صلواتك ابونا الحبيب والشكر كل الشكر لك على هذه المعلومات الرائع
ولكي يتسنى للجميع قراءة الملف المرفق قمت بنقله هنا
تقبل احترامي وتقديري ابتي
تقنية رسم الأيقونات
تكمن خلف تقنية رسم الأيقونة الأرثوذكسية قرون من التقاليد. فبالعودة إلى أكثر العصور القديمة بُعداً نجد أن هذه التقنية في الرسم قد حُفظت بعنايةٍ فائقةٍ وسُلمت يداً بيدٍ من جيلٍ إلى آخر عائدين بذلك إلى أصلها في مدينة القسطنطينية ومن هناك إلى العصور الأقدم. بالطبع ظهرت مواد جديدة على مرّ الزمان، لكنها دُرست بعنايةٍ فائقةٍ وتم تكييفها مع رسم الأيقونات ومن ثم طُوّرت هذه التقنية على مرّ قرونٍ من التجربة وشكّلت طريقة تقليدية في الرسم لا تزال مستعملةً من قبل رسامي الأيقونات المعاصرين وغالباً بلا تغيير.
إن تحضير الأيقونة للرسم هي عملية مكونة من سلسلة من المراحل التي تتطلب مهارة كبيرة وتجربة من قبل رسام الأيقونة.
رسمت الأيقونات غالباً على الخشب. وعملية الاختيار هنا لها أهمية كبرى في رسم الأيقونة وفي وقايتها والأكثر ملائمة لهذه العملية هي الألواح المنتجة من الأخشاب غير الراتنجية مثل الزيزفون، الصفصاف (جار الماء)، البتولا (الذي يتماسك جيداً مع الأرضية)، السرو، وكثيراً ما يستعمل الصنوبر ولكن الأنواع الأقل راتنجية.
اللوح المختار للأيقونة يجب أن يكون جافاً تماماً وبدون عقد خشبيةٍ. ويجب أن يكون قد دُرسَ جيداً لتحاشي إمكانية انحنائه المبكر أو تشققه. من الخلف يعشَّق هذا اللوح مع دعامتين خشبيتين من نوع خشب أقسى. وعادةً ما يجوّف وجه اللوح الخشبي فالحواف التي تنتج عن ذلك يمكن أن تخدم كإطار للأيقونة. ولهذا الإطار الطبيعي أهمية في تقوية الأيقونة ضد الانحناء كما يسمح لليد بالاستناد على الخشب من دون لمس الألوان أثناء العمل.
للحصول على ترابط أقوى مع الأرضية يُجرَّح سطح اللوح الخشبي بآلةٍ حادةٍ ثم يغطّى هذا السطح الخشن بالغراء السائل ويجفف جيداً[1]، بعد هذا تلصق قطعة من قماش الكتّان وهي مهمة جداً لأنها تمسك أرضية الرسم مع اللوح الخشبي بقوةٍ. كما أنها تحمي اللوح الخشبي من التشقق والتقشر عندما يبدأ اللوح بالانحناء مع الزمن.
المرحلة الثانية هي تحضير الأرضية وهي عملية هامةٌ. لتحضير هذه الأرضية يستعمل البعض مسحوق الرخام أو الجص العالي النوعية مع غراء من نوعٍ ممتاز[2]. يغطّى اللوح بطبقات متعددةٍ ومتتالية من مزيج الغراء والجص. ويجب أن نهتم بجعل كل طبقةٍ من الطبقات أرق ما يمكن. يكون عدد هذه الطبقات ما بين ثلاث وثمان طبقات معتمدين في تقدير ذلك على انسجام الأرضية.
بعد ذلك تجفف وتنظف كل طبقة على حدة وذلك بصقل الجص الزائد وإزالة الغبار بعناية. والجدير ذكره أنه كلما زادت الطبقات رقة كلما تماسكت مع بعضها البعض بشكلٍ أفضل, كما يجب أن تكون الأرضية قاسية مع متانةٍ مناسبةٍ و في مظهرها النهائي بيضاء ناعمة خاليةً من التشقق والتجعد.
بعد أن جهّز اللوح الخشبي بهذا الشكل يُنفذ عليه رسم الأيقونة المختارة وذلك بفرشاةٍ أو بقلم رصاصٍ. بالنسبة لرسام أيقوناتٍ متمرسٍ تُرسم الأيقونة من مخيلته إذا كان الموضوع مألوفاً، يقوده في ذلك موضوع الأيقونة ومعناها. أما إذا كان الموضوع غير مألوفٍ فهو يستعين عند إذٍ بالأيقونات الأخرى و بنماذج الأيقونات أو بالمخططات الأولية وما إلى ذلك[3].
يُحفر الرسم على الأرضية وذلك على طول الخطوط الخارجية والرئيسية بأداةٍ حادةٍ كالإبرة تدعى (المِرقَم). هذه الطريقة المتخذة من رسم الجداريات تعتبر عوناً كبيراً أثناء العمل لأنها تحفظ الخطوط الأصلية بعد أن تغطى بالألوان. عند الانتهاء من هذه العملية تُمسح الخطوط التمهيدية بعنايةٍ وحذرٍ. لكنّ اعتماد هذه الطريقة ليس إلزامياً فإذا لم ينسجم مخطط التصميم مع متطلبات التأثير اللوني يمكن أن تعدل خطوط الرسم.
