عقيدة الحبل بلا دنس " الكاثوليكية "
الجزء الأول
لفت نظري سؤال طرحته مرةً على صديق لي من الكنيسة الكاثوليكية حول ما يعرفه بخصوص هذه العقيدة، وفوجئت بقوله " أي أن العذراء قد أنجبت الطفل الإله بلا دنس أي بلا زواج " ، هذا الجواب أقنعني بأن ثمة كثيرين من الأخوة لا يعلمون حقاً من هو المقصود بهذه العقيدة.
إعلانها
أعلنت في 8 ديسمبر 1854 وحددها البابا بيوس التاسع الذي كان يعتلي كرسي روما بين 1864 – 1878، وقد أعلنها البابا على أنها عقيدة موحاة فلذلك على كل مؤمن داخل الكنيسة الكاثوليكية أن يؤمن بهذه العقيدة.
نص العقيدة
"أن الطوباوية مريم العذراء حفظت معصومة من كل دنس الخطيئة الأصلية منذ اللحظة الأولى من الحبل بها، وذلك بامتياز ونعمة خاصة من الله القدير بالنظر إلى استحقاقات يسوع المسيح فادي الجنس البشري"
الهدف من نص العقيدة هو تبرئة العذراء من أي علاقة بالخطيئة ؛ أي أنها طاهرة تماماً ليس لها خطية أصلية أو شخصية منذ اللحظة الأولى التي حبل بها وحتى وجودها كإنسان، نظراً للمكانة التي ستحتلها مريم بأن تكون أماً لله تعالى.
معنى عبارة الحبل بلا دنس
كل حبل ضمن زواج شرعي هو حبل بلا دنس، ويعتبر الحبل بدنس عندما يكون حبلاً غير شرعياً أي ناتج عن زنا .
وترى الكنيسة الكاثوليكية أن البعض يجهل المعنى الحقيقي للحبل بلا دنس فيقولون أن هذه الكنيسة تدعي أن العذراء حبلت بها أمها القديسة حنة بلا زرع بشر أي مثلما حبلت العذراء نفسها بشخص المسيح المبارك عن طريق الروح القدس وبالتالي هي لا تحتاج إلى فداء المسيح ولا يفديها دمه المسفوك؛ أي أنها لا تحتاج إليه، ولكن في حقيقة الأمر أن العذراء مريم حبل بها كسائر البشر أي من رجل وامرأة، وهذا خلاف ما ذكره إنجيلٌ منحول عرف باسم " إنجيل يعقوب" الذي ظهر في القرن الثاني ومنه شاع هذا القول الخاطئ بين الكثيرين.
كذلك ، برأي اللاهوت الكاثوليكي، حصلت العذراء مريم على امتياز الحبل بلا دنس عن طريق استحقاقات سيدنا يسوع المسيح فهو فداها، والنعمة المعطاة للعذراء لم تكن نعمة تبرير، لأنها لم تسقط في الخطيئة الأصلية أو الفعلية، فهذه نعمة مسبقة جعلت العذراء مريم تدخل هذا العالم من دون دنس الخطيئة الأصلية وفي حالة النعمة ولنا ملخص على ذلك في السطور التالية :
" العصمة من الخطيئة الأصلية كانت لمريم هبة من الله وتدبيراً استثنائياً لم يعط إلا لها، ... إنها بتدخل خاص من الله قد وقيت من دنس الخطيئة الأصلية، وهكذا افتديت بنعمة المسيح لكن بصورة أكمل من سائر البشر " وذلك من أجل امتيازها الفريد وهو الأمومة الإلهية.
إلا أنّ الكنيسة الكاثوليكية تستدرك وتؤكد أنه رغم أن العذراء كانت معصومة من الخطيئة الأصلية إلا أنها لم تعصم من ملحقات الخطيئة، أي الألم والعذاب."
معنى عبارة اللحظة الأولى
تعني أن كلية الطوباوية مريم العذراء من اللحظة الأولى من الحبل بها، أي من اللحظة التي خلق فيها الله النفس ونفخها في المادة الجسدية التي أعدها الأبوان وهي معصومة من الخطيئة الأصلية، وتظهر أهمية اللحظة الأولى في العقيدة لأن العقيدة تقول وتحدد أن شخص مريم العذراء الناتج عن اتحاد النفس والجسد هو المعصوم لأن التحديد ليس للجسد فقط ولا للنفس فقط بل لشخص مريم الشامل.
