الأناجيل المنحولة
الشماس إبراهيم داوود
مدخل عام
الكتاب المقدس هو كتاب موحى به من الله، إنه الكلمة الموحى بها من الله. لم يملى الله على الرسل ماذا يجب أن يكتبوا، لكن نحن نؤمن بكل يقين وثبات أن الروح القدس كان فعَّالاً، وعاملاً مسيطراً في كتابة هذه الأناجيل، وقد عمل هكذا:
ـ ذكَّر الرسل بما قاله المسيح سيدهم. كما قال هو: "وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكِّركم بكل ما قلته لكم" (يوحنا26:14).
ـ يفسر ويكشف عن أمور لم يستطع المسيح أن يقولها للتلاميذ، لأنهم لم يكونوا في حالة يستطيعون فيها أن يفهموا. مِثل دخول الأمم إلى الحظيرة، نوال الروح القدس، عدم أهمية الناموس في الخلاص وغير ذلك: (يوحنا12:16-15، أعمال15،14:8، 44:10-48، أفسس5:3-9)...... .
ـ أن الروح القدس هو الذي أرشد الكتَّاب إلى انتقاء المادة التي يكتبونها من بين المواد الأخرى (لو1:1-54)، (يوحنا31،30:20).
ـ الروح القدس أرشد الكنيسة في إعطاء الحكم الصحيح في الأمور، وعلّمهم كيف يحسمون القضايا (أعمال28:15).
مما سبق نرى أن الروح القدس لم يمل على التلاميذ ما يكتبون، لكنه قام بالكشف والتعليم والتذكير، وترك للتلاميذ الحرية، كل ّ واحد كتب بأسلوبه الخاص.
في نهاية القرن الثاني كانت الأناجيل الأربعة، وكتاب أعمال الرسل، ورسائل القديس بولس (عدا الرسالة إلى العبرانيين)، ورسالة القديس يوحنا الأولى، ورسالة بطرس الأولى، معترف بها ككتب مقدسة. بقيت الكتب الأخرى موضوع نقاش حتى نهاية القرن الرابع (وهي العبرانيين، 2، 3 يوحنا، 2 بطرس، يعقوب، يهوذا، الرؤية.)
لم يترك لنا المسيح أي إنتاج كتابي مدون، أقواله دونت من الرسل، وهذه لعملية استغرقت عدة سنوات.
قانون العهد الجديد
إن البحث عن قانون الأسفار المقدسة هو بحث عن مجموعة الأسفار التي اعتبرتها الكنيسة المقدسة ولأسباب عدة قانونية وأساسية، وهذا ما يستدعي وجود أسفار أخرى غير داخلة في القانون تدعى akano1nika.
فالكتب القانونية هي التي نظَّمتها الكنيسة في قانون الأسفار المقدسة بحسب تعليم الرسل والآباء والمجامع المقدسة، وتعتبرها قانوناً للحقيقة لا يتغير كما سماها القديس أثناسيوس الكبير "إننا نقبل الكتب التي دخلت في القانون ونعتبرها إلهية لأنها مصدر الخلاص، وهي وحدها تركز بتعليم حسن العبادة، فلا يزيدنّ أحد عليها شيئاً ولا يحذفنّ منها شيئاً"[1].
القانون هو المقياس، وكل كتاب كان موافق لهذا المقياس هو مقبول وكل كتاب مخالف هو مرفوض. (2كور13:10و15و16)، (غلا16:6) "كل من يسلك بهذا القانون عليهم سلام".
الكتب القانونية هي كتب ملهمة من الله وتحمل الحقيقة. أما كتب الأبوكريفا ففيها قصص خيالية وفصلت الكنيسة منذ البداية بينها. ممكن أن نأخذ شيء مفيد من الكتب المنحولة (الملهم منها، التسابيح، وبعض الأعياد الكنسية). لكن الكنيسة لم تضع الكتب المنحولة في نفس المستوى مع الكتب القانونية. والكنيسة لم ترتكب خطأً عندما قررت أن تكتفي بالأناجيل الأربعة، لأنها ليست هي من قرر ذلك بل الروح القدس الذي يلهمها.
