إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السموات
الخروج إلى السماويات
كثيراً ما يبدو لنا ونحن نقرأ أو نسمع أخبار الآباء القدّيسين أنّهم من غير طينتنا الفكرية.
صحيح أنّنا نقع، أحياناً،
في إطار واقعنا الراهن، على مَن يذكّروننا بهم بسيرتهم ويستحضرونهم لدينا في فكرهم وجهادهم وقداستهم، لكن هذا يبقى استثناءاً.
لا شكّ أنّه كان هناك، دائماً، في تاريخ الكنيسة، قدّيسون استثنائيّون.
لكن تحديد طبيعة الرابط العميق الذي يُفترض أن يشدّنا إلى الأقدمين ليس بالأمر السهل اليوم.
كأنّه لا شيء يربطنا بهم أو يكاد.
كأنّنا في غربة عن مناخ التراث الكنسي الحيّ
كما جرى التعبير عنه، هنا وثمّة، في مختلف حقب التاريخ، من خلال سير الآباء وتعاليمهم.
والسؤال هو: لماذا؟
كيف انحفرت هذه الهوّة التي صارت تباعد ما بيننا وبين القدامى؟
لعمري أنّ المسألة، في أساسها، كما تبدو لنا، هي مسألة وجدان.
ثمّة تباين في الوجدان حاصل ما بيننا وبين الذين سبقونا.
البساطة والعفوية في التعامل مع الله لم يعودا إرثاً حيّاً عندنا اليوم.
القول الإنجيلي:
"إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السموات"،
قلّما نلقاه، بعد، في تعاملنا فيما بيننا في كنيسة المسيح.
القدّيسون، بعامة، كانت عندهم مسحة الطفولة الإلهية مجسّمة.
المحبّة التي يقول عنها الرسول بولس إنّها تصدّق كلّ شيء تتضمن بساطة قلب قلّما نلاحظها اليوم إلاّ لدى القلّة القليلة من الذين همّت سفينتهم على السفر.
ما الذي أطاح تلك البساطة والعفوية في العلاقة بالله؟
في ظنّي أنّ جنوح البشرية إلى العقلانية هي وراء ما حدث.
والعقلانية تعمّمت، لا سيما من خلال شيوع التعليم وجعله إلزامياً إن لم يكن بالقانون فبالضغط النفسي والاجتماعي.
قلّة قليلة اليوم، يخطر ببالها ألا ترسل أولادها إلى المدارس.
المدرسة باتت مكوّناً أساسياً من مكوّنات الحياة العامة والوجدان الراهن.
ثمّ العقلانية تطرح نمطاً جديداً من تعاطي الله والكون والعلاقات الإنسانية.
عِلْم الإنسان في الماضي كان عملانياً وكان إرثاً عائلياً.
الصغار كانوا يأخذون عن الكبار في البيت كل شيء.
القدوة كانت أساساً.
والعائلة كانت محمية في تراثها إلى حدّ بعيد.
وسائل الاتصال لم تكن موفورة.
الإنسان كان محصوراً ببيئته.
الفكر لم يكن مجرّداً بل مقترناً بالعمل.
لذا لم يكن الإيمان بالله، بعامة، ليكون نظرياً أو اسمياً.
الإيمان كان نمط حياة.
الله كان حيّاً.
الاعتماد عليه كان أساسياً للحياة.
لأنّ فكر الإنسان كان من هذا النسيج، كان اليقين في التعامل مع الله، بعامة، شديداً.
طبعاً لدى الذين يتعاملون مع الله.
الأشرار كانوا دائماً موجودين، لكن هؤلاء كانوا شواذاً على القاعدة.
لذا لم يكن الشكّ في الله مشيَّعاً.
الشكّ، بعامة، يأتي من تطوّر في القوى العقلية ووعي الإنسان لذاتيته.
من هنا أنّ العقلانية حملت تجريداً في الفكر قلّما عرفه القدامى.
صارت هناك مسافة بين الفكر والعمل.
ومع التجريد برز الشكّ.
نوعية الإيمان، والحال هذه، تبدّلت.
رحم الله والدي! كان يقول لم يُفسد الناس إلاّ كثرة المدارس.
اليوم، حالما يفتح الطفل عينيه يرسلونه إلى المدرسة.
مَن سيشتغل الأرض بعد؟
كان يلاحظ أنّه كلّما ازداد الإقبال على المدارس كلّما انعكس ذلك تسييباً للأرض والزرع. الأرض كانت تعني له الكثير.
العلاقة بالأرض كانت المعيار.
والأرض كانت مرآة الله وعمل الله وحضور الله في حياته.
لا شكّ أنّ هذا أمراً يستدعي التأمّل.
أليس صحيحاً أنّ الإنسان كلّما قرب من الأرض كلّما قرب من الله وكلّما نأى عنها نأى عن الله؟
المُزارع، بعامة، نفسُه أنقى وأبسط من التاجر مثلاً.
