ما يطلبه الـله من المسيحي
خلقنا الـله، كما يُخبرنا سفر التكوين، على صورته كمثاله. وبعد سقوط الإنسان من الفردوس تبدلت هذه الصورة، إلى أن تجسد الكلمة فأعاد الإنسان إلى ما كان عليه بتجديد طبيعته. و لكيما يتحقق ذلك، يوجِّه الإنسان الجديد، المسيحي المؤمن، عقله ومشاعره وقوته وحكمته لـله، ويحقق في ذاته قول الرسول بولس: أما نحن فلنا فكر المسيح. ولكن ليس فكره فقط بل حبَّه أيضاً.
هذا هو طريق الجهاد الذي على المسيحي أن يسلُكَه. أن يُميت شهواته ولا يصبح عبداً لها. لأن عبودية كهذه تُبطِل فيه محبة الـله. و السبيل إلى ذلك ليس إلغاء الحواس أو الجسد ككل، وإنما تجاوز استبداد الحواس وإفساح المجال للروح الإلهي أن يرشد طريقه. بهذا يُمكن للإنسان أن ينتقل من الجسدانية إلى الروحانية. بحيث أنه يكون في الظاهر إنساناً شبيهاً لكل الناس، لكنه من داخل شبيهاً لـله. والرب يسوع كان الصورة الأمثل لهذا الواقع حيث أنه عاش على الأرض كإنسان ولكنه لم يكن تحت سلطة حواسه، حتى وإن سلك كإنسان. فكما كان الرب يسوع مثالاً لتتميم مشيئة الـله الآب علينا نحن أن نعي أن بإمكاننا الخضوع لمشيئة الـله بنعمته. وعندما نستحصل على أن نقيم فكر الـله فينا، تفعل فينا المحبة الإلهية. ليس أن الواحدة تستبق الأخرى، لكن أن الواحدة تفترض الأخرى. فبما أن الـله محبة، امتلاك فكر الـله هو امتلاك المحبة - ولا ننسَ الوصية الجديدة التي أعطانا إياها الرب يسوع : أحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتُكم. لأننا إن عبدنا الـله وحده واتخذناه صديقاً، يُرشدنا إلى الإنسان الآخر المُحتاج إلينا. ذلك أن جُلَّ ما عند الإنسان ليس مُلكاً له، بل هو مُجرَّد مؤتمَن عليه حتى يُعطيه إلى من هو بحاجة. إذاً، ما لديه من رزق يجب أن يعطيه لصاحبه – أي القريب المُحتاج. بمعنى آخر هو يدير ما وقع بين يديه لكي يأخذ كل إنسان حقَّه منه.
ومن هنا يأتي خطر حب المال والتعبُّد له. لأن ذلك يُطفئ حضور الـله في حياة ذلك الإنسان، فلا يعود يرى القريب المُحتاج. ويصبح المال سيِّدَه ومصدر إهتمامه، وينسى من حوله. والخَطر الآخر هو أن المال سبيل إلى السلطة، ومتى أدركها يصبح الآخرين عبيداً له. ومن الممكن أن السلطة تنسيه سلطان الـله، فيتنكر له.
لذلك، يجب أن السلطة لا تنُسينا الـله بالدرجة الأولى. وأن نعي أيضاً أنها خدمة، ومن خدامتها المباشرة أو غير المباشرة (وذلك بحسب طبيعة السلطة) أن نوصل الـله إلى من نحن مؤتمنين عليهم، فيشرق لهم النور الإلهي. نستنتج أن الإتضاع هي من أهم الصفات، حتى لو اعتلى الإنسان أعلى المناصب وأرفعها. فبالنهاية، كل ما لدينا هو من نعم الـله علينا، لأنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين.
إذاً، عبادة الـله تولد فينا المحبة. المحبة لا تعني المجاملة. فعندما تُعطي إنساناً، تُعطيه حاجته وما ينفعُه، بحسب ما يُرضي الرب وتُذكره بالحق. كالأب الذي لا يُلبي كل طلبات ابنه إلا ما هو لبنيانه وحاجاته.
المحبة لا تعرف المحاباة. المسيحي لا ينظر إلى ماهية الإنسان المُحتاج . أولاً، لأن المحبة فعّالة وقادرة على كسر العداوة بين الأعداء. كما أن المحبة لا تنظر إلى مدى قباحة أو محاسن الشخص الآخر. فليس الكل مزيناً بالبهاء الإلهي أو التهذيب البشري، وليس للكل لمسة حضارية، وقد يكون قبيحاً كما كان وجه المسيح على الصليب. فأنت لا تضمه إلى صدرك بل إلى صدر المسيح. وأنت لا تنظر بعد إلى إنسان، لأن الرب علّمنا أن القريب إنما هو هو نفسه، فهل إن احتاج الرب، وهو غنيٌّ عن ذلك، لا نقدم إليه حاجته؟
علمنا الرب وصية أخرى كانت موجودة في العهد القديم، في الوصايا العشر، إلا أنه أضاف إليها معنًى جديداً. هذه الوصية هي: أحب قريبك كنفسك. لأنها لم تعد تقتصرعلى من هو من عشيرتي أو عائلتي أو من ضمن دائرة معارفي، إنما أصبحت تشمل أي إنسان وكل إنسان بحاجة إلى مساعدة من أي نوع كانت. وهذه القرابة تتطلب أن أبحث أنا عن القريب ولا أنتظره أن يأتي إلي ويعرض عليّ حاجته. وبالتالي أتحد معه وأقدم له ما هو بحاجة إليه من خدمة (مواساة، تعزية، إطعام، كساء، إرشاد، إلخ...). وأحياناً قد ترتقي إلى معنىً أسمى: "أحب قريبك على نفسك". لأنني قد أضطر إلى أن أنزع اللقمة من فمي كي أعطيها للقريب، أو أن أنزع عني ردائي كي أهبهه للمحتاج. ما يشير إلى أهمية أن ينكر الإنسان ذاته كي يحيا الآخر (القريب).
