الهدوئية[1]
نور في سماء الشرق المسيحي[2]
ألبرت دكر
هناك، إلى جبل آثوس المبارك[3] القائم على الحدود، بين تخوم هذا العالم وتخوم ما فوق الطبيعة، وصل أحد طلاب الفلسفة بعد أن مشى طويلاً في طريق صاعدة ومكسوّة بالحصى وضيقة. قد كان صعوده، خطراً. إذ كان إلى يساره صخور صمّاء ملتهبة من حرارة الشمس، وإلى يمينه هوة سحيقة ومخيفة، وفي أسفلها شاطئ البحر. قيل له إنه سيجد هناك نسّاكاً، لهم سحنة غريبة ومظهر كالمعتوهين. إلا أن هذا لم يمنعه من أن يُصِرَّ على الذهاب إلى ذلك المكان المقدس – كما قالوا له – يحدوهُ أملٌ في أن يتعرّف عليهم، أو أن يرى هناك صورة الله المتجسد في هيئة إنسان أكثر منه في صفحات الكتب التي كان يطالعها. وهناك وجد شيخاً أشعث الشعر واقفاً أمام كوخ حقير وبين أصابع يده مسبحةٌ من خيوط الصوف؛ علم فيما بعد أنها صنعت من الصوف لكي لا يصدر عنها أصوات عندما يسبح بها الشيوخ فتخدش هدوء صلواتهم. ابتسم له الشيخ، على غير ما كان ينتظر. وبإشارة من إبهام يده، أفهمه ضرورة السكوت. ثم ابتعد الشيخ، تاركاً إياه يتأمل الوادي السحيق والبحر البعيد، ويراجع أفكاره وتخميناته. وبعد ساعة ونصف الساعة، عاد الشيخ ومعه دَلو ماء وعلبة معدنية قديمة. فهم الفيلسوف أن الشيخ الصامت غاب عنه هذه المدة، ليجلب له الماء فيروي عطشه في ذلك الجو الحار. شرب، وارتوى. ثم سأله الفيلسوف إيضاحاً عن "الصلاة القلبية" التي قرأ عنها في مؤلفات الراهب ايفاغريوس البنطي، فأجابه قائلاً: "قَبل أن تتكلم عن الصلاة القلبية، عليك أولاً أن تعرف كيف تتأمل مثلما يتأمل الجبل". وحسب وصية الشيخ، كان على الفيلسوف أن يجلس على الأرض مثلما يستوي الجبل على قاعدته، بحيث يكون وجوده راسخاً. ثم يبقى من غير حركة، ورجلاه متصالبتان وجذعه مرتفع عن ركبتيه، ويظل ساعات طويلة في هذه الوضعية وتنبسط الأبدية أمام ناظريه. نفّذ الفيلسوف هذه التعليمات عدة أيام كان الشيخ خلالها يأتيه يومياً ليزوره، ويتناول كل واحد منهما قرصاً من البندورة وبعض حبات الزيتون يجلبها الشيخ. انتهت هذه المرحلة، فأمسكَ الشيخُ بساعدِ الفيلسوفِِ وأخذه إلى حديقة ذات أعشاب وزنابق، وقال له: "ها نحن قد انتهينا من التأمل، كالجبال الصامتة. عليك الآن أن تتأمل مثل زنبقة الحقل، ولكن من غير أن تنسى الجبل. وبدأ الفيلسوف يتأمل الزهرة التي تشرئبُّ نحو الشمس، متطلعة نحو الجمال والنور. وبدأ يشعر أنه مثلها قادر على أن ينتصب كعمودٍ يتطلع نحو العليّ، تماماً مثل تلك الزنبقة التي ما إن يجنَّ ربيعها، حتى تبدأ بالذبول. وإذا كان الجبل قد وحى إليه بالأبدية، فإن هذه النبتة البسيطة علّمته أن يفرح بربيع الحياة الذي يأتيه مجاناً من عند الخالق، وأن يقبل المصير الذي لا بدّ منه وهو النهاية. في مرحلة ثانية، علّمه الشيخ كيف يتأمل البحر ويستلهم من موسيقى أمواجه المتتابعة في مدِّها وجزرها أفكاره العديدة، وكيف يجعل أنفاسه تتناغم مع حركة الموج. ثم علّمه كيف يتأمل المحبة في طيور السماء، إذ أخذه إلى محبسه حيث كان يعيش معه زوج حمام مع هديلهما المستمر. فأخذ يتمتم مثلهما، صلاة هادئة تذكر فيها نعمة الخالق. ثم جعله يتأمّل مثل إبراهيم، أبي المؤمنين، وكيف يمارس الكرم ويقدّم أكواب الماء للعطشى والطعام للجائعين، مؤكداً بذلك المحبة المتأصلة في كيانه، محبة الناس كل الناس، الأصدقاء منهم والأعداء. محبة مجانية قد تصل إلى حدود التضحية، مثلما فعل ابراهيم عندما حاول أن يقدم ابنه اسحق ضحية للخالق، أو مثل المسيح الذي ضحّى بنفسه وأحبَّ الأعداء وطلب العفو عن جلاّديه، وعطف على المقعدين والمرضى والبغايا. وفي هدأة الليل كان ينزوي وحده، يصلي سرّاً أمام رب الخليقة الآب السماوي.
