رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
30ـ بحاسة الذهن نتذوق بدقة ما نميزه. فكما اننا ، حين نكون اصحاء، نميز بحاسة الذوق الجسدي ما هو طيب مما هو رديء دون خطأ فنبادر الى ما هو طيب ، كذلك عندما يبدأ ذهننا بالتحرك في صحة تامة وتجرد كبير يمكنه ان يحس بوفرة التعزيةالالهية ولا ينجذب ابدا الى التعزية المضادة . فكما ان الجسد عند تذوقه طيبات الارض لا يخطئ في خبرة الحواس هذه كذلك الذهن ايضا عندما يتهلل متخطيا مشورات الجسد يستطيع ان يذوق تعزية الروح القدس على وجه لا يقبل الخطأ ، اذ انه مكتوب : " ذوقوا وانظروا ماطيب الرب" ( مز 8:33)، كما يستطيع ان يحفظ بالمحبة ذكرا ثابتا لا يمحى لذلك الطعم بتمييزه ما الافضل، بمنأى عن اي غلط ، وفق قول الرسول : " وهذا ما اصليه ان تزداد محبتكم ايضا اكثر فأكثر في المعرفة وفي كل فهم حتى تميزوا ما الافضل" ( في 1ـ 10:9)
31ـ عندما يبدأ الذهن بالاحساس بتعزية الروح القدس يعمد الشيطان ايضا الى تعزية النفس فيجعلها تشعر بعذوبة كاذبة في سكون الليل حين استسلامنا لسبات خفيف جدا . وان وجد الذهن وقتئذ ملتصقا بقوة باسم الرب يسوع المقدس وذاكرا اياه بحرارة، متسلحا بهذا الاسم الجليل المقدس ضد الوهم والخداع ، يتخلى الغاش عندها عن احتياله ويعمد الى محاربة النفس محاربة مباشرة . ومن ثم تتبين للذهن تماما خدعة الشرير فيزداد خبرة في التمييز
32ـ تحصل التعزية الصالحة حين يكون الجسد ساهرا، او حتى عندما تبدأ فتظهر عليه علامات نعاس قريب فيما نحن ملتصقون بحب الله في ذكر له حار. اما التعزية الوهمية فهي على العكس من ذلك تحصل دائما حين يكون المجاهد ، كما سبق فقلت ( انظر المقالة 31 )، قد دخل في سبات خفيف وهو يذكر الله بفتور . فمن عادة التعزية الاولى ما دامت صادرة عن الله ، ان تدعو جليا نفوس ابطال التقوى الى حبه في انسكاب للنفس كبير اما التعزية الاخرى التي اعتادت ان تهيج النفس بريح مضلة فتحاول استغلال نوم الجسد لتسلب الذهن خبرة حسه المحتفظ بذكر الله تاما ، فاذا ما صادفت هذه التجربة الذهن متحدا بذكر الرب يسوع بانتباه ويقضة كما سبق القول فهو يبدد ريح العدو الزائفة العذوبة ويبادر بفرح الى محاربته ، متسلحا ، الى جانب سلاح النعمة الاول، بفخر خبرته
33ـ ا'دا ما التهبت النفس بحب الله بتحرك سليم خال من التخيلات وكأنها تجتذب الجسد نفسه الى عمق ذلك الحب الذي لا يوصف ، سواء كان من يقتبل فعل النعمة الالهية مستيقظا او موشكا على النوم على الوجه الآنف الذكر ، حين لا تعود النفس تدرك اطلاقا الا ما هي منجذبة اليه . فلنعلم ان هذا هو من فعل الروح القدس. لانها اذا ما امتلأت كليا بتلك العذوبة التي لا ينطق بها لا يعود يمكنها التفكير باي شيء آخر ،لان فرحا ثابتا متواصل يفتنها ويخلبها . اما اذا ارتسم في الذهن وهو على هذه الحال اي شك او اي فكر غير نقي ، حتى ولو دعا بالاسم القدوس ( لا حبا بالله فقط وانما ليطرد الشرير)، فيجب ان نعلم ان هذه التعزية تصدر عن الغاش في مظهر الفرح وان ذلك الفرح المشوش المبهم انما يأتي من العدو الراغب في جر النفس الى الزنا ، فالعدو عندما يرى الذهن فخورا بخبرة احساسه حينئذ ــ واكرر ــ يغري النفس بتعزيات حسنة في الظاهر لئلا تشعر بان الشرير هو الذي يتحد بها بعد ان تكون قد انتشلت بفعل تلك العذوبة الهشة الباطلة، في ضوء ذلك سوف نتبين اذا روح الحق وروح الغش والباطل. وانه لمن المتعذر علينا في الحقيقة ان نذوق بالحاسة الداخلية الصلاح الالهي . كما يتعذر علينا ان نحس بمرارة الشياطين، ما لم نقتنع كليا بان النعمة تحل في اعماق النفس ، في حين ان الارواح الشريرة تحوم فقط حول اعضاء القلب ، وهذا ما لا يريد الشياطين ابدا ان يتركوا الناس يعتقدونه لئلا يعمد الذهن المنتبه للامر الى التسلح ضدهم بذكر الله
34ـ حب النفس الطبيعي شيء والحب الذي من الروح القدس شيء آخر. فالحب الاول نستثيره الى حد ما بارادتنا متى شئنا ، ولذا يسهل على الارواح الشريرة انتزاعه منا حين لا نتمسك بمبتغانا كل التمسك. اما الحب الآخر فيلهب النفس بحب الله حتى التصاق طياتها كلها بعذوبة الشوق الالهي وذلك بصورة لا توصف وفي بساطة حال لا تحد ،لان الذهن حينذاك يكون وكأنه قد امرع بالحياة الروحية فيفيض محبة وفرحا
35ـ كما ان البحر عندما يسكب عليه الزيت ابان العاصفة يستسلم بطبيعته لمفعول الزيت الذي يظفر بتموجاته، كذلك النفس ايضا عندما تحظى بمسحة لطف الروح القدس تسر بان تهدأ ، وهي تستسلم طوعا وبفرح لتلك العذوبة الهادئة التي تظللها والتي لا ينطق بها ( انظر لوقا 35:1)، كقول القديس :" استسلمي يا نفسي لله" مز 5:61) . ولذا مهما كثرت استفزازات الشياطين تبقى النفس ساكنة لا غضب فيها ومفعمة بكل فرح. واننا ندخل،او نستمر في تلك الحالة، اذا ما سكنا نفسنا دون انقطاع بمخافة الله . لان مخافة الرب يسوع تمد المجاهدين بنوع من عفة وطهارة. اذ ان " مخافة الرب طاهرة ثابتة الى ابد الآبدين " ( مز 9:18)
يتبع
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
شكرا كتير اخت جورجيت .............