خلاصة مضمون العقيدة وتحديدها
ترى الكنيسة الكاثوليكية أن العذراء دخلت إلى العالم في حالة برارة أي في حالة النعمة، وهكذا كان تدبيراً استثنائياً من قبل الله خاص بمريم، فالله برر العذراء بتطبيق استحقاقات يسوع المسيح ، كانت محتاجة إلى الفداء وافتديت ولكن بطريقة سامية "فقد فداها المسيح إذن ولكن بطريقة الوقاية، المناعة" .
رد: عقيدة الحبل بلا دنس " الكاثوليكية "
الجزء الثاني
الكتاب المقدس
عقيدة الحبل بلا دنس الخطيئة الأصلية لم تذكر صراحة في الكتاب المقدس ولكنه لمح إليها بحسب الكنيسة الكاثوليكية، وهناك بعض الآيات التي يفسرها علماء الكتاب واللاهوت على أنها تدعم هذه القضية منها:
- "أجعل عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها فهو يسحق رأسك وأنت ترصدين عقبه" (تك 15:3)
وعن هذا قيل في أواخر عصر الفلسفة المدرسية وفي علم اللاهوت الحديث بأن انتصار مريم على الشيطان ما كان ليتم كاملاً لو أن مريم كانت يوماً ما تحت سلطانه، وبالتالي كان عليها أن تدخل إلى هذا العالم بدون الخطيئة الأصلية.
- "السلام عليك يا ممتلئة نعمة ، الرب معك" (لو 28:1)
يسمي المسيحيون مريم " آغيا تي بارثينوس " أي " العذراء القديسة " وهذا اللقب يعبر عن حالة الإمتلاء بالنعمة التي تخالف تماماً حالة الخطيئة . في بعض الترجمات نجد "المنعم عليها" وهذا اللفظ جعلنا نتساءل عن زمن بداية هذا الإنعام وعن هذا الٳمتلاء بالنعمة. العذراء في فكر الله منذ القدم وممتلئة نعمة منذ الحبل بها وليس - وكل الكلام لا يزال بحسب اللاهوت الكاثوليكي - فى ساعة ولادتها أوفى ساعة حبلها من الروح القدس بيسوع المسيح، اعتمادا على قول بولس الرسول " الذين سبق وعرفهم، سبق فحددهم أن يكونوا مشابهين لصورة أبنه الذين سبق فحددهم والذين عرفهم سبق فبررهم".
العقيدة في التقليد
يقول القديس أفرام "أنكما أنت وأمك وحدكما جميلان كل الجمال من كل وجه إذ ليس فيك يا سيدي عيب، ولا في أمك دنس"
ويقول القديس أغسطينوس الذي يقول بأن على البشر أن يعرفوا أنفسهم خطأه . باستثناء العذراء مريم ، التي هي أبعد من أن يدور الكلام عليها في موضوع الخطيئة، بسبب قدر المسيح .
بعض اللاهوتين الغربيين مثل يونا فنتورا أو بطرس لمياروس وبرناردوس تحدثوا بخضوع مريم للخطيئة الأصلية ولكن مريم خلصت منها فى الحال وهي في بطن أمها، فولدت بلا دنس من أي خطيئة . وكان معهم القديس توما الأكويني، وظلت هذه الفكرة سائدة إلى أن جاء يوحنا دون سكوت أن من سنة 1120 – 1208 وقال " إن مريم قد خلصت بالفعل، فالمسيح هو مخلصها ووسيطها، ولكن بطريقة فريدة جداً، وذلك يعود بكرامة أكبر، سواء للمخلص سواء لمريم العذراء وهي طريقة الوقاية من السقوط وليس بالطريقة العادية أي بالعماد. إذاً مريم كان لابد لها أن ترث الخطية الأصلية بما أنها أتت عن طريق طبيعي إن لم يكن يسوع قد وقاها من السقوط بطريقة أسمى وتفوق الطريقة العادية ".