بقي الفيلسوف بضعة أشهر في جبل آثوس. فتجذّرت فيه "صلاة يسوع"، الصلاة القلبية، كما فسّرها له الشيخ، وأصبح يردد في قرارة نفسه، قول بولس الرسول: "لست أنا الذي أحيا، بل المسيح يحيا فيَّ". بعد ذلك سمح له الشيخ بالمغادرة، فعاد إلى بلاده حيث بدأ حياة جديدة متماشية مع ما تدرب عليه عند الشيخ. وكان عند شعوره بالضيق، يجلس ليتأمل كالجبال. وعندما يتسلط عليه الكبرياء، يتذكر زنبقة الحقل. وعندما تنتابه غمامة من الحزن، يتنشق النسيم الآتي من جهة البحر، فتغمر كيانه صلاة صامتة يرفعها إلى الله القدوس كما ترتفع أبخرة المباخر في الكنائس. وأصبح يستقبل كلّ آتٍ إليه بابتسامة يُجَمِّلُها الكرم وحسن الاستقبال، ويؤكد في ذلك محبته للناس، كل الناس، محبة خالصة مجانية. وكان بالتالي يعيش تلقائياً، حياة الهدوئيين.
مَنِ الهدوئيون؟ وما الهدوئية؟
الهدوئية: هي ترجمة للّفظة اليونانية HESYCHIA التي تعني الهدوء والسكينة. وهي حركة نسكية، تعود جذورها إلى أيام الرهبان الأولين في صحراء مصر وفي فلسطين وفي سيناء أيضاً. ومن هناك امتدت إلى كامل سوريا وإلى آسيا الصغرى وقسطنطينيا واليونان، ومنها إلى البلقان وانتشرت في مولدافيا وجنوب روسيا. وكان لها تأثير واضح في حياة المسيحيين الأرثوذكس وفي ثقافتهم.
لم تكن هذه الحركة في البدء محصورة في رهبان الصحراء، بل كان لكبار آباء الكنيسة حياة روحية متماشية معها، حتى أن بعضاً منهم كان في سدة الرئاسة في المدن الكبرى؛ من أمثال الآباء الكبادوكيين في القرن الرابع ونذكر منهم القديس باسيليوس والقديس غريغوريوس اللاهوتي والقديس غريغوريوس النيصَصي. فقد كانت حياتهم تحقيقاً حياً للهدوئية، كطراز حياة. وتبلور لديهم مفهوم الهدوئية، نظرياً وعملياً وفلسفياً ولاهوتياً. وأصبح هذا المفهوم بواسطتهم، نموذجاً للحياة الروحية والعقلية المسيحية الأرثوذكسية المتطلعة نحو معرفة الله.
