المجمع المقدّس الآتي!الجلسة العاديّة التالية للمجمع الأنطاكي المقدّس بعد أيّام، في السادس من شهر تشرين الأوّل. لا نعرف جدول الأعمال لها. نعرف، فقط، ما أُشيع، أنّ المجمع الموقّر مزمع أن يختار ملاكاً جديداً على أبرشيّة طرابلس والكورة وتوابعهما. هذا نرجو أن يتمّ بروح السلام والمحبّة ومخافة الله حتى يكون لهذه الأبرشيّة، المبارَكة من الله، راع، على قلبه، يقطع باستقامة كلمة حقّ، ويورد الخراف الناطقة فيها إلى ينابيع الخلاص ومراعي النِّعَم السماويّة. كائناً مَن كان مسيح الربّ الجديد، رجاؤنا أن يكون رجلاً لله بالروح والحقّ. صورة المجامع المقدّسة، بعامة، في الأذهان، غير واضحة. لا المجمع هيئة كسائر هيئات الأرض ولا هي مُنزَلة من فوق. ثمّة ما يُعزى إلى الله فيها وثمّة ما يُعزى إلى الناس. هذا متداخل بذاك وذاك بهذا، على الرجاء أن يأتي ما يَخرج من المجمع تعبيراً عن تجسّد ابن الله. في هذا الإطار لنا بضع كلمات نقولها توضيحاً لهذه الصورة في التراث.
بعض ما يُقال ويُعمل، على صعيد المجامع المقدّسة، موحًى به من الروح القدس. هذا ليس بيِّناً لكلّ عين مجرّدة، ولا يعرفه، في الحقيقة، إلاّ الراسخون في استقامة الوجدان الكنسيّ ومَن لهم فكر المسيح (1 كو 2: 16) وروح الله (1 كو 7: 40). كما لم يَبِنْ المسيحُ الناهض من بين الأموات إلاّ للمؤمنين به إيماناً لا لَبْس فيه، كذلك لا يستَبين عمل الروح القدس إلاّ لعشراء الله بالروح والحقّ. ولكنْ، إذا كان ثمّة ما هو من روح الربّ القدّوس فإنّ ثمّة ما هو من بنات أفكار السّادة الأساقفة وأهوائهم أيضاً. هذه بديهيّة لاهوتيّة لا شكّ فيها. روح الله قلّما نلقاه قهّاراً. لا يفرض ذاته على الناس فرضاً. كنسيم عليل يأتيهم كما استبان لإيليا التشبيتي. علاقته بهم علاقة تعاون. يحترم اللهُ الإنسان وينزل إلى مستوى الإنسان حتى ليجعله له شريكاً. بين مسيح الربّ والمؤمنين "سينرجية" (synergy). لا هو يَلبسهم عنوة ولا هم قادرون على اقتحامه والانتساب إليه بغير إيمان عميق به ومحبّة حقيقيّة ومخافة. بَلى! ملكوت السموات يؤخذ غِلاباً، لكن هذه هي غِلابة التوبة والاتّضاع النينوي، والدأب على الصلاة والصوم والدموع والنقر على باب رحمات الله. "لا تصرف وجهك عن عبدك فإنّي حزين. أنظر إلى نفسي وخلّصها" (مز). هذه الغِلابة ليست اتّشاحاً خارجيّاً بما يُعزى لله. بين الأمانة له والكفر به، في مستوى الروح، فرق أوحد هو الفرق بين بهاء النيّة العميقة والاكتفاء ببهاء الأردية!
لا، ليست في هذه القولة محرّمات ولا خرق لمقدّسات بل بداهة!
غير صحيح أنّ اختيار الأساقفة، في الممارسة، هو عمل الروح القدس في كلّ حال، بل يتراوح هذا الاختيار بين الفعل الإلهيّ الحلال والعمل البشريّ الأهوائي. لا يُغنينا الوجودُ في بيت الله، ولو كنّا قيِّمين عليه، عن جعل قلوبنا مذاود لربّ البيت. مهما كان سعيُنا مسبوقاً، شكلاً، بالصلاة، ومتبوعاً بها، فإنّ خياراتنا تبقى ناتج تلاقٍ بين نفوس منقّاة وربِّها، نفوسٍ تُمعن في الصوم والصلاة والضراعة، وتنهد إلى ربّها بالابتهال، سائلة وملتمسة منه الهدى والرضى والاستنارة والحكمة والمحبّة الحقّ. وقد تكون الخيارات ناتج عدم النقاوة والحزازات والمنازعات وتدخّلات أهل السياسة ومَن إليهم. لا ضمانة خارجيّاً، الضمانة بالإيمان الحيّ العميق الحلال. "إن لم تؤمنوا فلا تأمَنوا". لذا، كانت هناك، دائماً، في التاريخ، مجامع ساقطة بمَن كان فيها وبما قيل فيها.
