رد: الخلق في الكتاب المقدس
الانسان صورةالله
بينما تأتي النباتات والأشجاروالحيوانات إلى الوجود "كلّ بحسب صنفه" (1: 11، 24)، يُخلق الانسان "على صورة اللهكمثاله". تقوم صورة الله في الانسان على اشتراك الانسان في سيادة الله على سائرالخلائق. وتلك السيادة تفرض العقل والحرية والارادة. فقد خلق الانسان "ليتسلّط علىسمك البحر وطير السماء والبهائم وجميع الارض" (1: 26، 28). أما لفظة كمثالنا فيقوله تعالى: "لنصنع الانسان على صورتنا كمثالنا"، فيقصد الكاتب بها إلغاء المساواةالتامة بين الانسان والله. فالانسان هو على صورة الله ولكنه ليس مساوياً له فيالألوهة. وقد رأى بعض الآباء القديسين الشرقيين في الصورة الطبيعة التي خُلق عليهاالانسان، وفي المثال الدعوةَ التي هو مدعو لبلوغها. فقد خُلق على صورة الله، ولكنهمدعو إلى أن يصبح على مثال الله في قداسته.
والمرأةهل هي مساوية للرجل في تلك الصورة؟ جواباً على هذا السؤال يؤكد الكاتب المقدسمساواة الرجل والمرأة. فكلاهما خُلق على صورة الله: "فخلق الله الانسان على صورته،على صورة الله خلقه، ذكراً وأُنثى خلقهم" (1: 27).
الأيام الستة
ان الكاتب وزّععلى ستة أيام عمل الخلق الذي قام به الله. يجب ألاّ نرى في هذا العدد تحديداًعلمياً للمدة الزمنية التي استغرقها تكوين العالم. فقد قسّم الكاتب المقدس الكائناتكلّها ستة أقسام، وبيّن أن الله قد خلقها في ستة أيام، ثم استراح في اليوم السابع. وما ذلك إلا طريقة تعليمية تظهر في عمل الله مثالاً لعمل الانسان وتؤكد ضرورة تقديسيوم السبت كما جاء في الوصية الثالثة من وصايا الله: "اذكر يوم السبت لتقدّسه. فيستة أيام تعمل وتصنع جميع أعمالك. واليوم السابع سبت للرب إلهك، لا تصنع فيه عملاًلك، أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي في داخل أبوابك. لأن الرب فيستة أيام خلق السماوات والأرض والبجر وجميع ما فيها، وفي اليوم السابع استراح،ولذلك بارك الرب يوم السبت وقدّسه" (خروج 20: 8- 11)
الرواية الثانية (تك 2: 4 ب- 25)
الأرض الجافة
"يوم صنع الربالإله الأرض والسماوات، كلّ شجر البرية لم يكن بعد في الأرض كلّ عشب البرية لم ينبتبعد، لأن الرب الإله لم يكن قد أمطر بعد على الأرض، ولم يكن انسان ليحرثالأرض.
خلق الانسان
"وان الربّ الإله جبَلَ الانسان تراباً من الأرض ونفخ في أنفه نسمةحياة، فصار الانسان نفساً حيّة.
غرسالجنة
"وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقاًوجعل هناك الانسان الذي جبله. وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة حسنة المنظر وطيبةالمأكل، وشجرة الحياة في وسط الجنة، وشجرة معرفة الخير والشرّ. وكان نهر يخرج منعدن فيسقي الجنة، ومن ثم يتشعب فيصير أربعة رؤوس: اسم أحدها فيشون وهو المحيط بجميعأرض الحويلة حيث الذهب، وذهب تلك الأرض جيد، هناك المقل وحجر الجزع. واسم النهرالثاني جيحون وهو المحيط بجميع أرض الحبشة. واسم النهر الثالث حدّاقل وهو الجاري فيشرقي أشور. والنهر الرابع هو الفرات.
وصية اللهللانسان
"وأخذ الرب الإله الانسان وجعله فيجنة عدن ليفلحها ويحرسها. وأمر الرب الإله الانسان قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل،أما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، فانك يوم تأكل منها تموتموتاً.