المحبة التي علمنا إياها الرب يسوع هي عطاء بدون لمقابل. كما وأنها قد تتوجه إلى من لا يستحقها. لكن كما ذُكر، في المحبة لا محاباة. قد يبادرك الشخص الذي حصل على مساعدتك بالعاطفة، فتكون هذه كمكافأة لك. إلا أنك تعرف أنها ليس ما تبحث عنه. إنما هدفك هو أن تشد الآخر إلى الـله، فيدرك محبوبيته منه، لأن كما أن خمسة عصافير تُباع بفلسين وواحد منها ليس منسياً أمام الـله، كذلك الإنسان الذي هو أفضل من العصافير حتى شعور رؤوسه جميعها محصاة. كما يدرك أبوة الـله له. فيغدو بذلك المعطي أيضاً مُبشراً. أنت لا تعطي لتأخذ مقابلاً بل إنك تكتفي بنعم الرب وبركاته الموهوبة لك، فتشعر أنت أيضاً بالحب الإلهي ويشرق لك نوره وتمتلئ من دفئه. إذاً، بكلمات أخرى، العاطفة وسرور التبادل ليس خطاً، ولكنه مجرد مكافأة أو أجر، وإنما الهدف الحقيقي وراء العطاء هو نقل الـله إلى الآخر ليشكره ويحيا.
وهناك أمر آخر في العطاء. يعطي المرء بحب، بسرور وليس عن اضطرار، لأن المعطي المسرور يحبه الـله (2كو9: 7).
لا يشتهي الإنسان ما لغيره لأن الـله يعطي الجميع حسب حاجاته. إلا أنه من الممكن أن يتمنى ما لغيره من قدرات روحية – أي فضائل – والتي هي هبات من عند الـله.
المسيحي يُطلب منه أيضاً أن يكون منفتحاً على الآخر، وذلك بمساعدة الـله له كي يتحرر من أنانيته وتقوقعه على ذاته. عندما يتقابل شخصان فكرياً، يتحاوران على مبدأ أن كل طرف يريد أن يصل إلى الحقيقة. فلا يملي أحد رأيه على الآخر. بل يعطي الواحد ما عنده ويأخذ من الآخر. وكذا في حوار الأديان، إذ أن الواحد لا ينكر على الآخر عقيدته، بل كلٌّ يوضح ما في عقيدته، ولـله أن ينير قلب الإنسان. ففي هكذا حوار، يلتمس الإنسان نور الـله الذي يقذفه في قلب الإنسان. لأن الغاية هو الوصول إلى التجليات الإلهية.
يحصل الإنسان على وجوده عندما يتحد بالآخر. يتحد به ولكن لا يلغي فرادته وشخصيته. يتحد به بالإرادة والقلب بدون اختلاط، فيبقَ لكلٍّ منهما فرادته. هذه الوحدة أصبحت ممكنة منذ ألغى الـله الكلمة المتجسد الفرقة بين البشر، فأزال العدواة التي كانت قديماً ووحدهم بالمودّة الإلهية. فيصبح، بالتالي، ممكناً ومقبولاً أن نرحب بالآخر بالرغم من الإختلافات الأخلاقية والعقائدية التي قد تكون موجودة، وذلك باتساع القلب والذهن لقبول الآخر المختلف.
لكي يحصل الكل على وجوده علينا أن نعي أهمية اكتساب "الأنا المسكوبة"، المنفتحة على الآخر والتي تشرح له ما عندها من أفكار ومعتقدات دون أن ترمي إلى فرضها عليه.
المصادر:
1- المطران جورج خضر، الله والآخر، جريدة النهار، السبت 9 تموز 2005
2- المطران جورج خضر، الأنا والآخر، جريدة النهار، السبت 22 أيلول 2005
3- المطران جورج خضر، تحب قريبك كنفسك، جريدة النهار، السبت 19 تشرين الثاني 2005
رد: ما يطلبه الـله من المسيحي
اقتباس:
يحصل الإنسان على وجوده عندما يتحد بالآخر.
الرب يقويكي سلوى ويبارك تعبك
صلواتك