من 30م ـــــــــ كان التقليد والكنيسة
من 50م ـــــــــ كتب بولس الرسول أول رسالتين له
من 70م ـــــــــ بدأت تكتب الأناجيل لكن ولا كتاب منها كان يُدعى مقدساً سوى العهد القديم
من 100م ـــــــــ وجد العهد الجديد كاملاً
بدأت تظهر إلى جانب كتاب العهد القديم سلطة إيمان المسيحيين (قال السيد الرب) Auqenei1a. ورويداً رويداً بدأ: ماذا يجب أن نعمل حسب ما قال الرب، وهكذا في القرن الثاني والثالث بدأ يظهر العهد الجديد.
لم تتم قانونية أسفار العهد الجديد في وقت واحد، ولم تنتهي خلال جيل واحد لكن استمرت مدة طويلة.
الكنيسة الأولى: يوم الخمسين ـ 100م.
من المعلوم جيداً أنه لم تكن في تلك الفترة كتب مقدسة تسمى "العهد الجديد" ولكن الكنيسة لم تمكث بدون مصادر إلهية تستند عليها في كل شيء في الوعظ والتعليم والسلوك والمعاملات، وقد كان لها في هذا المجال ثلاثة مصادر:
أولاً العهد القديم: سبق أن عرفنا أن الكنيسة اتخذت من العهد القديم مصدراً للتعبير عن خبرتها وشهادتها. كذلك اتخذته مصدراً لها في أمر السلوك والعقائد مقتفية أثر معلمها الذي كان يكنُّ له كل تقديس وإجلال. مع أن يسوع كان يميز في العهد القديم بين كلمة الله الحقيقية والباقية وبين الإجراءات المؤقتة. "مثلاً في مسألة الطلاق: سمعتم أنه قيل للقدماء ....أما أنا فأقول لكم" (متى21:5و27).
أما الكنيسة الأولى فقد اتخذته كتابها المقدس وكانت تبرهن منه على صدق رسالة المسيح، كما يظهر في الأناجيل والرسائل، وتأكدت أن العهد القديم لا يمكن أن يُفَسَّر ولا يكون له معنى إلا في نور المسيح نفسه، فهو الذي أعطاه معناه وتم ما فيه بالمسيح. فالسلطة الأساسية إذاً ليست في الكتاب بل في المسيح.
فلهذا صارت لأعمال السيد ولحياته وأقواله السلطة الكاملة التامة: (1كور14:9،10:7-أع35:20). ولهذا بدؤوا يدونون كلمات يسوع وأعماله في زمن مبكر (لوقا1:1-4) في عبادتهم الكنسية.
وبعد سلطان كلمات السيد وأعماله يجيء سلطان الرسل الذين دعاهم، والذين أعطاهم موهبة الروح القدس للمناداة بالإنجيل وبناء الكنيسة (لوقا49:24،أع4:1-8). لقد تركزت كتابات الرسل في مواجهة مواقف واجهت الكنائس الأولى، إلا أنهم كانوا يطبقون أقوال السيد وحياته على تلك المواقف، ولهذا كان لأقوالهم ولرسائلهم سلطان كبير في الكنيسة الأولى.
وبهذا كان للكنيسة الأولى ثلاثة مصادر للسلطان والإعلان هي العهد القديم، المسيح، والرسل. ومع ذلك فقد كان السلطان الأعظم هو المسيح. وكان للعهد القديم وتعليم الرسل سلطانهما نسبة لأن صلتهما به كانت وثيقة. وكان هذا الموقف، نقطة البداية لوجود كتب قانونية أخرى إلى جانب كتب العهد القديم مثل الوثائق التي كانت تحمل كلمات المسيح وكتابات الرسل.
ثانياً: 100-170م: ظهور الكتب القانونية في العهد الجديد:
كانت أول مجموعة عرفتها الكنيسة من العهد الجديد هي مجموعة رسائل بولس الرسول، فهي أول ما جُمع من كل العهد الجديد. لقد كتب الرسول بولس رسائله إلى كنائس وأفراد، لظروف ومواقف محددة. يقول جود سبيدGood Speed أن هذه الرسائل بعد أن عالجت المواقف التي لأجلها كتبت، قد فقدت أهميتها للجيل اللاحق. ويُستنتج هذا الرأي من أن الأناجيل الثلاثة الأولى: متى ومرقس ولوقا، لم تشر إليها. لكن سرعان ما عادت وظهرت وعُرفت في جميع أنحاء الإمبراطورية. ويقول جود سبيد أن جامع رسائل بولس الرسول هو أنسيموس العبد الذي صار أسقفاً على كنيسة أنطاكية.
