رد: الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين
وإن كنتم تبحثون عن: كتب، عظات، رسائل، أقوال، خدمة القداس، أيقونات للقديس...
ستجدونها على الرابط التالي:
http://web.orthodoxonline.org/JohnChrysostom/index.htm
صلواتكم
رد: الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين
رد: الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين
عظات ذهبي الفم على الإنترنت:
1
رد: الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين
رد: الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين
رد: الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين
رد: الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين
الحياة الرهبانية بحسب القديس الذهبي الفم
للمطران بولس يازجي متروبوليت حلب للروم الأرثوذكس
هناك مفهوم أساسي- إسختولوجي البنية- ينطلق منه الذهبي الفم، وكل الآباء أيضاً وأدبنا النسكي عامة، وهو أن الفضائل والنسك عامة هي وسائل وليست غاية وهدفاً. هي وسائط تؤهلنا إلى عمل "الروح القدس" فينا أو تجذبه، إن أمكن التعبير، أي تسمح له أن يعمل فينا، أما الغاية المنشودة فهي "المحبة"، المحبة التي لا تتطلب ما لذاتها إنمَّا ما للآخرين. المحبة هذه ليست فضيلة ولكنها نتيجة ونهاية وغاية الفضائل جميعها وقصدها. النسك والجهاد والفضائل كلها هي من فنون هذا الدهر، أما "المحبة" فهي فن الدهر الآتي. أسمى شكل من أشكال محبة الآخرين، والمحبة القصوى للآخرين، تحققها الحياة الرهبانية.
في البداية، علينا أن نسجّل الملاحظة الغريبة التالية وهي أن قديسنا الذهبي الفم على الرغم من أنه لم يكتب "نسكيات"، ولم يسهب في بحوث رهبانية، كآخرين، ولم يؤسس تقليداً أو مدرسة رهبانية، ولم ينشئ أدياراً، فإنه يبقى أبداً أقرب آبائنا القديسين إلى قلوب الرهبان وأحب معلمي الرهبنة إليهم. هذا لا يعود فقط إلى القداس الإلهي الذي يحمل اسمه، لكن يعود بشكل أساسي وأعمق إلى صحة شروحاته التي تعبر بصفاء عن تقليدنا الأرثوذكسي، ولحلوله الإسختولوجية الواضحة الصريحة، هذه الحلول والمواقف التي تنطبق كلياً على الحياة الإنجيلية الكاملة التي تكرست لها نفس كل راهب.
وإنه للافت للانتباه أن مؤلفات الذهبي الفم هي الأكثر عدداً في مختلف مكتبات الأديار الرهبانية، وهذه المؤلفات تشكل الجزء الأساسي والأكبر من كل القراءات التي يتلوها الرهبان على موائدهم أو في قلاليهم أيضاً. من ناحية أخرى، إن تأثير القديس على الآباء النساك والهدوئيين الذين بعده واضح جداً، الأمر الذي حدا بكاسيانوس الرومي إلى القول أن الذهبي الفم سيبقى أبداً من أكبر المعلمين الرهبانيين. والمميز عند الذهبي الفم والخاص به، أننا سنضطر إلى دراسة فكرته ولاهوته في الرهبنة وذلك من خلال نصوص موجهة في غالبيتها إلى مؤمنين يحيون في العالم، وليسوا متوحدين. لهذا من الطبيعي أن نلاحظ اهتمامه بعرض جوهر الحياة الرهبانية وهدفها، نسكها، وطرق عيش جوهر هذه الحياة في العالم من قبل كل المؤمنين في الكنيسة.
حياة ملائكية وفردوسية:
الرهبنة بالواقع ليست إلا استعادة الحياة الملائكية والفردوسية التي عاشها آدم قبل السقوط. حقاً، يتساءل فم الذهب، في أي شيء ينقص الراهب عن آدم آنذاك إذا كان "يتحاور ويتحادث مع الله بضمير وذهن نقيين؟" وراهب كهذا، بالعمق، له دالة على الله أكثر من تلك التي كانت لآدم بقدر ما هو "فيض النعمة" اليوم أغزر منه في السابق.
إذا كان لجوق الملائكة وظيفتان- خدمتان- هما تسبيح الله من ناحية والعمل لخلاص البشر من ناحية ثانية، عندها الرهبان، بما أنهم يقومون بهاتين المهمتين عينهما، هم بالعمق "ملائكة في أجسام بشرية". هذا ما يحصل عندما يحني الرهبان ركبهم مسبحين الله "طالبين بدالة للآخرين، وغير طالبين شيئاً لهم من هذه الدنيا"، أيضاً عندما يخدمون حتى بأتعابهم الجسدية خلاص الآخرين.
من جهة أخرى، فإن الرهبان لا يشتركون مع الملائكة فقط بنوع الخدمة وإنما أيضاً، مسلكية حياتهم وسيرتهم. يخضعون بالفعل للحاجات الأرضية كونهم في أجساد، ولكنهم في الوقت نفسه "يسلكون مسلكاً سماوياً". غير قادرين أن ينتقلوا إلى عالم الملائكة بأجسادهم الفانية، ولكنهم ينقلون إلى الأرض المسلكية السماوية التي للملائكة. ولولا القليل من نومهم وطعامهم، لحسبانهم غير متجسمين. والعجب العجاب أنه بوساطة هذه الحاجات وبنقصانهم قليلاً عن الملائكة، يكسبون أكاليل. إذن، كما يقول بالحرف، الرهبان لا ينقصون عن الملائكة "ماداموا يهتمون بما تهتم به الملائكة"، من يراقب حياتهم، يتابع، "يرى البرية أجمل من الفردوس ذاته" كون الرهبان لهم خدمة الملائكة ذاتها وأيضاً المسلكية الخلقية عينها. الذهبي الفم لا يتردد عن تسميتهم "جوق ملائكي"، "لا متجسمين في أجساد" و "ملائكة بهيئات بشرية".
