غياب ديمتري كوتيابين سيرة "ديمتري كوتيا" ونتاجه ومواهبه اكثر من قاسم مشترك، فهو صاحب الصوت الاستثنائي الفريد الذي اندمج مع ثقافة موسيقية متعددة المشارب، كما هو ابن "حارة ال*****" وسليل العائلة الحرفية المكافحة. ربيب الكنيسة بتراثها التلقائي العفوي وخريج المعهد اللاهوتي الباريسي. الطرابلسي الذي أحب الميناء وعشق السكن فيها مع إبقائه على روح التنقل بين المدن والاماكن، حمص – اللاذقية – دمشق، هاجسه ومن ثوابت تلبيته لمحبيه ومريدي التتلمذ على مدرسته وطريقته في الترتيل. ناشر غواية الصوت في سبيل الوصول الى تجسيد الليتورجيا في أبهى حللها. معلم الذين عرفوا بالمحافظين على اصول الترتيل البيزنطي التقليدي، ومن أبرزهم من الجيل الاول المطران الياس قربان وآخرون كثر وليسوا دائما من اصحاب الاصوات الجميلة وبقدرات خارقة. وفي الوقت نفسه وعلى طول مسيرته الرحبة، كان يؤرقه مشروع التجديد الموسيقي الكنسي في حضن "إنطاكيا" بعد أن تعربت وأرسى دعائها "متري" الآخر ابن مدينة الميناء وساكن منطقة فرن الحايك، في الاشرفية، والذي رافق البطريرك غريغوريوس حداد ثاني البطاركة العرب، بعد أمد طويل، وخليفة الدوماني. وكان قد تدرج من كونه مرنما ومرافقا للمطران غريغوريوس في قلايته الطرابلسية ليصبح أول من يطلق عليه لقب "البروتوبسالتي" المرنم الأول. ذلك "متري المر" عمل على انجاز تعريب لغة الالحان الثمانية لترانيم الخدم الكنسية على انواعها. وهنا التعريب قد يعني ايضا باكورة المزاوجة بين اللحن الآتي من عقلانية وفلسفة ولاهوت الذهبي الفم/ الفن مع آخرين وتطويع المحصلة بصلابة ودقة.
صوت من نغم ونور
لم يكن الأمر سهلا، وإنما اخذت المهمة نمط حياة ومدى تجربة أتت بدربها بعض خواص اللغة العربية احيانا بكتم احرف المد او كسر انسيابية الكلمة او اجتزاء عبارة مما قد يبدو لفصيح اللسان ان ما يسمعه كلاما بلغة أعجمية. هذا اثر اليونانية الطاغي بدون شك.
وللغيارى على اصولية يونانية في الموسيقى كان ما يقدمه "ديمتري كوتيا"، بعد ان شرب تجربة "المر"، هو تطوير متصاعد وملطف وواع لأكثر من خط في فهم الموسيقى الليتورجية. ولم يكن في هذا يصدر عن فراغ او انه كان يحارب طواحين الهواء. فمن ناحية اشتغل على اللغة وأدرك مخارجها وحسنها والاحرف الصوتية والمد وخلافه وتأثر بدون شك بكل انواع الانشاد واشكال الاغاني والموشحات والقصائد والادوار ممن كان يسمع لها ويطرب. وهذا لا يعني انه اخذ منها ومن تراكيبها في حالاتها البكر او كيفما اتفق لانه في موسيقاه كان يلون ولا يطرّب، أي لا يتمادى في التزويق الى آخر الحدود. أما همه الثاني فتركز على التبسيط والاختزال، ومن ابرز أعماله في هذا الاطار تلحينه للقداس الالهي للفتيان باللحن الثامن. يبقى بديهيا، لا بل من بديهيات التجربة التي أرساها كوتيا، ملمحان بارزان ايضا: الاول اثر الموسيقى الكلاسيكية على تلاحينه، وهو بذلك يبرز عمق وسعة ثقافته الموسيقية، ومثال على هذا المجدلة الكبرى التي يستهلها بجملة مقطوفة، مع اعادة ترتيب وتقسيم الى متتالية، من سيمفونية شهرزاد لكوساكوف ولكن الباقي لا علاقة له فهي من مقام عجم كرد باللحن الثامن البيزنطي.
ولكنه دائما وفي كل مؤلفاته، حافظ على نسق الارتباط بالالحان الثمانية ووحداتها وأوزانها ومداخلها ومخارجها مع حرية خلاقة في المتن والوسط وسحر الاتكاء على قدرات الانغام وتزاوجها وتركه في احاين كثيرة مجالا للارتجال يسمح لأصحاب الخامات المتميزة والممتازة بالتمادي والتفريد ان في الطبقات العليا او في القرارات الساحرة في الانشاد البيزنطي الجليل.
