كنيسة القديس اغناطيوس الانطاكي
كنيسة القديس اغناطيوس الانطاكي المتوشح بالله
ليماسول ـ قبرص
د. جوزيف زيتون
إنجازات عديدة ومتلاحقة تحققت وعلى مختلف الصعد في الكرسي الانطاكي المقدس روحياً وعمرانياً وعلمياً في عهد غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع بسعي منه ومتابعة لا تعرف الكلل. وتعد هذه الكنيسة العائدة للبطريركية الأنطاكية في جمهورية قبرص من هذه الإنجازات التي تحققت مؤخراً ولكنها بالطبع لن تكون الأخيرة.
وتفخر نشرتنا البطريركية بتعريف القارئ الحبيب عليها ونستهل ذلك بنبذة في تاريخ كنيسة قبرص: تعد كنيسة جزيرة قبرص من الأبرشيات التابعة للكرسي الانطاكي المقدس مع سورية وآسيا الصغرى وبلاد ما بين النهرين وآسيا الشرقية بالإضافة إلى العاصمة أنطاكية.
وكان القديسان بولس وبرنابا قد بشرا في قبرص انطلاقاً من انطاكية وأسسا فيها كنائس «وانتخبا للمؤمنين شيوخاً وصليا بأصوام واستودعاهم للرب الذي كانوا قد آمنوا به» (ع14: 23).
ويُستدل مما تبقى من آثار المجمع المسكوني الأول المنعقد في نيقية سنة 325م بدعوة من الملك قسطنطين الكبير أن ثمانين أسقفاً أنطاكياً أو أكثر أيّدوا قراراته وقد جاءوا من ولايات سوريا وفينيقية وفلسطين والعربية وما بين النهرين وكيليكيا وقبرص وكان من أشهرهم: أفستاثيوس العالِم اللاهوتي أسقف أنطاكية واسبيريدون الراعي أسقف قبرص الذي اشتهر بالحلم والدعة، وغيرهما.
استقلال كنيسة قبرص عن الكرسي الانطاكي:
شملت ولاية الشرق الرومانية قبرص فخضعت هذه الجزيرة لأنطاكية في شؤونها المدنية واعتبرت كنائس قبرص كنيسة انطاكية مؤسسة لها فنشأت مرتبطة بها وخاضعة لها بوصفها الكنيسة الأم.
وقد دب الشقاق زمن آريوس في صفوف المؤمنين في أنطاكية فشاغلوا عن شؤون قبرص وتركوها رهن الطوارق، وقيّض الله لها في النصف الثاني من القرن الرابع المسيحي راعياً صالحاً وعالما ورعاً هو القديس أبيفانوس فوحّد صفوف المؤمنين فيها وزادهم ثقة في النفس وإحساساً بالعزة والكرامة. وفي الواقع فإن احترام الجميع للمذكور أدى إلى ممارسة استقلال قبرص قبل الاعتراف به وقد رسم المذكور أسقفاً لها سنة 376م واستمر حتى وفاته سنة 403م. وفي سنة 415م احتدم الجدال بين تروثيليوس متروبوليت الجزيرة وبين الكسندروس رئيس كنيسة انطاكية وقد استعان الأخير بأسقف روما أنوشنتيوس الأول الذي أفتى بحق انطاكية على كامل نيقوسية الشرق (ولاية) وأن هذا الحق عائد إلى أمرين اثنين أولهما أن انطاكية كانت مقراً رسولياً أقام به الرسول بطرس وثانيهما أنها كانت عظيمة في كل شيء.
لكن أساقفة قبرص لم يكترثوا بشيء من هذا كله. فلما كان ما كان من أمر نسطوريوس ومجمع أفسس، سأل يوحنا أسقف أنطاكية (والي) نيقوسية الشرق أن يأمر بتأجيل انتخاب خلف للمتروبوليت ثيوذوروس في قبرص إلى أن يختم مجمع أفسس أعماله.
ولكن المتروبوليت الجديد رجينيوس كان قد انتُخب وأقلع في الحال إلى أفسس ومعه أسقفان، وبات ينتظر فرصة مناسبة لإشارة قضيته، فلما توترت العلاقات في الجلسة السابقة بتاريخ 31 تموز سنة 431م تقدم بطلب رسمي يرجو فيه منح قبرص استقلالها كنسياً عن انطاكية فكان له ذلك. ومن ذاك التاريخ أصبحت كنيسة قبرص مستقلة ونظامها «رئاسة أساقفة» ولها مجمعها المقدس.