الله يقويك ويباركك
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
في الرؤى والاحلام
36ـ لا يخطرن لاحد اذا ماسمع بحديث عن حس الذهن ان يرجو ظهور مجد الله له بصورة منظورة . فنحن نقول اننا، ان كانت نفسنا نقية ، تذوق التعزية الالهية بصورة لا ينطق بها ، ولكننا لا نقول ان شيئا ما غير منظور يتراءى لها ، اذ " اننا نسلك بالايمان لا بالعيان " كما يقول الرسول المغبوط بولس ( 2 كور 7:5) ،فاذا ما تراءى لاحد المجاهدين نور او هيئة نارية فلا يقبلنَّ مثل هذي الرؤيا، اذ من الواضح انها خدعة من فعل العدو، وكثيرون لما انخدعوا بها ضلوا لجهلهم وحادوا عن الحق " اما نحن فنعلم اننا ما دمنا مستوطنين في هذا الجسد الفاني نبقى متغربين بعيدين عن الله "( انظر 2 كور 6:5)، اي اننا لا نقدر ان نراه بشكل منظور لا هو ولا شيئا من معجزاته السماوية
37ـ ان الاحلام التي تتراءى للنفس في محبتها لله دلالة ثابتة على سلامتها. لذا فان تلك الاحلام لا تنتقل من صورة الى صورة ولا ترهب الحس ولا تضحك ولا تعبِّس فجأة بل تُقبل الى النفس بكل كيانه مفعمة اياها بهجة روحية ، وبعدها تستمر النفس ، عند استيقاظ الجسد ، في التماس فرح الحلم بشوق حار . اما ظهورات الشياطين فتسلك سلوكا معاكسا تماما. انهم لا يبقون على هيئة واحدة ولا يظهرون طويلا على شكل ثابت لا يتغير. لان مالا يحوونه بارادتهم بل يستعيرونه فقط من اوهام سحرهم لا يقدر ان يثبت طويلا. فانهم يتكلمون عاليا ويهددون بالعزائم متنكرين في هيئة جنود مرات كثيرة واحيانا يرهقون النفس بصيحاتهم. عندئذ يعرفهم الذهن النقي فيوقظ الجسد بالمخيلة وفي مرات اخرى يفرح لانه عرف ان يبين حيلهم ولذا حين يفضحهم في سياق الحلم نفسه يثير فيهم في معظم الاحيان غضبا عظيما . غير انه يتفق ان الاحلام الصالحة نفسها لا تجلب للنفس فرحا بل حزنا مستطابا ودموعا بدون الم. هذه حال الذين يتقدمون كثيرا في الاتضاع
38ـ لقد اوردنا التمييز بين الاحلام الصالحة والاحلام الشريرة على ما تعلمناه ممن خبروه. اما نحن فيجب ان نرتضي ونحتسب ان عدم الركون الى اي حلم اطلاقا فضيلة كبرى ، اذ ليست الاحلام في معظم الاوقات سوى صور لافكار هائمة او خدع شيطانية كما سبق القول وحتى اذا اتفق ان يبعث الله لنا برؤيا لكثرة صلاحه ولم نقبلها فان ربنا الحبيب يسوع لن يسخط علينا لذلك . انه يعرف جيدا ان حبائل الشياطين هي التي تملي علينا هذا الموقف.. فان التمييز الذي اوردت آنفا دقيق هو ولكن يتفق احيانا للنفس المتدنسة لتساهلها تساهلا لا تعيه لساعته ــ وهذا مالا يعصم منه احد ــ ان تفقد رسم التمييز الصحيح وتعد الاحلام الشريرة احلاما صالحة
39ـ لنضرب مثلا على ذلك عبدا يناديه سيده في الليل من خارج سياج المنزل عند عودته من سفر طويل.لقد رفض العبد رفضا قاطعا فتح الابواب اذ خشي ان يخدعه تشابه الا صوات فيسلب ما اودعه سيده لديه . فمتى طلع النهار ليس فقط لا يسخط سيده عليه بل يحسبه جديرا بكل ثناء لانتباهه بان صوت سيده نفسه قد يكون وهميا وهو انما يفعل ذلك مدفوعا بعزمه علي الا يدع شيئا من املاكه يفقد
40ـ لا نشكن في ان الذهن متى بدأ يتأثر مرارا بالنور الالهي يصير شكله شفافا حتي انه يعاين بذاته وفرة نوره. يقولون ان هذا يتم حين تقوى النفس على الاهواء. اما ان يكون كلما يتراءي له بشكل نور او نار صادرا عن مكر العدو فان هذا ما يعلمنا اياه بولس الالهي بوضوح بقوله :" ان الشيطان يغير شكله الى شبه ملاك نور" ( 2 كور14:11) فيجب اذا الا نأتي الى الحياة النسكية على هذا الرجاء لئلا يجد ابليس النفس مهيأة لاستيلائه عليها. فالغاية الوحيدة انما هي البلوغ الى محبة الله في احساس كلي بيقين القلب اي " من كل القلب وكل النفس وكل الفكر" ( لوقا 27:10) لان الذي تدفعه الى ذلك نعمة الله يحيا بعيدا عن العالم وان كان عائشا في العالم
