يقول القديس يوحنا الذهبي الفم عن مجد الصليب وفخره :
+ يا أحبائى عندما نعيد ونحتفل بالصليب فإننا نرى السيد على الصليب والشمس متوارية ، ولا تتعجب من أن الأمور التى تسبب التجهم والعبوس هى نفسها التى نحتفل بها ، إذ أن كل الأمور الروحية تختلف عن الأمور الجسدية المعتادة .
كان الصليب فى السابق أسما للقصاص والعقاب ، أما الآن فهو اسم للفخر والأحترام .
كان الصليب فى السابق موضع عار وعذاب ، أما الآن فأصبح سبب مجد وشرف .
وكون أن الصليب هو مجد كقول السيد المسيح : " أيها الآب مجدنى بالمجد الذى كان لى عندك قبل تأسيس العالم " ( يو 17 : 5 ) .
+ فالصليب هو قمة خلاصنا.
في هذا المقال من كتابات الأرشمندريت توما(بيطار) يتحدّث اليوم في (أسبوعياته) على موقع عائلة الثالوث القدوس عن الصليب الذي اختارت الكنيسة الأرثوذكسية أن تضعه في منتصف الصوم ليكون تعزيةً للمؤمنين في ميدان الصوم.
صليب القيامة
اليوم أحد الصليب في كنيستي. الكلام على صليب الربّ كلّه فرح وتهليل. تُنسيك الخدمة، اليوم، أنّك بإزاء موت. تجعلك، مسبقاً، في فرح القيامة، في فرح الحياة. صليب الربّ هو المشوق إليه، كما تقول الخدمة. يُطلع بروق نعمته الباعثة الضياء. به تلاشت كآبة العبرات ونجونا إلى سرور لا يفنى. هو فردوس بهيّ للكنيسة. به يزهر المجد الأبدي. وهو ظفرُ العبادة الحسنة وثبات المؤمنين. به ابتُلعت قوّة الموت وارتقينا من الأرض إلى السموات. مقاوم الشياطين. السلاح الذي لا يحارَب. ميناء الخلاص. "أنت نصيرنا أيّها الصليب الكلّي الوقار الذي لمّا تناولنا من ثمرته حصلنا على عدم الفساد ونلنا عدن الأولى ثابتة والرحمة العظمى" (صلاة المساء).
إن تَغَنّ بالألم في العالم تكن مريضاً. إنسان هذا الدهر عدوّ الألم والألم عدُوّه. لذا التغنّي بالصليب بين أهل الأرض جهالة وبين بعض المسيحيّين عثرة. ثمّة مَن لا يرون في الصليب إلاّ المأساة. صورة موت. حتى قيل المسيحيّة لا تعرف الفرح ويتلذّذ أتباعها بالألم إلى أن تنطبع آثار الحربة والمسامير والشوك على أبدان بعضهم. ذاك انحراف وتشويه لحقيقة الصليب. لذا جعلت كنيستي احتفال الصليب اليوم مشوباً بالتهليل والأزاهير والأنوار لتبعث في النفوس عبق القيامة قبل الفصح. الصليب عندنا هو إيقونة القيامة بامتياز!
قصّة الصليب قصّة حبّ. السماء انفتحت ومحبّة الله انسكبت. أحبّنا ابن الله حتى الموت، حتى التجسّد، حتى النزول إلى مأساة الإنسان، إلى موت الإنسان. ليس يسوع مَن مات، ولو ذاق الموت، ليُبكى عليه بل ابن آدم. "يا بنات أورشليم لا تبكين عليّ بل ابكين على أنفسكن وعلى أولادكن..." (لو 23: 28). أما ابن الله فنزل، عن إرادة، لم يقمعه أحد، ليكون حيث كان الإنسان. لا معه وحسب لأنّه لمّا يشأ أن يقف عند حدود المؤاساة، بل اتّخذه، اتّخذ موته ليبثّ في موته حياته، ليقيمه. لذا تجلّت ذروة المحبّة الإلهيّة على الصليب. ذروة النصرة على الموت كانت هناك، على الصليب، لمّا أَفرغ مَن هو الحياةُ نفسَه وتسمّر عليه. لا لم يقضِ الصليبُ على خالقَ السموات والأرض ولا يستطيع بل السيّد أحيا الصليب وجعل الموت ينبوعاً لعدم الفساد. إذ اتّحد الموت والحياة في يسوع أضحى صليب الربّ كلُّه حياة، كلُّه فرحاً، كلُّه جديداً. هذا كان الإنجاز التاريخي لابن الله على الأرض أنّ الصليب استحال رمزاً للمسرّة وإكسيراً للحياة.
