بمناسبة ذكرى تاريخ مرير 29 أيار وهو يوم سقطت فيه مدينة القسطنطينية في أيدي الأتراك سنة 1453 بعد حصار دام شهرا ونصف (يذكر هذا الحدث كفتح إسطنبول في بعض المراجع العربية الإسلامية، فهل يمكن إطلاق مصطلح "فتح" على تلك المجزرة الدموية الرهيبة وتخريب المدينة لمدة ثلاثة أيام؟) يجدر بنا أن نتطرق إلى موضوع يثير الحزن والغيرة المقدسة وهو بقاء كنيسة أجيا صوفيا في وضع لا يليق بها كمتحف بعد أن تعرضت لتحويلها إلى مسجد وذلك بعد أن كانت كنيسة رئيسية في العالم الأرثوذكسي خلال ألف سنة.
يظهر بصيص من الأمل في تغيير هذا الوضع المحزن بفضل نشاط أشخاص لا يرون هذه الحالة غير طبيعية فحسب، بل يبذلون جهودا ملموسة لاتخاذ خطوات حاسمة في هذا الاتجاه. وأشهرهم كريس سبيرو وهو سياسي أمريكي من الأصل اليوناني، عضو سابق في الكنغرس ورئيس سابق للحزب الديموقراطي في ولاية نيو هابمشاير ورئيس المعهد الأمريكي اليوناني حاليا وقد أسّس "الجمعية العالمية لتحرير أجيا صوفيا" في سنة 2005 (موقع الجمعية:
http://www.freeagiasophia.org/)
فيما يلي ترجمة مختصرة لحديث كريس سبيرو الذي أدلى به للصحيفتين الروسية واليونانية.
---------------
سؤال: ما هو الشيء الذي دفعكم إلى البدء في العمل على تحرير كنيسة "أجيا صوفيا"؟
جواب: في أحد أيام سنة 1991 شاهدت في قناة CNN تقريرا حول الكنيسة الرئيسية للكرملين ولموسكو فلم أصدّق عينيّ وأذنيّ عند سماع الخبر حول إقامة خدمة الصلاة فيها بعد سبعين سنة من هيمنة السلطة السوفييتية التي كانت تستخدم هذه الكنيسة لأغراض مختلفة لا تليق بها! ولا أتصور كيف يمكن الموافقة على وجود أجيا صوفيا تحت الاحتلال لمدة 555 سنة اي فترة أطول بكثير من فترة إهانة الكنيسة في الكرملين. فمنذ ذلك الحين بدأت إقامة اتصالات مع أشخاص متخصّصين لتكوين القاعدة القانونية لإعادة أجيا صوفيا إلى الكنيسة، ولكن اتّضح أن إستعادة الحقوق المفقودة في سنة 1453 أمر ليس بسهل. في نفس الوقت عملنا على توعية الناس بشأن أهمية هذا الموضوع على المستوى العالمي، فلا بد أن تهمّ هذه المسألة كل البشرية لأنها تتعلق بحق الإنسان في العبادة والصلاة في الأماكن التي يعتبرها مقدسة. والسؤال الرئيسي هنا هو: هل يحقّ لأي حكومة من الحكومات في القرن الحادي والعشرين تحديد صفة الأماكن المقدسة وطريقة استعمالها؟ أعتقد أن هذه رواسب متخلفة من الماضي كان يتميز بها أسلوب التفكير العثماني ولم يتخلص من آثاره قادة تركيا حتى الآن.