يتبع
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
في الطاعة
41ــ الطاعة هي كما معلوم الخير الاول بين سائر فضائل المسيرة الروحية، لانها تبدأ فتقصي الغرور وتلد الاتضاع. ومن ثم تصبح لمن يرتضونها مدخلا الى محبة الله. لما نبذها آدم انزلق الى اعماق طرطوس ، ولما احبها الرب وفقا لمخطط التدبير الالهي اطاع اباه حتى الصلب والموت مع انه لم يكن دون جلال الآب بشيء. ذلك لكيما يبتل بطاعته تهمة العصيان اللاصقة بالجنس البشري ويعيد الى الحياة السعيدة الابدية من يعيشون بالطاعة. فيجب بالتالي ان يهتم بها قبل اي شيء آخر الذين يباشرون الجهاد
ضد الغرور الشيطاني. لانها سوف تدلنا وبدون اخطاء بقدر تقدمنا فيها ، على دروب الفضائل.
في الطاعة والعفة
42ــ العفة ( او الامساك) اسم مشترك لسائر الفضائل فيقتضي بالتالي ان يعف المجاهد في كل شيء ( انظر 1 كور 25:9). فكما ان بتر اي عضو من اعضاء الانسان مهما كان صغيرا يشوه الانسان كله ، حتى وان لم ينقص منه الا القليل، كذلك ايضا من يهمل فضيلة واحدة ينقض الى حد لا يعلمه كل جمال العفة، فينبغي اذا الا ننمي الفضائل الجسدية فقط بل ايضا الفضائل التي بمقدورها ان تنقي انساننا الداخلي. اذ ماذا ينتفع من حفظ جسده بتولا ان ترك شيطان عدم الطاعة يوقعه ي الزنا؟ او كيف يمكن ان يكلل من يتجنب الشراهة وكل شهوة جسدية ولكنه لا يبالي بالعجب والغرور ولا يحتمل معاناة محنة قصيرة في حين يقتضي ان يكافىء ميزان نور البر بالمقدار نفسه الذين قد مارسوا اعمال البر بروح التواضع؟
الاعتدال في تناول الطعام
43ـ على المجاهدين تدريب انفسهم على بغض الشهوات الجسدية حتى يكتسبوا عادة هذا البغض. اما الاطعمة فيجب في امساكنا الا نأتي يوما الى كره اي منها ، فهذا الامر شنيع وشيطاني . لاننا لا نمسك عن الاطعمة كشيء رديء ، لا سمح الله ، لكن لكيما باقلاعنا عن الاطعمة الكثيرة واللذيذة نكبح كما ينبغي غليان الجسد الملتهب. وليتسنى لنا من ثم ان نوزع على الفقراء بكفاية ما يفيض عنا ، وفي هذا علامة محبة صادقة
44ــ ان الاكل والشرب ، بشكر ، من كل ما يقدم او يمزج لا يتعارض ابدا واصول المعرفة لان كل شيء " حسن جدا " ( تك 31:1) اما الامتناع الطوعي عن الطعام الشهي وعن الاكثار منه فيدل على تمييز كبير ومعرفة وافرة . فنحن لا نرذل بسهولة طيبات هذه الحياة ان كنا لا نتذوق عذوبة الله باحساس تام بالملء
45ــ كما ان الجسد اذا تثقل بكثرة الاطعمة يجعل الذهن جبانا وكسولا ، كذلك ايضا اذا ارهق بامساك مفرط فانه يدخل الى القسم التأملي في النفس والحزن والاشمئزاز من الكلام في الله . فعلينا اذا تحديد الطعام طبقا لحركات الجسد حتى يهذب كما يجب ان كان صحيحا او يعذي كما ينبغي ان كان ضعيفا . اذ يجب الا يكون المجاهد هزيل الجسم بل ان يمتلك القوة الكافية للجهاد لتتنقى النفس كما يليق حتى في اتعاب الجسد
46ــ عندما يثور علينا المجد الباطل ويموج مغتنما مناسبة وصول بعض الاخوة او اي ضيوف آخرين ليبث شره ، يحسن ان نخفف نظام امساكنا على وجه موافق. فاننا بهذه نرد الشيطان خازيا بل حزينا لفشله. وتتم شرعة المحبة بتمييز ، وبمؤ،اكلتنا للضيوف نحفظ سر امساكنا بعيدا عن الظهور
47ــ للصوم فخر لذاته لا لدى الله ، اذ هو نوع من اداة لترويض طالبي العفة . فيجب اذا الا يكون للمجاهدين مدعاة للتباهي بل فلينتظروا ادراك الغاية المبتغاة منه مؤمنين بالله ، لان ذوي الحرف . ايا كانت حرفتهم، لا يسندون ابدا فخر نجحهم المهني الى ادواتهم ورسائلهم بل ينتظر كل منهم اتخاذ مشروعه شكله الاخير ليظهر كمال فنه
يتبع
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
الاعتدال في شرب الخمر