مجيء للملكوت:
العبارات السابقة لا تشكل صوراً أو بياناً... وإنما يريد الأب القديس أن يعبّر بها عن عمق آخر. عن المعنى العميق لـ"ليأت ملكوتك"و لـ"لتكن مشيئتك". استعادة الحياة الملائكية والفردوسية بين الله والبشر يعني على الفور تحقيقاً ومجيئاً لملكوت الله وإلغاء لمملكة الشيطان. عندما نفهم الرهبنة،كما عند الذهبي الفم، بمنظار إسختولوجي، عندها ندرك أنها في الجوهر ليست نقلاً للناس خارج العالم، وإنما بالحق، تحقيق للعالم الحقيقي الذي يطرد عالم الخداع والمظاهر، إنها مجيء للمملكة التي أُبعدت بالقديم، ملكوت الله في العالم.
نعم، بحسب فم الذهب، الراهب لا يخرج أو يهرب من العالم أو يلجأ إلى عالم له ذاتي وغريب، وإنما الراهب هو "الخليقة الجديدة" في قلب العالم، هذا العالم الذي "إلى وقت آت" هو عالم يملك فيه الشيطان، فإنه في "فردوس البرية" يملك الإله الحقيقي، المسيح، وهناك فقط نرى "قوة الشيطان محطمة ومملكة المسيح منتصبة لامعة".
والأمر السهل ملاحظته هو أن أجمل وأهم وأكثر عبارات الذهبي الفم في الرهبنة نجدها ليس في كتاباته التي أرسلها إلى رهبان، وإنما في شرحه لمقاطع من إنجيل متى، وخاصة، حيث يتطرق المسيح إلى الأخلاق الجديدة، أخلاق ملكوته، وعندما يكرز "اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه...". فالرهبان ليسو "فارّين" أو "هاربين" أو متراجعين، وإنما جنود الصف الأمامي، إنهم ساهرون على خطوط التماس يحاربون من أجل ملكوت الله ضد العدو، إنهم هؤلاء الذين يخرجون إلى العدو "برغبتهم" وغيرتهم، يبدون وكأنهم "متوحدون"، بينما هم "مجاهدون" حقيقيون. هؤلاء هم الذين "نصبوا خيامهم في السموات" و"تجندوا من أجل المسيح ضد الشيطان".
الرهبان بحياتهم البتولية أيضاً يعيدون من جديد "الحياة الأولى"، ويحيون ثانية الحياة الآدمية التي قبل السقوط، معيدين البتولية من نفيها الطويل، هذا من جهة، من جهة ثانية يسبقون ويحققون شكل حياة ما بعد القيامة الأخروية. والبتولية بدون هذه الأبعاد والدوافع تصير "عاقرة" و "بلاهة". وإنها لحقيقةٌ أنَّ الذهبيَ الفم كثيراً ما يفوّق البتولية من ناحية تحرّرها من هموم الحياة والواجبات الكثيرة التي يخلقها الزواج، ومرات يرى الزواج مانعاً ومبطئاً لمسيرة الإنسان الروحية بالمقارنة مع البتولية، ورغم أن ذلك واقع، فإن فم الذهب لا يرى في هذه "الحرية"- أي التحرر من الواجبات والهموم- أبداً دافعاً للبتولية، وإنما فقط نتيجة عنها. الراهب لا يحيد عن مواجهة الحياة ولا يتهرب من الحمل الثقيل لهموم المعيشة، فهو بالواقع يحمل حملاً أثقل. البتولية هي أكثر بكثير من "ترك أو استبدال هموم الحياة". هي بالجوهر "غصب" و "اجتهاد" للوصول من الآن إلى شكل تلك الحياة المنتظرة و "ذوق" مسبق لحياة القيامة الآتية، إنها تحقيق للأخرويات، "لأنه في القيامة لا يزوجون ولايتزاوجون"، فالبتولية هي "عربون" لتلك الحياة. المتبتلون هم من أدرك أن "ملكوت السموات يغتصب اغتصاباً"، الراهب هو من طوبه المسيح مع الذين "خصوا ذواتهم" لكن "من أجل ملكوت السموات".
القديس يوحنا الذهبي الفم عندما يؤسس البتولية على أسس إسختولوجية لا يحدد غايتها وهدفها فقط، أي بتفسيرها كـ (شوق) و(غصب حر)، وإنما يحدد قاعدتها بالذات، ألا وهي القيامة، "قيامة المسيح"، أي الكشف الأخروي على عالم الحياة الحقيقية وسحق قوة الموت. فالتبتل ينطلق من قيامة المسيح ويسعى إلى حياة القيامة. أي (لأنه عرف جيداً أن الموت هو نوم ورقاد، دخل وشاع فن التبتل وجماله).
في العهد القديم كانت أخلاق البشر أدنى، وكان إنجاب الأولاد والإكثار منهم تعزية أمام الموت، لهذا كان الإنجاب يعتبر الصلاح الأسمى والخير الأوفر، وواضح الآن أن الحاجة من أجل الملكوت هي للفضيلة أكثر مما هي للإنجاب. وهكذا فالتبتل بأبعاده الإسختولوجية ليس "رغبة" أو "شوقاً" وحسب وإنما أيضاً هو "غصب" و"جهاد" أي حرب وتطّهر. لهذا فهو يرتبط مع الفضائل الأخرى وخاصة مع الطاعة والفقر الطوعي وعدم الاقتناء والتبتل بدون هذه الفضائل فاسد. فازدواج الغضب مثلاً بالبتولية يفسد معنى عذريتها. فالبتولية هي عذرية روحية، وكمال خلقي بالأساس. فبتولية الجسد لا تقود إلى ملكوت السموات وإنما الروحية.
تعفف الجسد هو تحصيل حاصل لبتولية الروح، إنها "تابع وظل" لها. هكذا على سبيل المثال، فم الذهب يصنف في عداد "المتبتلات" أولمبياذا، رغم أنها كانت أرملة، لأنه، كما يقول، وبحسب بولس الرسول، البتول ليست من لم تعرف زواجاً وإنما هي التي "تهتم بما للرب".
لهذا أيضاً بتولية الهراطقة، وامتناع بعض الفئات المسيحية عن الزواج كناموس دون أن تنطوي على المفهوم السابق تفقد معناها وليس لها أية قيمة أو أجر. كل من يبتعد عن الزواج لأنه عار وعيب ليس ببتول. فجوهر البتولية هو النسك وليس العزوبية وعدم الزواج.
