أكاليل الصبر - مسرحية للآستعداديين
أكَاليِل الصَبرْ
الزمان: القرن الرابع.
المكان: الصحراء في مصر.
الحبكة: أحداث هذه المسرحيّة مستوحاة من أخبار الشيوخ النسًّاك في برّية مصر.
قارئ 1: يوجد في أعماق الأراضي المصرية برّية مقفرة. في النهار يلتهب رملها وجبالها الصخرية. أما في الليل فيصيبها الصقيع والبرد القارص. في هذه الصحراء المجدبة المدعوة ثيبا, عاش ونسك وتقدّس عشرات من قدّيسي الكنيسة. تنتشر هناك أساقيط عديدة وأديرة على طول هذه الأرض البرية. هناك أعطت صلوات وجِهادات النسَّاك حياة روحيّة للكنيسة.
قارئ 2: لا بدّ أنكم تتساءلون ما معنى كلمة إسقيط (skete)؟ هي اسم يُطلق على دير مصغَّر يتألف من عدة رهبان يعيشون في مغاور أو أكواخ صغيرة متحلّقين حول شيخ جليل يرشدهم ويعلمهم...
قارئ 3: في هذا المكان الفردوسي الأرضي المبارك, عاش ناسك شيخ مع تلميذ له مطيع. كانت توحدهما محبّة المسيح, وكانا يحاولان من خلال جهادهما أن يعملا ما يفيد نفسيهما. في كل مساء كان الشيخ والتلميذ يُتمَّان صلاة النوم في الكنيسة الصغيرة المجاورة لمنسكهما.
قارئ 4: بعد الصلاة اعتادا أن يصعدا إلى قلاية (غرفة) الشيخ. حيث كان يسمع هذا الأنبا (الأب) اعتراف تلميذه بانتباه ثم يعطيه النصائح اللازمة لمتابعة حياته الروحيّة ونموّها. عندما ينهيان كلامهما كان الشيخ يعطي بَرَكَته للتلميذ وهكذا كان هذا الراهب الشاب ينسحب إلى قلايته ليرقد بسلام.
قارئ 1: كان الشيخ معروفًا جدًا لفضيلته وكان كثيرون من مؤمني الإسكندرية والمدن الأخرى يذهبون إلى ذلك الإسقيط بتواتر ليعترفوا ويسمعوا كلامًا معزيًا نافعًا.
قارئ 2: في أحد الأيام أتى كثير من الناس إلى الإسقيط لدرجة أن الشيخ بقي معهم باستمرار حتى المساء. عندما غادر جميع الزوار, تمكن من الصعود إلى قلايته. كان تعبه باديًا, إلا أنه لم يهمل عادته المباركة مع تلميذه. فدعاه إلى جانبه حيث بدأ هذا بالاعتراف إلى شيخه الروحيّ.
قارئ 3: بينما كان التلميذ يتكلّم غلب النعاس الشيخ فغفا. أما الراهب الشاب فقدَّرَ تعب الشيخ وجلس ينتظره ليصحو ويمنحه بركته فيتمكن بالتالي من الذهاب إلى قلايته. مرَّ الوقت ولم يستيقظ الشيخ الغارق في نوم عميق...
قارئ 4: أما التلميذ وبدون أن يتحرك فكر أن ينتظر بعض الوقت تناول مسبحة الصلاة وصلب بيمينه على وجهه وأخذ يتلو الصلاة القلبية: "أيها الربّ يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطىء".
قارئ 1: مضى الوقت وعبر الليل والشيخ لم يستيقظ. بدأ الراهب بذاته يشعر بالتعب والنعاس. فكّر أن يغادر من دون بركة أبيه لينام هو أيضًا إلاَّ أنه في الحال بدل فكره قائلاً:
الراهب: "كيف لي أن أذهب؟، وإن صحا الشيخ ولم يجدني هنا؟ سيتضايق مني كثيرًا. لا,سأبقى هنا. سوف يستيقظ عاجلاً أم آجلاً. سوف أتابع الصلاة حتى يستفيق الشيخ!".