إذا كان هناك مناطق ذهبية فيجب أن تُذهّب قبل البدء بعملية الرسم وهذا أفضل كي يلتحم الذهب مع الرسم. وهذا الأمر ينطبق على كل المناطق الواجب تذهيبها صغيرةً كانت أم كبيرةً مثل الخلفية والفتحات وما إلى ذلك. تتم تغطية المناطق المختلفة عادةً برقائق الذهب وذلك بعمليةٍ مرهفةٍ تتطلب مهارةً وتجربة كبيرتين.
بعد التذهيب وجفاف اللوحة تُزال بعنايةٍ الزيادات من رقائق الذهب وتبدأ عملية الرسم الفعلية. لهذا الغرض نأخذ أولاً صفار البيض (المح) الطازج الذي يحرر من البياض وذلك بتحريكه من راحة يدٍ إلى أخرى (لأنه إذا دخل البياض في تركيب الألوان سيسبب في تشققها). بعد هذا يوضع الصفار في كأس ويضاف إليه نفس مقداره من الخل النقي ويمزج جيداً[4]. بعد هذا يحرك المحلول الناتج قبل كل استعمال. وتحفظ البقية في زجاجةٍ محكمة الإغلاق للاستعمالات القادمة.
الألوان المستعملة في رسم الأيقونات هي الألوان الترابية الطبيعية، أما الألوان الصناعية فلا تستعمل إلا كمواد إضافية. كما يكون رسام الأيقونات مقيداً بمعنى الأيقونة أثناء رسمها كذلك يكون مقيداً بحقائق الأشخاص وبالألوان الرمزية الأساسية لملابسهم (مثل أن يكون الشعر رمادي أو بني قاتم وما إلى ذلك. أو أن يكون المقصود بالرسم شيخاً أو شاباً...). والرسام حرٌ تماماً في اختيار ألوان المناظر الطبيعية والمعالم الهندسية وما إلى ذلك. فتكون مجموعة الألوان عند كل رسام أيقوناتٍ خاصةً تمام الخصوصية.
تستعمل هذه الألوان والأصباغ على شكل مساحيق ناعمة جداً، تُحل في صفار البيض المحضر سابقاً. وتختلف كمية صفار البيض المضافة إلى الأصباغ من لونٍ إلى آخر، مثلاً الأبيض والأصفر الداكن (الأوكرا) والأزرق والبني المصفر تتطلب كميةً أكبر من البيض مقارنةً بالألوان الأخرى، والحصول على نسبةٍ صحيحةٍ من البيض والصباغ عملية تعتمد بالكلية على تجربة رسام الأيقونات. على كل الأحوال عندما تجف الألوان يجب أن تكون لها لمعةً جافةً وذات ثبات قوي. أما إذا كان هناك الكثير من صفار البيض فتكون النتيجة ألواناً لامعةً سريعة التشقق. ومن جهة أخرى إذا كان صفار البيض قليلاً أصبحت الألوان سريعة الزوال.
هذا النوع من الألوان ثمين جداً وملائم للرسم إذا تم تحضيره بدقة، وهي ملائمة للعمل بالفرشاة وللطلي على طبقات. كما أنها تجف بسرعة مثل الألوان المائية مما يسمح بالعمل السريع وهي من جهة أخرى لا تزال بسهولة وتزداد متانة مع الزمن ولها مقاومة تحت أشعة الشمس أعظم من مقاومة الألوان المائية والألوان الزيتية.
يبدأ رسم الأيقونة بعدة طبقات متتابعة. في البداية تُغطى كل الأيقونة بالألوان بحيث تُغطى كل منطقة بلونها الأساسي وبدون أي درجاتٍ فاتحة كانت أم معتمة. وللمحافظة على بنية خطوط الأيقونة يعاد رسم الخطوط الخارجية والأساسية المحفورة سابقاً وذلك بدرجةٍ أعتم ومن اللون نفسه.
تستعمل طريقتان للعمل على كل الأيقونة ما عدا الأجزاء الظاهرة من الجسم، الأولى هي وضع المناطق المعتمة بألوان سائلة وترك المناطق المضاءة بدون تلوين. أما الطريقة الثانية فتكون باستعمال درجة اللون الأساسية للمناطق المعتمة ومن ثم بناء المناطق المضاءة عن طريق عدة طبقات من الألوان تتعاقب بالإنارة من الأعتم إلى الأفتح مختزلين مساحة الضوء في كل طبقة نرسمها بالتعاقب، وبتظليل هذه الطبقات تدريجياً باتجاه المناطق المعتمة. في هذا العمل تستعمل للتغطية الأولى الألوان السائلة وذلك بطبقات شفافة تسمى. وهي طريقة استعمالها بشكل أو بآخر يعتمد على مهارة الرسام وفنه وتتطلب منه معرفة وتجربة كبيرة ، لأن عليه أن يأخذ بالحسبان النتائج السلبية والإيجابية لكل طبقة تظهر تحت الأخرى متضمناً في ذلك الخلفية البيضاء الأساسية.