أقر مجمع بال سنة 1429 هذه العقيدة وثبتها.
وفي سنة 1567 حرم البابا بيوس الخامس عبارة بايوس القائلة ما من أحد غير المسيح منزه عن الخطيئة الأصلية، وأن موت العذراء وعذاباتها كانت عقاباً لها عن خطايا فعلية أو عن الخطيئة الأصلية.
رد: عقيدة الحبل بلا دنس " الكاثوليكية "
الجزء الثالث
قبل الحديث عن أسباب عدم القبول الأرثوذكسي بعقيدة الحبل بلا دنس التي أعلنتها الكنيسة الكاثوليكية يتوجب علينا الوقوف عند خلاصة هذه العقيدة وبعض الحوادث المختصة بها .
كما رأينا ، فإن " الحبل بلا دنس " هي عقيدة كاثوليكية تخص مريم العذراء ، والتي برأي اللاهوت الكاثوليكي قد حُفِظت بريئة من الخطيئة الأصلية منذ لحظة الحبل بها في رحم والدتها، وذلك بنعمة إلهية خاصة حلت عليها، لكي تكون الإناء الطاهر الذي سيحمل خالق الكلّ لاحقاً. وهذه العقيدة ، لا تهدف كما قد يظن البعض إلى تأليه مريم العذراء أو تحويلها إلى أقنوم رابع، بل هي من أجل تأكيد طهارة ونقاء ذلك الإناء البشري الذي منه تجسد كلمة الله.
ومن أجل ذلك أتى في أدبيات الكنيسة البابوية أن السيدة العذراء في ظهورها في 27 ت2 نوفمبر 1830 في شارع دوباك في باريس علمت الأخت كاثرين لابوري صلاةً تقول " يا مريم التي حُبِل بها بلا دنس صلي لأجلنا نحن الملتجئين إليكِ ".. وفي ظهور العذراء في لورد سألت الطفلة برناديت السيدة عن اسمها فجاوبتها قائلةً " أنا الحبل بلا دنس ".هذا ما جعل هذه الظهورات التي توليها الكنيسة الغربية أهمية بالغة موضع شكوك الكنيسة الأرثوذكسية ، ولذلك أسباب سنعرضها تباعاً.
ولفهم أفضل لحيثيات هذه العقيدة فإنه علينا أن نعرف المفهوم الكاثوليكي للخطيئة الأصلية والمتأثر لحد كبير بلاهوت المغبوط أوغسطينوس ، في معرض دفاعه عن الإيمان المسيحي ضد هرطقة بيلاجيوس. ففي حين كان بيلاجيوس يدّعي أنّ الإنسان يستطيع بقواه الخاصّة الحصول على الخلاص، أكّد أوغسطينوس ضرورة الخلاص بالمسيح، مرتكزًا على فساد الطبيعة البشريّة بعد خطيئة آدم وحوّاء في الفردوس. فهذه الخطيئة بالنسبة لأوغسطين تنتقل بالوراثة إلى كل إنسان يولد من نسل آدم. وينتج عنها أنّ الإنسان يولد خاطئًا، بحيث إنّه إن لم يعتمد لا يمكنه الحصول على الخلاص. كما ينتج أيضاً من وراثة الخطيئة الأصليّة انحراف إرادة الإنسان واستعبادها للشهوة. فكلّ إنسان يولد إذن خاطئًا ومستعبَدًا للشهوة. ويضيف اغسطينوس نتيجة ثالثة هي أنّ الإنسان، بخطيئة آدم وحوّاء، صار مائتاً وفقد الخلود الذي كان الله قد زيّنه به عندما خلقه.
أمّا بشأن مريم العذراء، فيرى أوغسطينوس أنّ مريم العذراء قد تحرّرت كلّيًّا، بنعمة خاصّة، من الخطيئة الأصليّة، ولا سيّما من الاستعباد للشهوة والخطيئة. وقد منحها الله هذه النعمة عندما ولدت. ولا يوضح أوغسطينوس أيّ شيء بالنسبة إلى عدم الموت في تلك النعمة الخاصّة، أي لا يتكلم عن نزاهة مريم العذراء عن الموت البشري الذي يختبره كل إنسان مولود في الخطيئة الأصلية.
