إنه الميلاد..الحاجة.. الضرورة.. الحقيقة
إنه الميلاد ..الحاجة. الضرورة. والحقيقة
رافي نقولا كباس
ما أحوجنا إلى الميلاد في زمنٍ ممتلئ بالخطيئة، مرتميٍ في حضنٍ الرذيلة، في عالمٍ قد كَثُرَ فيه الإلحاد، وصار النّاس يتغنّون ويتفنّنون في "معارضتهم" لتعاليم الكنيسة والإنجيل، تعاليمهُ الأخلاقيّة منها قبل الروحيّة، زمنُ الجسدُ والمادّة.
لا أعرف لمَ يعارضُ الكثيرُ من المسيحيين اليوم تعاليم كنيستهم ويعتبروها من الماضي البعيد، ويعلنون أنها "موضة" قديمة لا تتوافق مع مجتمع السرعة "المتحضّر" وما يفرضه هذا المجتمع من معطياتٍ.
لست أعلم ماذا يدور في قلب أو عقل أحد الأشخاص " الأعزاء على قلبي" وهو يخبرني عن عدم قبوله لتعاليم الإنجيل بل ويعتبرها غير منطقية ويسأل، كيف يحقّ القول: "من أحب أباً أو أماً أكثر منّي فلا يستحقّني"؟!، يقول والكلام لصديقي (ذو الخمسة والأربعين عاماً): لا يحقُّ للسيّدِ هذا القول!!، أهذا نقصاً لديه في فهم النصّ الكتابيّ، أم هو قلّة إيمان؟ وفي كلتا الحالتين لست بمعرض إدانة أحد، حاشى، "يارب أعن قلّة إيماني". لكن أتكلّم بحرقةٍ عن وضعٍ صار شبه عام وألحظه بخاصة بين المغتربين ههنا، فعندما تُكلِّم أحدهم عن الصوم المبارك أو تناقش إحداهنّ عن أهمية المشاركة في القدّاس الإلهي أو دور شفاعة القدّيسين، أو الاستعداد للمناولة الإلهية مثلاً، ترى تهكّماً وتسمع تعليقاتٍ كثيرة تقشعرّ لها الأبدان.
لا أعرف ما لا يعجبهم بيسوع المسيح؟
هوذا الميلاد آتٍ، يسوع المتجسّد من بتولٍ طاهرةٍ يولدُ في مذودٍ حقيرٍ للبهائم، في البردِ، في الفقر، في مغارةٍ ربّما أو أسطبلٍ للبهائم، فما الذي لم يعجب أبناء العصر الجديد في يسوع المسيح؟
هل لأنّ يسوع لم يولد في مستشفىً فارهةِ الطول والعرض كالأبنية الحديثة؟ بل جاء في مكانٍ قفرٍ لا في وسط مدينةٍ صاخبةٍ معجونة بالضوضاء والفوضى واللّانظام؟
هل لأنَّ يسوع لم يولد في سريرٍ من حرير أو أغطيةٍ من صوف أو جوخ ملوكيّ؟ أم لأنْ لا جواري ولا خدم و حشم كانوا حوله يخدموه، بل دوابٌ وحيواناتٌ بريّة وعددٌ من النسوة!
ألعلّ المشكلة في أن لا ألعاب ناريّة (حطّمت الرقم القياسي) ضُربت في ساعة مولده، ولا ذبائحَ وأغنام أو أبقار ذُبحت على شرف ميلاده!، فيأتي الأغنياءُ وذوي القبّعات الطويلة والأحذية العالية ليرقصون ويشربون ويثملون حتّى الصباح على إيقاع الطرب الرذيل و البذيء؟! فحزن من حزن واشتكى وبكى من أهل هذا العالم وقالوا: أيولدُ لنا ملكٌ كما قيل على نغماتِ تماجيدِ الملائكة وأفراح السّماء فقط؟!، وحركاتِ كواكب ونجوم،وحضور مباركين عاديين كمنجمّين ورعاة أغنام بسطاء!!!
أخبروني و أسقوا جهلي وشدّة فضولي!
لماذا لا يحبّ كلّ العالم يسوعي؟
قد دعى حسب معرفتي به إلى المحبة بين كل النّاس، لم يقلْ بالسّيف ولا بالدّم ولا بالحقد!
لمْ يعشقِْ كلُّ النّاس حبيبي...!