ولا يفوتنا، إذا ما تابعنا ملامح المؤثرات، الجهد الموازي الذي بذله ديمتري كوتيا في رفد حركة الشبيبة الارثوذكسية بذاكرتها، الشبه كاملة، من الاناشيد الحماسية والتي ليست محصورة بالضرورة بمضمون صلاتي. فانه في هذا المجال شيد عمارة متماسكة ساهمت بتنشيط الهمم وتأطير أجيال واعطائها مادة موسيقية ارخت بظلها على لقاءاتها الجماعية. وهو بهذا كان شريكا مع كتاب لنصوص شعراء رافقهم واستلهم منهم لعل ابرزهم حسيب غالب وأليف خوري فالاول كتب نشيد الحركة سنة 1944 وسلسلة طويلة من الاناشيد والثاني كتب نشيد الخلاص سنة 1961 والاثنان لحن لهما اكثر القصائد والاناشيد التي لحنها. ومن دون الدخول في تفاصيل مضامين الاناشيد وحقباتها لا بد من الاشارة الى ان لكوتيا نصوصا، من بين من لحن لهم، للبطريرك الياس معوض الرابع والانبا شنوده والى جانبهما سبحة من الاسماء، شاعر الفيحاء سابا زريق كان من بينهم وقدم له نشيد طرابلس: فيحاء أنت دم للبنان الذي/ يبقى منيع الجسم ما بقي الدم. واما الباقون فمنهم حنا الحمصي، جورج طربيه، شوقي ساسين، جان توما وخريستو نجم. ويثبت ديمتري في كتابه "نغم ونور" الصادر عن منشورات دير الشفيعة الحارة – بدبا الكورة، ان أول تلاحينه للأناشيد كانت "اقبل العيد" للبطريرك الياس معوض سنة 1935 وآخرها نشيد "سينديسموس" عام 1999 وهو من كلمات أليف خوري. وفي عودة الى الينابيع والمصادر والمؤثرات الموسيقية التي لعبت وساهمت في تكوين الخلفية الثقافية فان اولها، وهنا سأقتطع بدون اقتباس من مذكراته وبقلمه مقطعا كافيا يفي الفكرة حقها: "كان والدي من عشاق الموسيقى الشرقية والطرب الاصيل، وقد جمع في أدراج طاولة كبيرة (استراح عليها "فونوغراف" وهو تحفة فنية الصنع، له بوقان مؤلفان من حلقات متداخلة يمسك بعضها برقاب بعض، ويتوسطهما هلال فضي يحتضن نجمة مشرقة) اسطوانات لكبار الفنانين والموسيقيين أمثال الشيخ سيد درويش، أبو العلي محمد أستاذ سيدة الغناء الشرقي أم كلثوم، وفتحية أحمد، والدكتور محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وسامي الشوا وغيرهم من العباقرة. وكنا نجتمع بعد العشاء غالباً نستمع الى بعض الاسطوانات. كما ان شقيقتي الوسطى المرحومة ملكة، كانت ذات صوت جميل، طالما رددت على مسمعي اثناء قيامها ببعض الأعمال البيتية بعض أغاني وقصائد ام كلثوم. وقد شاءت العناية الالهية أن يكون بيتنا ملاصقاً لبيت الشيخ الرافعي والد القاضي امين الرافعي، وكان جد العائلة مدفوناً في غرفة وسط جنينة تابعة للعائلة، وكان الأهلون يعقدون فيها كل مساء يوم جمعة حلقة للذكر، يدعى اليها كبار المنشدين للموشحات والمدائح النبوية. وكان لإحدى الغرف في بيتنا نافذة تشرف على هذا المقام المحترم. وأذكر أني قضيت ساعات وأنا سابح في أجواء هذه الانغام السماوية التي كانت تستقر في شغاف قلبي، وتغذي موهبتي الموسيقية وأنا لم أتجاوز السادسة من العمر".
وهذا لا يجعله واقفاً عند هذا الحد من الاكتساب ولا يوصم نتاجه بها وحدها بالضرورة فدراسته على مرنمين يونان من البطريركية في دمشق بعد اعداد أولي في مطرانية طرابلس لم يحرمه من معرفة الأصول والتقاليد اليونانية. ولكنه كان دائم الحراك والتعلم. وما طرحه وتطويره للأصوات المتعددة "بولي فوني" إلا صدى للمخزون الموسيقي الذي اكتسبه بالخبرة والممارسة والاكتشاف والاستماع الى التجارب الحديثة. وما افتتانه بالمحدث اليوناني "تالياذورس" المرتل في كنيسة "غريغويو تو بالاماس" في سالونيك الا وجه من وجوه الامعان بالمقابسة والحفر على منوال من يجارونه مع انه فضّل دائماً بأن يكون في منتصف الطريق بين مغربين للتأليف الموسيقي ومحافظين أصوليين للأباء الأولين.
