الأعجوبة
ليست العجائب والعلامات ميزة القداسة ولا هي مقياس لها ، فالقديس ليس من يجترح العجائب بل صاحب الجهادات والفضائل والتعليم ، وليبس كل من يصنع عجائب هو قديس ، فالأنبياء الكذبة يصنعون أيضا العجائب . القديس في الكنيسة الأرثوذكسية هو صاحب الفضائل والتعليم المستقيم وليس صاحب العجائب .
عندما تذكر الكتب الطقسية الكنسية القديسين ، إنما تذكر فضائلهم وجهاداتهم وتعاليمهم . ما علَمه المسيح للتلاميذ هو إياه ما جعلهم الروح القدس يفهمون وينطقون . هذا هو وحي وإلهام الروح القدس . لا ينقلنا الروح فجأة من الجهل إلى الفصاحة ، بل يجعلنا ننطق بما تعلمناه في الكنيسة : إنه يثبتنا في المسيح . استمر السيَـد طوال ثلاث سنوات يعلم رسله وتلاميذه وفي يوم العنصرة جعلهم الروح القدس يفهمون ويجهرون بما قاله المسيح . ليس
صحيحا أن نقول : هذا فيه موهبة الروح القدس فكلامه إذا صحيح . أو : هذا الإنسان تقي وورع قدَيـس فإذن كلامه صحيح؟ بل نقول : كلام هذا الإنسان يتناسب مع تعاليم الكنيسة إذن الروح القدس ينطق به ، أي الروح الذي يجعلنا ندوّي بما أخذناه من الكنيسة .
نجد في الإنجيل أن الأعجوبة ليست هدفا أو أمرا قائما بذاته فهي إظهار لرحمة الله وعطفه على البشر . ونجد كذلك أن العجائب لم تثبت أحدا من الناس . فالجميع صرخوا اصلبه ، اصلبه ، أمام بيلاطس البنطي . وقبل ذلك عندما اعتقله اليهود تركه التلاميذ كلهم وهربوا . بمن فيهم بطرس الذي توصل إلى نكرانه . إن كافَـة ما قام به السيـد المسيح من عجائب لم يمنع صرخة "اصلبه اصلبه" عن أحد . لم يثبت أحدا من الناس بل كان فقط تعبيرا عن رحمته ورأفته . ليست العجائب إذا داعية بشارته ولا أمرا يبشر به .
نجد في الإنجيل تحذيراً من أن الأنبياء الكذبة والمسحاء الدجالون قادرون أيضا على إقامة العجائب العظيمة الباهرة
( متى 24 : 24 ) دجالون وأنبياء كذبة يصنعون آيات وعجائب عظيمة حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضاً .
أمام أعجوبة إقامة لعازر الرباعي الأيام من بين الأموات ، خرجت أورشليم للقاء السيد هاتفة هوشعنا في الأعالي(الشعانين ) . ثم بعد أيام قليلة ، صرخت أورشليم ذاتها : اصلبه ، اصلبه . ليست المسيحيـة أن نفرح ونهتف أمام الأعاجيب . بل أن لا نصرخ اصلبه اصلبه في المواقف الصعبة .
لا تجعلنا العجائب مسيحيين ولا تثبتنا في الإيمان . وحده الدخول في سر التدبير الإلهي(التجسد – الصلب – القيامة – الصعود – الخ … ) يجعلنا مسيحيين . بالليتورجيا والأسرار نعبر إلى التدبير الإلهي ، والروح القدس هـو الذي يثبتنا .
إن التركيز على ناحية العجائب في سيرة القديسين ، في تربيتنا للأطفال أمر مشوه لذهنهم ، إذ يغدوا القديسون عندهم كسحرة الأساطير . والأمر السليم أن نركز على الجهادات والتعليم عند القديسين فنربي أطفالنا على حب الفضيلة وعلى الوعي في الإيمان .
ما هي الأعجوبة ؟ الأعجوبة في معناها النهائي علامة من علامات الملكوت الآتي وعربون له . هي إشارة حسية من الدهر الآتي . إنها علامة النصر الذي سيتحقق وتذوق للغلبة الحاصلة في الملكوت . أي حضور مسبق للملكوت الآتي .