لأنّه طلب القلب مسكناً له!؟ أم لأنّه أحبّ الفقراء، وشفى المعتلّين بالمرض والسقم!، وعاشرَ الخطاة وصفحَ عن الزانيات، وأدخلَ لصّاً تائباً للفردوس؟
هل يرفضُ النّاس يسوعي؟ لأنه المصلوبُ عن خطايانا؟ المسمّرُ عن ذلّاتنا؟ المرفوعُ على الخشبةِ لأجل معاصينا؟ لأنّه أحبَّ حتى الموت! وقبل طوعاً الموت..موت الصّليب؟ فقبل الهزء وأحنى الهامة للطعنات والبصاق!
هل يرفض الكون يسوع، لأنْ لا جنازةٌ بشريّة ضخمةٌ قد خرجت له؟ ولا مائة من النسوة صرخنَ خلفه و ناحت عليه نوح اللارجاء! ولا ألف رجل عزّى في مجلس عائلته عزاء الوداع الأخير!
ألم يرى الكون قيامتك ياربّ ألم يعرفوا أنّك زلزلت كهوف الشياطين، وهدمْتَ شوكةَ الشرّير، وأعتقت البشريّة بأسرها من الموت، وأهديتنا بالدم.. بدمك غير المجبول بمشيئة رجل، رجاءَ قيامةٍ أبدية، وملكوتاً فريد، مكانٌ "لم تره عينٌ ولم تسمع به أذنٌ ولم يخطر على قلب بشر".
فمباركٌ على الفقراء ميلادك لأنك فتحت لهم موائد لا حدّ لها وأعطيتهم ينابيع لا تنضب أبداً.
مباركٌ على المساكين ميلادك، فليهلّل فرحاً كل المساكين وليطرب كلُّ أهلهم وذويهم ولتتزيّن بيوتهم، فإلهُ السّماء جاءَ مع أغمارِ الفرح الحقيقي، وزرع في حقولهم ريحَ هناءٍ وأسرابً من رجاء.
مباركٌ على الصّابرين على التجارب، و"المضطهدين من أجل البرّ"، فقد جاءَ اليوم من يفتح غداً أبواب الملكوت أمامهم، ويعطي لهم كراسي المجد، فيتشاركوا لذّة القدّاسة مع القدّيسين، يطربون بالنعمة، ينتشون بالسلام.
افرحي يا كلّ الطبيعة ورنّمي يا كل الدّابّات على وجه الخليقة، وتهلّلي يا جبال، وارقصي يا بحار، فقد جاء المسيح، من أمرَ فكانت، وسأل فوُجدِت.
اليوم يأتي المسيح ملكاً، لكن، مختلفٌ عن كلّ ملوك الأرض، فلا عرش أو صولجان، لأنّ مملكة المولود ههنا: "ليست من هذا العالم"، هوذا ملكنا الحبيب يأتي وقد احتفّت به أجناد الملائكة وأحاطت به كل المصافّات السماوية، فإن كان على الأرض ميلادٌ في مكانٍ قفر، لكنْ، في السّماء، تهليلٌ لمن قَبِلَ أن يلبسَ جسداً وينزل الأرض، فأيُّ إلهٍ مثل إلهنا، ربٌّ قدير ومتواضع، ديّانٌ وفادي، إلهُ السّماء ومصلوبٌ... من غير رداء.
لنفرح اليوم، فرحاً ملائكياً، ولنعيد مع الملائكة والرعاة تعييداً روحياً، لا أرضياً، لنقدّم هدايانا البسيطة، قلبٌ كالمغارة، ونفسٌ نقيةٌ كالذهب، ومحبّةٌ كاملةٌ. إنه الميلاد المجيد، ميلاد الربّ يسوع الألف والياء، البداية والنهاية، الكل في الكل، هو نفْسُناونَفَسُنا، هو حياتُنا، الذي به وله كل شيء منذ البدء.