الكنيسة الأرثوذكسية رفضت هذه العقيدة، كما رفضت الإعلان عنها من خلال ظهورات للعذراء متزامنة مع الفترة التي أعلن فيها الفاتيكان أن " الحبل بالعذراء بلا دنس " هو عقيدة موحاة وملزمة.
رد: عقيدة الحبل بلا دنس " الكاثوليكية "
الجزء الرابع
الكنيسة الأرثوذكسية و " عقيدة الحبل بلا دنس "
ترى الكنيسة الأرثوذكسية أن هذه العقيدة ظهرت نتيجة فهم خاطيء للخطيئة الأصلية، ومفاد هذا المفهوم الخاطيء في اللاهوت الأوغسطيني - الغربي، كما عرضنا أعلاه، ان الإنسان يولد مغضوباً عليه من الله، وهو معاقب بحرمانه من معرفة الله في هذه الحياة، والرب يسوع قد أتى ليزيل هذا العقاب. وهكذا تُمحى الخطيئة الأصلية بالمعمودية التي بحسب المفهوم الغربي يولد كل إنسان وهو حامل ذنب خطأ الأبوين الأولين.
لقد رأى الكاثوليك أن في سلام الملاك لمريم " أيتها المُنعَم عليها " معنىً واضحاً عن تجرّد مريم من الخطيئة الأصلية، وانها وحدها لم يكن عندها دنس الخطيئة الأصلية، لأنه برأيهم قد حُبِل بها من والديها دون دنس الخطيئة الأصلية. والكنيسة الأرثوذكسية ترى في المفهوم الكاثوليكي انتقاصاً وإهمالاً لدور مريم الذاتي في قداستها، إذ بعقيدتهم هذه يقدسونها رغماً عنها، ودون دور لها في تلك القداسة ، لمجرّد أن الله " شاء ".
في اللاهوت الأرثوذكسي لا يرث الإنسان الخطيئة الأصلية، بل نتائجها وهي الفساد ، كما يُخرج الجذر الفاسد ثماراً فاسدة. فالإنسان ليس معاقباً لكونه مسؤولاً عن خطيئة الأبولين الأولين آدم وحواء، بل هو مسؤول تجاه خطاياه وحده. الله في الأرثوذكسية لا يعاقب الناس، بل يحزن على خطاياهم، ولذلك رتب لهم خلاصهم.
العقيدة الكاثوليكية تطرح أسئلة محقة لا يجيب عنها اللاهوت الكاثوليكي، ومن أهمها:- كيف يمكن أن تكون مريم محررة بإرادة إلهية من الخطيئة الأصلية ، بينما هي مستمرة في حمل نتائج الخطيئة الأصلية " الموت " ، فهل تنقية الله وخلاصه ناقص ؟
- كيف يكون المسيح مخلص العذراء وهي مخلصة مسبقاً " تعظم نفس الرب وتبتهج روحي بالله مخلصي " ( لو1: 46 ) ؟ هذا يعني أن تجسد المسيح الكلمة وفداؤه لم يشمل بخلاصه شخص مريم التي كانت مخلصة مسبقاً قبل التجسد ؟
وتتساءل الكنيسة الأرثوذكسية ما هو دور الروح القدس في تجسد ابن الله، ولماذا تحل نعمة الروح القدس على من سبق وتم تطهيره ؟ كيف ينقّي احشاءاً سبق له أن نقاها وحفظها مختومة حتى يوم التجسد العظيم وإلى ما بعده ؟ فهل كانت النعمة الإلهية الخاصة التي يتحدث عنها اللاهوت الكاثوليكي بحاجة لمتمم يوم تجسد الرب لكي تحل نعمة الروح القدس على القديسة مريم كما قال لها الملاك وتظللها قوة العلي ( لوقا1 )؟
فعقيدة "الحبل بلا دنس" لا ترى الكنيسة الأرثوذكسية ضرورتها. حيث ترى الكنيسة الأرثوذكسية جوابًا على التساؤلات بخصوص لاهوت الخطيئة الأصلية دون اللجوء إلى عقيدة "الحبل بلا دنس":
- فالعاقبة الأولى: "أن يولد كل إنسان خاطئًا بالفعل"، لا وجود لها، في نظر الكنيسة الأرثوذكسيّة، عند أيّ من البشر.