إنّ أهم من مثّلوا الحركة الهدوئية ودافعوا عنها بحماسة أملتها قناعة تامة وإيمان عميق، هو القديس غريغوريوس بالاماس[4]. وكان له من الفكر الثاقب والخلاق ما جعله، وهو الذي كان يعتبر نفسه تلميذاً لآباء الكنيسة الذين تتابعوا من القرن الرابع حتى القرن الثامن، يرتفع ليصبح أبرع وأقوى مدافع عن الهدوئية – التي كان هؤلاء يشكلون نواة أفكارها – عقائدياً وفلسفياً بمواجهة من ناصبوها العداء والازدراء والتشنيع من أمثال الراهب برلعام الكالابري وجماعته (أدناه). كما أصبح أحد كبار آباء الكنيسة في الشرق الأرثوذكسي في كل ما يتعلق ليس فقط بنموذج الحياة النسكية بل وأيضاً فيما يتناول الفكر الفلسفي واللاهوتي مثله مثل الآباء الكبادوكيين الكبار والقديسين ديونيسيوس المنتحل ويوحنا السلمي ومكسيموس المعترف ويوحنا الدمشقي وسمعان اللاهوتي الجديد وغريغوريوس السينائي. وبفضل تعاليم هؤلاء – وغيرهم أيضاً – أصبحت الهدوئية طريقة حياة نسكية روحية فلسفية ولاهوتية طبعت الفكر المسيحي الأرثوذكسي في توقه لمعرفة الله والاتحاد به في إطار حرية تدخل الإنسان في علاقة محبة واتحاد شخصاني مع الإله الحي القدوس. وقد سبق للقديس مكسيموس المعترف، في القرن السابع، أن صرّح بأن الفلسفة اللاهوتية المسيحية تشكّل تجربة العقل والقلب في الاتحاد مع الله. وهذا الاتحاد يفترض وجود المعرفة المتبادلة بين الله والإنسان: قد قال الرسول بولس في رسالته إلى أهل غلاطية (4 : 9) " وأما الآن إذ عرفتم الله، بل بالحري، عُرِفتم من الله ...". وفيما يخص المعرفة قال القديس باسيليوس الكبير: "لقد وجدنا معنَيَيْن لكلمةِ حقيقة. الواحد يعني إدراك الطرق التي توصل إلى الحياة المغبوطة والآخر معرفة الأشياء الموجودة في كل مكان معرفةً سليمة. الحقيقة الأولى تسهم في خلاصنا، إنها حاضرة في قلب الإنسان الذي ينقلها إلى قريبه كما هي. أما الأرض والبحر والنجوم وحركتها وسرعتها، فإنْ كنا نجهل الحقيقة الخاصة بها فلن يعيقنا هذا البتة عن البلوغ إلى الغبطة الموعودة". سنتكلم عن المعرفة وعن الأسئلة التي دارت حولها والنقاش الذي حصل بشأنها فيما بعد، ولكننا الآن سنشرح الصلاة التي يختص بها الهدوئيون ويعتبرونها عبادةً روحية يدأبون عليها غير مهتمين بأي شيء آخر طيلة العمر.
الصلاة القلبية
هي الركيزة الأولى للهدوئية. فأول شرط في هذه الصلاة، التي تسمى أيضاً صلاة الرب يسوع، هو الصمت والتحرر من كل التصورات المادية بكافة أشكالها. في البداية، كان نصها كالتالي: "يا سيدي، يسوع، إبن الله، إرحمني!" ثم أصبح في القرن الثاني عشر: "يا سيدي، يسوع المسيح، إبن الله، إرحمني، أنا الخاطئ!" وهو مشابه لنص الصلاة التي كان يتلوها العشار في الهيكل (لو (18 : 13)). كان هذا النص يردّد مترادفاً مع وضعية للجسد من شأنها أن تساعد على التركيز. وكانت عملية التنفس تتناغم مع الصلاة المكررة ويكون الرأس مطأطأً وتلتقي الذقن بالصدر وتشخص العيون إلى القلب. وإذا كانت هذه هي طريقة الهدوئيين في الصلاة، إلا أنها لا تشكل جوهر الصلاة بالذات بل تساعد فقط على التركيز؛ ولم تكن يوماً شرطاً موجباً. ويعتقد الهدوئيون أن النعمة الإلهية لا تأتي عن طريق حركات الجسد، كما أنه ليس من تقنيات تؤدي إلى حالة التصوّف التي يسعى إليها الهدوئيون. ويرون أن أقصى ما يمكنهم الحصول عليه هو أن ينكشف لهم النور الإلهي غير المخلوق، المماثل للنور الذي رآه التلاميذ الثلاثة في أثناء تجلي السيد المسيح على جبل ثابور. وكان – ولا يزال – على الهدوئي لكي ينجح في صلاته، أن ينقّي نفسه من أي غضب أو شغف أو هوى، وأن ينصرف عن سائر المعيقات إلى التأمل والعبادة. وهذا النقاء يجعل القدرة الإلهية التي اكتسبها عند العماد قابلة لأن تتفاعل فيه بنتيجة الصلاة المتكررة والمتناغمة مع التنفس الهادئ ويصل الهدوئي إلى حالة من النشوة الروحية وتغمره أشعة من النور الإلهي، الذي يؤمن الهدوئيون أنه هو ذات النور الذي ظهر للتلاميذ في أثناء التجلي. وكانت هذه الصلاة أنجع الطرق أمام الرهبان لتمضية أوقاتهم، بالإضافة إلى أنها قد تؤدي بهم إلى الانخطاف ومشاهدة النور الإلهي كما ذكرنا.