هذه هي الروح الواحدة التي بها يرتب الذهبي الفم تفضيله في أمور البتولية والزواج. فهو يفضل البتولية على الزواج ثم الزواج الأول فقط على الثاني. على كلٍّ، حتى "الترمل" يجب أن يحمل نفس روح البتولية السابق، أي "الحياة الفاضلة"، على عكس ذلك "الأرملة المتنعمة فقد ماتت وهي حية" بحسب تعبير بولس الرسول، الروح نفسه والفهم عينه يطهّران عندما يكرِّم البتولية في سن مبكرة عن تلك الصائرة في عمر متأخر.لأن الأولى تتطلب جهاداً أكثر وتحتمل "شهادة واستشهاداً" أكرم.
شهادة إسختولوجية:
الأديار والبرية بحسب فم الذهب هي "بلد شهداء". أولاً لأن هؤلاء يشهدون لملكوت الله، ويحققونه، وثانياً لأنهم "قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات" ويتحملون اضطهاد الأهواء والشيطان. وإن كان زمن الإضطهادات قد انتهى وتوقف، فإن زمن الاستشهاد لا يتوقف "لأنه وإن لم يحاربن مضطهد"، فهناك "شيطان أصعب من المضطهدين كلهم". فالبتولية لهذا السبب هي استشهاد متواصل وحياة شبهها شبه حرب مستمرة. الراحة والتنعم تسرق من الراهب زمن العمر الحاضر وتجعله وقتاً للشيطان. الإمبراطورية المسيحية من قسطنطين الكبير حولت شهادة الدم إلى شهادة الحياة، والرهبنة هي معمودية الدم، معمودية النسك. إن كان تحمل الشدائد والضيقات من أجل المسيح له ثواب عظيم ويعتبر استشهاداً، فإن العيش في "شدة" طوعية أي طلب النسك، ذات كرامة أكبر بكثير. التقشف هو لون الاستشهاد الجديد. في شهادة الدم "يعمل السيف"، في شهادة الحياة "يعمل الاستعداد" والإرادة. لهذا، يوضح قديسنا أن بولس الرسول يعدّد في سحابة الشهداء هابيل، أخنوخ، نوح، إبراهيم، اسحق ويعقوب، يوسف وموسى... "لأن الشهداء ليس من ذبحوا فقط وإنما كل من كان مستعداً لذلك. ليس الموت فقط يصنع شهداء وإنما الإرادة أيضاً. بولس الرسول يعرف الاستشهاد حقاً: "... نخاطر كل ساعة... وأموت كل يوم". فإنه "بجسد فانٍ واحدٍ يمكننا أن نقبل آلاف الميتات" يقول الذهبي الفم. الراهب متقبلاً كل يوم "موت الفلسفة"، يتابع "موت المعمودية"، وهكذا يواجه ويغلب "موت النفس"، فلا يعود بعد يخاف "موت الجسد".
انطلاقة محبة للآخرين:
الرهبنة والبتولية، كما يؤكد الذهبي الفم، ليست حركة وانطلاقة أنانية فهي ليست ابتعاداً عن ضجيج العالم للـ"الاستراحة"، على العكس الرهبنة هي "تجند" في الصف الأول من أجل جسد المسيح. لهذا قديسنا يشدّد أن أخطر الأمور هو أن يظن الراهب أنه يخلص وحده لوحده. في تقليدنا الأرثوذكسي لا يوجد خلاص فردي. خلاص المسيحي يتحدد بخلاص الآخرين وبمحبتهم، فهو ليس إلا مقتدياً بسيده المخلص يسوع المسيح.
صورة "الجندي" تساعد قديسنا كثيراً في توضيح طريقة الخلاص. فالجندي لا يخلص عندما يفرّ وإنما عندما يحارب في صفه مع الآخرين. جهل العذارى الخمس الجاهلات لم يكن إلا عدم اهتمامهن بالآخر "عدم الإحسان"، لا يخلص الهروب ولا الالتجاء إلى البرية في وقت "يضيع" فيه الآخرون. إذاً النسك عندما لا ينعكس على الآخرين والقريب لا معنى له. على كلّ، بالنسبة لفم الذهب "الآخر" يشكل اهتماماً وهمّاً وشغلاً للراهب. بالذات، كون الرهبنة، كما يشرحها قديسنا، ليست هروباً من العالم وإنَّما تحقيق للعالم الحقيقي، ملكوت الله، لهذا فالرهبنة ليست حركة أنانية وليست مطلباً فردياً لتلبية مشاعر تقى خاصة، وإنما قلب عالم المظاهر إلى عالم حقيقي، الشيء الذي ينعكس ليس على الراهب ذاته وإنما على كل "إنسان"، وأيضاً على كل الخليقة. كون الراهب "لا يتطلب ما لذاته" إذاً فهو يجاهد في سبيل "ما للقريب". هكذا تأخذ الرهبنة بعدها ومعناها العميقين الحقيقيين.
الذهبي الفم يعرض تقديمات الرهبنة وفضلها وضرورتها بطرق مختلفة. فقبل كل شيء شهادة راهب هي تقدمة لا تثمن أي شهاداته ومثاله في التغرّب والترفع عن أمور الدنيا وكل أكاذيب هذا العالم الحاضر، فهو "أليف السماويات" يصير مثالاً ضرورياً لنا "إلغاء الأرضيات"، فإنه قدوة "للعفة" و "التعفف" و"اللاقنية"، إنه بكلمة واحدة "تطبيق حي للكتاب". بعبارة أخرى هو "نور" وهدى، والأديار يشبِّهها قديسنا بـ "منارات" تضيء عالياً للمبحرين إلى الميناء جاذبين الجميع إلى هدوء المرافئ، مخلِّصين هكذا من الغرق كل من ينظر إليهم. الرهبان بحسب كلماته هم مثال وقدوة ملائكية، إنهم "حقاً قديسون" و "ملائكة بأشكال بشرية". فقط من هذه النظرة الإسخاتولوجية يمكننا أن نفهم اعتبار فم الذهب والأخلاقيات المسيحية عامة "الراهب رسولاً" حقاً. لهذا قديسنا لم ينقطع عن تشجيع المؤمنين به ونصحهم بزيارة الأديار. هناك حيث يُستضافون ويُقدم إليهم عمل الرحمة بوجهيه الكاملين، الوجه المادي والوجه الأسمى الروحي، طعام الجسد وطعام النفس. فالرهبان هم رسل لا يهتمون بخدمة الموائد بقدر ما يهتمون بخدمة الكلمة. الأديار بالنسبة له هي أسوار المدينة والرهبان هم بالتالي حراس سكانها.
