-
أستاذي أديب الطيار
دمشق 6 ـ 11 ـ 2009
أستاذي أديب الطيار
1905 ـ 1981
خطر في بالي يوماً وأنا أطالع في موقع غوغل أن أضع للبحث اسم أستاذي الجليل والذي تشرفت بالتلمذة على يديه لمدة عام كامل في ثانوية الآسـية بدمشق المرحوم أديب الطيار.
وكانت مفاجأة كبيرة وسارة لي , حين بدأت مواقع صافيتا تتوالى أمام ناظري وهي تتحدث بلسان من كتبوا فيها عن "علم من صافيتا " وعن طلب لأحد أبنائها " بإطلاق أسماء المشهورين من أبناء صافيتا ومنهم أديبنا الكبير الراحل أديب الطيار على شوارعها ",واستغرقتني المطالعة لساعات .
والذاكرة التي أبت أن تخبو ذكرياتها , انتعشت فيما طالعته بما أعاد لها الروح والأمل , وشاءت ذاكرتي أن تتحدث عن ذاك الإنسان الذي قدم إلى دمشق من صافيتا في عام / 1964 / , مجددة عهد الوفاء وذكرى المحبة ,في سطور قد تبدو مجهولة لأبناء بلدته ولمحبيه , حيث أتيح لي التعرف عليه , والتتلمذ على يديه , والنهل من منابعه الخيرة , وكان مكسباً كبيراً وشرفاً عظيماً لي لايقدر بكنوز الدنيا الحصول على صداقته ومحبته , ومرافقته في السهرات والزيارات العائلية والطلابية وجلساته الأدبية والثقافية والتاريخية.
كان والدي رحمه الله ( وكان عضواً في عمدة ثانويات الآسية ) قد أعلمني عن قدوم أستاذ جديد سيقوم بتدريس مادة اللغة العربية في صفوف الآسية الثانوية وصف الشهادة الإعدادية للعام الدراسي 1964 ـ 1965, وبسبب هدم وبناء ثانوية الآسية نقلت بعض صفوف الثانوية إلى دار البطريركية الأرثوذكسـية حيث استعمل الصالون الكبير والغرف المحيطة بكنيسة القديسة كاترين كصفوف ضمت طلاب وطالبات الثاني ثانوي علمي وأدبي , وكانت قطعة الأرض أمام درج الكاتدرائية المريمية تستعمل كباحة للطلاب وأمام ساحة القديسة كاترين تستعمل كباحة الطالبات .
وهبت علينا نسمات ربيعية عربية القلب والهوى بقدوم طير يتغنى بأمجاد العرب ويجمع محبي الضاد إلى تراث أمتهم وعبقرية شعبهم في الأدب بشعره ونثره , وكان ذلك بفضل إنسان تمرس في مهنة التعليم أكثر من ربع قرن وشهد له عشرات الألوف من الطلاب في المدارس الرسمية والخاصة , وكانت أخلاقه وصفاته الحميدة وطيبة قلبه وصفاء نفسه دافعاً لنا كطلاب للالتصاق به وطلب مشورته وخبرته وثقافته .
كانت إقامة الأستاذ الراحل أديب عند وصوله دمشق في فندق "علام " الذي يطل على ساحة باب توما , وانتقل بعده بفترة إلى غرفة في منزل عائلة وأرجح أنها صفتلية في القصاع , بالقرب من المشفى الفرنسي ,وأسمح لنفسي بكشف سر وهو وأنه وخلال إقامته في الفندق كان صاحبه أو أحد القاطنين فيه يطلب باستمرار من أستاذي الجليل كتابة مقالات له لكي يرسلها باسمه إلى مجلة أدبية في حلب ( ولست واثقاً الآن إن كانت تدعى الضاد ) مستغلاً ثقافة أستاذي ومهارته اللغوية والأدبية .