عناصر الهدوئية
هناك عنصران يميزان الهدوئية وهما:
1- الاعتقاد بأن التأمل الهادئ هو أسمى ما يمكن للإنسان أن يعتمده ليصل إلى ما يسعى إليه.
2- التأكيد على التمييز الصحيح بين الجوهر الإلهي وبين القوى الإلهية.
كان اللاهوتيون في الأصل قد أبرزوا هذين العنصرين فيما سبق وأكدوا أن الوصول إلى معرفة الله تقتضي نقاوة في الروح تأتي عن طريق الصلاة ولا تأتي نتيجة البحث العلمي. وكان لكل من كلمندوس الاسكندري وديونيسيوس المنتحل دور في السعي للاقتراب من الوضع الهدوئي الصحيح. إلا أن الراهب القديس سمعان اللاهوتي الجديد هو الذي طوّر مبادئ وطريقة الهدوئية بشكلها المفصّل حتى أنه كتب مبادئ الهدوئية. كان يقول: "إنه للوصول إلى الاتحاد مع الله في أثناء التأمل – وهو أسمى ما نسعى إليه في حياتنا- يجب المواظبة على نظام تربوي يبدأ بالعماد ويتابع بالتمرن على العمل النسكي برعاية مسؤول، بعيداً عن السفاسف وعن الشعوذة".
هذا من جهة التأمل والصلاة اللذين يشكلان العنصر الأول من عناصر الفكر الهدوئي. أما العنصر الثاني وهو التمييز بين الجوهر الإلهي والقوى الإلهية، وهو العنصر الذي كان محط انتقاد المدرسين الجدليين الغربيين، فهو أيضاً متجذر في أفكار آباء الكنيسة وله أصول بعيدة نبعت من الفكر الأفلاطوني الذي كان يعتبر أن الإله لا يمكن الاقتراب منه وأن القوى الإلهية كان أبطالها من أسماهم: صناع الكون DEMIURGES، الذين خلقوا العالم المادي وهم بالتالي وسط بين الله والمخلوقات. آباء الكنيسة، بعد كلمندوس الاسكندري، إذ كان لهم خلفيات أفلاطونية، نادوا بالتمييز بين جوهر الله الذي لا يمكن الاقتراب منه وقوى الله. فالله يسمو فوق كل الأشياء. وهو المطلق وغير المحدود وغير المدرك. لا عين تراه، ولا فكر يتصوره. وكل ما يمكننا معرفته عنه، هو عمله. وبهذا وضعوا أسس التمييز بين الجوهر الإلهي الذي لا يمكن الاقتراب منه، وبين القوى الإلهية التي يمكن الاقتراب منها. وأوردوا أمثلة، تُمَكِّنُ الإنسان من أن يستوعب هذا التمييز. من هذه الأمثلة: الشمس وأشعتها. فالأشعة تصدر عن الشمس ولكنها ليست الشمس.
التصوف الهدوئي
الاتحاد بالله
كان لدى البيزنطيين غناهم الخاص في صوفية متجذرة فيهم تُصوّر توقهم إلى الله. وفي تصوفهم الإلهي كان لهم طريقتان لم تكونا بالضرورة متعارضتين على الرغم مما توحي به النظرة الأولى. الطريقة الأولى هي طريقة التنزيه وتتعلق باللاهوت السلبي في الله والطريقة الثانية هي طريقة الاتحاد وترتبط باللاهوت الإيجابي في الله. وتتلخص طريقة التنزيه في أنها تبعد أوصافاً معينة عن الله، أي عن حقيقة الله كأن نقول مثلاً: الله لا يمكن أن يدركه عقل الإنسان. وفي هذا الصدد يقول القديس غريغوريوس النيصصي: "تكمن معرفة الله الحقيقية في أن الله لا يُرى وأن ما نسعى لمعرفته هو وراء كل معرفة ويفصلنا عنه ظلمة عدم الإدراك لدينا". شرح القديس ديونيسيوس المنتحل لاهوت التنزيه في مؤلف نُسب إليه. وقد كان للمؤلف المنسوب إلى القديس ديونيسيوس أثر واضح في الغرب اللاتيني وتردد ذكره 1760 مرة في كتاب الـمُجْمَل Summa لتوما الأكويني. حسب أحد مؤرخي القرن الرابع عشر، انتشرت أفكار ديونيسيوس الصوفية في انكلترا كالظباء الوحشية التي كانت تسرح في طول البلاد وعرضها. كما تبسط فيه القديس مكسيموس المعترف وأمّن له موقعاً دائماً في اللاهوت الأرثوذكسي. ونصل بهذه التوضيحات إلى القديس يوحنا الدمشقي الذي كتب: "الله أبدي وغير قابل لأن يدرك وكل ما يمكننا إدراكه عنه هو أنه أبدي أزلي وغير قابل لأن ندركه . فالله ليس من عداد الأشياء الموجودة ليس لأنه غير موجود وإنما لأنه فوق كل وجود بالذات".