لكي يقترب المرء من العالم، لا يعني أن عليه بالضرورة أن يتواجد في الأسواق. الحركة والخضم والضجيج الذي في العالم بغالبيته عقيم، فارغ وغير مثمر. والبرهان أيضاً أن الرهبان لهم أصدقاء كثر وإنهم قريبون من الناس، والحق أنه بقدر ما يبتعدون عن "العالم" نرى "الناس" يؤمّون الأديار ويطلبونهم. وكثرة أصدقائهم أيضاً تبرهن أنهم أقرب البشر إلى قلوب الناس.
تقدمة الراهب الأثمن هي "الصلاة". هذا هو دوره الفريد إنها الخدمة والرسالة الأعمق والأسمى التي يمكنها أن تُقدم للعالم. هذه "الصلاة" تجعل من الرهبان "الآباء" الفعليين لكل الناس، إنهم إذ ذاك أمثال موسى وداوود وبولس، أي أكثر من "آباء" أي "شفعاء". نعم إن الله يطيل بُعد أناته عن العالم كله بفضل "حياة البعض". فإن كان حتى اليوم لم يصر طوفان ثانٍ فهو يعود لوجود قديسين ولو قلائل.
الراهب هو بالعمق "الإنسان الذي بالنهاية يعطي للخليقة والكون معنى وهدفاً وغاية وأيضاً هو من يخلصها، كما خلصت مرة بنوح. الذهبي الفم لم يترك تلك الفرصة التاريخية للعام 387 عندما تشفع الرهبان بأهالي أنطاكية في لحظات كان قادتها وقوادها وسكانها قد فرّوا من تلك المدينة المرعوبة من تهديدات الإمبراطور. مشهد الرهبان في تلك المدينة عندما تركها أبنائها هو برهان قاطع عن محبة الراهب للناس وعن عمق حركته الرهبانية كحب للآخرين وأنهم يهتمون بقريبهم أكثر من اهتمامهم بأنفسهم.
من جهة أخرى، نستدل أيضاً أن طبيعة الرهبنة هي حركة محبة نحو الآخرين، كما هي في فكر أبينا فم الذهب، من تفضيله للكهنوت، بالذات لأنه من خلاله تنفتح للراهب فرص أكبر لتخليص آخرين. تفوّق الكهنوت على الرهبنة كامن أولاً في تلك النعمة السماوية والهبة المجانية، هبة الخدمة الملائكية الملوكية للأسرار الإلهية، وثانياً في أن الكاهن لا يَخلُص فقط وإنما يُخَلِّص. هنا يجب أن نتذكر أنه لم يوجد أب كنسي مدح بالكهنوت مثل الذهبي الفم. بالطبع مهمة تخليص الآخرين تفترض بديهياً قدرة الكاهن أن يَخلُص هو أولاً. تفضيل الذهبي الفم للكهنوت على الرهبنة يبنيه هو ذاته على رؤيته للكهنوت كاستجابة ثانية مثل استجابة بطرس على دعوة المسيح، "أتحبني؟! ارع خرافي". ومن ناحية أخرى فإن تردد الذهبي الفم نفسه، الذي يظهر في مقالاته "في الكهنوت" سببه بالذات هو محبته للآخرين، أي خشية أن يضر من يحب بسبب عدم استحقاقه.
ومع ذلك لا يغيب بعض الباحثين وأغلبهم غربيون، الذين يدَّعون بأن الذهبي الفم قد بدَّل موقفه ونظرته من الرهبنة. فبينما ظهر في كتاباته الأولى، التي كتبها وهو راهب، المدافع الأول عن الرهبنة وترس لها و سيف باتر من سيوفها، يدعون أنه بعد ممارسته لحياته الكهنوتية بدَّل نظرته إذ أصبح محارباً للرهبنة وموبّخاً لها ومكرّماً للكهنوت. هذه النظرية الغريبة والرؤية السطحية والفهم الساذج لمواقف قديسنا وكتاباته الواضحة لهدف الرهبنة ولمقصدها المنشود الذي هو محبة الآخرين وخلاصهم وليس الانطواء على الذات، قد غاب عن انتباه هؤلاء البحّاثين بينما هو يشكل منظار الأب القديس ومفتاح الدخول إلى فهم نصوصه ومواقفه. على كلّ إن الذهبي الفم هاجم بقساوة الكهنة أيضاً.
على كل حال، عن حرب الذهبي الفم الموجهة ضد الرهبان، في الحالات التي صدفت، لم تكن ضد الرهبنة لكن ضد "الهروب" من خدمة الآخرين لخدمة الذات، وحرْف الحركة الرهبانية من حركة محبة مسيحية للآخرين إلى حركة أنانية. فهو لهذا السبب عينه حارب وقاوم بعض الكهنة في القسطنطينية ورهباناً كسالى عند أبيه ومعلمه الراهب السوري الذي عاش عنده سنين رهبانيته الأولى. في كلتي الحالتين إن الكهنة والرهبان المقصودين بتوبيخاته كانوا مما رفضوا الدخول من "الباب الضيق" هكذا نفهم بعض عباراته عندما يفضل بها "إنساناً عادياً" عن "راهب كسول" لأن ما يخلص ليس البرية ولكن النسك.
الحدث أن الذهبي الفم أرسل في إرساليات تبشيرية رهباناً، أو أنه كان يرغب دوماً بحضور وتواجد الرهبان في مدينته، أو أنه وضع رهباناً على إدارة أعماله الإنسانية ومؤسسات أعمال الرحمة التي أقامها في أسقفيته، وأيضاً أنه شرطن كهنة في القسطنطينية من الرهبان، يعود ليس لتبديل فكرته عن الرهبنة أو إنقاص أو تغيير لكرامتها وأهميتها في فكره وإنما بالعكس، بالذات لمقدار الأهمية التي علقها على دور الرهبان المثالي والتعليمي، وإلى إيمانه العميق أن النسك وأعمال الرهبنة هي الشرط الأساسي والأول لأي عمل كهنوتي أو رعائي.
لا يوجد إذن في ذهن فم الذهب "تضاد" وتضارب بين العمل والنظريات بين الخدمة والرؤيا بين الـ praxis و الـTheoria . هو ذاته بقي طيلة حياته الكهنوتية والأسقفية راهباً. ولكن من الواضح أن عمل الكاهن لديه أسمى من عمل الراهب بقدر ما هو أصعب أيضاً، لأنه من الكاهن مطلوبة هي كل الفضائل الرهبانية والواجبات الروحية ذاتها أضف إلى ذلك الاهتمام بالكثيرين. الشيء الذي يجعل حياة الكاهن موت دائم وأكرم من ألف استشهاد.