48ـ كما ان الارض اذا ما سقيت باعتدال تجعل البذرة الملقاة فيها تنبت من تلقاء ذاتها قتثمر وافرا، بينما اذا اغرقتها الامطار الغزيرة لا تطلع سوى العليق والشوك، كذلك ايضا ارض القلب ، اذا ما شربنا الخمر باعتدال، لا تنبت غير بذورها الطبيعية، وتطلع بخصب وفير ما يزرعه فيها الروح القدس . اما اذا نقعت في خمر كثير فالافكار التي تخطر لها لا تكون كلها في الحقيقة سوى عليق وشوك
49ـ عندما يغوص الذهن في فيض الخمر لا تتوقف نظراته الشهوانية عند الصور التي يبدعها له الشياطين اثناء النوم وحسب، بل ينشئ لذاته صور اشياء جميلة ويتعاطى مع تخيلاته هائما بها كنساء حبيبات لانه اذا ما سخن غليان الخمر الاعضاء التناسلية تصور الذهن لا محالة طيف تلك الشهوانية المستلذة. يجب اذا الاعتدال في شرب الخمر درء ا'' لضرر الاسراف في تناوله. فان الذهن عندما لا يحس بلذة تستدرجه الى تصوير الخطيئة لا يأتي الى التخيل وبالتالي لا يسترخي
50ـ على الملتمسين ضبط هيجان جسمهم الا يطلبوا المشروبات الروحية التي يعدها المتخصصون ويسمونها مشهيات للاكل، ربما لانها تذهب بكتلة الاطعمة الى المعدة فليست خاصيتها مؤذية لجسم المجاهد وحسب بل ايضا خليطها المصطنع يهز بكثير من العنف الوجدان حيث يستريح الله. فما الذي ينقص طبيعة الخمر حتى يُعمد الى تليين قوتها باضافة توابل مختلفة اليها؟
51ـ ان يسوع المسيح ربنا ومعلمنا في هذه السيرة المقدسة قد سقاه منفذوا الاوامر الشيطانية خلا حين آلامه لكي يرسم، كما يبدو، صورة واضحة عن الاستعداد اللازم للحروب الروحية المقدسة، فيقول انه على محاربي الخطيئة الا يتناولوا مشروبات روحية او اطعمة طيبة المذاق بل ان يحتملوا بصبر مرارة المعركة. اما اضافة الزوفى المطهرة الى اسفنجة الهوان فلكي تنطبق اداة تطهيرنا تماما على النموذج. فما هو مر ينطبق علي المعركة وما يطهر على ما تحققه، ولا شك في ذلك
الاستحمام
52ـ لن يزعم احد ان الاستحمام خطيئة او انحراف عن الصواب. غير اني اقول ان الامتناع عنه على سبيل الامساك دليل شجاعة وعفة قصوى. لأن جسمنا عند ذاك لا يتأنث بتأثير هذا الاغتسال المستلذ، كما لا تأتي بسببه الى ذكر عري آدم الشائن فنهتم بأوراقه لتغطية علة خجلنا، نحن خاصة الذين هربنا جديدا من مفاسد الحياة والذين علينا ان نتحد بجمال العفة عن طريق طهارة الجسد
يتبع
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
في الافادة من الامراض
53ــ ما من شيء يمنع استدعاء الاطباء في حال المرض لان الادوية انما وجدت مسبقا لهذه الغاية حيث كان على حذاقة البشر استحداث هذا الفن يوما. ولكن يجب الا نضع رجاء الشفاء على الادوية بل على مخلصنا وطبيبنا الحقيقي يسوع المسيح. اقول هذا للذين يتممون سعي الامساك في شركات رهبانية او في المدن لانه لا يتسنى لهم دائما بسبب وضعهم ممارسة ايمانهم العامل بالمحبة ( غلا 6:5)،وخاصة لئلا يقعوا في العُجْب وتجارب ابليس ( 1 تيم 6:3) تلك التي تدفع ببعضهم الى التباهي امام الملأ بعدم حاجتهم الى الاطباء. اما المتوحد في مكان قفر، معا اثنين او ثلاثة من الاخوة ذوي الاستعداد عينه، فيلجأ الى السيد وحده الذي يشفي كل مرض وكل ضعف ( متى 23:4) وليفعل ذلكك ايا كانت الآلام التي تلم به، لان الوحدة عينها هي لنا بعد الرب تعزية فعالة في الامراض. ان انسانا مثل هذا لا تنقصه الفرصة ابدا لممارسة ايمانه، سيما ان لا مجال له لاظهار صبره والتباهي به وان الوحدة هي له بمثابة ستر صالح. لذلك " يسكن الرب المتوحدين في بيته " ( مز 6:67)
54ـ اذا كنا نكره جدا الانحرافات الصحية التي تلم بنا فلنعلم ان نفسنا لا زالت مستعبدة لشهوات الجسد . لذا فهي، اذ تتأسف على الراحة المادية، لا تشاء ان تتخلى عن رفاهيات الحياة، بل تحتسب عجزها عن التمتع بها من جراء المرض مدعاة لغم كبير. اما اذا تقبلت آلام المرض بالشكر فهي تظهر انها غير بعيدة عن تخوم اللاهوى. لذا تستقبل اذ ذاك الموت نفسه بفرح كمدخل لحياة اكثر حقيقة