أما المجموعة الثانية: فهي مجموعة الأناجيل الأربعة، ظهرت هذه المجموعة متأخرة بعض الوقت عن مجموعة كتابات الرسول بولس. ومع أن تاريخ اعتبارها كتباً قانونية مقدسة متساوية في ذلك مع كتب العهد القديم لا يزال مجهولاً.
ـ قبل نهاية القرن الأول كانت رسائل بولس الرسول تشكل قانوناً صغيراً.
ـ وفي نصف القرن الثاني 150-160م صارحديث عن الأناجيل الأربعة حيث عندنا معلومات أن هذه الأناجيل الأربعة شكلت أيضاً قانوناً صغيراً
ـ وفي نهاية القرن الثاني 180-200 بدأت تُجمع رسائل بولس الرسول والأناجيل والأعمال والرسائل الجامعة (فقط الكبار منها)، وهنا لدينا معلومات من كاتب في الكنيسة يُدعى إيرينيوس Iru1naioj وهو أول اللاهوتيين الكبار في الكنيسة، وقال ما هي الكتب الخاصة في قانون إيماننا. (وهناك قطعة من مخطوطة في إيطالية تحوي قانون العهد الجديد وكانت هذه المخطوطة من القرن الثاني). إذاً مع إيرينيوس كُشفت كل كتب العهد الجديد.
كان هناك شكوك لبعض الكتب الصغيرة: يهوذا، يوحنا III، وبطرس II، والرسالة إلى العبرانيين التي كان الشك فيها في أنها لبولس أم لا. ودارت حوارات حولها وانتهى الحوار برسالة القديس أثناسيوس في الفصح عام 367م (حيث كانت الإسكندرية مركز علمي كبير) التي كان يرسل فيها الوقت الدقيق للفصح وفيها قانون العهد الجديد (27 كتاباً). (الأناجيل الأربعة، أعمال الرسل، رومية، 1و2 كورنثوس، غلاطية، أفسس، فيلبي، كولوسي، 1و2 تسالونيكي، 1و2 تيموثاوس، تيطس، العبرانيين، 1و2 بطرس، يعقوب، يهوذا، 1و2و3 يوحنا، رؤية يوحنا.).
تقرأ في الكنيسة كل الأسفار ماعدا الرؤية. لم تقرر الكنيسة قراءات منها لأن كثير من المسيحيين سقطوا في الهرطقة الألفية لسوء فهمهم لها.
أما الكتب القانونية الثانية أو التي لم تدخل في القانون الأساسي المسماة akano1nhsta فقد نصح الآباء بقراءتها فقط، ويقول القديس يوحنا الدمشقي عنها:"إن هذه الكتب تدعى مفيدة ومعزية، لكنها لم تُحصَ مع الكتب الأولى"[2].
قانون الأسفار المقدسة يسمى kanw1n، والمراد به هنا مجموعة الكتب التي قررت الكنيسة أنها موحى بها من الله، وأعلنتها بين المؤمنين كقانون للحقيقة. إلاّ أن بعض الكتَّاب أرادوا تزييف الحقيقة فخلطوها بالهرطقة ونسبوها إلى رجال قديسين أو رسل ليعطوها أهمية كبيرة، هذه الكتب تسمى أبوكريفا apo1krufa.