أصحاب الصناعات البسيطة هم كذلك أيضاً، بسطاء.
ولكن كلّما تعقّدت الصناعة والزراعة واعتمدت على التكنولوجيا كلّما وجد الإنسان نفسه أبعد عن تعاطي بساطة الحياة.
لعلنا لا نحيد عن الحقيقة إذا قلنا إنّ الإنسان بحاجة لأن يحتكّ مباشرة بالتراب، لأن يتعب ولأن يعرق.
كأنما بالأعراق تتنقّى النفوس إلى حدّ بعيد.
القول الإلهي الذي ورد بعد السقوط:
"بعرق جبينك تأكل خبزك"،
كأنّه يحدّد طبيعة العلاقة لا مع البيئة وحسب، بل مع الله من خلالها بالأَولى.
اليوم الفكر يشتغل والجسد لا يتعب في التحصيل.
والنتيجة أنّ النفس تتعب.
كأنّه كلّما تعب الجسد ارتاحت النفس.
ثمّ تعب الجسد يقرن الفكر بالعمل أكثر،
وهذا متى انعكس على العلاقة بالله جعل الإيمان عملانياً واللهَ حيّاً نتعاطاه كما نتعاطى تربة الأرض والخبز والأعراق.
لذا قد لا يكون غير صحيح أنّ شيوع المدارس، على ما فيها من منافع، غيّر طبيعة وجدان الناس،
وأنّ العقلانية بإنتاجها الفكري والآلات المعقّدة حرمت الإنسان من البساطة والعفوية والفورية في تعاطي الحياة، في تعاطي الأرض والصناعات اليدوية.
ثمّ العقلانية أخذت تحقّق استقلال الإنسان عن الإنسان.
[glint] جاءته بالفردية.[/glint]
اعتماد الناس على الناس صار أقل.
لم يعد حيوياً.
صرتَ تستغني عن الآخَرين في أمور كثيرة.
والاستغناء عن الآخَرين أوصل إلى الاستغناء عن الله.
أضحى الإنسان قعيد عزلته.
يعتمد في تسيير أموره على فكره وخياله وآلاته وتدابيره الخاصة.
تعامله مع الآخَرين صار ظرفياً، مزاجياً.
يشتري خدمات الآخَرين بماله.
العلاقات المحبية الأصيلة انكسرت.
خبر الإنسان العزلة وسط الجماهير.
لم يعد الآخَر معيناً، بالمعنى العميق للكلمة.
صار أداة.
إلغاؤه صار سهلاً.
في مجتمع الآلة،
الإنسان صار عبئاً.
لم يعد مبعثاً للفرح والحياة والجمال.
أن يأكل ويلغي الناس بعضهم بعضاً صار من عاديات الوجود.
هكذا برز، إذاً، وجدان جديد سِمته الأساسية العقلانية.
هذا انعكس، كنسياً، عقلنةً للإيمان بالله.
الله صار أدنى إلى الفكرة منه إلى الكائن الحيّ العشير الفاعل في حياتنا.
كل هذا جعلنا، وجدانياً، في غربة عن القدامى، وتالياً على برودة في تعاطي الله.
إلهياتنا لم تعد كإلهيات السابقين.
إيماننا لم يعد كإيمانهم.
وجداننا لم يعد كوجدانهم.
ما كان لهم واقعاً معيشاً صار لنا، بالأحرى، جملة خبريات مودعة في كتب.
ثمّة شيء كان حيّاً وتآكل.
فقدنا الإحساس بالقدسات.
المِسحة العملانية في الحياة المسيحية باتت مفتقدة، بعيدة المنال.
فكرنا تغيّر.
إحساسنا تغيّر.
تقديرنا للأمور تغيّر.
لا أقول جذرياً،
ولكن إلى حدّ جعل الأقدمين في غربة عنا وجعلنا في غربة عن نمط حياتهم الكياني وإيمانهم.
تراث الآباء صار أدنى إلى العمل الفكري الورقي.
طبعاً بقي التركيز على الطقوس.
ولكن هذا أمر ملتبس لأنّ الطقوس لا تنتج حياة جديدة. يمكن أن تكون صمّاء.
العبادة تأتي من تناغم بين نمط إيمان حيّ وحياة روحية ناشطة وسلوك حقٍّ في الفضيلة. طقوس بلا ذلك كلّه لا بدّ لها، بعد حين، من أن تنفرط وتتداعى.
على أننا ولو تغيّر وجداننا الكنسي، نوعاً، فليست استعادة ما خسرناه متعذّرة.
نعمة الله تفعل اليوم أكثر من أي وقت مضى،
بالضبط لأنّ التجربة اليوم، تجربة الغربة عن الله، أكبر.
ألم نقرأ ما ورد في الكتاب المقدّس:
"حيثما اشتدّت التجربة ازدادت النعمة جداً؟".
الله لم يتخلّ عن شعبه.