في عدم الاكتراث بما يجري
55ـ لن ترتضي النفس الانفصال عن الجسد ما لم يتحول حبها للهواء الذي تتنشق الى عدم اكتراث. ذلك ان حواس الجسد كلها تقاوم الايمان حيث انها تتعلق بالحاضر في حين ان الايمان يعد بغنى الخيرات المستقبلية فقط. فلا يبالينَّ المجاهد اذا فيما بعد بأشجار ذات اغصان جميلة او ظل وفير او ينابيع عذبة المياه وحقول متنوعة الالوان وبيوت انيقة او ايضا بزيارات لذويه. ولا يتذكرن مناسبات تشريف المجتمع وتكريمه له ، بل فليستعمل بشكر ما هو ضروري ويحسب الحياة دربا، في بلد غريب، مقفرا من كل مودة جسدية على هذه الصور فقط نضيِّق على فكرنا ( انظر متى 14:7)ونجعله يسلك كليا الطريق الابدية
56ـ ان يكون الاستعمال المسرف للنظر والذوق وبقية الحواس مصدر تشتيت لذاكرة القلب هذا ما تعظنا به حواء الاولى. فحواء هذه حين لم تكن قد تطلعت بعد بلذة الى الشجرة المحظورة كانت تتذكر الوصية الالهية بحرص، ولذا ايضاكانت وكأنها تأوي تحت جناحي المحبة الالهية غير واعية لعريها. ولكنها حين نظرت الى العود بلذة ولمسته بشهية، ثم ذاقت ثمرته بغاية الشهوة، شعرت للحال بأنها مجتذبة الى المعانقة الجسدية ، وبدافع عريها استسلمت للهوى فوجهت كل اشواقها الى التنعم بالحاضر، واشركت آدم في خطيئتها من خلال حسن منظر الثمرة، اذ لا يمكن للذهن البشري في حالة كهذه ان يذكر الله ووصاياه الا بصعوبة . اما نحن فلنشخصنَّ بنظرنا دائما الى اعماق قلوبنا ذاكرين الله ذكرا لا ينقطع ولنعش كعميان في هذه الحياة الخداعة، لان خاصة الفلسفة الروحية الحقيقية ان نحفظ اجنحتنا مقصوصة بازاء محبة المنظورات. هذا يعلمنا اياه ايضا ايوب الصديق بخبرته العظيمة حين يقول " ان اتّبع قلبي هوى عينيَّ..."( اي 7:13). في هذا المسلك كما نرى دلالة على امساك اقصى
57ـ من مكث في قلبه على الدوام تغرَّب كليا عن مغريات الحياة ( انظر 2 كور 8:5) . انه يسلك بالروح ( غلا 25:5) ولا يقدر ان يعرف شهوات الجسد. مثل هذا الانسان يتخطر في حصن الفضائل التي هي بمثابة حراس لقلعة عفته. ولذا لا تعود آلات الشياطين تقوى على شيء ضده حتى ولو وصلت سهام الحب الجسدي الى مرامي الطبيعة
يتبع
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
في الضجر
58ـ متى اخذت انفسنا تكف عن اشتهاء طيبات الارض حينئذ يتسلل اليها عادة روح ضجر، وهذا الروح لا يعود يتيح لها الانصراف الى خدمة الكلمة بفرح ويقطع عنها ايضا التوق بافراط الى الخيرات المستقبلية كما يدفعها الى استصغار هذه الحياة الوقتية بحجة خلوها من الاعمال الفاضلة ويجعلها بالتالي تحتقر المعرفة نفسها بداعي انها اعطيت قبل الآن الى كثيرين آخرين، او لانها لا تألو الى تعليمنا اي شيء كامل. سوف نفلت من شعور الفتور والجبن هذا ان حصرنا فكرنا في حدود ضيقة جدا ووجهنا نظرنا الى ذكر الله وحده. هكذا فقط يعود الذهن سريعا الى حرارته ويمكنه التحرر من هذا التشتت الغاشم
59ـ عندما نغلق على الذهن كل مخارجه بذكر الله يتطلب منا قطعا عملا يرضي حاجته الى العمل. فيقتضي اذا اعطاؤه " الرب يسوع " عملا وحيدا يلبي غايته بصورة كاملة. فقد كتب : " لا احد يقدر ان يقول يسوع رب الا بالروح القدس" ( 1 كور 3:12). ولكن عليه ان لا يتأمل على الدوام في كنوزه الداخلية سوى هذه العبارة فقط دون غيرها فلا يحيد عنها اطلاقا الى اي تصور كان. فان جميع الذين يتأملون في اعماق قلوبهم بهذا الاسم الجليل الاقدس وبدون انقطاع، هؤلاء يستطيعون يوما مشاهدة نور ذهنهم عينه ايضا. لانه اذا ما ابقي اسم يسوع بالفكر في اعماق القلب باهتمام شديد فهو يحرق، في شعور حاد كل الدنس الذي يغشى سطح النفس، فانه مكتوب " الهنا نار آكلة " ( تث24:4وعب 29:12)، بعد ذلك يدعو الرب النفس الى محبة مجده محبة عظيمة لان ذلك الاسم الجليل والمشوق اليه جدا ، اذا ما ثبت بواسطة ذاكرة الذهن في حرارة. يرسخ فينا عادة محبة صلاحه دون ان يعارضها شيء فيما بعد فهذه اللؤلؤة الثمينة التي يمكننا شراؤها اذا بعنا كل ما نملك لكي ننعم عند وجودها بفرح لا يوصف ( انظر متى 46:13)
