اى هؤلاء صارقريبا للجريح؟
ناموسي أتي إلي الرب سائلا: 'ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟', فكان الجواب سهلا وبسيطا في مظهره ' أحبب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك... وقريبك كنفسك', سأله عن الحياة الأبدية فكان الجواب أحبب...! وكأن الحياة هي الحب, وبدون المحبة يحل الموت.
يطل علينا إنجيل هذا الأحد المبارك بمثل السامري المحب الذي نميز فيه موقفان.
الموقف الأول هو موقف الكاهن واللاوي اللذين عبرا وشاهدا الجريح لكنهما أهملاه وتركاه في معاناته وحيدا, لم يتعديا عليه أو يؤذياه, لكنهما لم يقدما له المحبة والعناية اللازمة, وهذا خطيئة أيضا لأن الخطيئة ليست بالضرورة هي ارتكاب فعل سيء, بل هي الإهمال وعدم القيام بالفعل الصالح.
أما الموقف الثاني فكان للسامري الصالح الذي تحنن علي أخيه بالإنسانية واعتني به, داوي جراحاته وحمله إلي مكان آمن, ولم يكتف بذلك بل استضافه في الفندق أيضا ثم طلب من صاحب الفندق أن يعتني به وأخبره أنه سيعود هو بنفسه إلي الفندق ثانية ليطمئن عليه ويدفع باقي التكاليف, أي أنه حفظ هذا الأخ الجريح في ذاكرته, تركه في فكره وفي قلبه, لقد أهتم بأمره.
تفترض المحبة إذن متابعة وانتباها متواصلين, لأن المحبة ليست عاطفة عابرة, بل هي أمر يدوم ويواظب عليه, والذي أحبه أتحمله وأحفظه في قلبي, أنفق من وقتي وحياتي ومالي وصحتي من أجله, وبذلك أكون قد اقتربت منه وجعلته قريبي.وإذ أنقل الله إليه من خلال عطفي ومحبتي وانتباهي, يقترب هو تدريجيا من الله ويتعرف عليه.
فهذا المثل يظهر لنا أن رسالة الكنيسة في هذا العالم ليست هي فقط إقامة الطقوس والأصوام وعقد الحفلات ولا مجاراة أهل العالم في تفكيرهم, بل رسالتها هي تقديم المحبة لكل المحرومين من الحب والذين يعانون من الوحدة, والاستماع إلي النفوس المتعبة في زمن ندر أن تجد من يسمعك! فتحدينا الأكبر لهذا العصر المادي, هي أن نشهد لحضور المحبة التي ليست من هذا العالم, والتي نأخذها من الله لنسكبها علي أناس يضعهم الله في طريق حياتنا اليومية بدون تمييز أو تفرقة. صوت المسيح إلينا: 'اذهبوا واصنعوا الرحمة أنتم أيضا كذلك'.
أما عن تحديد القريب والذي كان موضوع نقاش واسع بين علماء الشريعة عند اليهود. ساد الرأي أن القريب هو بالضرورة اليهودي والدخيل (الوثني الذي اعتنق الديانة اليهودية). بكلام آخر صلة القرابة هي الانتماء الديني (والعرقي) الواحد. ويعد هذا بعيدا عن تعليم الرب يسوع أنه يري إن صلة القرابة هي الرحمة أولا.
ولكن يفرض السؤال نفسه علينا لماذا أراد الناموسي أن يمتحن يسوع؟ يخبرنا الإنجيلي يوحنا أن اليهود تعجبوا من يسوع قائلين: ' كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلم ' (أي لم يتتلمذ علي أيدي الاختصاصيين ) (يوحنا 7: 15). طبيعي إذا أن يسعي العالم المتخصص إلي إحراج يسوع إذ يري فيه إنسانا أميا يتجاسر ويعلم واضعا نفسه بمنزلة المتخصصين واللاهوتيين الكبار.
فهل اعتقد الناموسي أن تتميم فروض معينة يقود تلقائيا إلي نيل الحياة الأبدية؟ ' ماذا: كتب في الناموس؟ ' كأني الرب يسوع يقول له: كيف تجاوب بحسب اختصاصك؟ عندها استشهد الناموسي بسفر تثنية الاشتراع ذاكرا الآية ' أحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك ومن كل ذهنك' ( تثنية 6: 4) مضيفا إليها العبارتين من سفر اللاويين ' وقريبك كنفسك' ( لاويين 19: 18). الصيغة كما وردت علي لسان الناموسي دعيت ' بالقاعدة الذهبية' في التقليد اليهودي, وقد ذكرها الرب يسوع في موضوع آخر قائلا:' بهاتين الوصيتين يتلخص الناموس كله والأنبياء' ( متي 22: 40).