يتبع>>>>
رد: الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين
خروج أم نسك
تعمق الأب القديس إسختولوجياً جعله يميز الهدف الأخير دائماً عن الوسائط الآنية، الجوهر والغاية عن القالب والأسلوب. هكذا بالنسبة له جوهر الرهبنة هو النسك والتطهر أما الهدف فهو المحبة المسيحية للآخرين، لهذا رغم كل الصورة الرائعة التي يعطيها عن الرهبنة لا تنقطع هذه على أن تبقى لديه وسيلة "وساطة، أسلوباً، طريقاً".
هذه "الفلسفة التي بحسب المسيح"، الحياة الرهبانية، هي بالنهاية "الفلسفة الحقيقية" وهي الجواب على حماقة العالم والمحسوبة لدى العالم "جهالة" الكرازة كما يقول الرسول. وذلك لأنها "فلسفة الصالحات الأبدية غير الموصوفة". حكمة الرهبنة وجوهرها يكمنان في تطبيق النداء الرسولي "اهتموا بما فوق وليس بما على الأرض". كقانون للحياة، وفي الوعي العميق أن "مدينتنا في السماء موجودة". من جهة أخرى الراهب هو "نور" لأنه "شعلة" أي لأنه يملك نار الروح القدس فيه، النار التي تحرق وتنهي كل شوق إلى "ما هنا" وتشعل فيه "العشق" الحقيقي. هدف النسك ليس شيئاً آخر غير امتلاك نعمة الروح القدس. إسختولوجياً الترك، ترك الممتلكات واحتقار التنعم هي أمور ضرورية، فقط لأنها أسلوب للحفاظ على نار الروح المشتعلة. التمدد والنوم على الأرض تفيد الراهب فقط عندما تصير له سلماً كسلم يعقوب تصعده مع الملائكة. الراحة والكسل أمور مكروهة ويتحاشاها الراهب لأنها دخان يفسد عبق الروح.
عندما تتواجد هذه الحكمة وهذا الجوهر، الطابع الإسختولوجي للأخلاقيات المسيحية كما هي عند فم الذهب يرى ما بعد الأسلوب ويرمي الأهمية والثقل على "المسلك" أكثر من "المكان" هو ذاته كان يكرر دائماً العبارة "ليس المكان لكن المسلك". هكذا عندما يملك الإنسان هذا الشوق ويحافظ على شعلة الروح "وإن كان في وسط المدن مقيماً، فهو كمن يحيا في البراري وفي المغاور وعلى رؤوس الجبال". الراهب تحديده هو "من يريد أن يخلص فقط" هو من يطلب "الواحد" الذي إنما الحاجة إليه، هو إذن من يريد أن يحيا الإنجيل.
مما سبق نرى، أن "الطريق الضيقة المؤدية إلى الحياة" هي واحدة، لكن الأساليب متعددة. واحد هو الهدف والمقصد، لكن متعددة هي الوسائط. ممكن أن يصل الإنسان إلى هذا الهدف "بأشكال مختلفة" وأن يربح الجائزة نفسها. الهدف الواحد لا يلغي تنوع الأساليب. الوسيلة الأولى لا تلغي الثانية عندما تقودان الاثنتان إلى الغاية نفسها.
الرهبان بالتحديد هم، المطوَّبون "السالكون في درب الرب" وفي طرقه. ودروب الرب هذه، بحسب فم الذهب، هي بدقة "المسلكية بحسب الفضائل المسيحية القائدة إلى السماء والموصلة إليها". في مقالاته وعظاته متوجهاً نحو مؤمنين يعيشون في العالم، لا يترك مجالاً للغموض أو الالتباس وإنما يتابع معدداً هذه الطرق والدروب "في البتولية"، "في الزواج"، "في الترمل". هكذا بحسب حد تعبيره، "ربنا المحب للبشر بتنويعه للدروب وتكثيرها جعل دخولنا إلى السماء أسهل".
ثم يتابع ويحلل كل درب إلى طرق مختلفة متعددة وكثيرة. فمثلاً "إضافة الغرباء"، "افتقاد المرضى"، "تقديم كأس ماء بارد" وحتى "درهم الأرملة". بهذه الأساليب يمكن للمؤمن أن يحقق ما يحققه البعض الآخر بطرق أخرى. يصل الذهبي الفم إلى حد اعتبار عمل الرحمة والإحسان أهم من العذرية والتبتل. هذه النتيجة يستخلصها هو من تفسيره لمثل العذارى العشر، رغم أن الخمس الجاهلات منهن كنَّ أيضاً عذارى متبتلات، إلا أن المسيح لم يدخلهن إلى العرس، لأنهن حفظن الصعب من الوصايا فقد أضعن الجوهر والهدف، أي المحبة.
لم يتردد قديسنا مرات عدة عن التأكيد لسامعيه أنه يعرف في العالم والمدن أناساً يسلكون بإيمان ونسك أكثر من بعض الرهبان. مؤثرة قصة ذلك الشاب الذي عندما أراد أن يترهب وافقته وأيدته أمه على عكس أبيه الذي مانعه وأعاقه بالتهديدات والوعيد. الذهبي الفم مؤمن أن النسك ممكن أيضاً والتطهر يحصل حتى في العالم. نصح هذا الشاب أنه يحيا الحياة التي ينشدها في الرهبنة ضمن العالم وان يجذب أيضاً إليها آخرين. بالتأكيد خبرة الأب الحية والشريفة المقدسة أعطته اليقين بإمكانية ذلك
وببساطة قديسونا ورجال الكتاب المقدس، نوح وإبراهيم واسحق وكل عظماء العهد القديم كانوا متزوجين وعاشوا في العالم. الزواج والعالم لم يضر نوح. حالات وأمثلة مثل بطرس وبولس وأكيلا وبريسكيلا وسائر الرسل الآخرين ومسيحي الكنيسة الأولى تبرهن بوضوح أنه من الممكن أن يكون الإنسان "من سكان السماء" دون أن يعيش في البرية.
