-
الأهل وتربية الأولاد
يفرح الإنسان عندما يرى الأولاد يأتون إلى الكنيسة للمشاركة في الصلوات والأسرار لكننا نلاحظ أن لجيهم طريقة تفكير خاصة بهم مختلفة عنا. فهم ينشغلون بأمور لا نعرفها ويلعبون ألعاباً لم تكن موجودة في أيام أهلهم, يتصرفون ويتحدثون ويتحركون بطريقة غامضة نوعاً ما, تخلق عندنا تساؤلات كثيرة عن الطرق التي يسير فيها أولادنا.
السؤال الذي يرد إلى أذهاننا حين نفكر بطريقة عيش الناس البعيدين عن الله وعن الكنيسة هو "كيف يستطيع المرء أن يقاوم هذا التيار السائد في العالم المليء بالمساوئ؟" عندما سأل التلاميذ الرب يسوع: "إذاً من يستطيع أن يخلص؟" (مت19: 25), أجابهم: "هذا عند الناس غير مستطاع ولكن عند الله كل شيء مستطاع" (مت19: 26). الله وحده قادر أن يخلص الأولاد والشباب الذين ينمون في هذا العالم الشرير. ان المسؤولية الملقاة على كاهلنا نحن الكبار في هذه الأيام هي كبيرة جداً إذ لا يكفي أن نعطي أولادنا حاجاتهم الجسدية فقط أو أن نؤمِّم لهم مالاً وفيراً ودراسة جيدة. هذه الأمور مهمّة ولك إن استناؤوا استخدامها فقد يدمّرون حياتهم. المطلوب منا أن نعلّم أولادنا أن الخلاص ممكن وهو يتأتي من علاقتنا بالله التي هي علاقة حقيقية نعيشها كل يوم. هذا التعليم لا يتحقق بالكلمات التي امتلأت منها آذان الأولاد وعقولهم, والتي تعبوا منها لأنهم كثيراً ما يكتشفون كذبنا إذ نقول أموراً معينة ونفعل غيرها. نقول لهم كلوا ممّا يقدّم لكم ونحن لا نأكل, نقول لهم لا تدخنوا ونحن ندخن. كل ما نطلبه منهم ولا نفعله يدفعهم لأن يقوموا بما يناقضه تماماً.
اليوم يحتاج أولادنا إلى أن يروا فينا مثال ما نعلمهم إياه. وهذه التربية تبتدئ منذ لحظة الحمل إلى آخر حياتنا. نحن نعلم أن الجنين في بطن أمه يشعر بتحركاتها وبمشاعرها وبما تراه وتسمعه. هذا يتطلّب من الأم أن تصلي كثيراً خلال فترة الحمل وأن تداعب الجنين وتقرأ قراءات روحية تعطيها السلام وتسمع الموسيقى الهادئة والتراتيل وان تنتبه لنوعية طعامها ولصحتها.
إن حياة الوالدين داخل البيت تنشئ أولاداً صالحين وتؤمّن لهم الحماية , لذا على الوالدين أن يقدّسوا نفوسهم لله لئلا يرتكبوا أخطاء كثيرة تجعلهم ينقلون الشر الذي في داخلهم إلى أولادهم. الأهل مدعوون اليوم للصلاة التي يحملون أولادهم عبرها ويقدّمونهم للمسيح, وعندما يخطئ الأولاد تؤخذ بعض التدابير التربوية ولكن دون ممارسة الضغط عليهم لئلا ينفروا. من المهم أن نعي أن معطم الأمور التي تصدر عن الأولاج يفعلونها ليروا ردة فعلنا وكيف سنجاوب, ليمتحونا إن كنا نحبهم حقيقة أو فقط بالقول.
في مقابل التشدد في التربية نجد عن بعض الأهل إفراطاً في رعاية الأولاد أي إفراطاً في العناية بهم ومبالغة في شغل البال والقلق وهذا يؤذي الأولاد ويؤخر نضوجهم. كقيراً ما يقوم الأبناء بحركات وتصرفات لإثارة قلق الأهل وانباههم, ولكن إن لم يظهر الأهل اضطرابهم المفرط سيعود الولد ليتصرّف بشكل طبيعي عندما يقطع الأمل من إثارة مشاعر أهله.
إن الزواج هو شركة محبة في المسيح. المحبة الحقيقية تفترض أن يهتم الرجل بامرأته وأولاده عوض الاهتمام بنفسه. بقدر ما يحب المرء أولاده محبة بشرية مرتكزة فقط على العاطفة والأهواء, بالقدر نفسه يتصرّف الأولاد بطريقة سلبية. لكن عندما تكون المحبّة مسيحية مقدّسة خالية من الأنانية وتبتغي مصلحة الآخر, حينئذٍ تقل مشاكل الأولاد لأن قداسة الأهل تخلّص الأولاد. يقول الشيخ البار بورفيريوس الرائي أن تصرّف الأهل يكون كاملاً عندما يتكلمون مع الله والله بدوره يكلم الولد لأنه عن طريق الصلاة يصل الكلام بطريقة سرية إلى قلوب الآخرين بينما التكلّم في الأذن يصبح شيئاً فشيئاً نوعاً من الضغط قد يؤدي إلى ردّات فعل غير محمودة.
أمر آخر يؤدي قد يسيء إلى أولادنا هو المديح المتواصل الذي يجعلهم أنانيّين ومُحبّين للمجد الباطل. إن التشجيع مطلوب ولكن المديح المتواصل هو أمر آخر إذ يجعل الأولاد يرغبون أن يُمتدحوا من الجميع وينزعجون ممّن يعاكسهم. المطلوب قول الحقيقة وإرشادهم الولد إلى موقعه الحقيقي وتنبيههإن كان يخطئ, من هنا قول سليمان الحكيم: <<من يمنع عصاه يمقتِ ابنه ومن أحَبَّه يطلب له التأديب>> (أم13: 24). إن العصا لا تعني بالضرورة الضرب ولكن هي مفيدة للتوجيه على طريقة الراعي الذي يقود خرافه بالعصا لئلا يسقطوا على الجرف.
يبقى أن التربية تدوم مدى الحياة لذلك علينا جميعاً أن نتربّى تربية مسيحيّة صالحة وبهذه الطريقة نصبح أمثلة صالحة لأولادنا ولكل من نقابله فيروا فينا تجسيداً لما يسمعونه من تعليم وتوجيه.
منقول