قارئ 2: بعد فترة عاد إليه الفكر ذاته. تذكّر وتأمَّل بتعب الشيخ الذي بقي طول النهار مع زوّار الإسقيط من أجل الاعتراف من دون أن يتكىء أو يرتاح. خجل من الفكر القائل له أن يذهب وينام وقرَّر ألا يغادر مكانه.
الراهب: "ويحي! كيف يخطر ببالي أن أذهب إلى النوم بلا بركة الشيخ؟ لن أغادر مكاني!".
قارئ 3: حتى منتصف الليل أتاه الفكر هذا مرتين أخريين لكن بقوة صلاة يسوع تغلب عليه. ثم ما لبثت تباشير النهار تظهر والشيخ لم يستيقظ بعد. إلا أن التلميذ لا يزال بجانبه ساهرًا. كان قد تغلب على فكرة مغادرته للنوم سبع مرات حتى تلك اللحظة.
قارئ 4: بعد قليل صحا الشيخ من نومه العميق وصادف الراهب الشاب أمامه لا يزال ساهرًا. فقال له باستغراب:
الشيخ: "ألم تذهب إلى قلايتك لتنام وتستريح يا بنيّ؟".
الراهب: "لا يا أبتي الشيخ. كيف لي أن أذهب؟ لم أنل بركتك بعد!".
الشيخ: "ولماذا لم توقظني يا بنيّ أبكر من هذا الوقت لتنال البركة؟".
الراهب: "لقد كنتَ تعبًا جدًا من التعريف كل النهار أيها الشيخ, وشعرتُ بالأسى على إيقاظك".
قارئ 1: أجابه التلميذ بهذا وصنع مطانيّة للشيخ. ثم صعدا كلاهما إلى الكنيسة ورتلا معًا صلاة السحر. بعد ذلك قال الشيخ لتلميذه أن يذهب إلى قلايته ليستريح بينما هو نفسه بقي في الكنيسة ليتابع صلاته...
قارئ 2: بينما كان الشيخ يصلي وقع في انخطاف ورؤيا: رأى أمامه فجأة ملاك الربّ في نُور مُبهر يأخذه من يده ويقوده إلى مكان رائع الجمال لا يوصف. كان يوجد هناك عرش كبير يشع بنُور سماويّ. فوق العرش كان يوجد سبعة أكاليل ذهبية. انذهل الشيخ أمام عظمة هذا العرش وسأل الملاك:
الشيخ: "يا ملاك الله القديس لمن يكون هذا العرش الرائع الجمال؟".
الملاك: "هذا العرش هو لتلميذك أيها الأنبا, إن السيّد الربّ قد هيَّأ هذا المكان والعرش له, منذ وقت طويل وذلك من أجل طاعته الطيبة الكاملة. أمَّا هذه الأكاليل الذهبية السبعة فقد ربحها في هذه الليلة التي مرَّت".
قارئ 3: مع أقوال الملاك هذه انتهت الرؤيا وعاد الشيخ من انخطافه وفي الحال نادى تلميذه وطلب منه أن يكشف له عن أفكاره في المساء الماضي حين بقي صاحيًا طوال الليل. فكشفها التلميذ للشيخ:
الراهب: "سبع مرات أيها الشيخ, أتاني فكر لأذهب وأرتاح بدون بركتك وذلك عندما كُنتَ نائمًا, إلاَّ أني بقوّة الصلاة استطعت أن أصمد وأستمر صاحيًا".
قارئ 4: عندما سمع الشيخ هذه الأقوال تعجَّب من صبر تلميذه. إلا أنه لم يكشف له عن الرؤيا لئلا يقع في الكبرياء فيسيء إلى نفسه.
فيما بعد صارت تحكى هذه القصة والرؤيا للمبتدئين وزوار الإسقيط للفائدة. إلاَّ أن ذاك التلميذ المبتدىء الصبور لم يعلم شيئًا عن الرؤيا إلى اليوم الذي دعاه الربّ إلى الحياة الأبدية.