نبذة في الهجرة:
بدأت الهجرة من بلاد الشام في منتصف القرن 19 نتيجة ازدياد الظلم العثماني وقد هاجر «المتنورون الشوام» إلى مصر أولاً. ثم حملت الفتنة الطائفية المؤلمة التي حصلت في حلب عام 1850 والفتنة الطائفية الأشد إيلاماً عام 1860 في دمشق وجبل الشيخ وجبل العرب وجبل لبنان وزحلة والبقاع الغربي أعداداً كبيرة من المسيحيين إلى مصر أيضاً ثم إلى المقلب الآخر في العالم أي أميركا الشمالية والجنوبية. وتصاعدت حمى هجرة المسيحيين عندما تسلّم حزب الاتحاد والترقي العثماني شديد التعصب للطورانية التركية السلطة قبيل الحرب العالمية الأولى. فتأسست جاليات اغترابية أولى رافقها كهنة كانوا رواداً في تنظيمها والحفاظ على مسيحيتها الأرثوذكسية كمثلث الرحمات روفائيل هواويني الدمشقي أسقف بروكلن وغيره.
ثم انتقل مسيحيو كيليكيا (مرسين وطرسوس وأضنة...) عام 1922 وقبلهم كان قد انتقل مسيحيو ماردين من أبناء الكنائس الشرقية من آسيا الصغرى ثم أرثوذكسيو لواء الاسكندرون السليب بدورهم إلى الاغتراب القسري وتحديداً إلى اليونان وألمانيا وبعض الدول الاسكندنافية ولا تزال هجرة السريان قائمة إلى هذه الأخيرة. كما انتقل معظم أبناء الكنيسة الآشورية إلى شيكاغو في الولايات المتحدة وأحدثو بطريركية لهم هناك.
ثم جاءت نكبة فلسطين عام 1948 وتهجير معظم سكانها فحملت ولا تزال تحمل أعداداً وفيرة من مسيحيي الأرض المقدسة إلى أمريكا وأوروبة واستقر أرثوذكسيون فلسطينيون في قبرص ثم تبعتهم موجة من الهجرة اللبنانية المسيحية إلى أوربة وكان لقبرص نصيباً وافراً منها في السبعينات والثمانينات كنتيجة طبيعية للحرب اللبنانية القذرة واستقر المهاجرون في ليماسول التي كانت مجرد قرية صغيرة لا يزيد عدد سكانها عن 6000 نسمة وكانت سبباً في توسعها وانتشار بنيانها أفقياً وتوسع خدماتها فأصبحت مركز جذب سياحي واستثماراتي لعب فيه المسيحيون العرب دوراً بارزاً. كما استقر فيها فريق أرثوذكسي دمشقي ومن بعض المحافظات السورية الأخرى وساهم أفراده في استثمار هذه المدينة وكان لا بد من مواكبة روحية لهذه الجالية الناشئة فأرسل غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع راعياً لها قدس الأب جوزيف زحلاوي سنة 1986 فقام برعاية هذه الجالية وسعى لإيجاد كنيسة خاصة بها تنفيذاً لتوجيهات غبطته وبالتعاون مع السيد كابي حبيب أمين عام مجلس كنائس الشرق الأوسط وقتها وبمساعدة بعض أفراد الرعية المتنفذين لدى غبطة رئيس أساقفة قبرص مطران ليماسول. فأعطيت كنيسة يونانية قديمة في ليماسول كانت الرعية الشامية تمارس صلواتها فيها بالعربية بعد أن تنتهي الرعية اليونانية من صلواتها واستمر الحال هكذا إلى سنة 1991 حيث تسلّم قدس الأب الدكتور ميشال سابا رعاية هذه الرعية فتابع بدوره السعي لإحداث كنيسة انطاكية لرعاية الجاليات الانطاكية في قبرص. وقد تم تحقيق هذا المسعى حيث أوقف غبطة رئيس أساقفة قبرص ومطران ليماسول أرضاً ذات موقع جيد وسجلت في السجل العقاري باسم غبطة البطريرك الانطاكي اغناطيوس الرابع.
رد: كنيسة القديس اغناطيوس الانطاكي
وعلى الفور وضعت المخططات المناسبة ثم بدئ بتنفيذ المشروع وتبرع المحسن الكبير السيد عيسى عودة (الفلسطيني) ببنائها وإكسائها وسميت باسم القديس اغناطيوس الانطاكي شفيع غبطته.
وتعاضدت الجالية العربية الأرثوذكسية فقدم أفرادها كل حسب مقدرته حيث تم تجهيزها بالتجهيزات الداخلية من أيقونسطاس ومقاعد مع تجهيز قاعة الكنيسة وتخديمها لتكون نادياً رعوياً للجالية.