خلق الحيوانات
"وقال الرب الإله لا يحسن أن يكون الانسان وحده، فأصنع له عوناًبإزائه. وجبل الرب الإله من الأرض جميع حيوانات البرية وجميع طير السماء وأتى بهاآدم ليرى ماذا يسمّيها، فكلّ ما سمّاه به آدم من نفس حية فهو اسمه. فدعا آدم جميعالبهائم وطير السماء وجميع وحش الصحراء بأسماء. وأما آدم فلم يوجد له عونبإزائه.
خلق المرأة
"فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام، فاستلّ إحدىأضلاعه وسدّمكانها بلحم. وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة، فأتى بها آدم، فقالآدم: ها هذه المرة عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تسمى امرأة لأنها من امرئ أُخذت. ولذلك يترك الرجل أباه وأُمه ويلزم امرأته، فيصيران جسداً واحداً. وكانا كلاماعريانين آدم وامرأته وهما لا يخجلان".
تعود هذهالرواية إلى القرن العاشر قبل المسيح. فهي اذاً أقدم من الأولى. إلا أنها ليست منكاتب واحد؛ فهي بدورها تجمع تقليدين مختلفين، تقليداً أول يتكلم عن خلق الانسان (2: 4 ب- 8) وخلق المرأة (2: 18- 24)، وتقليداً ثانياً يدور حول حوادث الخطيئة الأولى. فيصف أولاً الإطار الذي ستجري فيه تلك الحوادث، أي الجنة وما فيها من أشجار ولاسيمَا شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر. ثم يتكلم عن وصية الله بالامتناع عنالأكل من شجرة معرفة الخير والشر (2: 9- 17). ثم يتابع هذا التقليد روايته في الفصلالثالث فيروي قصة التجربة وعصيان آدم وحواء أوامر الله (3: 1- 24).
الله الخالق
يبدو لنا الله في هذه الرواية أيضاً الإله الوحيد الذي خلق وحده كلشيء، الانسان والجنة والحيوانات والمرأة. وتتميّز صورة الله في هذه الرواية بأنهاتنسب إلى الله أعمالاً انسانية، فتصفه وهو يغرس الجنة ويجبل تراباً ليصنع الانسان،ثم يأخذ ضلعاً من أضلاعه ليصنع المرأة، ويسدّ مكانها بلحم. وفي الفصل الثالث نراه "يتمشّى في الجنة عند نسيم النهار" (3: 8)، ويصنع لآدم وحواء بعد الخطيئة "أقمصة منجلد ليكسوهما" (3: 21). تظهر هذه الرواية قرب الله من الانسان وعطفه عليه، إلا أنهالا تقلّص شيئاً من قدرته، فهو وحده الخالق، وهو وحده السيد الذي يعطي الانسانوصاياه وفي يده الحياة والموت.
خلقالانسان
تصف هذه الرواية خلق الانسان بطريقةبدائية. فالله يجبل تراباً وينفخ فيه. من البديهي أن الله روح وليس له جسد ولا يدانليجبل التراب. لقد استخدم الكاتب صورة معروفة في عمره ليعطي من خلالها تعليماًدينياً. فالأساطير المصرية القديمة كانت تصوّر الإله الكبش يكوّن الملك على آلةالخزاف. فمن خلال تلك الصورة يؤكد الكاتب ان الانسان هو من صنع الله في جسدهوروحه.
الجنة
ان الإطار الذي ستجري فيه حوادث الخطيئة الأولى هو "جنة في عدنشرقاً". يستحيل على علماء الكتاب المقدس اليوم تحديد هذا الموضع جغرافياً. إلا أنلفظة "عدن" مشتقّة بالعبريّة من أصل يعني "النعيم". وبما ان الرواية ليست روايةتاريخية بل تعليمية، نكتفي بهذا المعنى لنستنتج منه هدف الكاتب المقدس، ألا وهوالتشديد على محبة الله للانسان. فبعد أن خلقه وضعه في "جنة نعيم" فيها كل ما كانالانسان القديم العائش في الصحراء يتمناه: واحة ظليلة مليئة بالشجر المثمر والمياهالغزيرة. وكذلك القول عن الأنهر الأربعة التي كانت تخرج من الجنة، وعن أسماءالبلدان التي تسقيها، فانها ليست مواضع جغرافية نستطيع تحديدها، إنما تعني أنالأنهار التي تسقي جهات الأرض الأربع تخرج من الجنة، فهي اذاً من صنعالله.