ها الميلاد قد هلّ، في الأرض تسبيحٌ لمن في السما
سبحوا اسم الرب هيا يا جميع الأمم ويا كل ّالدنا
المسيح ولدّ فهللوا ومجدّوا واهتفوا حقاً وحقاً قد صار بيننا
لم يعد للحزن مكانٌ فانشدوا لحن الفرح بميلاد الرب قد قَبِلَ أن يصير مثلنا
فهل نمضي اليوم له أو نبقى هنا؟
رد: إنه الميلاد..الحاجة.. الضرورة.. الحقيقة
ذكرتنى يا أخى رافى بجزء من عظة للميلاد للقديس غريغوريوس النزينزى:
اقتباس:
و هل تعتبره صغيراً لأنه هو الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف (يو11:10)، و الذي أتى ليطلب الخروف الذي ضل فوق التلال و الجبال و التي كانت تقدم فيها ذبائح إلى آلهة غريبة، و عندما وجده، حمله على منكبيه – اللتين حمل عليهما خشبة الصليب،و أعاده إلى الحياة الأسمى، و عندما وجده حسبه مع الذين لم يضلوا أبداً؟
هل تحتقره لأنه أضاء سراجاً الذي هو جسده، و كنس البيت، مطهراً العالم من الخطية، و فتش عن الدرهم، أي الصورة الملكية التي دفنت و غطتها الشهوات. و جمع الملائكة أصدقاءه؛ عندما وجد الدرهم جعلهم شركاء في فرحه، و الذين أيضاً مشاركين في سر التجسد؟
فبعد سراج السابق الذي أعد الطريق، يأتي النور الذي يفوقه في الطريق، و بعد "الصوت" يأتي "الكلمة" و بعد صديق العريس يأتي العريس الذي أعد الطريق للرب شعباً مختاراً، مطهراً إياهم بالماء ليجهزهم للروح القدس؟
هل تلوم الله على كل هذا؟
هل على هذا الأساس تعتبره وضيعاً لأنه شد الحزام على وسطه و غسل أرجل تلاميذه (يو4:13)، و أظهر أن التواضع هو أفضل طريق للرفعة؟ لقد اتضع لأجل النفس التي انحنت إلى الحضيض لكي يرفعها معه، تلك النفس التي كانت تترنح لتسقط تحت ثقل الخطية. كيف لا تتهمه أيضاً بجرم الأكل مع العشارين و على موائد العشارين؟ و أنه يتخذ تلاميذه من العشارين؟ لكي يربح... و ماذا يربح؟ خلاص الخطاة. و إن كان الأمر هكذا، فيجب أن نلوم الطبيب أنه ينحني على الجروح و يحتمل الرائحة النتنة لكي يعطى الصحة للمرضى، أو هل نلوم ذاك الذي من رحمته ينحني لينقذ حيواناً سقط في حفرة كما يقول الناموس؟
أتسائل معك
اقتباس:
لماذا لا يحبّ كلّ العالم يسوعي؟
قد دعى حسب معرفتي به إلى المحبة بين كل النّاس، لم يقلْ بالسّيف ولا بالدّم ولا بالحقد!
لمْ يعشقِْ كلُّ النّاس حبيبي...!
ميلاد مجيد أخى رافى
رد: إنه الميلاد..الحاجة.. الضرورة.. الحقيقة
أخي رافي لا تحزن إن لم يعجب الميلاد الكثيرين
فهؤلاء لا يعرفون منه الا الهدايا والسهرات وعند من سيقضون سهرتهم
يعتبرونه مناسبة ليسجلوا به رقما'' قياسيا'' بعدد الهدايا التي يتلقونها
ويبخلون على أنفسهم قبل غيرهم بهدية المحبة والفرح الأزلي الذي يدوم والذي لا يفنى
لم ولن يفهموا ما داموا هكذا السر العظيم والفرح العظيم الذي ولد في هذه الليلة لا يفكرون بهذا التجسد الاءلهي على أنه تم لهم ومن أجل خلاصهم
لا تستغرب مما يحصل معك في بلاد الاغتراب فالحال نفسه عند المقيمين إلا قلة قليلة تعيد الميلاد كما يجب والباقون كما قلت لك هو مناسبة للسهر وتبادل الهدايا حتى أن الكثيرين باتو يعتبرون وجودهم مع العئلة في هذه الليلة جريمة وويعتبرون انفسهم في محكومية لذا ترى من حولك آلاف العائلات بدون رب بيت او بدون ربة بيت في هده الليلة المجيدة وكل عذرهم أن كل واحد حر وهو يأتي مرة واحدة الى هذه الحياة فلما لا يمضيها كما يريد هو بدون تقاليد باليه حسب أعرافهم
اقتباس:
لماذا لا يحبّ كلّ العالم يسوعي؟
قد دعى حسب معرفتي به إلى المحبة بين كل النّاس، لم يقلْ بالسّيف ولا بالدّم ولا بالحقد!
لمْ يعشقِْ كلُّ النّاس حبيبي...!
لا يحبوه لأنه يحبهم
ألناس لا يريدون من يحبهم ولا من يضحي من أجلهم ولا من يخلصهم
يريدون من يتماشى مع أهوائهم
لا يريدون من ينهيهم عن الغلط يريدون الغلط نفسه يعبدونه لأنه حسب ظنهم يوفر لهم السعادة
يقولون أن الحياة أقصر من أن نقضيها في العفة وعمل الخير وقضاء الوقت مع الفقراء ولا ...ولا...
كل هذا بنظرهم مضيعة للوقت وهدر للطاقة البشرية التي يريدون توفيرها للمتعة الأرضية
ألمسيح ولد فمجدوه....ميلاد مجيد ومبارك أخ رافي