' بالصواب أجبت اعمل ذلك فتحيا '. لم يقل له الرب يسوع: اعمل ذلك تنل الحياة الأبدية, بل ردد في الناموس بأن الإنسان الذي يحفظ فرائض الله وأحكامه يحيا بها (لاويين 18: 5). بجوابه لم يتطرق يسوع إلي الحياة الأبدية لأن معالمها ستتوضح عند إتمام التدبير الإلهي علي الصليب. الحياة الأبدية نعمة مجانية من لدن الله وليس من ناموس يؤهلك للحصول عليها, القرار يصدر من الله وحده.
أما فيما يخص اللاوي أولا فهو ليس كاهنا, هو موكول بخدمة الهيكل. حرمت الشريعة علي اليهودي عامة وعلي الكاهن واللاوي خاصة, إن يمسوا جثة ميت و إلا اضطروا إلي الابتعاد عن خدمة الهيكل سبعة أيام وإلي التطهر أثناءها (عدد 19: 11 - 16 ولاويين 21: 1). ربما ظنا إن الإنسان ميت فلم يريدا إن يلمسا الجثة.
ولكن يأتي سؤالي الشخصي هنا هل يحول هذا التحريم دون قيام الكاهن واللاوي بواجب الرحمة؟ لطالما تردد علي لسان الله القول:' أريد رحمة لا ذبيحة معرفة الله أكثر من المحرقات' ( هوشع 6: 6, متي 9: 13).
يفاجئنا المثل بـ 'سامريا مسافرا مر به فلما رآه تحنن'. لم يكن اليهود يخالطون السامريين معتبرينهم نجسين كونهم اختلطوا بالوثنيين ولم يؤمنوا أن أورشليم مركز العبادة ولم يقبلوا إلا بموسي نبيا. وقالوا في تقاليدهم الشعبية إن دم السامريين أنجس من دم اليهود.
' ضمد جراحه' وذلك بتمزيق قطع من ثيابه وربط الجراح. 'وصب عليها زيتا وخمرا'. الزيت يستعمل لتليين الجرح وتخديره أما الخمر فلتطهيره. ' وحمله علي دابته', علي دابته الخاصة. والأرجح إن السامري كان تاجرا وكان يمطتي دابة ويضع البضاعة علي أخري فعندما شاهد المصاب نزل عن دابته ووضعه عليها.
وفي نهاية تأمل هذا الصباح ' أي هؤلاء الثلاثة صار قريبا للجريح؟ '. كان السؤال المطروح علي يسوع من هو قريبي. أجاب عنه السيد بسؤال: أي هؤلاء تحسب صار قريبا؟ أنت تصنع قريبك, إذا أحببت الآخر تجعله قريبا. السؤال ليس إذا من هو القائم قريبا لي بل قريب أي إنسان أنا أقدر إن أكون وأصبح؟ .
الجواب أنا أذهب وأحب وأخدم. أمشي بلا توقف راحما محبا ولا أسأل من أحبه هويته ولا تهمني قربي آتية من الهوية. أخلق أنا القريب بما أعطيه وأقدم له. ' الذي صنع إليه الرحمة', قال الرب يسوع, ' صار قريبا' لأن القرابة صيرورة وليست وضعا ساكنا. أنت تصير قريب الآخر ويصير الآخر قريبك بالمحبة. أنت تصنع القريب بالرحمة والمحبة. المسيحية تجسد لهذه الصيرورة التي لا تنتهي, ودعوة يسوع الأخيرة للناموسي بقوله ' امض واصنع أنت ايضا كذلك' إنها دعوة كل مؤمن اختبر افتقاد الله وتيقن أنه قريب الله والله قريبه والله في كل إنسان.
رد: اى هؤلاء صارقريبا للجريح؟
ايها الرب الإله إقتحم حياتنا لكي نستعمل كل الطاقات الخيّرة التي وضعتها في كلّ إنسان منّا. اخترق قشرة انانيتنا الصلبة لكي نصنع الخير الذي جعلته من طبعنا لكل إنسان، وضعته إرادتك على طرقات حياتنا، حيث تختبئ فيه ملامح وجهك. اجعلنا نصير أكثر إنسانية لنعيش الحب ونصنع الخير، ونسير في الحق قبل أن نصل إليك، لك المجد إلى الأبد أمين
صلي من اجلي
رد: اى هؤلاء صارقريبا للجريح؟
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة nahla nicolas
ايها الرب الإله إقتحم حياتنا لكي نستعمل كل الطاقات الخيّرة التي وضعتها في كلّ إنسان منّا. اخترق قشرة انانيتنا الصلبة لكي نصنع الخير الذي جعلته من طبعنا لكل إنسان، وضعته إرادتك على طرقات حياتنا، حيث تختبئ فيه ملامح وجهك. اجعلنا نصير أكثر إنسانية لنعيش الحب ونصنع الخير، ونسير في الحق قبل أن نصل إليك، لك المجد إلى الأبد أمين
صلي من اجلي
شكرا ابنتى العزيزه لمرورك وردك الرب معك