العمل
"وأخذ الرب الإله الانسان وجعله في جنة عدن ليفلحها ويحرسها" (2: 15). يعتبر الكاتب عمل الانسان أمراً أراده له الله منذ أن خلقه. فليس العمل فيذاته قصاصاً على الخطيئة الأولى، كما يقال أحياناً. ان نتيجة الخطيئة ستكون المشقّةفي العمل، كما ورد في قول الله لآدم: "إذ سمعت لصوت امرأتك فأكلت من الشجرة التينهيتك قائلاً لا تأكل منها، فملعونة الأرض بسببك، بمشقة تأكل منها طول أيام حياتك،وشوكاً وحسكاً تُنبت لك" (تك 3: 17، 18). فالخطيئة، أياً كانت، تحدث خللاً في طبيعةالانسان وفي علاقاته مع الله ومع الآخرين ومع الكون. أما العمل فهو في ذاته من صلبالطبيعة الانسانية.
سيادة الانسان علىالحيوانات
بعد أن خلق الله الحيوانات "أتىبها آدم ليرى ماذا يسمّيها. فكل ما سمّاه به آدم من نفس حية، فهو اسمه" (2: 19). انالله قد أعطى الانسان السيادة على الحيوانات. وهذه السيادة عبّرت عنها الروايةالأولى بقوله تعالى للانسان: "تسلّطوا على سمك الحر وطير السماء وجميع الحيوانالدابّ على الأرض" (1: 28). أما هذه الرواية الثانية فتعبّر عن الفكرة عينها بقولهاان الله قد ترك للانسان نفسه تسمية الحيوانات.
خلق المرأة
يتصوّر الكاتب أنالله خلق المرأة من ضلع الرجل. هذه صورة شعبية للدلالة على أن المرأة والرجل هما منجبلة واحدة: "هذه تسمى امرأة، لأنها من امرئ أخذت" (2: 23)، وانهما متساويان فيالطبيعة الانسانية. وفي هذه الصورة أيضاً إصرار على أن الزواج أمر مقدّس أراده اللهنفسه: "لا يحسن أن يكون الانسان وحده، فأصنع له عوناً بإزائه" (2: 18). ويضيفالكاتب: "لذلك يترك الرجل أباه وأُمه ويلزم امرأته فيصيران جسداً واحداً" (2: 24). وهذا النص سيعود إليه يسوع في حديثه عن الزواج وشجبه الطلاق (متى 19: 3- 6).
الخلق والعهد وشجرة معرفة الخيروالشر
نلاحظ إذاً في هذه الرواية أيضاً انالكاتب المقدس لم يقصد أن يروي بالتدقيق ما جرى من حوادث في فجر البشرية، بل أنيبرز علاقة الله بالانسان وعلاقة الانسان بالكون وعلاقة الرجل بالمرأة، كما أرادهاالله منذ خلق الكون والانسان والرجل والمرأة.
انعلاقة الله بالانسان هي علاقة عهد على مدى التاريخ منذ بدء الكون. فالله الذي قطعمع الشعب اليهودي عهداً بأن يكون معهم ويخلّصهم من أعدائهم، هو نفسه قد قطع معالبشرية جمعاء عهداً مماثلاً منذ خلق الانسان الأول. ويمكننا أن نجد أوجه شبهمتعددة بين عهد الخلاص وعهد الخلق:
- فكما ان اللهخلّص اسرائيل إذ أخرجه من مصر وقاده عبر الصحراء ليقيمه في أرض خصبة "تدرّ لبناًوعملاً"، هكذا خلق الله الانسان الأول على أرض "لم يكن فيها أي شجر أو عشب" (2: 5)،ثم غرس له جنة وأقامه فيها ليفلحها ويحرسها.
