إلياس والخضر امام نبع الحياة
يتكرر في كتب التراث حديث يقول أن الأنبياء الأحياء أربعة إلى يوم البعث، اثنان في السماء، وهما عيسى وإدريس، واثنان في الأرض، وهما الخضر وإلياس. وقيل "الخضر في البحر والياس في البر"، وأنهما يجتمعان كل عام في بيت المقدس ويصومان فيه شهر رمضان. وقيل أنهما يلتقيان في عرفات كل سنة، "فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه، ويفترقان عن هذه الكلمات: باسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله".
يرد اسم إلياس في سورة "الإنعام" إلى جانب أسماء كوكبة من الأنبياء الصالحين (83 - 86). وتأتي قصته بشكل مختزل في بضع آيات من سورة "الصافات": "وإن إلياس لمن المرسلين. إذ قال لقومه ألا تتقون. أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين. الله ربكم ورب آبائكم الأولين. فكذبوه فأنهم لمحضرون. إلا عباد الله المخلصين. وتركنا عليه في الآخرين" (121 - 132). في شرحه هذه الآيات، ذكر كبار المفسرين روايات عديدة تقارب القصة التوراتية التي جاءت في "سفر الملوك"، و تناقل أهل الأخبار هذه الروايات، ووضعوا سيرة خاصة بالنبي إلياس تحفل بالخوارق والأعاجيب. بحسب ما نقله ابن عساكر في "تاريخ دمشق"، أُرسل إلياس إلى أهل بعلبك غرب دمشق ليدعوهم إلى نبذ عبادة بعل فدخل معهم في مواجهة حادة انتهت برفعه إلى السماء على "فرس لونه كلون النار"، " فكساه الله عز وجل الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب"، فصار "إنسيا ملكيا سماويا أرضيا"، "يطير مع الملائكة، قد كُسي ريشهم وألبس نورهم وأُعطي قوتهم وصبرهم".
البري والبحري
ينقل ابن عساكر عن الحسن البصري قوله بأن إلياس "موكل بالفيافي، والخضر بالبحار، وقد أعطيا الخلد في الدنيا إلى الصيحة الأولى، فإنهما يجتمعان في كل عام بالموسم". وفي حديث لابن عباس يُرفع إلى النبي: "يلتقي الخضر وإلياس عليهما السلام في كل عام من الموسم بمنى فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويفترقان عن هذه الكلمات: سبحان الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله ما شاء الله لا يصلح السوء إلا الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله". يأخذ الحديث طابعا قصصيا في روايات تجمع إلياس بالنبي محمد، وأغلبها من الأحاديث التي توصف بالضعيفة والموضوعة والمنكرة. في واحدة من هذه القصص، يظهر إلياس عند طرف الوادي في هيئة "رجل طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع"، ويعانق الرسول ويقول له: "إني ما آكل في سنة إلا يوما وهذا يوم فطري فآكل أنا وأنت". يأكل النبيان من مائدة تنزل عليهما من السماء وعليها "خبز وحوت وكرفس"، ثم يصليان العصر، بعدها يودع إلياس محمد و"يمرّ في السحاب نحو السماء". في رواية أخرى، يظهر إلياس في وادي الحوزة بالحجاز وهو في طريقه إلى مكة، و"عليه ثياب بياض اشد بياضا من الثلج، وإذا وجهه ولحيته كذلك". يلتقي السائح بالرسول ورجاله عند عودتهم من غزوة تبوك، ويخاطبهم وهو يتلألأ كالشمس، ويجتمع بمحمد، ويأكل معه من "مائدة خضراء عليها خبز ورمان وموز وعنب ورطب"، وهي ليست "من طعام الدنيا"، بل أكلة تأتي بها الملائكة كل أربعين يوما، "وهو شيء يقول الله عز وجل له كن فيكون". يقول إلياس بأنه يأتي مكة ليشرب بها في كل سنة شربة، وهذه الشربة عصمته إلى تمام الموسم، وأنه اجتمع بالخضر الذي أنبأه أنه سيلتقي بمحمد، وطلب منه أن يبلغه سلامه له، ثم عانقه وبكى. صافح رجال محمد إلياس وعانقوه، فبكى وبكوا، ثم "هوى في السماء كأنه يُحمل حملاً"، وقال الرسول: "إنه يكون بين جناحي ملَك حتى ينتهي به حيث أراد".