60ـ فرح البداية شيء والفرح الكامل الاخير شيء آخر الاول لا يخلو من الخيلاء اما الاخير فله قوة التواضع، وبين الاثنين يقوم حزن مبارك ( انظر 2 كور 10:7) ودموع دون الم. لانه بالحقيقة " في كثرة الحكمة كثرة الغم" " ومن ازداد علما ازداد كبرياء " ( الجامعة 18:1). لهذا السبب ينبغي ان تستدعى النفس اولا الى القتالات الروحية بدافع الفرح الاول ثم ان توبخها حقيقة الروح القدس وتمحصها من اجل الشر الذي صنعت او حتى الاباطيل التي لا تزال تتعاطاها. فقد قيل :" انت تؤدب الانسان على الاثم بالتوبيخ وتمحق حياته كبيت العنكبوت " ( مز 11:38). وهكذا بعد ان يكون التبكيت الالهي قد محصها تمحيص الاتون تكتسب النفس في ذكر حار لله قوة فرح خال من التصورات
61ـ عندما تكون النفس مضطربة بالغضب او مشوشة بالسكر او مثقلة باليأس، لا يقدر الذهن. مهما عُنِّف، ان يضبط ذكر الرب يسوع. لانه يكون مظلما من جراء حدة الاهواء فيتغرَّب كليا عن حسه لذا حين تقسو ذاكرة الذهن بتأثير شراسة الاهواء فان الشوق لرؤية الذهن ممهورا بطابع التأمل مهرا لا يمحى لا يجد اين يطبع خاتمه. اما ذا كانت ذاكرة الذهن بالعكس حرة من الاهواء، حتى ولو غاب عنها لحظة موضوع اشتياقها بسبب النسيان، فان الذهن يعد سريعا الى عمله ويستولي بحرارة على تلك الغنيمة الخلاصية المشتهاة. لان النفس حينذاك تضبط النعمة نفسها التي تتأمل معها وتصرخ صلاة " الرب يسوع" . ذلك كما تعلم الام طفلها لفظة بابا" مرددة اياها معه حتى تبلغ به الى اعتياد مناداة ابيه بوضوح حتى اثناء النوم ، بدلا من ترداده لأية كلمات طفلية اخرى. لذا يقول الرسول :" وكذلك الروح ايضا يعين ضعفاتنا لاننا لسنا نعلم ان نصلي كما ينبغي ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها"( رو 26:8). هذا لاننا، كوننا اطفالا نسبة الى كمال فضيلة الصلاة، لا بد لنا على الاطلاق من معونة الروح حتى يتشرب كل تفكيرنا عذوبته التي لا توصف فيرق، وهكذا نقبل من كل قلبنا على ذكر الله ابينا ومحبته. على هذه الصورة نصرخ بالروح، عندما يضبط لنا هو الايقاع لمناداة الله الآب بدون انقطاع، قائلين كما يهتف بولس الالهي ايضا:" يا ابا الآب " ( رو 15:8) أي الاب
يتبع
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
s-ool-463
ربنا يبارك تعب محبتك
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
62ــ من عادة الغضب ان يعكر النفس ويقلقها اكثر من الاهواء الاخرى، ولكنه يخدمها احيانا اعظم خدمة. فاننا عندما نستعمله بهدوء ضد الملحدين، او اي خطأة آخرين لنخلصهم او نفحمهم نكسب النفس مزيدا من الوداعة، لاننا نسهم على كل حال في ابتغاء العدل والصلاح الالهيين. بل نحن، عندما تثور ثائرتنا ضد الخطيئة، كثيرا ما نحول الى شهامة رجولية ما في النفس من ضعف انثوي، ومن جهة اخرى لا ريب في اننا اذا كنا في حالة من اليأس وارتعشنا بالروح ضد شيطان الهلاك سوف نزدري تبجحات الموت. ولكي يعلمنا هذا فقد ارتعش الرب نفسه مرتين واضطرب لدى مواجهته الجحيم، وان كان قد اتم كل ما شاء بمجرد ارادته دون ان يضطرب، وهكذا ارجع نفس العازر الى جسده ( يو 33:11 وما بعدها) . وبالتالي فإن خالقنا على ما ارى انما اعطانا الغضب المعتدل بالاحرى كسلاح. ولو استعملته حواء ضد الحية لما كانت خضعت للذة الشهوانية. فمن يستخدم الغضب باعتدال دفاعا عن الدين سوف يجد اذا في ميزان المجازاة بلا شك افضل معدنا من الذي لا يتحرك ابدابالغضب لبلادته. فواضح ان هذا الاخيرانما يقتني لقيادة مركبة مشاعره البشرية