في عالَمٍ يحيط بنا ويكثر فيه الكذب والغشّ والرّياء، يحتار الإنسان فيمن يضع ثقته إذ يحتاج، في مواجهته لمسؤوليّات الحياة ومخاطرها، إلى معتمداتٍ يستطيع أن يستند إليها وإلى ملاذٍ يحتمي فيه، لكي لا يشلّه القلق ولكي يثبت على الرّغم من التّجارب ولا يفقد الأمل في بلوغ هدفه.
يحثّنا كاتب المزامير قائلاً: "لا تتّكلوا على الرّؤساء ولا على بني البشر الذين ليس عندهم خلاص" (مز 146: 3). فالاتّكال على بني جنسنا والثّقة بهم غالبًا ما يوقعانا في حزن، الأمر الّذي ينعكس في الكثير من الأحيان على علاقتنا بالله وعلى ممارستنا لحياة الصّلاة، حيث يغزو الحزن نفوسنا، موصِلاً إيّانا إلى حالة من الكآبة وعدم الثّقة حتّى بخالقنا الذي قال: "ثقوا فقد غلبتُ العالم" (يو 16: 33).
يطلب منّا الربّ أن نكون متشبّهين بالأولاد لكي ندخل ملكوت السّماوات (متّى 18: 1 – 4). ثمّة الكثير من النّواحي الّتي يمكننا من خلالها أن نتشبّه بالأولاد، وإحدى هذه النّواحي الثّقة. فالولد، عندما يرافق والده إلى مكانٍ ما، يكون واثقًا ومسلّمًا نفسه بالكليّة بين يدي والده، مع أنّه لا يكون يعرف إلى أين سينتهي به الأمر. هكذا يجب علينا أن نثق بأبينا السّماوي، الّذي يعرف أن يمنح العطايا الصّالحة.
"ملعون الرّجل الذي يتوكّل على البشر... ومبارك الرّجل الذي يتوكّل على الربّ" (إرميا 17: 5 و7). هذه الآية تختصر الكثير من المواقف التي مرّت في الكتاب المقدّس وتمرّ في حياتنا كلّ يوم. فالشّعب الإسرائيلي، طوال تاريخه، لا يريد أن يثق بإلهه (إشعيا 30: 15، 50: 10، تثنية 32: 6 و10 – 12) ويفضّل عليه الأصنام التي يندّد الأنبياء بكذبها (إرميا 13: 25) وعدمها (إشعيا 59: 4). كما يؤكّد الحكماء أيضًا على أنّه باطلٌ الاعتماد على الغنى (أمثال 11: 28، مز 49: 7 – 8) وعلى العنف (مز 62: 11) وعلى العظماء (مز 118: 8 – 9، 146: 3) كما أنّه جاهلٌ الإنسان الذي يتّكل على قلبه (أمثال 28: 26).
الحال ليست فقط حال إسرائيل القديم؛ إنّها حالنا اليوميّة. فكم من مرّة ننسى الربّ يوميًّا معتمدين على قوانا الشّخصيّة، وكم من مرّة نغضب ونحاسب الربّ على أمور نكون قد أبقيناه خارجها لكي نحلّها بمفردنا، لكن عندما نفشل فإنّ اللوم يقع على الربّ دومًا، فلا نعود نثق به ولا نصلّي ظانّين أنّنا نعاقبه، وإنّما نكون في صدد معاقبة أنفسنا بإبعادها عن الربّ لأنّنا نشعر بالخجل من مواجهته من جديد مقرّين بأخطائنا.
لا يعني هذا ألاّ نعتمد على أنفسنا البتّة، لكن ألاّ نعتمد فقط على أنفسنا، وأن نُشرِك الربّ في كلّ عمل نودّ القيام به. هنا تدخل أهميّة وجود أبٍ روحيٍّ يرشدنا إذ إنّنا نحتاج دائمًا، كبشرٍ، إلى الحضور الحسّي لشخص يكون إلى جانبنا يرعانا، إلى جانب الكتاب المقدّس الّذي يذكّرنا دومًا بكلمة الربّ من خلال حضوره الحسّي بين أيدينا.
إنّ الثّقة في الواقع لا تفترق عن التّواضع. هاتان الفضيلتان يُعَبَّر عنهما في صلاة المساكين الذين، مثل سوسنّة، من دون أيّ حماية وفي أخطار الموت، تكون قلوبهم "واثقة بالله" (دانيال 13: 35).
نجد المزامير تزخر بالثّقة التي كانت لدى كاتبها تجاه الله، حيث تظهر ثقة المتّكل على الربّ في المزمور 27: "الربّ نوري ومخلّصي ممّن أخاف، الربّ حصن حياتي ممّن أرتعب" (مز 27: 1)، هذه الثّقة التي تعود لتظهر في عدّة مزامير أخرى: "وأنا بائس ومسكين السيّد يهتمّ بي" (40: 18)، "وأنا على رحمتك توكّلت" (13: 6)، "طوبى لجميع المعتصمين به" (2: 12)، وصولاً إلى المزمور 131 الذي هو تعبير صادق عن هذه الثّقة المتواضعة التي سوف يعطيها يسوع كمالها الأخير.
في النّهاية، إنّ الثّقة التي لا تتزعزع هي أحد شروط الأمانة (عبرانيين 3: 14)، وهي تعطي لشهود المسيح يقينًا فَرِحًا وفخورًا (عب 3: 6). إنّهم يعلمون أنّ لهم منفذًا إلى عرش النّعمة (عب 4: 16) طريقه مفتوح لهم بدم يسوع (عب 10: 19)، فليس لجرأتهم أن تخشى شيئًا (عب 13: 6) لأنّهم يعلمون على من اتّكلوا (2تيم 1: 12)، ولذا فإنّ شيئًا لن يفصلهم عن محبّة الله (رو 8: 38 -39).