في موقعها ووصفها:
تقع في منطقة جميلة الإطلالة فسيحة ومتفردة وتظهر عن بعد من كل الاتجاهات ونظراً لحسن الكنيسة وضخامة وأناقة بنائها فقد لقبت باسم «زهرة ليماسول» ترتفع الكنيسة عن الأرض عدة درجات كمعظم الكنائس الأرثوذكسية، لها برجان كبيران شرقاً يتوسطهما بابها الرئيس وتعلوها قبة فخمة بذات ارتفاع برجيها، ولها أيضاً باب قبلي يطل على فسحة أرض واسعة وباب شمالي مقابله قبيل منتصف الكنيسة وعلى يسار الداخل إليها لوحة فسيفسائية دمشقية كبيرة أبعادها 2 × 1.5 سم تقريباً للقديس جاورجيوس واقفاً بدون حصانه وهي من اللوحات النادرة أما داخلها فلا يقل جمالاً وأناقة عن مظهرها الخارجي فهي بالحقيقة تحفة فنية رومية أرثوذكسية نفتقدها في كنائسنا المحلية.
فالأيقونسطاس والمقاعد والعرضين البطريركي والأسقفي ومقاعد الإكليروس والجوقتين والمتقدمين هي من الخشب المفرغ وفق النموذج الشائع في كنائس اليونان وقبرص.
وقد حمل الأيقونسطاس في منتصفه صلبوتاً رائعاً مع أيقونات بيزنطية رائعة ومن المقرر أنه في القريب العاجل يكمل مشروع تزيين الكنيسة من الداخل بتصوير جدرانها وسقفها وهيكلها بالفريسك عندما تتوفر السيولة النقدية.
حوفظ في هذه الكنيسة على الطراز التقليدي الأرثوذكسي فشعرية النساء تغطي نصفها الشرقي فقط وقد روعي بذلك أن لا تغطي جمال قبتها من الداخل.
يُصعد إلى الشعرية وكتب الراعي كما ينزل إلى قاعة الرعية من منفذ يقع إلى يسار البنكاري (مكتب الوكلاء والشمع) بدرج حجري أنيق الشكل ملتف مع داربزون من الخشب متقن الصنعة.
أما قاعة الكنيسة فهي على كامل المساحة وتتميز بأناقتها في كل شيء وقد عُزلت جدرانها مؤخراً من قبل فريق عمل دمشقي أشرف عليه المهندس سامر لحام على غرار قاعات الصليب المقدس بدمشق.
وقد أحدثت في القاعة مكتبة كبرى للرعية ويتم السعي حالاً لتزويدها بوسائل إيضاح سمعية وبصرية، ومن الممكن الاستفادة من القاعة كمسرح للرعية حيث أن هندستها راعت ذاك الاستخدام.
للقاعة منفذان في زاويتها الشمالية والجنوبية يفضيان مباشرة إلى خارج الكنيسة بدرجين.
جرت العادة أن تلتقي الرعية بعد كل قداس إلهي حيث يتناولون المشروبات ويتم الترحيب بالوافدين الجدد وهذا ما يحصل في كل كنائس المغتربات.
أما الأرض الواقعة جنوبي الكنيسة وتبلغ مساحتها 2 دونم فهي أيضاً وقف لصالح الكنيسة ومن المقرر أن تبنى عليها المؤسسات الرعوية وقد سجلت أصولاً في السجل العقاري باسم غبطة البطريرك الانطاكي.
يبلغ عدد عائلات رعية ليماسول الانطاكية حوالي مائة عائلة أرثوذكسية ويرعاها حالياً قدس الأب ميشال سابا الذي جهد بخبراته الموسيقية وأحدث جوقة ترتيل أصولية.
يتزايد إقبال اليونانيين القبارصة بالإضافة إلى أبناء الطوائف الشقيقة المغتربة لحضور الصلوات في هذه الكنيسة والمساهمة في أنشطتها.
كما أن قدسه ينتقل في وسط الأسبوع إلى نيقوسيا لرعاية الجالية الموجودة هناك والتي تعد ثاني أكبر تجمع أنطاكي أرثوذكسي في جزيرة قبرص.
خاتمة :
ليس أبغ من كلمة شكراً نرفعها في نشرتنا البطريركية إلى غبطة مولانا البطريرك اغناطيوس الرابع الذي له الدور الريادي في «عنصرة الاغتراب الانطاكي» وتفعيل دوره في كل المغتربات وبالذات في إيجاد هذا الموقع الانطاكي في قبرص ولا سيما أن توجيهاته قضت بأن يكون مركزاً انطاكياً أرثوذكسياً رئيساً.
وكلمة شكر ثانية لغبطة رئيس أساقفة قبرص وأخرى لمطران ليماسول على غيرتهما الأرثوذكسية المتمثلة بتقديم أرض هذا المشروع مجاناً وتقديم التسهيلات في إنشائه.
ونقدم الشكر إلى كل متبرع ساهم سواء بماله أو بجهده في بناء الكنيسة وتجهيزها وإلى قدس الراعي الغيور الأب ميشال سابا تلميذ غبطة البطريرك اغناطيوس على همته المدروسة وإلى شعبنا الطيب المؤمن والغيور.
إليهم جميعاً نقول شكراً ونغبطهم على عملهم المبرور بقولنا مع صاحب المزامير: «طوبى لمن يحبون جمال بيتك يا رب».
النشرة العدد الرابع 2004