- وكماان الله أعطى شعبه على جبل سيناء بواسطة موسى وصاياه وأحكامه انطلاقاً من الوصيةالأساسية "لا يكن لك آلهة تجاهي" (خروج 20: 3)، هكذا، منذ خلق الانسان، أوصاه ألايأكل من شجرة معرفة الخير والشر. وترمز تلك الشجرة، لا إلى التمييز بين الخيروالشر- لأن هذا من صلب طبيعة الانسان العاقل، والله قد أعطى الانسان هذا التمييزمنذ أن خلقه- إنما إلى السلطة على تحديد الخير والشر. وتلك السلطة هي بيد اللهوحده، فهو الذي يحدّد الخير والشرّ، وهو الذي يعطي الوصايا التي توضح ما الخير الذييجب فعله وما الشر الذي يجب الابتعاد عنه. فالأكل من شجرة معرفة الخير والشر هوإذاً رفض لله والاستقلال عنه في كل ما يتعلّق بالخير والشر، والتخلّي عن وصاياه،انه رفض الانسان أن يكون خليقة، أي كائناً مرتبطاً بالله.
- وفي عهد سيناء وعد الله بالبركة من يتبع وصاياه وهدّد بالموت منيخالفها: "انظر، اني قد جعلت اليوم بين يديك الحياة والخير والموت والشر. بما انيآمرك اليوم أن تحب الرب إلهك وتسير في طرقه وتحفظ وصاياه ورسومه وأحكامه لتحياوتكثر ويباركك الرب إلهك. وان زاغ قلبك ولم تسمع وملت وسجدت لآلهة أخرى وعبدتها،فقد أنبأتكم اليوم أنكم تهلكون هلاكاً" (تثنية 30: 15- 18). وفي الجنة أيضاً هدّدالله الانسان بالموت إن لم يتبع وصاياه: "أما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكلمنها، فانك يوم تأكل منها تموت موتاً" (2: 15). ليس القصد من الموت في هذه الجملةالموت الجسدي، لأن الموت الجسدي هو طبيعي للانسان، بل موت النفس؛ فعبارة "تموتموتاً" هي مرادفة لعبارة "تهلكون هلاكاً" التي نقرأها في سفر تثنية الاشتراع. انالانسان الذي يرفض الله ويريد أن يكون هو إله نفسه لا محالة هالك. كل ما يستطيعبلوغه من دون الله إنما هو اكتشاف عريه وبؤسه، وهذا ما عبّر عنه الكاتب المقدسبقوله ان آدم وحواء بعد خطيئتهما "انفتحت أعينهما فعلما أنهما عريانان" (تك 3: 7). وما طرد آدم وحواء من الجنة (تك 3: 23) إلا صورة رمزية للموت الروحي الذي حصل لهمابعد الخطيئة، أي لفقدانهما بركة الله وحياة الألفة معه.
4- ماذا يمكننا أن نستنتج من تعاليم العهد القديم في موضوعالخلق؟
من كل ما سبق يمكننا استخلاصالتعاليم التالية:
1) ان الله هو الإله الوحيدالكائن منذ الأزل، الذي لم يأخذ كيانه من أي كائن آخر.
2) ان الله هو الخالق الوحيد للكون كله وللانسان. وعمل الخلق هو فيضمن محبته، فالله حاضر مدى الدهر مع الانسان بصلاحه ومحبته وقدرته.
3) ان عمل الخلق هو عمل حر، لم يكن فيه الله مرغماً ولا مقيّداً بأيعامل خارجي. والكون الذي ينتج من عمله لا يتعلّق إلا به.
4) ان عمل الخلق هذا تصفه تقاليد مختلفة من سفر التكوين في عباراتوتصاوير وتشابيه متأثرة بالمحيط الذي نشأت فيه تلك التقاليد وبالبيئة التي كتب فيهاسفر التكوين، ولا سيمَا بالحضارتين البابلية والمصرية.