قد يتكلّم الروح في المجمع وقد لا يتكلّم. ليس هو تحصيل حاصل ولا دمغة تُضغط على ورقة بيان. ليست القدسية حتميّة وضعيّة لأنّ ثمّة مجمعاً أسقفي. سيرة الأساقفة وسلوكهم وشفافيّتهم لروح الربّ ومحبّتهم لبعضهم البعض وشعبهم وكلّ غريب هو ما يجعل مجمعهم مقدَّساً. ثمّة تفاعل قائم، على نحو متحرِّك، بين الأساقفة والله، يشكِّل أساس اجتماعهم في القداسة ومحبّة الله، وإلاّ لا يعدو لقاؤهم كونه لقاء بشريّاً عاديّاً جدّاً بكلّ عناصره البشريّة وسقطاته وعثراته. لا شكّ أنّ الله يتكلّم في الأساقفة الصلاّح وقد يتكلّم في الأساقفة ولو لم يكونوا على قلبه، كما تكلّم برئيس الكهنة القاتل قديماً. هو يعرف، في كلّ حال، كيف يُخرج من الغثّ ثميناً. ولكن، لا شكّ، أيضاً، أنّ الله قد يتركهم لغيِّهم من باب التأديب وإفراغ الذات تخلِّياً عنهم أو عن الشعب المقامين هم عليه إن وُجد شروداً، غير مبال أو مغرِقاً في الضلال، ولله، في أحكامه، مقاصد نعرف شيئاً منها وتغيب عنّا أشياء. لذا قيل: "اطلبوا من ربّ الحصاد أن يُرسل فعلة إلى كرمه"، ولم يُقَل: لكم ذلك مجّاناً، ولو كان ليعطينا كلّ نِعَمِه مجّاناً. الراعي الصالح يأتي من توبةٍ في الشعب والكهنة والأساقفة وصحوةٍ واتّضاع ودموع وصلاة وصوم وسهر حتى الدّم، ولا يأتي من ثرثرات واحتيالات ومكائد وتجريح. "إذا كنتم تنهشون وتأكلون بعضكم بعضاً فانظروا لئلا تُفنُوا بعضكم بعضاً" (غلا 5: 15).
ليس اختيار الأساقفة كاختيار أعضاء البلديّة أو البرلمان. هذا عمل بشريّ وذاك عمل إلهيّ بشريّ. هكذا يُفترَض أن يكون. هذا عمل عقل وانفعال، حكمة بشريّة يمكن أن تكون دنيّة، وذاك عمل قلوب ارتحلت إلى مخافة الله واتّضعت وانكسرت بإزاء الحضرة الإلهيّة وأحبّت حتّى الدمع. المبتغى أن يختار الأساقفةُ والشعبُ مَن اختاره الله مسيحاً له، شاهداً، خادماً على قلبه. هذا لا يأتي من حَبَل شكليّ كذوب ولا من حشا امتلأ إثماً وغيّاً. "لا تمسّوا مسحائي ولا تؤذوا أنبيائي!" التوبة التوبة وإلاّ الضياع، وما يذهب الشَرود بِغَيِّه وعبثه بعيداً! تأديب العليّ يلحقه إلى النهاية!
لا شكّ أنّ قوماً لجأوا في الأسابيع القليلة الفائتة إلى الصلاة اليوميّة أو الأسبوعيّة ابتغاء مرضاة الله، ولكن لا شكّ، أيضاً، أنّ الجوّ عابق بالثرثرات والنزاعات الشخصيّة والمؤامرات والمفاسد. بنو الله تحرّكوا وبنو بليعال أيضاً! رجاؤنا، في اللحظة الأخيرة، أن يعود المغوَون بذواتهم إلى ربّهم وأن يسود الحقّ حتّى يفرح خراف طرابلس والكورة وتوابعهما وكلِّ أنطاكية بعمل الله. إليك عنّا يا كأس المرارة باسم المسيح حتّى لا تطالعنا جلجلةٌ جديدة! "ليقم الله ويتبدّد جميع أعدائه ويهرب مبغضوه من أمام وجهه".
سلام على الذين يصنعون السلام متى تعكّرت المياه وليبقَ اسم الربّ مبارَكاً من الآن وإلى الدهر!
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
المصدر