- والعاقبة الثالثة: "أنّ الإنسان صار مائتًا"، لم تُعطِ عقيدةُ الحبل بلا دنس جوابًا عنها. فمريم العذراء خضعت للموت كما يخضع له سائر البشر، وتحمّلت مع سائر البشر عاقبة خطيئة آدم وحوّاء.
- تبقى العاقبة الثانية: "أن يرث الإنسان طبيعة مجروحة تضعف بهاء صورة الله فيه، دون إزالة حرّيته". فالله قد أنعم على مريم العذراء بملء النعمة والقداسة، وقد تجاوبت مريم مع هذه النعمة، فلم تقترف أيّة خطيئة وبقيت "منزّهة عن كل عيب"، و"كاملة القداسة". ولكنّ هذه النعمة لا تعني، في نظر الكنيسة الأرثوذكسية، عصمة من الخطيئة الأصليّة. لأنّ مثل هذه العصمة، حسب قول أحد اللاهوتيين الأرثوذكسيّين، "تحرم مريم العذراء من صلتها الصميمة العميقة بالإنسانية"، وتسلب الحرّية الإنسانية كلّ قيمتها، وتقطع "الاستمرارية مع قداسة العهد القديم، تلك القداسة التي تجمّعت من جيل إلى جيل لتكتمل أخيرًا بشخص مريم العذراء الكلّية الطهارة التي بطاعتها المتواضعة خطت الخطوة الأخيرة التي كان على الإنسان أن يخطوها لكي يصبح عمل خلاصنا ممكنًا. فعقيدة الحبل بلا دنس، كما عبّرت عنها كنيسة رومية، تقطع هذه الاستمراريّة المقدّسة "لأجداد الإله الأبرار" التي تجد نهايتها في "هوذا أنا أمة الربّ".
ثم "إنّ التحديد العقائدي الكاثوليكي: "امتياز معطى للعذراء توقّعًا للاستحقاقات التي سيكتسبها ابنها"، يأباه فكر الارثوذكسية التي لا تستطيع قبول هذا الميل الحقوقي في التفكير، المبالغ به، والذي يطمس الطابع الحقيقي لعملية فدائنا ولا يرى فيها سوى عملية "استحقاق" مبهم للمسيح، منسوب إلى كائن بشري، قبل آلام وقيامة المسيح وقبل تجسّده أيضاً، وذلك بقرار خاص من الله".
في هذا الموضوع يوجز أحد أساتذة اللاّهوت الأرثوذكسيّين موقفه فيقول:
لقد خلق الإنسان على صورة الله. والخطيئة لم تدمّر تلك الصورة فيه. أمّا المثال فهو الدرجة التي يستطيع الإنسان أن يصل فيها إلى تحقيق الصورة الإلهيّة فيه. المسيح وحده فيه ملء الروح القدس (يو 3: 34). أمّا الإنسان، فهناك حالات يستطيع فيها، باختيار من الله، وبمؤازرة النعمة وتجاوبه معها، الوصول إلى أعلى درجات القداسة وتحقيق صورة الله فيه على وجه شبه كامل... في اللاّهوت كما في سائر الميادين، يجب الانطلاق ممّا نعرف وليس ممّا نجهل. فالمعطيات المعروفة هي موضوع الوحي الإلهي، وتستند إلى كلمة الله، ويثبّتها التقليد، أي خبرة الكنيسة. والحال أنّ هناك أسرارًا، ليس فقط إلهيّة، بل أيضاً إنسانيّة وطبيعيّة، نجهل طريقة تحقيقها، ومنها الحبل وما يجري في نفس الكائن البشري الذي يُحبَل به.