الكتب المنحولة (apo1krufa):
تطلق كلمة أبوكريفا على ما يسمى الكتابات المزيفة وهي في أغلبها ظهرت في القرن الثاني ميلادي بعد رقاد الرسل، ولكي تأخذ لها مكانةً هامة نسبت إليهم زوراً، بدأت هذه الكتابات بالظهور في الكنيسة نتيجة دخول كثير من أتباع الفلسفة اليونانية إلى المسيحية والذين كانوا من الطبيعي أن ينظروا إليها من خلال الفلسفة القديمة. وقد ساعد على حركة تأليف مثل هذه الكتب المذاهب الغنوسية وتعاليمها السرية. وأصبحت كلمة أبوكريفا تعني كتباً أقل أهمية وأضعف سلطاناً من أسفار العهدين القديم والجديد. لذلك أعلنت الكنيسة رفضها لها وأمرت المسيحيين ألاّ يطالعوها إذ لا فائدة فيها فهي متنوعة الأشكال فمنها ما له شكل إنجيل ومنها ما له هيئة أعمال رسولية، ومنها ما هو بصورة رسائل أو مراقٍ أو كرازات أو رؤى، ومعظمها وضعت لتشويه الإيمان القويم وكتأييد لتعليم وخيم حديث والباقي منها وضع من قبل مسيحيين صحيحي الإيمان ضمنوها تعاليم تنسجم مع العهد الجديد، وكان الغرض منها تكميل سيرة المخلص مجاراة لرغبة العامة في الوقوف على الحوادث التي لم ترد عند الإنجيليين الأربعة كالنزول إلى الجحيم مثلاً، كما جاء بعضها للبنيان الروحي مثل إنجيل يوسف الذي كُتب لبيان علاقة يسوع المسيح بأبويه فأظهر صفات الطاعة والحنو، لكن وجدت بين طيات هذا السفر خرافات أوجبت نبذه، وهذا النمط من الكتب ليس بغريب وهو معروف قبل المسيحية، فقد انتشر بين اليهود القدماء مثلاً كتب مثل كتاب أخنوخ وكتاب التكوين الصغير وكتاب صعود موسى، وكلها تتضمن خرافات تزيد الكتاب تشويقاً، فضلاً عما نُشر من كتب منسوبة إلى البطاركة منذ زمن نوح حتى موسى. وقد سهّل انتشار هذه الكتب عدم تقرر قانون العهد الجديد رسمياً، وبانتشارها ازداد تحديد قانون العهد الجديد غموضاً، مما أوجب على آباء الكنيسة شدة التدقيق لإبراز الحكم الصحيح. والأناجيل الأبوكريفا التي وضعها قوم غير قويمي الإيمان هي: إنجيل العبرانيين وإنجيل بطرس وإنجيل المصريين وإنجيل برثلماوس وإنجيل متياس وإنجيل يهوذا الإسخريوطي وإنجيل فيليبس وإنجيل مركيون وإنجيل حوّا وإنجيل الحقيقة وإنجيل برنابا[3].
* أما أشهر الأناجيل التي كتبها مسيحيون صحيحو الإيمان إكمالاً لسيرة المخلص التي سكتت عنها الأناجيل، فأتت من عندها بما يملأ الفراغ في حياة يسوع، وبشكل خاص من ولادته حتى ظهوره في الأردن، فالمؤمنون يريدون بإلحاح معرفة حياة معلمهم وأعماله وأقواله، فَكُتِبَ لهم، وهذه الكتب نسبت إلى أحد الرسل أو لشخصية مهمة في القرن الأول ليعطيها مصداقية وسلطة. وهي: إنجيل يعقوب أخي الرب، تاريخ يوسف النجار، إنجيل طفولية وأحداث يسوع، وإنجيل لوقا. هذه كلها متضمنة حوادث عن المخلص في بدء حياته.
* أما الأناجيل المتضمنة أحاديث عن أواخر حياته على الأرض فهي: إنجيل نيقوديموس، رسالتان أرسلهما بيلاطس إلى طيباريوس، كتاب بيلاطس، ورسالة تعزى إلى حاكم يدعى لندولس ساسَ اليهودية قبل بيلاطس.
وهناك كتب كتبت لكي تظهر ألوهية المسيح في حياته كلها. لذلك أوردت هذه الكتب المنحولة عدداً من الخوارق والمعجزات التي يكاد يكون المسيح فيها ساحراً وصانعاً للخوارق.
* أما الكتب المزورة الواردة عن أعمال الرسل فهي: كتاب أعمال بولس وتقلا، أعمال أندراوس، أعمال برنابا، أعمال توما، وأعمال بطرس وبولس.
أفيَد هذه النصوص الأبوكريفية لتاريخ كنيسة أنطاكية وال††††††† في القرن الثالث إنجيل يعقوب وإنجيل بطرس وأعمال يوحنا وأعمال بولس وأعمال بطرس وأعمال توما وأعمال أندراوس ورسالة الرسل.
ـ إنجيل بطرس كما نعرفه اليوم يعود إلى النصف الأول من القرن الثاني (120-130)، ويحمل آثاراً تدل على أنه كتب في سورية، قال بالتشبيه أي أنهم لم يصلبوه بل شبه لهم، فإنه يستعيض عن النص "إلهي إلهي، لماذا تركتني؟" بالعبارة "قدرتي قدرتي، لقد تركتني"، وتقع مسؤولية صلب المسيح في هذا النص على اليهود بأكملها، يذكر هذا الإنجيل موضوع إخوة يسوع من امرأة ليوسف قبل مريم.