ترسم الوجوه والأجزاء الظاهرة من الجسم بنفس الطريقة ودائماً من المعتم إلى الفاتح. وهذه الطريقة في الانتقال من المعتم إلى الفاتح تعود إلى فن التصوير الإغريقي.
هكذا تكون طبقات الألوان قد توضعت الواحدة فوق الأخرى. وتكون الأيقونة قد أنجزت وفقاً للمتطلبات والشروط التقليدية المتوارثة. بعد هذا توضع الكتابات الضرورية وتجفف الأيقونة المكتملة لعدة أيام.
إن هذه باختصار رؤوس أقلامٍ في عملية رسم الأيقونة. هذه العملية التي تتطلب على الأقل بعض المعرفة بالمواد المؤلفة والمهارة بالتعامل مع هذه المواد. إن رسام الأيقونة ليس كالرسام المعاصر فهو في الماضي كما في يومنا هذا له دورٌ أساسيٌ في عملية صنع الأيقونة منذ البداية وحتى النهاية. وهو على الأقل يعرف المواد الداخلة في عمله كما يعرف ميّزاتها آخذاً في الحسبان حسناتها ومساوئها.
يلاحظ أنه على الرغم من التعقيدات والصعوبات في العمل مع البيض والألوان الترابية لم تُضَمّ الألوان الزيتية عند ظهورها مؤخراً إلى رسم الأيقونات حتى انحط هذا الفن. في روسيا على الخصوص لم تستعمل الألوان الزيتية في رسم الأيقونات حتى القرن التاسع عشر ومع ذلك بشكلٍ جزئي. إن سبب ذلك يعود إلى الطابع الحسي للألوان الزيتية والذي لا يستطيع التعبير عن الغنى النسكي والروحي الذي للأيقونة.
الميزة الأساسية في تقنية رسم الأيقونات هي اختيار المواد الأساسية الداخلة في تركيب الأيقونة. ففي مجموعها تُبرز هذه المواد مشاركة العالم المنظور الكاملة في الأيقونة وهذا يتضمن رموزاً من عالم النبات والحيوان والجماد.
أكثر هذه المواد الأساسية (الماء، الجص، الأصباغ، البيض، ..) قد أُخذت بشكلها الطبيعي ونقيت وجهزت ليقدمها الإنسان من صنعة يديه لخدمة الله. قال النبي داود عند مباركته لمواد بناء الهيكل: (لأن منك الجميع ومن يدك أعطيناك...) وهذا كلام يلاءم الأيقونة حيث المادة تَخدم لتُعبّر عن صورة الله. وتأخذ هذه الكلمات أكبر دلالاتها في الليتورجبيا المقدسة عند تقديم القرابين لتتحوّل الى جسد ودم المسيح الحقيقيين: (التي لك مما لك نقدمها لك على كل شيء ومن جهة كل شيء).
ترجم بتصرف عن
Leonid Ouspensky
[1] عادة لمدة أربعٍ وعشرين ساعة.
[2] أرضية الجص أقل استمرارية و مقاومة ومن أرضية الرخام ولكنها أرخص وأكثر ملائمة للعمل. إن أبسط وصفة مستعملة من قبل أكبر عدد من رسامي الأيقونات المعاصرين هي التالية:
12 غرام من الجيلاتين تُحل في 200 غرام من الماء الساخن (في الماضي استُعمل غراء السمك وكانت عملية التحضير مختلفة عن هذه) يستعمل هذا المحلول الساخن لعمل لتغطية الأولى للوح الخشبي وللصق قماش الكتّان . يجب الانتباه الى أن الطبقة الأولى تصنع من محلول أقوى من أي بإضافة ثلاث ملاعق طعام طافحة من الجص الى المحلول السابق من الغراء والماء. هذا المحلول قابل للركود لذلك يحرك ويمزج ومن ثم يمد على اللوح الخشبي بواسطة الفرشاة. لصنع الطبقات اللاحقة يؤخذ نفس المحلول السابق مع إضافة خمس ملاعق طافحة من الطباشير. يتم تسخين المحلول قبل كل استعمال وذلك بغلاّية مضاعفة (أي ذات طبقتين تسخَّن محتويات طبقتها العلوية بغلي الماء في طبقتها السفلية، وذلك كي لايكون التسخين شديداً).
[3] التمرينات قد لاتكون قديمةً فقط بل حديثةً أيضاً.
[4] في الشتاء تستعمل كمية أقل من الخل وفي كلا الحالتين يكون الخل أقل كمية من صفار البيض. والجدير بالذكر أنه في إيطاليا يستعمل بدلاً من الخل عصير شجرة التين وفي ألمانيا البيرة أما في روسيا فيستعمل الـ(كفاس) وهو نوعٌ من أنواع البيرة.