يترددّ الحديث عن لقاء إلياس والخضر في قصة أخرى بطلها "رجل كان مرابطا في بيت المقدس وعسقلان"، وقد تراءى إلياس عليه في وادي الأردن، وكان قائما يصلي، "فإذا سحابة تظله من الشمس". قال نبي الفيافي لسائله أن الله بعثة فيما مضى إلى أهل بعلبك، وانه ظلّ يوحي له حتى بعث محمد خاتم النبيين، وأن الأنبياء الذين في الحياة أربعة، هو والخضر في الأرض وإدريس وعيسى في السماء، وأنه يلتقي بالخضر في كل عام بعرفات وبمنى، فيأخذ كل منهما من شعر الآخر، وهذا حديثهما.
نبع الحياة
لا يرد اسم الخضر في النص القرآني، غير أنه مذكور في حديث البخاري، وهو في كتب المفسرين اسم "العبد الصالح" صاحب موسى في سورة الكهف (65-82). لا نجد في كتب التراث تعريفا واضحا بالخضر، فالآراء الخاصة حول اسمه واسم أبيه عديدة، والحديث في نسبه ونبوته وتعميره يقود إلى بحر من القصص والأخبار المتباينة، وقد استعرض ابن عساكر هذه الآراء، وقدم ابن حجر من بعده مراجعة لهذه الأحاديث في "الإصابة في معرفة الصحابة". تتغير هوية الخضر بين رواية وأخرى، ففي رواية تعود لابن إسحاق، جمع آدم بنيه لما حضره الموت، وقال لهم: "إن الله منزل على أهل الأرض عذابا فليكن جسدي معكم في المغارة حتى إذا هبطتم فابعثوا بي وادفنوني بأرض الشام". حافظ الأبناء على جسد أبيهم، وحمله نوح من بعدهم، وعندما انقضى زمن الطوفان، نزل ببابل وأوصى بنيه الثلاثة أن يذهبوا بالجسد "إلى المغار الذي أمرهم أن يدفنوه فيه، فقالوا: الأرض وحشة لا أنيس بها ولا نهتدي الطريق، ولكن نكف حتى تأمن الناس ويكثروا وتأنس البلاد وتجف. فقال لهم نوح إن آدم قد دعا الله أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة، فلم يزل جسد آدم حتى كان الخضر هو الذي تولى دفنه وأنجز الله له ما وعده، فهو يحيا إلى ما شاء الله له أن يحيا".
وتقول رواية أخرى أن الخضر كان من رجال الإسكندر ذي القرنين، وكان لهذا الملك خليلا من الملائكة، فطلب منه أن يرشده إلى ما يُطيل من عمره، فدلّه على "عين تسمى عين الحياة، من شرب منها شربة لم يمت أبدا حتى يكون هو الذي يسأل ربه الموت"، وهي في ظلمة "لم يطأها أنس ولا جان" على الأرض. مشى الخضر مع ذي القرنين لطلب عين الحياة وسبقه في الوصول إليها، "فإذا ماء أشد بياضا من اللبن وأحلى من الشهد، فشرب منه وتوضأ واغتسل، ثم خرج فلبس ثيابه"، فكُتبت له الحياة، بينما أخطأ ذو القرنين الطريق، ولم يظفر بنبع الحياة.