طريقة الاتحاد
مع أن المسيحية الشرقية الأرثوذكسية تشددت في تعلقها بفكرة تسامي الله-اللاهوت السلبي- فإن هذا لم يمنع إمكانية الاتحاد الصوفي بالله كما قال القديس غريغوريوس النيصصي والقديس ديونيسيوس والقديس مكسيموس المعترف وغيرهم... وكلهم جمعوا بين طريقة التنزيه وطريقة الاتحاد، الشيء الذي أصبح فيما بعد تقليداً "الهدوئية". وهنا فرض نفسَه سؤالٌ كان لا بدّ من أن يجيب عليه الهدوئيون: كيف ينشد هؤلاء الهدوئيون اتحاداً مع الله، ويقولون في الوقت ذاته بأنه ليس بوسعهم إدراك الله؟ وهذا السؤال خيَّم على المجتمع المسيحي في القرن الرابع عشر، لكن القديس غريغوريوس بالاماس قدّم الإجابة على هذا التساؤل .
الصلاة
إذا كان إيفاغريوس ومثله أوريجانس، وبتأثرات أفلاطونية كانت سائدة وقتئذ، قال عن الصلاة بأنها عمل عقلاني أكثر من كونها تتمثل في وضعية معينة للجسد في أثناء الصلاة وليس لها دور في عملية العبادة فقد أتى الجواب على لسان القديس مكاريوس المصري الذي أشار إلى أن الروح والجسد يقومان بعمل مشترك. وبينما كان إيفاغريوس يتكلم عن العقل كان مكاريوس يحكي عن القلب على أساس أن القلب يختصر إنسانية الإنسان التي تشمل الفكر والعاطفة وحتى الجسد. فالقلب هو سيد البنية الجسدية وملكها وهو مستقر النعمة الإلهية التي – بالصلاة – تهيء المؤمنين لاستقبال النعمة ولامتلاك المعرفة الإلهية والوصول إلى الرؤية النورانية التي لن تكون رمزاً أو تخيلاً بل هي ظهور إلهي حقيقي معادل لحقيقة الظهور-التجلي على جبل ثابور.
[1]راجع النص ودققه الأب د. يوحنا اللاطي مسؤول قسم الليتورجيا والصوفيّة والأخبار الخارجية في هيئة تحرير النشرة البطريركية.
[2]كلمات شكر إلى سيادة راعي أبرشية اللاذقية وتوابعها المطران يوحنا لتشجيعه إياي منذ سنوات للولوج في باب البحث الديني المسيحي، الأب الارشمندريت ألكسي نصور الذي لم يبخل علي بالمؤلفات التي تبحث في موضوع الهدوئية وأكثر من ذلك ساهم في تصحيح بعض التعابير لكي تنسجم مع العقيدة الأرثوذكسية، الصديق إيلي قطيني لأنه أول من لفت نظري إلى موضوع الهدوئية في الأرثوذكسية وأرسل إلي مقتطفات من الموسوعة الكاثوليكية ومن مؤلف " البلقان في العصر الوسيط " للباحث جون فاين جونيور، الصديق باسيل بيطار الأستاذ في الأدب العربي الذي ذكرني بكتاب أديبنا الكبير الفيلسوف والشاعر المرحوم ميخائيل نعيمة.
[3]شبه جزيرة إلى الجنوب من سالونيك باليونان.