من البديهي أيضاً، إن ممارسة الفضائل والعيش بالنسك ليس وقفاً على الرهبان فقط. وليبرهن فم الذهب وعظه هذا يستدعي الكتاب المقدس ويشرح ذلك منه. ويبرهن فم الذهب والرب يسوع والرسل من بعده وجهوا وصاياهم وهذه "الفلسفة" الحياتية الجديدة للجميع. وخلاصة التعليم أنه، وإن كنت ساكناً المدينة وتحيا مع امرأة وأولاد، فعليك أن تنافس الرهبان بالفضائل والفلسفة الحياتية المسيحية وفي الصلاة والسهر. تعاليم المسيح ووصاياه لم تكن من أجل الرهبان فقط. المطلوب من الراهب هو واجب الآخرين أيضاً. المسيح في عظته على الجبل لم يفرِّق البتة بين وصايا رهبانية ووصايا عالمية. البساطة والفقر الطوعي، تجنب الغضب والشهوة السيئة، عدم الحلف والقسم، مطالعة الكتاب المقدس وكل الفضائل المسيحية والجهادات الروحيَّة الأخرى "ليست رهبانية" وإنما "مسيحيّة". فكل مسيحي، مترهبّا كان أم غير مترهب مدعو إلى أن يصل إلى الغاية نفسها وإلى الكمال الروحي نفسه ويحقق الفضائل المسيحيّة، ولكن كل بأسلوبه ومن مكانه. التطويبات سمعها من فم المسيح آنذاك متزوجون. الفرق بين الراهب والمسيحي المتزوج تكمن في "البتولية" وليس في درجات الفضائل. "الطريق الضيقة المؤدية إلى الحياة" هي للجميع وليست حصراً للرهبان والمتبتلين. إلى سكان مدن كتب بولس طالباً أن يموتوا عن العالم وأن يكونوا أحياء بالله. وأن يسلكوا بالأصوام والصلوات كأن لهم مدينتهم الباقية في السموات. لم يغب من مستمعي الفم الذهب البعض الذين كانوا يعلقون على وعظه هذا بأنه "تطرف رهباني" ما كان يراه هو استنتاجات إنجيلية عامة وراحوا يتأففون أو بسخرية يتساءلون: "وبالنهاية ماذا تنصحنا أن نعمل؟ أن نصير رهباناً". هذا الفهم الخاطئ وإساءة تفسير نصائح الأب الروحية الإنجيلية تركت لديه دائماً ألماً ومرارة. كان يستاء عندما راح مستمعوه يميزون في الوصايا ما منها للرهبان وما منها لسكان العالم. وصنفوا النواميس والوصايا التي وجهها المسيح للجميع إلى "وصايا دنيا" للعامة "ووصايا أسمى" للرهبان. أما قديسنا فيتابع ويقول، مادام الراهب والعلماني سوف يقفون أمام الله وسيؤدون الحساب نفسه، عندها يجب أن تكون لهما الحياة نفسها والفضائل نفسها. المسؤولية ذاتها تعدم احتمال تمييز الفضائل. الكتاب كما يقول القديس، لا يعرف فصلاً بين الوصايا وتمييزاً وإنما وجهها للجميع كما وجه أيضاً للكل التهديدات نفسها والمكافآت نفسها. التمييز والتصنيف السابق هو نتاج الذهنيات الفاسدة والعزائم الخائرة والعقلانية المحبة لملذات العالم التي "قلبت الأمور رأساً على عقب". وأخيراً، يرى فم الذهب أن سقوط الراهب أو العلماني من فضيلة ما تتم من العلو نفسه ويحكم عليها الحكم نفسه، ودليل ذلك أن الخمس الجاهلات والغني الثاني (مثل الغني ولعازر) نالوا جميعاً متبتلين ومتزوجين العقوبة نفسها.
الصلاة الربانية، التي هي صلاة لكل مسيحي، وتعليم مباشر ووصية من الرب نفسه، تتضمن في طياتها الوعود الرهبانية وحركة التطهر ذاتها. إنه لجدير بالملاحظة، أنه في تفسير هذا المقطع الإنجيلي للصلاة الرهبانية، الذهبي الفم بعد المدخل لهذه الصلاة (أبانا الذي في السماوات) حيث يشدّد فيه على البعد الإسختولوجي للصلاة، الأجزاء اللاحقة يقسمها إلى ثلاثة على أساس أفكارها الثلاثة التي يرى فيها الوعود الرهبانية الثلاثة ذاتها. أي الطاعة، التي بواسطتها يأتي ملكوته إذ تتم مشيئته كما في السموات كذلك على الأرض فيتقدس اسمه بحياتنا الموافقة والتي هي بحسب وصاياه. ثم الفقر الطوعي الواضح في طلب الخبز اليومي الكافي فقط. وثالثاُ وأخيراً الطهارة والتعفف الحاصل في المسامحة والنجاة من شرور الشرير. وهذه الثلاثة ليست إلا الوعود الرهبانية.
هذه القاعدة المثلثة الرؤوس، والأساس المثلث الركائز للفضائل هو للجميع كما علمه الرب ذاته، وهنا يحق أن ننوه لبعض كلمات هذه الصلاة مثل "أبانا الذي في السموات"، "ليأت ملكوتك"، "لتكن مشيئتك" و"نجنا من الشرير" وكيف تعطي لفم الذهب دفعاً إسختولوجياً شديداً، ولوناً واضحاً للحياة الحقيقية الأبدية. هكذا يستنتج قديسنا من هذه الصلاة مرات كثيرة دعوة ربانية لاحتقار خدعات العالم الباطل وشهوات وكل ما "يخصص ما هنا ". على العكس الدعوة هي لاشتياق "وعشق ما هناك". بالطبع عشق ما هناك لا يعني فقط "شهوة الانطلاق إلى المسيح"، ولكن طالما هذا يتأخر يعني الرغبة في أن "نحقق ما هناك هنا"، أي بكلام آخر جلب ملكوت الله إلى الأرض. اهتمام الذهبي الفم القوي بهذه الوحدة للحياة بين الراهب والعلماني يدفعه إلى إلغاء القانون العام أنَّ النموذج أو المثال للعلماني هو الراهب، وإنما يشدّد على أن مثال الراهب والعلماني على حد السواء هو المسيح ذاته، الرسل، وبولس خاصة.
