قبل أن يصنع الله الإنسان، رأى أن يعطي ويمنح، وجعل العطاء مغبوطًا، وفي العطاء سعادة، فأعطى من ذاته، من كيانه، وقال: "ليكن نور" يستنير به من سأصنعه على صورتي ومثالي ولتخرج له الأرض من جميع ما يحتاجه، من جميع الأصناف والأنواع، للقيام بأود حياته، دون تعب أو كدر، فكان أمر الربّ. وبعد أن أتمّ الله كلّ هذا ورأه حسنًا ونافعًا للإنسان ومفيدًا له، عندها صنع الإنسان وأعطاه صورته وشبهه، وأقامه سيّدًا على المخلوقات بأسرها.
قد بهرت داود هذه العطايا المتدفّقة على الإنسان فأنشد شاكرًا وسائلاً: "من هو الإنسان، يا ربّ الذي سلّطته على جميع أعمال يديك؟"
عطاء الله لا ينضب معينه، ولا تفرغ خزائنه، ولكن نحن البشر رأينا أن نحتكر هذه العطايا، ونختزنها خوفًا من أن نموت جوعًا، ونهلك بردًا، أو نفتقدها متناسبين قول الله: "انظروا طيور السماء فإنّها لا تزرع ولا تحصد ولا تحزن في الأهراء وأبوكم السماوي يقيتها، فكم بالحري أنتم أحسن منها!"
إنّ فرح العطاء أكثر سعادة من فرح الأخذ، "فتبارك العطاء الذي هو أكثر سعادة من الأخذ" فإنّ في العطاء مقدرة على رعاية من علينا أن نرعاه ونهتمّ به، إذ ليس هناك من يجب أن نعطيه، ومن لا يجب أن نعطيه. كلّنا محتاج إلى العطاء، وعلينا كلّنا، كما نأخذ، أن نعطي...
أوصى بولس الرسول تلميذه تيموثاوس: "وصّ أغنياء هذا الدهر... أن يصنعوا الخير فيغتنوا بالأعمال الصالحة، ويعطوا بسخاء ويشركوا غيرهم في خيراتهم".. "فإنّ الله يعطي بسخاء بلا حساب ولا عتاب". إنّ أفضل العطايا هو العطاء من القلب؛ لقد مدح الربّ يسوع الأرملة التي ألقت في خزانة الهيكل فلسَيْن هما كلّ ما لها: "إنّ هذه الأرملة الفقيرة ألقت أكثر من الجميع لأنّ هؤلاء ألقوا من الهبات (العطايا) من الفاضل عن حاجاتهم، أمّا هي فمن حاجتها ألقت جميع ما تملك لمعيشتها".
أي عطيّة أعظم من عطيّة الله للعالم بأسره؟ مع أنّنا خالفناه وما زلنا نخالفه في كثير من الأعمال والتصرّفات، ومع ذلك، أعطانا ابنه الوحيد مخلّصًا لنا، كي لا يهلك أحد ممّن يؤمن به، والابن، يسوع المسيح، بدوره أعطانا كثيرًا ممّا لا نستطيع أن نعدّ عطاياه: أعطانا ملكوت السماء. أعطانا الكهنوت، الذي كان حكرًا على عائلة واحدة في بني إسرائيل، وجعله عامًا شاملاً كلّ الناس، وأقام الكهنة والأنبياء الخ. وأقام الكهنة وكلاء أسرار الله، "كما عهد إليهم خدمة المصالحة بالمسيح وفي المسيح، واستودعهم كلمة المصالحة"...
أعطانا سرّ المعمودية الذي به نلبس الحلّة الأولى، ونلبس المسيح ذاته. وبالمعمودية الشاملة أصبحنا جميعنا أبناء الله بالإيمان، فلم يعد هناك فرق بين الناس. وأبناء العطاء بالمعموديّة وبها أيضًا أعطانا أن نخلع الإنسان القديم وأعماله وتصرّفاته، ونلبس الإنسان الجديد الذي به تتجدّد صورة الله التي خلقنا بها، ونصبح جميعنا إخوة ننادي، بكلّ دالّة: "أبّا، أيّها الآب"، فما أعظم هذه العطيّة!
أعطانا الروح القدس ومواهبه بلا حساب مع العلم أنّ كتاب أعمال الرسل هو إنجيل الروح القدس وإنجيل العطاء.
أعطانا فوق كلّ ذلك، جسده مأكلاً ودمه مشربًا لنتقدّس به ونتبرّر، وهذه العطيّة هي أثمن وأعظم العطايا على الإطلاق. ومنحنا محبته التي لا توصف، ولا يستطيع أحد أن يهب أحدًا مثل هذه المحبّة: "إذ ما من حبٍّ أعظم من هذا أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه"...
راح الرسل يعطون بلا حساب، فبطرس قال للكسيح، على باب الهيكل: "ليس لنا فضّة ولا ذهب، لكن أعطيك ما عندي، باسم يسوع المسيح الناصري: قم وامش...". وعليه فلا قيمة للعطاء إن لم يكن هذا العطاء من أعماق القلب، وبكلّ طيبة خاطر ونفس...