حوذيا غير متمرن. في حين ان الاول ، الحاضر ابدا في الميدان تحمله خيل الفضائل الى وسط الجيش الشيطاني، يجتذب الى مخافة الله عربة الامساك ذات رؤوس الخيل الاربعة، تلك هي " مركبة اسرائيل" التي نجدها مسماة هكذا في الكتاب المقدس عند ارتقاء ايليا الالهي. لذا يبدو ان الله قد كلَّم اليهود اولا بوضوح عن الفضائل الاربع، بل لاج هذا رفع على مركبة نارية ربيب الحكمة الشهير وكأنه في امساكه اتخذ فضائله على ما يتراءى لي بمثابة خيل نارية حين رفعه الروح في العاصفة نحو السماء ( 4 مل 11:2)
في التجرد والفقر
63ـ على من نال نصيبا من المعرفة المقدسة وذاق عذوبة الله أن لا يدافع عن نفسه في المحاكم ولا يقاضي احدا، حتي ولو جردوه من ثيابه، فإن عدالة سلاطين هذا العالم هي دون عدالة الله على الاطلاق. بل ليست بالاحرى شيئا مقابلها. والا فما الفارق بين اتباعه الله واتباع هذا الدهر، ان كان حق هؤلاء لا يتبين ناقصا ازاء حق اولئك، حتى انه يحكى في الحالة الاولى عن الحقوق البشرية وفي الحالة الثانية عن العدالة الالهية؟ على هذا المنوال فربنا يسوع " اذ شئتم لم يكن يشتم عوضا واذ تألم لم يكن يهدد ( بطرس الاولى 23:2)، بل احتمل ان يعروه من ثيابه وهو صامت، واكثر من ذلك فقد ذهب الى ان يلتمس من ابيه خلاص المجرمين. اما اناس هذا العالم فما كانوا ليوقفوا دعاويهم لو لم يكونوا قد استعادوا مع ربا'' احيانا الاملاك التي من اجلها يتقاضون، خاصة حين يحصلون الفوائد قبل استرجاع الدين، حتى ان الحق كثيرا ما يصير على هذا الوجه فرصة سانحة لهم ليظلموا الآخرين باجحاف
64ـ سوف يقال مع بعض الناس الاتقياء انه يجب ألا ندع أيا كان يجردنا مما نملك سواء لمعيشتنا او لاعانة الفقراء، لا سيما اذا كان المجردون من المسيحيين، ذلك أننا برضوخنا هذا نصير فرصة لوقوع الذين يؤذوننا في الخطيئة. لكن هذا يعني تفضيل املاكنا على انفسنا بحجة باطلة ( انظر ا ع 24:20). فتركي الصلاة وحفظ القلب لمقاضاة الذين ينازعونني والتردد كل يوم على المحاكم يعني جليا وضع الاملاك التي اطالب بها فوق خلاصي، لئلا اقول فوق الوصية الخلاصية نفسها. فكيف لي ان اتبع الوصية الانجيلية التي تأمرني بأن " من اراد ان يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء ايضا، ( متى 40:5) ان لم احتمل سلب اموالي بفرح" حسب قول الرسول ( انظر عب 34:10) ما دمت لم احرر السالب من خطيئته حتى بعد مقاضاته واسترجاعي كل مبتغاي؟ فمحاكم الفساد لا تستطيع ان تحد حكم الله غير القابل للفساد لان الاحكام القانونية التي يخضع لها المدعي ليست ابدا سوى التي يتفق له ان يدافع عن قضيته بموجبها. حسن اذا ان نصبر على ضيم الذين يريدون الاضرار بنا ونصلي من اجلهم لكي يبرَّأوا من جرم السرقة بالتوبة لا بارجاع ما سلبونا اياه. هذا ما تنشده عدالة الرب : ان نستعيد لا الاملاك المختلسة بل الانسان المختلس معتقا من خطيئته بالتوبة
65ـ من الموافق جدا والنافع تماما ان نعمد، حال تعرفنا على طريق التقوى، الى بيع املاكنا كلها وتوزيع ثمنها حسب وصية الرب ( متى 21:19) عوض ان نهمل هذا التنبيه الخلاصي بحجة اننا نحفظ الوصايا في كل شيئ. فإن هذا يجزينا اولا زهدا جميلا وفقرا نصير به في مأمن من فخاخ العدو، فلا نبالي بأية ظلامة او منازعة تصادفنا اذ لا يعود لنا ما يذكي فينا النار التي تحرق الطماعين. ولكن ما سيدفئنا حينذاك اكثر من سائر الفضائل هو التواضع. فإنه سوف يحتضننا كوننا عراة كما تحتضن الام طفلها لتدفئه اذا ما نزع عنه ثيابه ورماها بعيدا ببساطة الاطفال، وهو في براءته هذه سعيد بعريه اكثر مما لو كان في لباس بهي الالوان. فانه مكتوب " الرب يحفظ الاطفال، أنا اتضعت فخلصني " ( مز 6:114)
يتبع
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