ـ إنجيل يعقوب يعود إلى 150-180 في بعض أقسامه، أما النص بكامله كمجموعة فتعود للقرن الرابع، وعلى الرغم من قوله بأن يعقوب أخا الرب أول أساقفة أورشليم هو الكاتب، فإن الباحثين يرون أن شخصاً أقل اطلاعاً على جغرافية فلسطين من يعقوب هو الذي وضع هذا السفر وانه من المقيمين في مصر، ولعل الغاية الأساسية من جمع أخباره إثبات عذرية العذراء قبل ولادة السيد وبعدها بشتى التصاوير، بطريقة تقيم يسوع ومريم وسط تاريخ الخلاص. ، وهو أغنى المصادر الأولى عن أخبار يوسف وطفولة يسوع.
ـ أما كاتب أعمال يوحنا فإنه أسيوي عني بجمع أخبار يوحنا الحبيب في آسيا الصغرى فذكر رحلاته وعظاته وعجائبه فيها، دون في منتصف القرن الثاني، قال بالتشبيه.
ـ وإنجيل توما يثبت كون يسوع المسيح إلهاً من خلال صنعه بكلمته طيراً من طين.
تعود الكتب المنحولة في معظمها إلى القرون المسيحية الأولى، وظهرت في اللغات المعروفة (العبرية، اليونانية، الآرامية، اللاتينية، العربية).
كانت سيرة يسوع المسيح سيرة شفوية يتناقلها المسيحيون جيلاً بعد جيل ولم يكن هناك سيرة مدونة ومتفق عليها. كان هناك اعتقاد لدى المسيحيين الأول أن المسيح سيعود ثانية إلى الأرض قريباً في زمن التلاميذ أنفسهم مما أدى إلى قناعة المسيحيين بأنه لا حاجة بهم إلى نص مكتوب يحفظ سيرته لأنه قريباً سيعود بنفسه ويقيم مملكته على الأرض، فلما اتضح لهم زيف هذا الاعتقاد ولما بدأت المشكلة تظهر عند موت الذين شاهدوا الأحداث بدأ تدوين الحوادث.
ما يهمنا في هذا البحث أنه من القرون الأولى قام الكثيرون بتأليف الأناجيل وقام كل واحد بوضع تصوره الخاص لسيرة المسيح طبقاً لثقافته والمناخ الفكري والديني والخرافي الذي نشأ وتأثر به. فمن الذين اخترعوا هذه الأناجيل من كان يهودياً يعتز بالعهد القديم وتعاليمه وعقائده وطقوسه وشرائعه، فقام بتأليف إنجيل يغلب عليه الفكر اليهودي ويظهر فيه المسيح كمعلم، وخير مثال هو إنجيل الأبيونيين الذي جعل من المسيح مجرد نبي ورسول ونفى عنه الألوهة.
ومنهم من كان متأثراً بالفكر الغنوصي الذي كان يرى أن لمادة شراً وأن هناك صراع بين النور والظلمة، لذلك جاء تصوير المسيح في أناجيلهم على أنه روح وليس مادة فقالوا بأن الجسد الذي كان ليسوع مجرد خيال ولذلك أنكروا الصلب والقتل، وقالوا ما ملخصه: "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم".
نسجت الفرق المسيحية الأولى حول المسيح الكثير من المعجزات والخرافات في مرحلة طفولته المسكوت عنها في الأناجيل الأربعة، فقام معلمي وقادة هذه الفرق بكتابة تراث ضخم من الكتابات التي تكشف عن عقائدهم وفلسفاتهم وخرافتهم في شخصية المسيح، ومن بين هذا التراث الأبوكريفي ما يعرف بأناجيل الطفولة والتي تتناول طفولة المسيح التي جعلوا منها طفولة مفعمة بالمعجزات والقدرات التي تخالف ناموس الطبيعة.
[1]-رسالة القديس أثناسيوس 39 في الأعياد.
[2]-شرح الإيمان الأرثوذكسي للقديس يوحنا الدمشقي.
[3]-إنجيل برنابا ظهر مؤخراً في القرن السادس عشر وقد أظهر الإسلام اهتماماً كبيراً به، لأنه يذكر محمد. إلاّ أن الدراسات أثبتت أن مؤلفه راهب اعتنق الإسلام فأراد إظهاره على أنه دين الحق.