ويخلص هذا اللاهوتي إلى موضوع الحبل بمريم العذراء والدة الإله، فيقول:
"إذا كانت عذراء الناصرة قد تمّ اختيارها لتكون الممتلئة نعمة، أمةَ الربّ، أمّ ربي، المرأة، حوّاء الجديدة، أمّ الأحياء، فلا بدّ من أن يكون الحبل بها وولادتها من عمل العناية الإلهيّة وتصميم الخلاص. ولقد كانا دون شكّ موضوع نعمة غزيرة انسكبت فيهما. هل جعلت النعمة من مريم كائنًا منفردًا؟ لقد جعلت منها تلك التي كانت ولا تزال ممتلئة نعمة، تلك التي نالت حظوة عند الله، المباركة في النساء (لوقا 1)، لا تتميّز عن سائر النساء إلاّ من خلال أعياد 9 كانون الأوّل ( عيد حبل حنة بوالدة الإله ) و8 أيلول ( عيد ميلاد العذراء ). والتقوى الشعبيّة نسجت كتبًا منحولة. وما سوى ذلك صمت".
لقد كانت هذه العقيدة الحديثة موضوعاً خلافياً بين الفرنسيسكان والدومنيكان انفسهم، وهم كاثوليك، حتى جاء يوحنا سكوت وفض النزاع بطريقة غريبة غير مفهومة اسمها الفداء بالوقاية، كما بيّنا أعلاه. وهذا لا يتوافق مع كلام القديس بولس الذي لم يستثنِ أحداً من نتائج الخطيئة الأصلية والمتمثلة بالموت بقوله " من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم ، وبالخطية الموت ، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس ، إذ أخطأ الجميع " ( رومية5: 12 ). فلو كانت العذراء خلصت بهذه الطريقة ، لماذا لم تُعمم لتشمل البشرية بأسرها؟
لا تستطيع الكنيسة الأرثوذكسية أن تبني العقائد اعتماداً على رؤىً ( رؤيا عذراء لورد )، فلو صحت رواية رؤيا عذراء لورد على الفتاة برناديت " ذات الإثني عشر عاماً " ، فكيف نبني عقيدة على رواية طفلة؟ ولماذا نجزم بأن جملة السيدة العذراء لم تعنِ " انا التي حبلتُ بلا دنس " أي أنها تقصد حبلها بالمسيح المخلص بأنه بلا دنس؟
ليس لهذه العقيدة الكاثوليكية أي ذكر او إشارة لا في أقوال الآباء وكتاباتهم وتعليمهم ولا في المجامع المسكونية والمكانية، ناهيك عن عدم وجودها أصلاً في نصوص الكتاب المقدس. ناهيك عن أن نعمة الله الخاصة كانت مع الرسل أيضاً ، وها هو بولس يؤكد ذلك " ولكن بنعمة الله أنا ما أنا ، ونعمته المعطاة لي لم تكن باطلة ، بل أنا تعبت أكثر منهم جميعهم . ولكن لا أنا ، بل نعمة الله التي معي " ( 1 كور15: 10 )، وهو بجهاده يرى أنه فاقهم في الأتعاب، وهنا نرى أن نعمة الله لا تلغي دور الإنسان في الجهاد للخلاص أو للعمل البشاري..
أياً كانت النعمة المعطاة للعذراء فإن الكنيسة الأرثوذكسية لا ترى أن مريم " معصومة " من الخطيئة، لأن الخطيئة بمفهومها هي خطيئة بالفعل أو بالفكر، بمعرفة وبغير معرفة ، ولهذا عندما يتقدم التائب من سر الإعتراف المقدس فإنه ينال غفراناً حتى عن الخطايا التي لا يعلمها كما عن الخطايا التي أغفل ذكرها سهواً. لا توجد عصمة لبشر من الخطيئة ، وحده الرب يسوع، الإله المتجسد كان منزهاً ومعصوماً عن الخطيئة بشهادة الكتاب المقدس بلسان القديس بطرس " الذي لم يفعل خطية ، ولا وجد في فمه مكر " ( 1 بط2: 22)
لهذا كله ترفض الكنيسة الأرثوذكسية هذه العقيدة الغامضة جملة وتفصيلاً، ولا ترى أي مبرر في كونها " عقيدة ملزمة " كما لا ترى ما يشير إلى كونها " موحاةً ". كما ألزمت هذه العقيدة الكنيسة الكاثوليكية بأعباء نتائجها والتزاماتها، والتي هي مآزق لاهوتية لا سند لها كان لهم ان يكونوا في غنىً عنها.