كل هذا الذي سبق يطرح قضية الموسيقى في الكنيسة الارثوذكسية التي هي بين أيدي من هم، في اغلبيتهم، لا يفقهون علمياً بما يعملون. فالغالبية ترتل بطريقة شبه تلقائية معتمدة على السماع مما قد يؤدي الى العديد من الهنات والاستسهال والتحوير. هذا عائد ربما الى صعوبة قراءة الاشارات الموسيقية العائدة الى زمن يوحنا الدمشقي ولكن في الوقت نفسه تعرضت الى حقبات متتالية في تطورها ودخولها ايضاً بعصور انحطاط وتحريف وتأثرها بالجذر اليهودي حيناً واليوناني دائماً، كما يسهب في شرحه الارشمندريت انطوان هبي في كتابه "مبادئ الموسيقى الكنسية البيزنطية بحسب المذهب القسطنطيني" الصادر عن المطبعة البولسية طبعة ثانية مزيدة عام 1964، وهذا ما يؤكد ضرورة العمل بجهد أكبر حيث ان الاجتهاد ناقص في هذا المضمار وهو الذي توقف لفترة طويلة امام انجاز متري المر وتلميذه المباشر اندراوس معيقل واللذين واكبا عملية تعريب الكنيسة الارثوذكسية خلال البدايات مع البطريرك حداد وكأن ما اجترحاه لم يحرك غير ريادة متري كوتيا الذي دفع بالتطوير إلى مطارح غير مسبوقة رافعتها الدائمة كانت امتلاكه لصوت فريد وبلوري رنان، بقوة جرس، لطالما استدعى حضوره في أي خدمة الحضور الكثيف للمؤمنين المنتظرين لتدخلات تراتيله اكثر من أي شيء آخر.
ولو ان هذا الكلام قد يزعج "مستقيمي الرأي" الا ان الوقائع الكثيرة وما خدم الاعياد والآحاد وخدم اسبوع الآلام وخميس الصلبة بخاصة وغيرها الكثير سوى جواب على هذه الحقيقة.
كوتيا ذهب الى مشواره الأخير، هو من مكان يكثر، خلال مشوار حياته المديد، منها ويطلبها لتلاميذه في الجوقات التي انشأها ويحدد مساراتها للنزهات كما لمشاركة آخرين بجمال انجازاته مؤمناً الاستماع لبرامج التراتيل المختلفة.
وقبل ان نختم الحديث عنه وحول موسيقاه لا بد من الاشارة الى ان ديمتري كوتيا قام بترجمة كتب دينية للاهوتيين منها ما نشر ومنها ما بقي بين متروكاته وانجازاته وذلك على اعتبار انه أولاً واخيراً كان مثقفاً حقيقياً قارئاً ومتعلماً دائماً مما خوله ادارة قسم من مدرسة الثانوية الوطنية الارثوذكسية في الميناء بنجاح وغيرها من المواقع التي شغرها في التربية والتعليم ونشر الموسيقى الكنسية حيث اعتبر دائماً "المرنم الأول".
وفي لفتة اخيرة اعرف انه كانت له لقاءات مع المقرئ المعروف الشيخ صلاح الدين كبارة في صبحيات ارتادها نخبة من ابناء المدينة حيث كانوا يستمعون إلى غوايات الصوت من ابتهالات تأتي عبر فيض ذاكرة متشابكة متقاطعة في المكان والمقصد.
ديمتري نقولا كوتيا، بقي الى أواخر سنواته ينشد ويصلي ويقتبس ويبدع وقال عنه المطران جورج حضر في عظة وداعه انه كان صديقاً له في حارة ال***** وعلاقتهما دامت ما يزيد عن 75 سنة وهو يعرف ان مسعى كوتيا الدائم فيما يوصف بكونه يعرب البيزنطي انه يقرب الناس من الصلاة. في عصرنا الحالي نعمة التقنيات الحديثة قد تبقى على الكثير من الارث المكتوب جنباً الى جنب مع ما هو مصور ومسجل، وهذا بفضل جهود صهر الاستاذ متري: انطوان بيطار الذي تعب على مدى سنوات بتوثيق الخدم والحفلات الخاصة، وبدون شك سيضع الزمان الآتي كل هذه الجهود أمام مساءلة علمية، ربما، وبمواجهة مع أذواق الناس والشعب المؤمن القادر على التقييم والتطوير والنشر.
جان رطل
(توفي ديمتري نقولا كوتيا عن عمر يناهز التسعين، يوم الثاني من شباط الماضي وهو متزوج من المربية أليس بندلي وله منها ايران ونجيب.)
