وجهة نظر حول قضية عمل الخير
وجهة نظر حول قضية عمل الخير
الأرشمندريت سلوان أونر.... !!
لطالما تأخذ "مشكلة الشر" حيّزاً كبيراً من فكر الإنسان، إذ يراها البعض على أنها البرهان الفاصل على وجود الله. فكيف يسمح الإله الصالح أن يتأذى أناس أبرياء؟
نظرة مماثلة حول هذا الموضوع طُرحت في رواية دوستويفسكي " الإخوة كارامازوف "، حيث يظهر تفاصيل هذا الموضوع في فصل "التمرد" من الرواية المذكورة، فايفان كارامازوف في حديثه مع أليوشا يسأل كيف يسمح الله بمعاناة الأطفال الأبرياء؟ وبالتالي يصل لنتيجة أن تلك المعاناة لا تستحق أي فدية يقدمها الله لهم: "إنني أفضّل أن تبقى آلام هذا العالم بغير تكفير، إنني أؤثر أن يظل ألمي بغير فدية..." (الإخوة كارامازوف 2 صفحة 73)
الحجة قوية تدخل ضمن نطاق المنطق، لدرجة أن المؤمن المسيحي دوستويفسكي خشي أن يكون قد طرح هذه القضية ولم يستطع أن يحاججها في روايته. طبعاً بالنتيجة أنا لا أوافق على نظرته المتشائمة.
حجتي شيء معاكس. إنها مشكلة الخير (إذا افترضنا تسميتها مشكلة)، لماذا نرى الخير في هذا العالم حالةً معطّلة في حياة بعض الناس؟؟ الأحداث العالمية تؤكد هذا الكلام فلا نرى الجميع بخير بل هناك الكثير ممن هم مسلّحون أو يتسلحون مترقّبين الآخر للحرب أو القتل أو السرقة.
مثلاً إذا خطر ببالنا ما كانت نتيجة أعمال هتلر في العالم سنصل لنتيجة بأنها كانت سيئة جداً، وبأنه كان لعبة بيد الشيطان. فلماذا يتكرر القتل والموت والجرائم من حولنا وبشكل كبير؟؟ أسئلة كبيرة وكثيرة، المسلسل يتكرر والموتى أطفال و نساء وشيوخ وشباب أبرياء. الشرّ يتزايد بسهولة وبسرعة.
لكن من جهة أخرى نرى أناساً يفعلون الخير حتى أن البعض منهم غير مؤمن بالله أو بالمسيح كإله. بعضهم يتبرع بأعضائه لإنسان آخر غريب عنه بالكلية، وهو غير مؤمن بالله. أو آخر يوزّع أموالاً على الفقراء والمحتاجين، وآخرون مؤمنون بالله مثل الأم تيريزا التي جمعت أكثر من 40،000 طفل يموتون في شوارع كلكتا، وعاملتهم بمحبة وأعطتهم طعاماً ومأوى، في حين كان الكثير يمرّون بقربهم بدون اهتمام يذكر؟. لا يمكننا نسيان أعمال القديس يوحنا الرحيم (وغيره من القديسين) من تقديم مأوى للذين لا يملكون، أو بناء المستشفيات.
فلنسأل السؤال التالي: من أين يأتي الخير؟ هل يا ترى يولد عند البعض بجيناتهم الوراثية؟ لا أعتقد ذلك. بالإجماع في الكنيسة الأرثوذكسية نؤمن بأن الخير يمكن أن يتحقق من خلال المعونة الإلهية والحرية المطلقة التي يملكها الإنسان، ومصدره الله في كلّ الخليقة.
من الملاحظ عموماً أن الخير في العالم يتضاءل، حتى أنه غير ملموس في بعض الأماكن، أمام قوة الشر، ولكن وجود الخير لن ينقطع وهو مستمر، ويستمد وجوده من الله، هذا لا يعني أن الله لم يعد يعمل في هذا العالم، بل يعني أن اختيار الإنسان بملء حريته للخير بات ضعيفاً.
خارج التقليد المسيحي، يمكننا ذكر غاندي، ولكن أغلبية الناس لا تعرف أن أفكار غاندي اللاعنفية أتت من خلال تواصله في بداية شبابه مع ليو تولستوي المسيحي. لا يمكننا نكران أنه بأعماله هذه حقق إرادة الله بخصوص علاقة البشر فيما بينهم.
الكل يؤكد أن المعلّم الأول للصالحات والخير هو الرب يسوع المسيح، إذ من القرون الأولى علّمنا بأنه ينبغي أن نحب أعدائنا، ونحسن للذين يبغضوننا، ثم قال أكثر من ذلك: أن نبيع ما نملك ونقوم بتوزيعه على الفقراء، ولكن ما المقابل الذي قابله به المجمع اليهودي؟ لقد سعى لقتله، أما هو فقد سامح الكل وهو معلّق على الصليب؟ هذا هو الصلاح و الخير الكامل، ومن السيد يجب أن نتعلّم.
أعرف أنني لست بهذا الصلاح، ولكن أرغب أن أكون. أؤمن أن من الممكن وجود إنسان صالح من صلاح السيد المسيح (لكن يحتاج إلى نعمة الله ذاته، وجهد كبير من الإنسان)، نحتاج أن نتعلّم منه وأن نسير في الطريق الذي سلكه، وهذا الطريق هو باختصار: المحبة حتى الصلب من أجل الذي أحبهم.
يجب التأكيد بأن الخير والصلاح هو سرّ كبير و يأتي من الله، فنحن نتعلّم منه الصلاح وهو بنعمته يساعدنا على تحقيقه، قول ذلك لا يعني أننا ندرك كل أشكال الخير في المسيحية فقط، الكتاب المقدس واضح: "فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين" (متى 45:5) حتى غير المؤمنين قادرون على فعل الخير، ولكن يبقى الله هو مصدر الخير أينما وُجِد. كل أشكال الخير الموجودة في هذا العالم مصدرها الله. ويبقى لك الحرية أن تستقي هذا الخير من الله وتفعلّه في العالم أم لا