وفي أحد الأيام وجدت في الآسية أوراق صفراء تطعن فيها بكفاءة أستاذنا , وحاولت تشويه سمعته الأدبية والتدريسية , فما كان من كافة طلاب وطالبات الصفوف الثانوية وصف الشهادة الإعدادية إلا توقيع بيان رفع إلى " غبطة المثلث الرحمات البطريرك ثيودوسيوس السادس , وإلى مدير التعليم الخاص , وإلى عمدة المدارس الأرثوذكسية " , يشجبون فيه تلك الوريقات الهزيلة التي وقعها كاتبها باسم لجان الصفوف , في الوقت الذي لم يكن فيه للصفوف لجان , ويستنكرون ماكتب بها , ويؤكدون التزامهم ومحبتهم وتقديرهم لأستاذهم المحبوب " أخيراً نقول لهؤلاء الغوغاء الذين تكلموا باسمنا زوراً وبهتاناً , أننا نبصق احتقارنا في وجوهكم , ونرفع صوتنا هنا داوياً مجلجلاً معترفين بكفاءة الأستاذ طيار التي لايشك بها إلا من ضرب الله على قلبه وبصره " . ورغم طلبه بعدم تصعيد الأمر وحرصه على تهدئة ثورة الطلاب وغضبهم فإن ذاك البيان قد رفع وقدم إلى الجهات المسئولة , ورغم أن هناك الكثيرون من أساتذة اللغة العربية قد قاموا بالتدريس في ثانويات الآسية , إلا أن الذكرى تلزمني بذكر أربعة منهم وهم المنتقلين عنا على رجاء القيامة ألأساتذة : فارس صويتي وخليل مالك وميشيل فرح وأديب الطيار , لما لهم من فضل كبير على طلاب الآسية في تعليمهم وتلقينهم لتراث الآباء والأجداد وبث الشعور الوطني والانتماء الفكري لخير أمة أنجبت للناس .
وتعود بي الذكرى إلى حضورنا معاً بناءاً على دعوتي حفل أقامه فرع دمشق لحركة الشبيبة الأرثوذكسية بمناسبة عيد تأسيسها , حيث ألقى فيه أستاذي الراحل قصيدة كانت تقاطع بالتصفيق الشديد , وخلال الحفل طلب منه تقديم تبرع مالي , فما كان منه إلا التبرع بمبلغ كبير رغم تدخلي وإصراري على عدم التبرع , لمعرفتي بحالته المادية , إلا أن تدخلي لم يجد نفعاً , فاليد الكريمة والقلب المؤمن والنفس المتواضعة والأبية كانوا من سمات هذا الرجل .
وأما عن دعوات الزيارات الطلابية إلى منازل بعض الزملاء الطلاب والتي كان يعتذر عن تلبيتها , إلا أنه و أمام إصرار الطلاب عليها فإنه كان يقبل بها ليحولها إلى ندوات ثقافية مفتوحة الحوار والنقاش وتبادل الآراء .
وفي عام 1989 كنت في زيارة لدمشق وخلال مطالعتي لبعض الكتب فوجئت بكتاب تتصدره صورة أستاذي الجليل فلم أستطع منع دموعي من الجريان ولا خفقات قلبي من التسارع , فقد فهمت ما ستقوله لي الصفحات الأولى منه , وكان بعنوان " من نصوص أديب الطيار " إصدار وزارة الثقافة السورية عام 1986 وقد جمعت السيدة نهاد الطيار مشكورة بعض القصائد والنصوص المترجمة وذكريات في ثانوية جول جمال في هذا الكتاب والذي وبناءاً على وصية فقيدنا الكبير فإن " 50 % من ريع هذا الكتاب لأسر الشهداء " وكان هذا العمل قمة عطاءاته للوطن الذي آمن به , وقد قمت بإرسال رسالة للأستاذ حنا الطيار مؤرخة بتاريخ 15 / 9 / 1989 ضممت فيها بعض القصائد والأبيات التي كنت أنقلها عن أستاذي الراحل والتي ورد بعضها في الكتاب ولم أعلم إن كان قد استلمها أم لا ؟ .
وإنني أذكر هذا رغم فرحي بما قرأته عن تكريم لأستاذي الراحل في المركز الثقافي بصافيتا بتاريخ 23 / 4 / 2009 , والذي تلاشى بعد رؤية الصور المرافقة , فأين هي تلك السواعد والقلوب التي هرعت إلى صافيتا في تموز 1947 لتشد من أزره في ميدان صافيتا الانتخابي , وهل يستحق أستاذي هذا التجاهل في يوم تكريم ذكراه من أبناء بلدته .
ومن ذكرياتي أيضاً معه بأن هناك من عرض عليه تولي منصب الملحق الثقافي في إحدى دول أمريكا اللاتينية , ليكون صلة وصل وربط بين أبناء سورية المنتشرين في تلك الأصقاع وبين وطنهم الأم .
أجد نفسي ملزماً بتأييد طلب تسمية أحد شوارع صافيتا باسمه مع شكري الجزيل وامتناني الفائق التقدير لمن طرح الموضوع وعذراً لجهلي إن كان ذلك قد تم .
إلى روحك المحلقة فوق برج صافيتا يا أستاذي الجليل الراحل, والطائرة كالنسور الأبية فوق تراب هذا الوطن أهدي قبلة حب ووفاء وتحية شكر وتقدير وعهد محبة لذكراك العاطرة, ولي كل الفخر أن أقول وأكتب بأنني كنت أحد طلابك.
اليان جرجي خباز