بالطبع الذهبي الفم لا يرفض العلماني العائش "في العالم" ولا يطلب بالتحديد راهباً "خارج العالم" وإنما ما يشدد عليه هو التمييز بين "من العالم" وبين "في العالم". يرفض قديسينا بوضوح وجود روحانيتين ومسلكيتين أو كمالين روحين، تمييزاً كهذا مرفوض بالكلية. إنه بالفعل الأب الأول من آباء كنيستنا الذي واجه مثل هذا الفصل والتصنيف المرتبي في الكمال بين المؤمنين، وقد عالجه بعمق وتوسع. فلا يوجد إذن صنفان من المسيحيين، "صنف الكاملين" و "صنف المتوسطين". المسيحي هو "في العالم" لكنه ليس "من العالم". لا يوجد تضارب بين البرية والمدينة، وإنما الخلاف هو بين العقلانية العلمانية العالمية وبين الوصية الإنجيلية، لا تضاد إذن بين الخدمة والرؤيا، وإنما العكسية هي بين الطريق الرحبة والطريق الضيقة.
جدير بالذكر بالنسبة للذهبي الفم أن المقصد والغاية الأخيرة للرهبنة وللحياة بالعالم هما عينهما، أي البلوغ إلى التطهر لدرجة "المحبة المسيحية الكاملة"، محبة كهذه تتجسد مثلاً في الكهنوت، في التبشير، وفي إشعاع الرهبنة، أو أيضاً بما يقابلها من حياة العلمانيين في المدن مثل عمل الرحمة والإحسان خاصة. هو نفسه، الذهبي الفم، حقق في وحدة شخصه الأسلوبين. يصل الذهبي الفم مرات عدة إلى تحميل العلمانيين مسؤولية مشابهة لتلك التي للكهنة من جهة تخليص الآخرين. فكلاهما يحمل هذه المسؤولية كل بحسب طريقته. والخروج والهروب إن صح التعبير هما أمر صالح عندما يتم من اجل الآخرين وليس من اجل الذات. هكذا بالنهاية كل حركة دخول إلى العالم أو خروج منه، وتُقيّم من هدفها الأناني أم المحب.
الأخلاقيات المسيحية هي حياة روحية واحدة للجميع، وترفض في أرثوذكسيتنا كل تفضيل أو تجزيء في هذه الوحدة. أن يُشرَّع وجود أخلاقيتين، واحدة للعلمانيين وواحدة للرهبان أمر غير مقبول في كنيستنا المستقيمة الرأي والحياة. هكذا تحديد "الحياة الرهبانية" للأقوياء الذين يسعون ويقدرون إلى الوصول إلى الكمال الخلقي "ونصف أخلاقيات- أو أخلاقيات معتدلة وسطى" للضعفاء الساعين إلى حدود متوسطة من الفضائل هو أمر غير كتابي وبالتالي غير مقبول وإن كان قد صُيِّر قانوناً وناموساً في الكنيسة الغربية.
أخلاقياتنا المسيحية، هكذا كما هي أيضاً في فكر وكتابات أبينا فم الذهب، لا تواجه المشاكل الاجتماعية لا بالهروب إلى البرية ولا بتشريع نواميس لفرض الفضائل ضمن العالم، والتاريخ قد أظهر فشل كلا هذين الحلين. كنيستنا تحل كل المشاكل الاجتماعية بروح النسك المسيحي داخل العالم كما خارجه. الحل إذاً ليس تأسيس روما أرضية ولا البرية. حلان فشلا بالتاريخ وحلان متطرفان، وإنما الحل هو أن يأتي ملكوت الله بالنسك وتعميق الحياة الروحية. الغاية أن نصل إلى الهدف وألا نقف عند الوسائط. هذه الوسائط عندما تغدو هدفاً بحد ذاتها تخون غايتها ومهمتها.
تفوّق البتولية والرهبنة خلقي أم منهجي بالأسلوب؟
مع ذلك فإن ميل الأب القديس لتفضيل الرهبنة والبتولية على الزواج واضح مرات كثيرة. "ليس لأن الزواج شر وسيء ولكن لأن البتولية أروع" بالطبع قديسنا لا يحث الجميع على اتبّاع المسلك الرهباني لأن أمراً كهذا قد يكون "غير مناسب" لكثيرين ويكون حملاً ثقيلاً بدلاً من أسلوب خلاص لهم.
قديسنا يعبر عن موقفه في هذا الموضوع "أرجو ولكن لا أحث الجميع ولا أجبر". هذا التفضيل لا يشكّل تضاداً مع كل ما سبق وذكرناه، أي مع تعليمه أن النسك والتطهر الرهبانيين ممكنان أيضاً حتى في العالم، وذلك لأن تفوق الرهبنة في فكرة يكمن ليس بقيمها الأخلاقية وإنما بظروفها المثالية وهذا ما يعلله القديس بما يلي، بما أن الحياة في المدن قد غدت أشبه بحياة أهل سدوم وعمورة وبسبب هيمنة الفساد والشرور قد صارت الشروط والظروف الملائمة للحياة الروحية والنسكية إما نادرة أو معدمة أو صعبة. كون المدن قد صارت على حد تعبيره، ناراً شيطانية مشتعلة، لهذا بالذات فإن المجتمعات الرهبانية باتت أضمن للحياة الروحية. رجاء وشهوة لدى القديس يوحنا فم الذهب لا يقدران بثمن لو أن المجتمعات انصلحت واكتملت خلقياً عندها ما كنا بحاجة للأديار. أي لو أن المجتمع صار كنيسة وصار العالم ملكوتاً بالنهاية.أو بعبارة أخرى لو حكم الرهبان أو "نسك" الحكام لم يكن هناك من حاجة للتوحد والخروج من العالم ولا للأديار. لكن من يدان لهذه الحالة التي وصلنا إليها والمهيمنة على عالمنا هم ليسوا الرهبان لكن هؤلاء الذين يقلبون المدن إلى أماكن تخلوا من الفضائل وأراضٍ محظورة على الحياة الإنجيلية المسيحية.