[4]ولد القديس غريغوريوس بالاماس العام 1296 في آسيا الصغرى من عائلة نبيلة وثرية اضطرت فيما بعد إلى الانتقال إلى قسطنطينيا للنجاة من زحف الأتراك العثمانيين. وهناك عاش في قصر الإمبراطور اندرونيكوس باليولوغوس الثاني، 1282 – 1325، وكان الأكثر ورعاً بين ملوك تلك الحقبة البيزنطية المتأخرة. التحق بالاماس بالجامعة الإمبراطورية ودرس الفلسفة الكلاسيكية وتعمق بأرسطو واعتبر المنطق الأرسطي تمريناً وطريقة صالحة للتفكير العلمي بخلاف أفلاطون الذي كان مذهبه ما ورائياً. العام 1316، وكان والد بالاماس قد توفي، كان عليه أن يهتم بوالدته وأختيه وأخويه والخدم الذين كانوا يلازمونهم. وبناء على دعوة إلهية وعلى غير انتظار من العائلة قرر فجأة أن يترهب. واقترح أن يدخل الجميع الأديرة وكان نصيب الوالدة وأختيه ومعظم الخدم أحد الأديرة القريبة. أما هو وأخواه فقد سلكوا الطريق الصعبة مشياً على الأقدام إلى آثوس، الجبل المقدس. وعاش هناك حياة رهبانية قاسية لا تزال مُتَّبَعَةً حتى الآن. وتمرس في الأدب الآبائي وعاش الصراع المستحكم بين الرهبنة النسكية أو الهدوئية والرهبنة الشراكتيّة أي بين الرهبان الذين ينزوون في صومعاتهم مصلين ليلاً ونهاراً بصورة متواصلة منقطعين عن العالم (مع بعض الاستثناءات القليلة إذ كان بعضهم يذهبون يومي السبت والأحد للمشاركة في القداديس مع باقي الإخوة) والرهبان الذين يشاركون ويشتركون في العمل والصلاة والليتورجيا وتلقي الأسرار غير معتكفين في مجالس صلاة مستمرة وهادئة. ماتت أمه في قسطنطينيا فذهب خصيصاً لحضور مراسم دفنها ثم اصطحب معه أختيه وأسكنهما في دير قريب منه. عاش مع أخويه في دير فاتوبيدي تحت رعاية راهب هدوئي يدعى نيقوديموس. ثم مات أخوه تيودوسيوس ومن بعده المعلم نيقوديموس. فقرر مع أخيه الثاني مكاريوس التوغل في الجبل المقدس نحو دير "اللافرا الكبير " الذي شكّل ملاذه الأهم طيلة حياته. وبسبب هجمات القراصنة الأتراك على الجبل قرر بالاماس ومعه عدد من الرهبان السفر إلى الأراضي المقدسة وسيناء. ولم يكن الحكم الإسلامي فيها آنئذ معادياً للمسيحيين بل كانت شروط حياتهم هناك ملائمة نسبياً بضمانة المسلمين. وكان الرهبان يرغبون في الانفتاح على بعض مذاهب الإسلام الروحية. وفي الطريق إلى الشرق توقف بالاماس في سالونيك حيث انضم إلى حلقة روحية كان مرشدها الأول ايزيدوروس تلميذ غريغوريوس السينائي، بطريرك قسطنطينيا فيما بعد. وكان الجوّ هناك يوحي بأن الهدوئية لا يجب أن تقتصر على الرهبان بل كان هناك تشجيع لممارسة صلاة يسوع خارج الأديرة. وما لبث غريغوريوس أن أصبح كاهناً في العام 1326 عن عمر 30 سنة. وبقي في منسك مع بعض الرهبان خمس سنوات في زهد قاس وعزلة تامة تدوم خمسة أيام في الأسبوع تملأها الصلوات يتبعها يوما السبت والأحد حيث كانوا يشتركون في القدسات مع الإخوة. وبين عامي 1335 و 1336 عُيّن بالاماس رئيساً لدير كبير يضم حوالي 200 راهب وباشر بحماسة متقدة عملاً إصلاحياً لم يرق للرهبان فاختلف معهم. عاد إلى منسكه. ثمة هموم بانتظاره يحضّرها له الراهب برلعام الكالابري. وفيما بعد عيّن مطراناً في سالونيك وهناك رقد بالرب في 27/11/1359. العام 1368، أعلن قداسته البطريرك المسكوني فيلوثيوس تلميذه وصديقه. يبقى بالاماس الأكثر تكريماً في سالونيك بعد القديس ديمتريوس شفيع المدينة.