س: إلى أي مرحلة وصلتم في كفاحكم لغاية اليوم ومتى تتوقعون التوصل إلى هدفكم؟
ج: سيتحقق أملنا قريبا، لأننا لا نعتمد على الآمال فقط بل نتخذ إجراءات ملموسة. نحن متأكدون أن الصلاة ستقام من جديد في أجيا صوفيا وأننا سنتوصل إلى اتفاق مع قادة الدولة التي قُدّر للمكان المقدس أن يكون في أرضها. قد جذبت حركتنا آلاف الأتباع في أمريكا وهم يأملون في أن تتاح لهم فرصة الصلاة في أجيا صوفيا وأظن أن أنشطتنا ستتكلل بالنجاح. أهمّ نتيجة توصلنا إليها هي الجلسات الخاصة بهذه القضية التي تعقدها لجنة حقوق الإنسان في الكنغرس الأمريكي ولها أصداء إيجابية، فكما صرّح أحد أعضاء الكنغرس فإن قضية أجيا صوفيا من أهمّ المسائل التي تم النظر فيها طوال فترة عمل اللجنة. كما أعتقد أن السلطات التركية ستواجه نقداً شديداً من الرأي العام في يوم من الأيام لأنها سمحت بتدنيس المكان المقدس واختراق حقوق المؤمنين.
س: هل أجيا صوفيا لا يمكن اعتبارها مسجداً حسب القانون؟
ج: دون شك، الكنيسة بنيت ككنيسة وتم تحويلها إلى مسجد بالقوة وبالعنف.
س: وأنتم ترغبون في إستعادة العدل بعد مرور 555 سنة؟
ج: إذا نجحت تركيا في إثبات حقّها فلتقّم براهينها إلى المحكمة. هل يمكن أن نتصور أنه في استطاعة المحكمة الأمريكية العليا مثلا إقرار قانون حول تحويل كنيسة إلى نادي رياضي على أساس طلب رئيس الدولة لمجرد تمتّعه بالسلطة؟ لا توجد في العالم أي حكومة في اختصاصها تحديد قدسية الأماكن.
س: وما هي أهمّ الحجج التي تستندون إليها؟
ج: إن كنيسة الحكمة المقدسة في القسطنطينية هي أمّ كل الكنائس الأرثوذكسية وهي تتعرض للتدنيس لغاية اليوم ، وكفاحنا ليس في سبيل إعادة ترسيم الحدود أو آبار البترول، إن قضية أجيا صوفيا هي ليست موضوعا للمباحثات بين الحكومات أو قضية بين تركيا واليونان أو بين تركيا والولايات المتحدة أو بين تركيا وروسيا الخ. لا يمكن أن ينام أحد نوما هادئا بينما يتم تدنيس المكان المقدس المحوّل إلى سوق أمام أعيننا. فنرجو أن تدعمنا كل البشرية ورؤساء الدول والبطاركة. للأسف حاليا البطريرك القسطنطيني يمكن اعتباره رهينة لسياسة السلطات التركية إلى حد كبير. يجدر بالإشارة إلى أننا لا نخوض سياسة مضادة لتركيا وطبعا لا نسيء الظن بالمسلمين، بل أنا متأكد أن كثيرا من الأتراك المسلمين سيقفون إلى جانبنا، لأن الإسلام يمنع تحويل المساجد والأماكن المقدسة والكنائس إلى أماكن علمانية وتنديسها.
س: هل أقمتم اتصالات مع السلطات التركية وهل وجّهتم إليها طلبا رسميا؟
ج: قد أرسلنا خطابا رسميا إلى رئيس الوزراء التركي وأرسلنا صورا منه إلى كل من الرئيس الفرنسي بصفته رئيس دولة تترأس الاتحاد الأوربي آنذاك وبابا الفاتيكان. وهذا الخطاب يحتوي على مطالبتنا بوقف تنديس الكنيسة ومنع إقامة الأنشطة التي لا تليق بها في داخلها. وهذا الخطاب يسبق طلبنا الرسمي حول إعادة الخدمة الكنسية في أجيا صوفيا الذي أرسلناه إلى الحكومة التركية.