قال الربّ يسوع: "لا تهتمّوا للغد، فإنّ لكلّ يوم همومه"، ومعنى القول: إنّ الإنسان يهتمّ بكلّ ما من شأنه أن يحفظ له حياته ومعيشته، فبالمعنى قال الغني لنفسه: "يا نفس كلي وتنعّمي فإنّ لك خيرات كثيرة، لسنين كثيرة، ولكنّه لم يعط". والغني الآخر الذي لم يعط ألعازر المضروب بالقروح شيئًا. والمديونان اللذان ترك لهما سيّدهما الدّين الذي له عليهما، لكنّ واحدًا منهما لم يشأ أن يترك لرفيقه ما له عليه فنال القصاص وفي بيت سمعان الفريسي منح يسوع للزانية الغفران الكامل.
أيّ فضل لبولس الرسول في صراعه المقتدرين في أفسس لغرض بشري؟ إنّ لم يكن هذا الصراع عطاء فيه المجد لله والخير للنفوس، وإعلان ملكوت الله.
العطاء يجب أن يكون من القلب دون منّة، كالأرض التي تعطي ولا تمنّن، وكالزهور التي تعطي فوحها ومنافعها للإنسان وللفضاء، ولا تطلب عوضًا، وتعطي النحل أريها، ولا تمنعه عنها، والنحل، بالمقابل، يعطي عسله الذي هو رأس كلّ حلاوة، ولا يمنع الإنسان منه ولا تطلب منه ثمنًا...
الأشجار تعطي ثمارها، وحطبها دون منّة، الأرض تعطي البقول والخضار وغيرها ممّا ينفع الإنسان والحيوان معًا ولا تمنّن.
النبع يعطي ماءه صافيًا زلالاً ويجري في كلّ اتجاه، يروي عطشنا، ويسقي زرعنا ولا يمنّن ولا يطلب أجرًا...
الشمس تشرق فتنير أيامنا، وتجعل نهارنا مشرقًا، وتدفئ ما برد من أجسامنا، وتطلق ما تجمّد من حركاتنا، واضعة أنوارها وحرارتها وأشعتها في خدمتنا... ولا منّة.
القمر ينير ليالينا، فتنقشع الظلمة، فنهتدي بأضوائه سواء السبيل، ويجعلنا نعرف الأزمنة والأيام، ولا يطلب منّا أي شيء ولا يمنّن الناس... كلّ ما في الكون يعطي، ولا يطلب شيئًا مقابل هذا العطاء، ولا يمنّن.
لنلق نظرة إلى ما حولنا، في الطبيعة، ونتأمّل بحكمة الله ومحبّته للبشر: أيّ مخلوق من متحرّك ومتنفّس وجامد لا يعطي الإنسان؟ الحيوان يعطينا لحمه، وحليبه وجلده ولا يمنّن، يخفض لنا ظهره للركوب وحمل الأثقال، وعنقه لنير الفلاحة ولا يمنّن... العطاء دائم.
بولس الرسول يقول لنا جميعًا: "لا يجب أن يفكّر أحدٌ ما هو لنفسه بل ما هو لغيره". والمسيح الذي هو في صورة الله، ومساواته ووحدة جوهره مع الآب ليست اختلاسًا، بل إنّ هذه الوحدة الجوهريّة هي من حقوقه، ومع ذلك تواضع واتّخذ صورة العبد... ليعطي الإنسان ويمنحه المحبّة والغفران والمسامحة فأعطى جسده باذلاً إيّاه على الصليب، وجعله لنا مأكلاً ودمه مشربًا لنحيا به.
علينا، إن كنّا فعلاً مسيحيّين، أن نعطي من قلوبنا ومن ذواتنا ومن راحتنا، ومن مقتنياتنا، كثرت أم قلّت. ولا نبخل بشيء، ولنعلم: إنّ كل ما هو لنا، أو ما نتوهم أنه لنا إن هو إلاّ عطيّة مجانيّة من الله...
قال أحد الملوك لوزيره: "ما أحسن هذا الملك لو يدوم!" فأجابه الوزير: "لو أنّ الملك الأرضي يدوم لما وصل إليك!".
وهكذا نحن، فلنتأمّلنّ في من وما مضى، ومن وما هو حاضر، ومن وما سيأتي، فنرى أنّنا مسافرون في هذه الأرض وقطار الزمن يحملنا إلى ما بنيناه بإيماننا المطلق، ورجائنا الأكيد، ومحبّتنا الحارّة التي لا حدود لها، وبعطائنا من الذات وأن نكون: خبزًا طيّبًا في معاجن الحياة، وعلى مذبح: الإيمان والرجاء والتضحية وبذل الذات...
فلنعلم: أن ليس للكفن من جيوب. فأعط فإن الله يعطي...