وإذا ما كان الصليب علامة محبّة الله للإنسان فهو يُعطى للإنسان ليكون، في المقابل، علامةً لاقتباله محبّة الله. المحبّة تقابلها المحبّة. الصليب، صليب الربّ، يمدّ للإنسان مسرى جديداً إذا ما آمن. مسرى كلّه نبض حياة. كلّ مَن لا زال يرى في صليب المسيح حزناً وموتاً لا زال قابعاً في عتاقته، في ظلمة نفسه. أما مَن تتسلّل إليه جدّة الحياة فإنّ الصليب يصير إليه أبهى بهيّاً من كلّ ما أُعطي الإنسان أن يذوقه. ما لم يخطر ببال إنسان ولا في الأحلام ولا في الخيال ما أعدّه الله للذين يحبّونه.
كلّ مَن تتألّم من أجله غير يسوع وباسم يسوع يوهن إنسانيّتك وينقصها. فإن تألّمت من أجل يسوع والأحبّة باسم يسوع فإنّ إنسانيّتك تكتمل وتزيد حتى لتصير في الروح إلهاً. هذا هو الحزن البهيّ. هذا هو صليب القيامة. هذا هو الموت المحيي. هذا هو الألم المعزّي. الصليب في إثر صليب الربّ يجعلك ذا طبيعة مختلفة، جديدة. صليب العالم إن تعاطيتَه تكن إنساناً، يوجعك، يضنيك، يكسرك، وصليب الربّ إن ذقتَه تكن إنساناً متروحناً، متألّها، يبثّك الفرح في الضنك ويجمعك في التمزّق ويرفعك إلى سماء السموات في نزولك إلى أسافل دركات الأرض. فمرحى بكلّ ما فيه طعم يسوع. هو يعطينا أن نذوقه إن اشتقنا. بنوره نعاين النور. نذوق المرّ عسلاً فلا تُثقّل عليك المرارةُ بعد، بل ترى للحلاوات الإلهيّة طريقاً جديدة لم تخطر لك ببال وتدهش وتهلّل وتمجّد وتقيم في الغبطة وأنت على الصليب تروم المزيد. تبذل جسداً فتلقاه ممجَّداً. تسكب دمعاً فتأخذ بهجة. لا تعود تعرف: أإنسان أنت أم إله، أفي الظلمة أم في النور؟ تعتورك ألوهة محبّة ربّك روحاً فتشتهي لو كان لك ألف جسد لتبذلها جميعاً من أجل يسوع الذي لا يكفّ يدفق عليك من أنعامه ويشملك برضوانه فتقيم في النور وتحكي في النور وتسمع في النور، ويلفّك النور كلَّك ولا تبقى فيك خليّة من خلاياك إلاّ تتشبّع بالنور.
الصليب كلام رتيب يستحيل أنشودة، علامة تصير حضوراً، أرض ممدودة إلى السماء. الصليب هو الإنسان الجديد الذي يتخطّى كلّ ما ظُنّ أنّه من الإنسان. مهما تكلّمت على الصليب لا تفيه حقّه، تلقاك قاصراً، متلعثِماً، تلغو لغواً. الصليب أكبر منك ومع ذلك أُعطي لك لتكون إيّاه، لتقيم عليه، ليصير مركبتك إلى الحياة الأبديّة، إلى وجه ربّك، إلى كلّ ما تشتاق نفسك إليه في الروح. وما تشتاق إليه في الروح لا تعرف أن تشتاق إليه في اللحم والدم. الصليب يجعلك فوق ما أنت عليه وهذا ما شاء ربّك أن تكون إيّاه. أنت تراب شاء سيّدك أن تكون مسكناً له في النور. أنت العدم المعطى أن تقيم فيك الحياة الأبديّة. هذه منّة منه. أنت اقبله فقط. اتّخذه كما اتّخذك. ليكن لي بحسب قولك. "قمْ يا الله واحكم في الأرض لأنّك ترث جميع الأمم".
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
إلى سنين عديدة ياسيد ليحفظك الرب الإله لكنيستنا عضداً وأميناً ومحامياً ومدافعاً عن إيمانها المستقيم الرأي
