الأحـــــاديث في الصــــــالونات
إن من يراقب الأجواء التي تسود بعامة، مجالسنا الاجتماعية يُلاحظ مقدار التفه الذي يعروه وتعكسه الأحاديث التي تدور فيها. فما أكثر الأحاديث التي نتداولها لا لشيء إلا لنتناول فيها بعضنا بعضاً، وغالباً بسوء الكلام لا بحسنه. فكأن لا شغل لنا إلا ان نتسلى بعضنا ببعضٍ. غير مكترثين لحرمان الإنسان ولا لقدسية الصورة الإلهية فيه، وغير مدركين بالتالي، خطورة هذا التصرف وسوء عاقبته، ولا حجم الأذى الذي يتأتى منه. هفوات الناس، زلاتهم، شؤونهم البيتية، خصوصياتهم، مشاكلهم العائلية، هذه وغيرها تشكل لأحاديثنا المادة الأغزر، الأكثر إغراءً و الأكثر دسماً. وإذا أطلقنا فيها الألسنة استرسلت، فلا ضابط ولا رقيب، وكأن أحداً لم يقرأ قول داوود النبي: "اجعل يا رب حارساً لفمي وباباً حصيناً على شفتي" أو كلامه: " إن كنت للآثام راصداً يا رب، فيا رب من يثبت؟ لأن من عندك هو الاغتفار". هذه الأحاديث تحتل في صالوناتنا الحيز الأكبر. ولعل خطرها الأساسي أن فيها من الاغراء و الجاذبية ما يجعل الانزلاق فيها أمراً سهلاً، ويجعل، بالمقابل، العفة عن سماعها وعن المشاركة فيها أمراً دونه من الصعوبة ما دونه، فأن تجد نفسك مُقحماً في مجلس كهذا لَهوَ موقفٌ حرجٌ و دونه برأيي ثلاثة حلول أهونها صعب.
إن ما ينبغي تأكيده أن هذه الأحاديث تعود بالأذى الكبير إذ تزرع في البيوت و العائلات بذار الشقاق فتهدد وحدتها الكيانية وتسبب بتصدع أركانها. و أخطر ما في الأمر ان صدعاً كهذا متى حصل لا يرأب بسهولة و قد يتم رأبه إلا أن آثاره تبقى موجودة.... هذا هو الواقع اليومي المعاش، ولا نبالغ إذا وصفناه على نحو ما وصفنا، فكم من البيوت فعلاً خربت لأن الألسنة المؤذية تناولتها بلا رحمة. و هذا النوع من الأحاديث إن دلَّ على شيء فعلى:
- الأول: أن تتصرف "كأصم لا يسمع وكأخرس لا يفتح فاه".
- الثاني: "أن تنسحب من المجلس عملاً بالقول المقدس" طوبى للإنسان الذي لم يسلك في مشورة الخطأة و في مجلس المستهزئين لم يجلس..".
- الثالث: ولعله الأجرأ و الأكثر شهادة أن تعبِّر بصراحة عن استهجانك الحديث الدائر و استنكارك له لأنه يسيء إلى الإنسان وهو ضد المحبة.
وهذا الفراغ الكبير وضعف المحبة يفضحان فينا هشاشتنا الإنسانية وأزمة روحية كبيرة لا تداويها إلا توبة كل واحد منا إلى الآخر وتوبتنا إلى الله" التواب – وحده على مساوئ الناس. على أن هذه التوبة يعوزها ما يدعمها، ولا يدعمها برأيي إلا أمر واحد أن نسعى معاً إلى ما يشدنا الواحد إلى الأخر، ويقوي فينا روح التآزر، روح الجماعة، و إنجاحا لهذا المسعى لا أرى خيراً من:
- أولاً: الفراغ الكبير الذي يشكو منه معظمنا، نفسياً وفكرياً، وبات في مجتمعنا الآفة الكبرى.
- ثانياً: ضعف المحبة، إن هذه الأحاديث منافية للمحبة، بل وقاتلة لها في أغلب الأحيان.
في هذه كلها ينتظر من الكنيسة أن تكون هي الراعية. إن كنيسة حاضرة في حياة أبنائها، معانقة لهمومهم وحاضنة لمشاكلهم وقضاياهم، هي وحدها الكفيلة بإنجاح هذا المسعى إذا ما تعهدته بالرعاية. وحدها الكنيسة الراعية هي التي، إذا تعهدت هذا المسعى، تعمّده فيغدو مسيرة قدسية يتمجد فيها اسم الله المثلث الأقانيم.
- أولاً: أن نفكر معاً. فبالتفكير معاً يتسنى للواحد منا أن يعرف الآخر على حقيقته، ولو بمقدار، على رجاء أن تنشئ هذه المعرفة محبة متبادلة فاحتراماً متبادلاً.
- ثانياً: أن نصلي معاً، فالصلاة المشتركة تجمعنا لأنها تجعلنا متجهين إلى واحد وهو الرب.
- ثالثاً: أن نخدم معاً، فبالخدمة معاً ينتفي التهاؤنا بعضنا ببعض، ليصبح الآخر، بهمومه وحاجاته، هاجسنا المشترك ومحط أنظارنا.
( عن نشرة الكرمة-طرابلس والكورة، عن البشارة عكار )