ولكنْ علينا أن نفعل ما في وسعنا نحن أيضاً.
ليس بإمكاننا أن نعود بالتاريخ إلى الوراء.
العقلانية باقية والمدرسة باقية.
لكن العائلة المسيحية قادرة على أن تنقّح وتحفظ القدوة.
لا شك أنّ العودة إلى بساطة الحياة تعين وكذا العودة إلى الطبيعة والتعب والعَرَق والتقليل من استعمال الآلة،
لا سيما حيثما أمكن الإنسان أن يقوم بالعمل بنفسه من دون آلة.
تحضرني وأنا أقول ذلك
صورة ذاك المسنّ الذي كان يرفض أن يُقلَّه أحد بسيارته من البيت إلى الكنيسة.
كان، دائماً، يؤثر التعب.
يأخذ عصاه ويمشي على قدميه كما لو كان يقدّم قرباناً.
علينا أن نستعيد التعب من أجل الله.
سهولة الحياة وسهولة أمور الحياة تُتعب.
المؤمن، كل مؤمن، بحاجة لأن يقدّم لله شيئاً من تعبه لله.
ثمّ قَرْن القول الإلهي بالفعل ضرورة.
لسنا بحاجة لأن نعرف الكثير لنتقدّس.
المهم أن نسلك في ما نعرفه.
المعرفة المتأتية من كثرة المعلومات لا تنفع.
نحن بحاجة إلى معرفة الله من خلال نعمته.
وهذه نقتنيها بالسلوك في الوصيّة الإلهية.
آباؤنا كانوا لا يعرفون الكثير.
أكثرهم كان يعرف ما يسمعه في الكنيسة أو من المتقدمين في الحياة الروحية.
ولكنْ كانت الكلمة التي يسمعونها كشفاً وحياة جديدة.
هناك مفاهيم عديدة شائعة اليوم لا بدّ لنا من مسائلتها.
المعرفة التي تُقدَّم لنا اليوم أكثرها حشو ولا ينفع.
الأهم أن نعرف الله ونحن نعرفه إن سمعنا كلامه وسلكنا في طاعته.
عالمنا لا نحتاج منه إلى الكثير.
الضروري يكفينا.
أكثر طاقتنا علينا أن نوجّهه للإلهيات.
لا شكّ أنّنا بحاجة لأن نخرج لا من وسط الناس ولكن من الوسط الفكري للناس ما أمكن
حتى تبقى قِبلتنا ملكوت السموات وحتى لا نغرق في الرمال المتحركة لهذا الدهر.
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
O Lord Bless My Father Tuma with Thy Grace
رد: إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السموات
بركة الرب تكون معك دائمآ اخي سليمان
تأمل رائع لكل متعب منهمك بهذه الحياة
يا عالماً بحالي عليك اتكالي
أيها الآب القدير لقد تركنا أعمالاً وجب علينا عملها. وعملنا أعمالاً كان يجب علينا أن لا نعملها. أما أنت يا رب فارحمنا، وأشفق علينا لنحيا فيما بعد حياة البر والعفة
رد: إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السموات
The Lord's blessing and grace unto your spirit sister Nahla, Now and Ever Amen
رد: إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السموات
لك جزيل الشكرأخي الحبيب ..
هذا ما أحبه في القراءة الدينية ..
تنبش و تكشف أشياء بداخلي .. أجهلها ..
حتى تأتي هذه الكتابات فتسلط الضوء عليها ..
القلب المتخشع و المتواضع لا يرذله اللـه
رد: إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السموات
Peace, Blessing and Grace unto your spirit
Beloved in Christ Maximos
Truly, with every reply you write, I sense the gifts of your patron Holy Saint manifestation in you
رد: إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السموات
[frame="10 98"]
اقتباس:
عِلْم الإنسان في الماضي كان عملانياً وكان إرثاً عائلياً.
الصغار كانوا يأخذون عن الكبار في البيت كل شيء.
القدوة كانت أساساً.
والعائلة كانت محمية في تراثها إلى حدّ بعيد.
وسائل الاتصال لم تكن موفورة.
الإنسان كان محصوراً ببيئته.
الفكر لم يكن مجرّداً بل مقترناً بالعمل.
لذا لم يكن الإيمان بالله، بعامة، ليكون نظرياً أو اسمياً.
الإيمان كان نمط حياة.
الله اخى سليمان على التامل الرائع المعزى الرب يبارك حياتك
[/frame]
رد: إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السموات
The Lord’s blessing unto your spirit, beloved in Christ brother Adel
Your gentle words bestow unto my spirit a sense of condolence
However, let it be known, We offer all Thanksgiving unto the Lord
With our Ever-virgin Lady Theotokos
And Holly Saints, Martyrs and blessed Fathers
I also offer my Thanksgiving to my Spiritual Guide and ever loving
Father Tuma, May the Lord preserve him a Shinning Beacon in this world of Darkness