ثمّة ظاهرة تنامَتْ مع الأيّام حتّى باتت في يومنا هذا تسيِّر حياة غالبيّة النّاس، والغريب في الأمر أنّ معظم التّابعين لهذه الظّاهرة هم من المؤمنين. الأمر الذي نتكلّم عليه هو ظاهرة الأبراج وقراءة الغيب من خلال الفنجان وتاريخ الولادة أو الاسم أو غير ذلك من أمور العرافة والتّنجيم.
كثُرٌ مَن لا يقومون بأيّ عملٍ قبل أن يقرأوا أو يسمعوا أو يشاهدوا ما تقوله لهم الأبراج، وكثُرٌ مَن لا يكتفون بذلك لاجئين إلى الاتّصال بعرّافٍ يخبرهم ما يخبّئه لهم القدر في مسائل معيّنة، وللأسف فإنّ كثيرين أيضًا يوقفون أعمالهم لأنّ الكواكب تمنعهم من ذلك.
لقد حاول الإنسان منذ القِدَم، إزاء عالمٍ يسحقه وكائنات تخيفه أو يرغب هو في السيطرة عليها، أن يكتسب قدرةً تفوق قواه الخاصّة، فتجعله سيّد الألوهيّة، وتاليًا سيّد مصيره. ولئن كانت الأنماط والأساليب قد تغيّرت اليوم، إلاّ أنّ الميل للسيطرة والرغبة في إخضاع المجهول لا يزالان متأصِّلَين في قلب الإنسان، ويفضيان إلى ممارسات متشابهة. لقد كانت الأجرام النيِّرة تتراءى لإنسان الشّرق القديم كأنّها مظهر لسلطات تفوق الطّبيعة وتسيطر على البشريّة محدّدةً مصيرها. وكان الإنسان يتعبّد تلقائيًّا لهذه السّلطات حتّى يحصل على رضاها، فكانت له الشّمس والقمر وكوكب الزّهرة وغيرها آلهة، وكانت مجموعات النجوم نفسها ترسم في السّماء أشكالاً لغزيّة كان الإنسان يطلق عليها أسماء أسطوريّة. وكان اهتمام الإنسان بالنيّرات يحمله على مراقبتها بانتظام، وقد اشتهر المصريّون وسكّان ما بين النّهرين بمعارفهم الفلكيّة، ولكنّ هذا العالم البدائي ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالممارسات التكهّنيّة والسّحريّة والوثنيّة؛ وهكذا، كان ابن العصور القديمة شبه مستعبد لسلطات رهيبة تؤثّر في مصيره وتحجب عنه الإله الحقيقي.
على الرّغم من مجيء المسيح، شمس العدل "المشرق من العلاء ليضيء على الجالسين في الظّلمة وظلال الموت لكي يهدي أقدامنا في طريق السلام" (لو 1: 78 – 79)، نجد الناس عمومًا ومن بينهم الكثير من المسيحيين خصوصًا، عادوا إلى مفاهيم العصور القديمة حول الكواكب والنّجوم التي عادت لتسيّر حياتهم متجاهلين الإله الحقيقي الذي وُلِدَ وتألّم ومات وقام من أجل خلاصنا. لقد وَعَت كنيستنا المقدّسة منذ البداية قابليّة انزياح الإنسان عن التّعاليم القويمة بسبب الضّعف البشري، لذلك أخذت "تُمَسحِنُ" العديد من الأمور الوثنيّة ومنها ما له علاقة بالفلك على مثال نقل عيد ميلاد ربّنا يسوع المسيح إلى 25 كانون الأوّل، التاريخ الذي كان يُحتَفَل فيه بعيد إله الشّمس، ويظهر التّشديد على ذلك في طروباريّة العيد حيث نرنّم: "ميلادك أيّها المسيح إلهنا قد أطلع نور المعرفة في العالم، لأنّ الساجدين للكواكب، به تعلّموا، من الكوكب السّجود لك يا شمس العدل".
لقد شغل موضوع الفلك والعرافة عدّة فصول من الكتاب المقدّس، ففي (تث 18: 10 - 12) نجد نهيًا عن الموضوع: "لا يوجد فيك من يجيز ابنه أو ابنته في النّار ولا من يعرُف عِرافةً ولا عائفٌ ولا متفائل ولا ساحر ولا من يرقي رقية ولا من يسأل جانًّا أو تابعةً ولا من يستشير الموتى، لأن كلّ من يفعل ذلك مكروهٌ عند الربّ"، وفي العهد الجديد نجد عدّة روايات عن عرّافين ضلّوا عن الإيمان القويم مثل سيمون الساحر (أع 8: 9 – 24) أو كانت فيهم روح شرّيرة كالعرّافة التي في (أع 16: 16 – 18).
الكثير من العرّافين الحاليين ومن قارئي الفنجان وضاربي المندل وغيرهم يستعملون اسم الله في عملهم العرافي من أجل جعل زبائنهم يصدّقون أضاليلهم. هذا الأمر خَطِرٌ جدًّا حيث لا نعود نفرّق مثلاً بين عالِمي الغيب وبين القدّيسين الذين لديهم موهبة الرؤيا مثل أبينا البار بورفيريوس الرّائي. فهل كان البار بورفيريوس عالِمَ غيبٍ؟ حاشا! لقد كان رجلاً مستنيرًا ومملوءًا من نعمة الله، بينما علماء الفلك والمنجّمون غالبًا ما يكونون كالشّياطين الّتي تعرف الله وتذكر اسمه وفي بعض الأحيان تظهر كملائكة نور، كلّ هذا لتضلّ الإنسان الضّعيف، لذلك في النّهاية يجب على المسيحي المؤمن أن يتحلّى بالتّمييز والعودة دائمًا إلى الله والكنيسة وعيش كلام الإنجيل وليس كلام الكواكب.