66ـ ما من شك في ان الرب سوف يحاسبنا على صدقاتنا بمقتضى ما لنا لا بمقتضى ما ليس لنا( انظر 2 كور 12:8). فاذا بددت حسنا وبمخافة الله، في زمن قصير ، ما كنت استطيع اعطاؤه خلال سنين طويلة فبماذا اتهم بعد انا الذي لا اقتني شيئا؟ قد يقول احدهم :" ومن سيساعد الفقراء الذين اعتادوا ان يرتزقوا كل يوم من حقارتي ؟" فليتعلم هذا الا يعير الله لبخله هو. فان الله لن يقصر في تدبير خليقته كما يفعل منذ البدء وهو المدبر الحكيم. لانه قبل ان قام هذا او ذاك ليتصدقوا على الفقراء لم يكن الفقراء ينقصون لا الطعام ولا اللباس . فحسن اذا ، في سبيل المعرفة، ان نرفض بروح الخدمة الحسنة فخر الغنى غير العاقل لكي نبغض رغائبنا ـ هذا هو بعض النفس ( لو 26:14) ـ ونتخلى عن سرور توزيع املاكنا ونذلل انفسنا الى الغاية من جراء شعورنا بأننا لا نقوم بأي فعل خير، فاننا ما دمنا نقتني ثروة وافرة نفرح فرحا كبيرا بتبديدها ونسعد لفكرة طاعتنا الوصية الالهية ، اللهم اذا كنا من محبي الخير. ولكن بعد ان نكون قد انفقنا كل ما لنا يعترينا حزن مبهم وخزي لاننا لا نقوم بءي عمل من اعمال البر. فتعود النفس حينذاك الى ذاتها في انسحاق كبير وما لا يمكنها ام تحظى به بالاحسان يوما بعد يوم تسعى للحصول عليه بالصلاة اللجوج والصبر والاتضاع." الفقير والبائس لاسمك يسبحان" ( مز 21:73) فالله لا يعد موهبة المعرفة الالهية لاحد ما لم يستعد هو لها بتجرده من كل املاكه لمجد انجيل الله، لكي يبشر بغنى ملكوته في فقر محبوب كريم لديه ، لأن الذي قال " انت يا الله رزقت الفقير بصلاحك" واضاف " الرب الاله يعطي الكلمة للذين يبشرون بها بقوة كبيرة ( مز 67 : 10 ـ 11) هذا ما اراد جليا ان يقول
في اللاهوت والمشاهدة
67ـ كل عطايا الله حسنة وتؤتي كل الصالحات ولكن ما من عطية اخرى تلهب قلبنا قتحركه الى محبة صلاح الله مثل ما تفعل عطية " المعرفة الالهية " انها فرع ربيعي للنعمة الالهية فتمد النفس بمواهب اخرى اولية تتقدم سائر المواهب على الاطلاق. فهي اولا تهيئنا لنرذل، بسرور، شغف هذه الحياة باجمعه لانه لنا بها عوض المشتهيات الارضية غنى كلام الله وسعته التي لا توصف. ثم ينور ذهننا بنار تغيره بل تضمه الى الارواح الخادمة للرب. فنحن اذا يا اعزائي، يا من هيئنا لهذا كما يليق، نتوق الى تلك الفضيلة التأملية الجميلة تجزل اغناءنا بكل زهد وانعدام هم ، وتغذي الذهن بكلام الله في بهاء نور لا ينطق به . وهي بايجاز قد قربت نفس الانسان العاقلة من " العقل " الذي هو الله بوساطة الانبياء القديسين، في سبيل اتحاد به لا ينفصم، لكيما تقوم هذه الملقنة الالهية حتى بين البشر و يا للعجب ! بتأمين تآلف وتناغم الاصوات المؤلهة التي تسبح جليا عظائم الله
68ـ ان ذهننا في معظم الاحيان يضيق ذرعا بالصلاة لاجل ضيق هذه الفضيلة وانحصارها الاقصى ، غير انه يقبل الى " المعرفة الالهية " بفرح لما تتصف به التأملات في الله من حرية ورحابة . فلكي لا نطلق العنان لرغبته في كثرة الكلام بل لكي لا نتركه يندفع فرحا اكثر من اللازم، فلننكب اكثر ما يمكن على الصلاة وترتيل المزامير ومطالعة الاسفار المقدسة ، دون اهمال مطالعات رجال المعرفة البادي ايمانهم في اقوالهم، فاننا بهذا لا نأتي به الى خلط كلامه بكلام النعمة ولا نتيح له الانجراف الى الغرور والتشتت من فرط السرور وكثرة الاحاديث، ثم نصونه من كل تخيل اثناء المشاهدة الروحية . وبهذا نجعل كل افكاره او معظمها تؤول الى دموع. فهو اذ يكون جالسا ساكنا في هدوء عزلته ، مفعما بحلاوة الصلاة ، لا يتجنب المحاذير السابق ذكرها فقط بل يتجدد اكثر لينكب بدراية ودون تعب على المشاهدات الالهية. فضلا عن تقدمه في فضيلة التمييز باتضاع عظيم ولكن لنعلم ان هناك صلاة تفوق كل رحابة، الا انه لا يقتنيها سوى الذين افعموا من النعمة الالهية شعور كلي بالملء
يتبع