هذه الكلمة توحي بشكل عام بالندم على الخطيئة والشعور بالذنب والتحسس للألم والرهبة أمام الجروح التي سببناها لقريبنا ولأنفسنا. لكن كل رؤية مماثلة تبقى ناقصة. إذا كان الألم والرهبة هما فعلاً عنصرين أساسيين للتوبة، فإنهما ليسا التوبة بكليّتها، ولا البعد الأهم منها حتى. لكي نفهم بشكل أفضل المعنى العميق للتوبة لا بد لنا من العودة إلى الأصل اليوناني للكلمة وهو "ميتانويا" الذي يعني حرفياً "تغيير النفس" أي ليس فقط الندم على الماضي، بل التحول الجذري لنظرتنا، واكتساب طريقة جديدة لرؤية الله، والآخر وأنفسنا. فعلى حد قول راعي هرماس (القرن الثاني) التوبة " فعل حكمة عظيمة" وليست أزمة وجدانية بالضرورة. فالتوبة ليست الندم على الذات والشفقة عليها، بل هي تحول حياتنا إلى محور واحد هام هو الثالوث القدوس، أو مركزتها حول هذا المحور.ماذا تعني كلمة توبة؟
" نفس جديدة"، " تحول"، "مركزة"، هذا كله يدل على أن التوبة أمر إيجابي لا سلبي. فالتوبة هي "بنت الرجاء والتخلي عن اليأس" كما يقول القديس يوحنا السلمي ليست التوبة فقدان الشجاعة بل هي الانتظار اليقظ، ليست التوبة أن نحس بأننا في مأزق، بل هي إيجاد الحل، ليست التوبة حقداً على الذات، بل هي تأكيد لـ "الذات" الحقيقية المخلوقة على صورة الله. أن نتوب لا يعني أن ننظر إلى أسفل، باتجاه النواقص الموجودة فينا، بل إلى الأعلى، باتجاه محبة الله، لا إلى الوراء، مع كل اللوم الذي نلقيه على أنفسنا، بل إلى الأمام، بكل ثقة. التوبة هي أن ننظر لا إلى ما لم نستطع أن نحققه أو نكونه، بل إلى ما يمكننا أن نحققه ونكونه بنعمة المسيح.
بهذا المعنى الإيجابي، لا تبدو التوبة مجرد فعل فريد لا يتكرر، بل تبدو موقفاً دائماً ومستمراً. فكل واحد منا قد يمر في خبرته الشخصية، بأوقات تحول حاسمة، لكن عمل التوبة يبقى غير ناجز في هذه الحياة. فعودة الكيان أو مركزته يجب أن تتجدد باستمرار، وكما قال الأنبا ساسين: "تغيير النفس" يجب أن يتم جذرياً حتى الرمق الأخير، وأن يتعمق "فعل الحكمة العظيمة".
هذا هو بدء التوبة: أن أرى الجمال لا القباحة وأن أدرك مجد الله لا شقائي الشخصي. "طوبى للحزانى فإنهم يعزون" (متى5:5): ليست التوبة أن نذرف الدموع على خطايانا فحسب بل هي أيضاً الراحة والتعزية التي تأتي من تأكيد العون الإلهي.
عن كتاب (الملكوت الداخلي) للمطران كاليستوس وير