تقول حكاية أخرى أن والد الخضر كان ملكاً، وأمه كانت فارسية، "وأنها ولدته في مغارة وأنه وجد هناك شاة ترضعه في كل يوم من غنم رجل من القرية، فأخذه الرجل ورباه، فلما شب طلب الملك كاتباً يكتب له الصحف التي أُنزلت على إبراهيم، فجمع أهل المعرفة والنبالة فكان فيمن أقدم عليه ابنه الخضر، وهو لا يعرفه، فلما استحسن خطه ومعرفته بحث عن جلية أمره حتى عرف أنه ابنه، فضمه إلى نفسه وولاه أمر الناس. ثم إن الخضر فر من الملك لأسباب يطول ذكرها إلى أن وجد عين الحياة فشرب منها، فهو حي إلى أن يخرج الدجال فإنه الرجل الذي يقتله الدجال".
مواطن الخير
ذكر الرواة أسماء عديدة للخضر، ونُقل عن الرسول قوله: "إنما سمي الخضر خضرا لأنه صلى على فروة بيضاء فاهتزت خضراء فلذلك سمي خضرا"، والفروة هي "الأرض البيضاء التي لا نبات بها" أو "الهشيم اليابس". وقيل: "وإنما سمي الخضر لأنه إذا صلى في مكان اخضر ما حوله". واختلفت الآراء في تحديد مقام الخضر بقدر ما اختلفت في هويته. "قال الثعلبي: هو نبي على جميع الأقوال معمر محجوب عن الأبصار". "وقال أبو القاسم القشيري في رسالته: لم يكن الخضر نبياً وإنما كان ولياً. وحكى الماوردي قولا ثالثاً: إنه ملَك من الملائكة يتصور في صورة الآدميين". "وقال النووي في تهذيبه: قال الأكثرون من العلماء هو حي موجود بين أظهرنا وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة وحكايتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه، ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تذكر".
جمع ابن حجر طائفة من الأخبار والأحاديث تحت عنوان "ذكر الأخبار التي وردت أن الخضر كان في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم بعده إلى الآن"، وذكر طائفة أخرى منها في "باب ما جاء في بقاء الخضر بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن نقل عنه أنه رآه وكلمه". تماثل هذه الأخبار ما قيل في النبي إلياس، ويتكرر فيها الحديث عن الأنبياء الأحياء الأربعة، وعن اجتماع "الخضر وإلياس ببيت المقدس في شهر رمضان من أوله إلى آخره" وانتقالهما بعدها إلى مكة حيث "يشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى مثلها من قابل". يتكرر الكلام عن الطعام السماوي في أكثر من قصة، وهو طعام "مائدة نزلت من السماء"، جاء "بأسماء الله العظام"، و "لا يشبه طعام أهل الدنيا".
عند سد يأجوج ومأجوج
جمع الفردوسي بين الخضر وإلياس أمام نبع الحياة في ملحمة "الشاهنامه"، وأستعاد نظامي الكنجوي هذا المشهد في "اسكندر نامه". شكّلت هاتين الروايتين أساسا لعدد لا يُحصى من المنمنمات، وانتقلت إلى بعض نسخ "قصص الأنبياء" المزوّقة، وباتت صورة لقاء إلياس البري بالخضر البحري من كلاسيكيات فن الكتاب الفارسي. في الكثير من هذه المنمنمات، يظهر فرسان إلى جانب البطلين، أحدهما بني اللون، والثاني أبيض، واللونان رمزان للبر والبحر. نقل صاحب "كنز العمال" حديثا يقول: "الخضر في البحر والياس في البر. يجتمعان كل ليلة عند الردم الذي بناه ذو القرنين بين الناس وبين يأجوج ومأجوج، ويحجان ويعتمران كل عام، ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى قابل". وقال الألوسي في "روح المعاني"، "ان الخضر يدور في البحار يهدي من ضل فيها، وإلياس يدور في الجبال يهدي من ضل فيها، هذا دأبهما في النهار، وفي الليل يجتمعان عند سد يأجوج ومأجوج يحفظانه" ¶
د. محمود الزيباوي
رد: إلياس والخضر امام نبع الحياة
يعطيك الف عافية أبونا ع المعلومات