المراجع
- الأب الدكتور اغسطينوس موريس ، عقيدة الحبل بلا دنس، كنيسة الأقباط الكاثوليك
- قداسة المطران كيرلس بسترس ، كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك
- الأب الدكتور جورج عطية، أستاذ العقائد في جامعة البلمند سابقاً، الكنيسةالأرثوذكسية
رد: عقيدة الحبل بلا دنس " الكاثوليكية "
ملحق: عقيدة انتقال العذراء بالنفس والجسد إلى السماء
وجّه البابا بيوس الثاني عشر رسالة في الأول من أيار عام 1946 إلى أساقفة الكنيسة الكاثوليكية مستأنسًـا برأيهم بصدد عقيدة انتقال السيدة بنفسها وجسدها إلى السماء, وإذا كان من المناسب إعلان هذه العقيدة عقيدة إيمانية. فتقبّل معظم أساقفته ومؤمنيه البادرة البابوية بحماس. وبعد أربع سنوات من البحث والدرس والصلاة, صرّح البابا في 30 تشرين الأول عام 1950 : " بما أن الكنيسة الكاثوليكية بأجمعها لا يمكن أن تَغش ولا أن تُغش إذ أن معلّمها بالذات قال لرسله: "هاءنذا معَكم طوالَ الأيام إلى نهايةِ العالم" ( متى 28: 20), ننتهي حتماً إلى القول بأن حقيقة انتقال البتول التي يؤمن بها الرعاة والرعية بثبات واستمرار هي مستوحاة من الله ويمكن أن نحدّدها بسلطاننا السامي "
وفي احتفال مهيب ضم 500 ألف نسمة في كنيسة القديس بطرس وساحتها, أعلن البابا في الأول من تشرين الثاني عام 1950, انتقال العذراء مريم بنفسها وجسدها إلى السماء في حياتها الأرضية عقيدةً إيمانية تُلزِم الضمير المسيحي.
صورة تحديد العقيدة "Munificentissimus Deus" :
"لمجد الله القدير الذي أغدق في سخاء عطفه الخاص على العذراء مريم ولمجد ابنه, ملك الدهور الحي قاهر الموت والخطيئة, وزيادةً في مجد أمُه المعظَّمة, وإعلاءً لشأن الكنيسة جمعاء وحريتها, نُعلن بسلطان سيدنا يسوع المسيح, والرسولين بطرس وبولس, وسلطاننا الخاص, ونصرِّح ونحدِّد أن مريم المنّزهة عن الخطيئة الأصلية, أم الله الدائمة البتولية, والتي رُفعت بالنفس ِ في نهاية حياتها إلى مجد ِ السماء"
وكان البابا بيوس الثاني عشر, حينما أعلن عقيدة انتقال البتول, قد ميَّز بين الموت وفساد القبر, فقال:
"إن السيد المسيح انتصر على الخطيئة والموت" وهكذا "فإن الذي تجدّد روحيًا بسر العماد ينتصر بالمسيح ذاته على الموت والخطيئة, ولكن, حسب القاعدة العامة, يأبى الله أن يمنح الأبرار كمال الانتصار على الموت إلاّ بعد نهاية العالم. ولذلك تتعرّض أجسادهم بعد الموت للانحلال ولا تعود إلى الاتحّاد بنفوسها الخاصة إلاّ في نهاية العالم. ومع ذلك فقد شاء الله أن يُنحّي البتول من هذه القاعدة العامة. بفضل إنعام خاص انتصرت العذراء مريم على الخطيئة حيث وُجدت بريئة من الدنس وبالتالي لم تخضع لشريعة الفناء وفساد القبر "
وهذه العقيدة حقيقة ثابتة وإيمانية راسخة. هذا وقد ميّزت الكنيسة بين صعود يسوع وانتقال مريم. فالصعود خاص بالسيد المسيح الذي صعد إلى السماء بقدرته الإلهية. وانتقال مريم يعني أن الله رفعها إلى السماء بنفسها وجسدها, ولم يمضِ زمن طويل على رقادها وقيامتها المجيدة.
