تصادفنا في القدّاس الإلهي وفي صلاتَي السَّحَر والغروب الطّلبة التي نسأل فيها "أن تكون أواخر حياتِنا مسيحيّةً سلاميّةً بلا ضررٍ ولا خزيٍ، وجوابًا حسنًا لدى منبر المسيح المرهوب".لا أحد منّا يعرف متى ستكون أواخر حياتِه إذ ليس لنا أن نعرف الأوقات والأزمنة التي جعلها الآب في سلطانه (أعمال 1: 7)، لكنّنا كلّنا نترجّى "الحياة في الدّهر الآتي" كما نردّد في دستور الإيمان. إذا تمعنّا قليلاً في الطّلبة وفي نهاية دستور الإيمان نجد أنّنا نرجو أن يهبنا الله الحياة الأبديّة، بما أنّه رحوم، لكنّنا لا نعمل شيئًا بدورنا حتّى تكون أواخرنا "مسيحيّة وسلاميّة وجوابًا حسنًا لدى منبر المسيح". وعلى الرّغم من كلّ الشّائعات الّتي أطلقها ويطلقها بعض المبتدعين مثل شهود يهوه وغيرهم حول اقتراب نهاية العالم، والتي يقع كثيرون في أشراكها للأسف، فإنّنا نجد القلائل من الّذين يهيّئون أنفسهم للنّهاية المزمع أن تأتي لو صدقت تلك البدع، حيث أنّ الغالبيّة يصدّقون ويخافون من دون أن يتحرّكوا نحو خلاص أنفسهم، بل إنّهم في غالبيّة الأحيان يتحرّكون نحو إشباع رغباتهم الأرضيّة قبل أن يفنوا عن وجه الأرض من دون التّمتّع بالملذّات الدّنيويّة.
الإنسان المسيحي يبقى متهيّئًا على الدّوام لأيّ نهاية محتملة ولأيّ "نوع من أنواع الميتات الفجائيّة" كما نذكر في طلبة خدمة الخبزات الخمس، ويطلب إلى الله الصّالح والمحبّ البشر أن يكون "شفوقًا ورؤوفًا ومتعطِّفًا" كما يرد في الطّلبة نفسها؛ إنّه يتهيّأ روحيًّا بشكل دائم من أجل نوال ملكوت السّموات. على المؤمن المسيحي أن يتذكّر دائمًا أنّه خاطئ وأنّه يحتاج إلى رحمة الرّب، فالخطيئة هي سبب موت الخاطئ لكنّ الله لا يُسرُّ بموت الخاطئ إلى أن يرجع ويحيا (حزقيال 18: 32، 33: 11). فمنذ العهد القديم يرسل اللهُ إنذارات لشعبه كي يعودوا عن الخطأ (حزقيال 3: 18 – 21) حتّى تكون أواخرهم بلا حزنٍ ولا خزيٍ؛ كما نجد امتدادًا لذلك في معموديّة التّوبة التي كان يوحنّا المعمدان يكرز بها (مرقس 1: 4). وفي العهد الجديد نرى كيف أنّ يسوع المسيح لم يكن يشفي أحدًا جسديًّا قبل أن يشفيه روحيًّا غافرًا خطاياه، وقد سلّم هذا السّلطان لتلاميذه بعد قيامته من بين الأموات وظهوره لهم (يوحنا 20: 23).
إذًا، ما ندعوه في يومنا هذا "الدّواء المَنسيّ"، أي سرّ الاعتراف، هو أهمّ طريقة لتهيئة الإنسان المسيحي نفسَه لأيّ آخرة مزمعة أن تكون. لكن، مع الأسف، يتناقص اليوم عدد المؤمنين الّذين يعترفون باستمرار ويتناولون الجسد والدّم الإلهيَّين عن استحقاق. لقد منحَنا الله إكسير الحياة الأبديّة بوساطة سرّ الاعتراف، لكنّ البحث عنه يتضائل يومًا بعد يوم إذ يتّجه النّاس نحو السّموم القاتلة للرّوح، فنجد مَن يسرق ويقتل ويزني ويغضب ويكره وغير ذلك من الأمور غير المسيحيّة الّتي يظنّ فاعلوها أنّهم في صدد عَيشِ إنسانيّتهم قائلين إنّ الله خلق هذه الأمور فلماذا لا نفعلُها؟! ينسى الإنسان دائمًا أنّ الله خلَقَنا أحرارًا، فنحن مَن نُقَرِّر إذا كنّا سنعيش مسيحيّتنا أو إنسانيّتنا، ونحن مَن نُقرّر إن كانت أواخر حياتنا ستكون مسيحيّة بلا خزيٍ أو مملوءة خزيًا بحيث لن يمكننا النّظر إلى الله في يوم الدّينونة الرّهيب.
نقرأ في غالبيّة سير القدّيسين وأقوالهم، أنّ ذِكرَ الموت هو أمر مهمّ أيضًا إذا أردنا عيش التّوبة والحصول على نهاية أفضل. إنّ ذكر الموت يردعنا عن المعصية متى تأمّلنا في كيف أنّ الإنسان هو "رائحة نتنة ومأكل للدّود" كما نرتّل في خدمة جنّاز المؤمنين.
لقد منحَنا الله عدّة طرق نعود من خلالها إلى عيش الإيمان والتّوبة. حتّى المرض يمكننا اعتباره إنذارًا للتقرّب من الله أكثر. فالإنسان المسيحي لا يلوم الله إذا أصابَه مرضٌ ما، إنّما يشكر الله الّذي منحه فرصةً للتّوبة والحصول على آخرة صالحة.
في النّهاية، لدينا الكتاب المقدّس والكتب الرّوحيّة من سير القدّيسين وأقوال الآباء، إضافةً إلى سرّ الاعتراف، هذه يمكنها أن تضعنا على السكّة الصّحيحة للوصول إلى المثول أمام منبر المسيح المرهوب من دون حزنٍ أو خزيٍ. فلنتهيّأ إذًا على الدّوام لأنّنا لا نعرف الأوقات والأزمنة ولا نعرف متى يأتي الختن ليدين المتهيّئين والكسولين كلاًّ حسب استعداده.
