايز بينَ "حقوقِ الإنسانِ" و"الديمقراطيَّة"، وثنائيّةِ "المُمَارَسةِ" و"الانتهاكِ" لحقوقِ الإنسان، وثنائيّةِ الإنسان "السِّياسي" والإنسان "العادي"، ولكنَّني أتوقَّفُ أمـام أهمِّ ثنائيّةٍ في الموضوع: "ثنائيَّـةُ التناقُضِ بينَ الفِكرِ والفِعل" أو بينَ "النظريُّ والتَّطبيق".فالنظريُّ الذي على الورقِ شيءٌ، وإنَّما التطبيقُفهو شيءٌ آخر. الدول الموقِّعةُ على الاتفاقياتِ الدوليَّةِ لحقوقِ الإنسانِ هي أعضاءٌ في هيئةِ الأمم المتَّحِدة، وهي دولٌ كاملةُ السِّيادةِ ومن حقِّها أن توقِّع أو لا توقِّع هذه الاتفاقيَّات. لا أحدَ يُلْزِمها بذلك، ولكن إذا وقَّعَت وصادقَت تلتَزم. وتكون ملتزمةً ببنودِ الاتفاقيَّةِ الدوليَّةِ فتُدْخِلَها في تشريعاتِها المحليَّةِ وتُصبحُ قانوناً محليًّا. وهنا تكمنُ مشكلةُ كلِّ الذينَ مثلَنا المدعوينَ للاهتمامِ بقضيَّةِ حقوقِ الإنسان. كيف يمكنُنا أن نقرِّبَالنظري من التطبيق؟ وماذا علينا أن نعمل لملاشاةِ الهوَّةُ بينهما؟ هذه هي مساحةُ الكفاحِ والنضالِ من أجلِتجسيدِ حقوق الإنسان. أن نجعلَ النظريُّ الذي على الورق يُطبَّقُ في الواقع العملي، وهذا يستلزِمُ قدراً كبيراً من تجرُّدِ الإنسانِفيعلو فوقَمصالِحه ونزواتهِ الخاصة، فلا يكبرُ عقلُهُ في هذه الحالة، بل قلبُهُ، أي وجدانه، وبالتالي يناضِلُ ويقدِّمُ التضحيات في سبيل تقريبِالنظريّمن التطبيق، وهذا النضالُ يتطلَّبُوضع خِطَطٍ لمسيرةٍ عملانيّةٍ، وعلينا أن نتوقَّعَ في مسيرةِ هذا التطبيقِ انتكاساتٌ، إلاَّ أنَّ بعدَ كلِّ انتكاسةٍ يأتي الفرَجُ، وحركةُ حقوقِ الإنسانِ هي ليست استثناءاً من منطقِ التاريخ.
عمّان، في 13 تشرين الأوّل 2003
[1]مداخلة قدّمت في ورشة عمل بعنوان "عقوبة الإعدام في القوانين الأردنيّة" نظّمتها المنظّمة الدوليّة للإصلاح الجنائي والسجني
(PRI) بالتعاون مع "ميزان - مجموعة القانون من أجل الإنسان"، وذلك في قاعة المدينة في مقرّ أمانة عمّان الكبرى، بتاريخ 13 تشرين الأول 2003
[2]مؤسِّس ورئيس مركز الدراسات المسكونيّة بعمان، مستشار "ميزان - مجموعة القانون من أجل الإنسان".
[3]أي شركة الإيمان الواحد والجماعة المسيحيّة.
[4] أي مغادرة الكنيسة حيث لا يحقّ لهم المشاركة في الصلوات مع المؤمنين.
النشرة العدد الثالث 2004