المصدر : جمعية التعليم المسيحي - حلب
نلاحظ بوضوح ان العقيدة في نصها ركزت على انتقال مريم ورفعها للسماء، وتركت الكلام عن رقادها خجولاً وجانبياً ، وما يرسخ في ذهن أي مؤمن يقرأ نص العقيدة هو انتقالها نفساً وجسداً إلى السماء ، وهذه العقيدة الملزمة هي وليدة لاهوت " الحبل بلا دنس " وتكميلاً له ، لأنه وكما ذكرت سابقاً طرحت مسألة الحبل بلا دنس أسئلة على المكتب البابوي لن تكون الإجابة عنه بدون إحراجات وغصّات ..
بدون شك تؤمن الكنيسة الأرثوذكسية كذلك برفع مريم العذراء نفساً وجسداً، الإيمان هنا مشترك ولا ينكر احد هذا، لكنها تحجم عن إعلانها عقيدة ، لافتقادها للدعم الكتابي المباشر أو غير المباشر، ولكونها لا تفيد ولا تزيد شيئاً على خلاصنا الذي تم بيسوع المسيح، والذي هو محور حياتنا.
رد: عقيدة الحبل بلا دنس " الكاثوليكية "
الكنيسة الارثوذكسية تؤمن بانتقال العذراء الى السماء وذلك عن طريق ان السيد المسيح له المجد اخذ جسدها من الارض وهى ملكة السمائيين و الارضيين ونكرمها و نعظمها كوالدة الاله ولكنها بشر ولها اب و لها ام هما حنة و ءيواقيم فما الداعى ان يقول الكاثوليك انها حبل بها بلا دنس خصوصا انه ليس هناك اى دليل واحد على ذلك الكلام ونحن نكرم سيدتنا و ملكتنا العذراء ولكن لا نؤلهها مثلما يفعل الكاثوليك حتى اصبح الثالوث فى عقيدهم مربع و ليس ثالوثلأنهم يعتبرون السيدة العذراء اقنوم رابع و هذا خطأ لكن اننا لا ننكر انها والدة الاله و شفيعتنا عند الله والكنيسة القبطية تكرمها فى شهر 12 وشهر 8 وصوم لعذراء فى شهر 8 يصومه المسلمون مع المسيحيون واكبر دليل على تأييدها ظهوراتها العديدة فى الكنائس القبطية الارثوذكسية لتأكيد العقيدة الارثوذكسية المستقيمة واحدثها ظهورها فى كنيستها فى منطقة الوراق فى الجيزة فى مصر يوم 6 12 2009
رد: عقيدة الحبل بلا دنس " الكاثوليكية "
شكراً اخي كيرلس لمداخلتك
لكن لي تعليق وهو أن الكاثوليك لا يعتبرون العذراء أقنوماً رابعاً ولا يعتبرونها إلهاً
وهم لهم طريقتهم ومصطلحاتهم في تكريمها، لكننا نحن الأرثوذكس ( ومعنا الكاثوليك كذلك ) نكرمها وندعوها " والدة الإله " وهذا تكريم لا يتفوق عليه أي تكريم آخر مهما قيل فيها من مدائح.
مسألة حقيقة ظهورات العذراء الحديثة و القديمة تحسمها مسألة واحدة ، وهي غاية الظهور : فإن لم يكن المسيح يسوع محور هذا الظهور وغايته فهو ليس ظهوراً . لأن العذراء والقديسين غايتهم تمجيد الرب يسوع وليس الظهورات الصامتة التي لا نفهم من خلالها هدفاً .
لدينا معجزة متجددة وهي تحول الخبز والخمر المقدمين في كل قداس إلهي إلى جسد الرب ودمه عينهما، فلماذا نتجاهل ولا نكترث لهذه المعجزة بينما نتعلق بظهورات غامضة ومبهمة ؟ والجواب هو أننا جميعنا مثل توما ، لا نؤمن إن لم نلمس بأيدينا. وننسى أن توما سجد للرب ولم يضع يده في أثر المسامير بل اعترف نادماً " ربي وإلهي ".
شكراً لمداخلتك ثانية وأتمنى أن نكون حذرين في مسائل الظهورات والتهليل لها.