---------------
وإضافة إلى ذلك قد أعلن مؤخرا في 7/5/2010 في مؤتمر تسالونيكي عن إقامة رحلة حج عالمية إلى كنيسة الحكمة المقدسة في 17/9/2010 عيد القديسة صوفيا وذلك لإقامة القداس الإلهي لأول مرة بعد 557 سنة من الاحتلال التركي. وأجاب كريس سبيرو رداً على سؤال الصحفيين حول مدى استجابة رئيس الوزراء التركي إلى الخطاب الذي كان قد أرسل إليه: "إننا لا نطلب منه بل نطالب... قد أخبرنا رئيس الوزراء بزيارتنا يوم 17 أيلول للمدينة التي تم إعلانها عاصمة للثقافة الأوروبية لهذه السنة. إن تركيا تفتح أحضانها لكل السياح وللذين يزورونها من أجل شراء مصنوعات جلدية رخيصة، ونتوقع منها أن تستقبلنا استقبالا جيدا أيضا، لأننا نرغب في زيارة كنيستنا وإقامة الصلاة فيها. وفي أقرب وقت ستبدأ المباحثات بين خبراء القانون من جمعيتنا وممثلي الحكومة التركية، وفي حالة رفضها سنلجأ إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان".
************************************************** *
من المعروف أن القداس الأخير في أجيا صوفيا صباح يوم 29/5/1453 توقف دون أن يختتم عند النشيد الشيروبيمي لأن الأتراك اقتحموا أبواب الكنيسة بعد دخولهم المدينة وهناك أسطورة تقول إن الكاهن أخذ القدسات الإلهية من المذبح واختفى معها عن الأنظار وراء إحدى الحيطان، وعندما يتم تحرير المدينة من الاحتلال التركي وتصبح عاصمة العالم الأرثوذكسي من جديد ينشقّ هذا الحائط ويخرج منه الكاهن لإتمام القداس المنقطع.
كما أن هناك أسطورة جميلة أخرى حول قيصر تحوّل إلى المرمر (Μαρμαρωμένος Βασιλιάς) وهو الإمبراطور الأخير قسطنطين الحادي عشر باليولوج الذي بحسب الأسطورة لم يستشهد في المعركة أثناء اقتحام المدينة بل عندما رفع أحد الأعداء المهاجمين سيفه لقتل القيصر جاء ملاك من السماء ليأخذه إلى مغارة بعيدة عميقة في الصخرة حيث استغرق القيصر في نوم عميق منتظراً اليوم الذي يرجع فيه الملاك ليوقظه وليرجع به إلى المدينة لاستعادتها، والأتراك يعرفون هذه النبوءة ويخافون منها، ولذلك سدّدوا بالحجارة البوابة الذهبية التي سيدخل منها القيصر حسب التنبؤات. وبعد استعادة المدينة سيتم طرد الأتراك إلى مكان غامض اسمه "شجرة تفاح حمراء" (Κόκκινη Μηλιά) يقع في منطقة بلاد ما بين النهرين. ظهرت هذه الأسطورة بسبب غموض مصير الإمبراطور قسطنطين الذي لا يعرف أحد مكان دفنه وقد يكون الجسد الذي تم العثور عليه من بين الجثث بعد انتهاء المعركة ليس جسده، لذلك أصبح بطلا شعبيا محبوبا من الجميع. وهناك كثير من الأغاني الشعبية اليونانية التي تعبّر عن النداء إلى القيصر النائم للنهوض والعودة لتحرير المدينة وفي نفس الوقت هناك أغاني تعبّر عن فقدان هذا الحلم وخيبة الأمل من طول الانتظار.
كما ان هناك كثير من التنبؤات الخاصة بمصير القطسنطينية ترجع أشهرها إلى القديس الشهيد المعادل للرسل قوزما الإيتولي (1714- 1779) أحد أحبّ القديسين للشعب اليوناني الذي استطاع أن يعيد الأمل إلى نفوس المتألمين تحت الاحتلال التركي. ولكن معاني تنبؤاته كانت تختبئ وراء رموز غامضة، فبقيت غير واضحة تثير تفسيرات متناقضة لمدة طويلة حتى قام الستارتس بائيسيوس الآثوسي بشرحها. يربط بين هذين القديسين حبّهما العميق الصادق لبيزنطا والإخلاص لفكرة الإمبراطورية الأرثوذكسية المتعددة القوميات. قال الستارتس بائيسيوس: "إن بيزنطا هي التي وضعت أساساً للجبل المقدس، وفي إمكان الجبل المقدس اليوم إحياء بيزنطا".
قد تحققت نبوءات كثيرة نطقها القديس قوزما حول تحرير البلقان من الاحتلال العثماني، وأما نبوءاته حول تحرير القسطنطينية فلم يأت وقت لتحقيقها بعد. وأضاف الستارتس بائيسيوس بعض التفاصيل إلى هذه التنبؤات وقام بشرحها. على سبيل المثال تقول إحدى نبوءات القديس قوزما: "إن التحرير سيأتي على يد جيش أجنبي لا يعرف اليونانية بل يكون مؤمنا بالمسيح". وأكد الستارتس بائيسيوس على أن هذا الحدث سيقع دون مشاركة مباشرة من طرف اليونان: "سترجع إلينا القسطنطينية ولكن ليس بجهودنا لأننا أصبحنا غير قادرين على ذلك بسبب انحطاط أخلاق شبابنا، ولكن الرب يدبّرعودة المدينة إلينا بمساعدة الآخرين." ويعتقد معظم الباحثين أن صورة الجيش الغامض المؤمن بالمسيح وغير الناطق باليونانية تنطبق على روسيا الأرثوذكسية بالدرجة الأولى نظراً لاهتمامها بمصير القسطنطينية وارتباطها التاريخي والروحي ببيزنطا.
زارت جماعة التلاميذ مرة الستارتس بائيسيوس في قلايته ليسألوه: هل سترجع القسطنطينية إلى الروم وهل سنعيش نحن (التلاميذ) لغاية ذلك اليوم؟ ولكن لم ينبس أحد بكلمة بسبب القلق، وسكت الجميع ولكن الستارتس عرف أفكارهم وقال لهم: ماذا تريدون أن تسألوا؟ عن القسطنطينية؟ إنها سترجع إلينا وأنتم ستكونون شهوداً على ذلك!" كذلك قال الستارتس معلّقا على الأحداث الجارية في صربيا: "اليوم يقوم الأوروبيون من أجل الأتراك بإقامة دول مستقلة ذات الأغلبية المسلمة مثل بوسنا وهرسك، ولكن سيأتي يوم يقسّمون فيه تركيا نفسها لأنّ الأرمن والأكراد سيقومون ضدها فتطالب أوروبا بحقّهم في تقرير المصير والاعتراف باستقلالهم." هناك افتراض أنه سيتم تقرير مصير القسطنطينية (إسطنبول) أثناء الصراع السياسي والدبلوماسي بين الدول الكبرى التي يكون في مصلحتها تقسيم تركيا لأسباب لا تزال غامضة حاليا. وبحسب نبوءة القديس قوزما يهلك ثلث من الأتراك والثلث الثاني سيؤمن بالمسيح أما الثلث الأخير فسيتم طردهم إلى مكان حيث توجد "شجرة تفاح حمراء".
(هذه المعلومات مأخوذة من كتاب "سيرة قوزما الإيتولي وتنبؤاته" الصادر في روسيا سنة 2007).
مهما كان الأمر لنتضرع إلى الله أن تتحقق أمانينا وأن تعود إلينا مقدّساتنا المسروقة وأتمنى أن يهمّ مصير كنيسة أجيا صوفيا المؤمنين الأرثوذكس في كل العالم قبل غيرهم وأن تبدي كنيستنا من طرفها المزيد من الاهتمام بهذه القضية لكي يعود القدّاس إلى هذا المكان المقدس ليس فقط تحت شعار حقوق الإنسان على يد "أصحاب الديموقراطية" من أمريكا.