عندما سُئل القديس مرة إذا كان العلمانيون سيخلصون؟ أجاب أنه يستنتج مما يراه ومن مسلكيتهم عدم إمكانية ذلك لكن هذا لا يعود إلى وجودهم في العالم ولكن لكونهم يسلكون وكأنهم من هذا الدهر وإليه. والذهبي الفم يقبل أن درجات الكمال نفسها ممكنة في العالم كما في الرهبنة لكن بالطبع مع ما يقابلها من شروط وجهاد نسكيين. ولكنه يرى العالم، غالباً، يعلّم حب اللذة والأنانية، الجشع والطمع، حب المال والغنى، حب المجد الباطل وما إلى ذلك، عندها يتساءل متعجباً كيف يستطيع الناس أن يخلصوا فيه، وكم غدا ذلك صعباً! ظروف العالم هي الأصعب، بينما الحياة الرهبانية هي المدرسة الحقيقية للمسيحية والأسلوب الأسهل للخلاص والكمال الروحي. بالطبع تفوّق ظروف الرهبنة لا يعدم احتمال الكمال الروحي خارجها، ولكن عندما يتم ذلك خارجها فهو حالات وليس المناخ العام. فإنه بالطبع، يحيا الإنسان في العالم مع عدد كبير من الكسالى ووسط أخطار روحية أكثر، بينما على العكس "المجدون" في الرهبنة هم الغالبية، والأخطار بالتأكيد أقل بكثير. ففي حين أبانا القديس يؤكد أنه من الممكن أن يصل الواحد ممن في العالم، إلى درجات الكمال العليا والسامية نفسها كالرهبان، في الوقت ذاته يوضح أنه لا يعرف أحداً في العالم حقق ما حققه بعض الرهبان من درجات الكمال.
النظرة الإسختولوجية العميقة، الرؤية الروحية الثاقبة لأبينا القديس فم الذهب، ترى الحياة في العالم الحياة الأخطر. فإن احتمال "السقوط" أو "الفشل" في الرهبنة دائماً هو النادر والأقل عنه مما في العالم. علماً بالنهاية، أن "النجاح" بالنسبة للذهبي الفم هو تملك الفضائل. فعلى سبيل المثال يوجد كثيرون جداً في هذا العالم يفشلون في الزواج ويسقطون منه إلى الزنى، بينما على العكس الرهبان الذين يخلعون زيَّهم الرهباني من أجل الزواج هي ليست أقل وحسب وإنما نادرة جداً. وإن كان هذا يحصل في جهاد العفة، الجهاد الأصعب والأثقل على الراهب، حريٌ أن ينطبق هذا على الجهادات الأخرى، على سبيل المثال جهاد حب المال! إن كان هناك احتمال ضئيل أو بسيط في أن يخلص أحد في وسط العالم، فإن احتمال خلاصه بالرهبنة أكبر بكثير.
مجهود الفضيلة في العالم، بالواقع والحق، هو أكثر. ظروف العائلة والزواج والوسط العالمي تجعل حياة الفضيلة أصعب، ورغم ذلك يؤكد الذهبي الفم أنه بالنهاية الجائزة واحدة والمكافئة هي نفسها، لأن أسلوب مواجهة صعوبات الحياة كائن في "الاختيار الشخصي". لهذا يسمي أبونا القديس الرهبنة "ميناء" "صخرة" "وعمدة".
في الرهبنة يجري الإنسان في طريق الفضائل حراً من أثقال الزواج، وبالتالي بشكل أسرع وأسهل. فالرهبنة تتفوق هكذا على الزواج بالبيئة والظروف التي تؤمنها، والتي تناسب الحياة المسيحية الروحية أكثر، على سبيل المثال بالهدوء. فأحزان المسيحي المقيم في العالم ومشاكله وصعوباته لا تعد ولا تحصى، أما المتوحد والراهب فحزنه الوحيد هو خوفه من أن يخطئ إلى الله أو يتصادم مع مشيئته المقدسة. في بحر هذه الدنيا الهائج، يصل سكان العالم إلى ميناء الخلاص سابحين وناجين على خشبة من حطام السفينة، بينما الراهب، على حد تصوير أبينا القديس، هو كالسيد المتسلط المراقب للبحر من قمة جبل عال.
هكذا النظرة العميقة الإسختولوجية للحياة، عندما تحدد نفس درجات الفضيلة كهدف لحياة كل من الراهب والمسيحي المقيم في العالم، للمتبتل والمتزوج، عندها تنصح الطريق الأسهل لتحقيق ذلك، بالبتولية. عندما يجري تفضيل في فكر آبائنا القديسين للبتولية والرهبنة على الزواج فهذا يعود لكونها الأضمن والأسهل، وبالتالي الأفضل. تفوّق الرهبنة لا يكمن في درجات الكمال الروحي أو في نوعية روحية أخلاقية ولكن في البيئة التي تؤمنها وتتعايش فيها. وإذا تذكرنا أيضاً نداء بولس الرسول، "فأقول هذا أيها الأخوة الوقت منذ الآن مقصر لكي يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم" عندها يكتمل فهمنا لتفضيل البتولية والرهبنة على الزواج وحياة المدن عند قديسنا فم الذهب، الرهبنة التي هي "طريق ضيقة" حقاً، وتقدم أرضاً صالحة ومناسبة لأعمال الرياضات الروحية والجهاد وممارسة الفضائل من عدم القنية إلى سائر الفضائل الأخرى. على عكس أرض الحياة المدنية غير الملائمة بمناخها عادة لنمو الفضائل.
يربط أيضاً الذهبي الفم، كما أغلب القديسين الآخرين، تفوّق البتولية بولادة العذراء لربنا يسوع المسيح بتولياً. مقدِّماً هكذا شرفاً آخر أو برهاناً لتفوقها.
هذا التفوق "في الأسلوب" للبتولية على الزواج، وللرهبنة على الحياة المدنية، يلخصه ويوضحه فم الذهب بإعادتها إلى الإنجيل إلى حوار المسيح مع اليهود حول الزواج والطلاق، الحوار الذي قاد به المسيح تلاميذه ليستخلصوا وحدهم نصيحته، أنه من الأنسب للإنسان أن لا يتزوج. وكما يشرح الذهبي الفم، المسيح بشكل غير مباشر هنا يحث تلاميذه إلى الحياة البتولية. وهذا يستدله من سياق الحديث في نهايته حيث بلغ إلى تطويب الذين امتنعوا عن الزواج "من أجل ملكوت الله".
بالطبع إن إمكانية الكمال الروحي الواحدة والمتساوية في الزواج وفي البتولية لا تلغي تفوق الرهبنة على الزواج في فكر أبينا القديس، وهذا يفسره هو بالحث على اختيار الطريق الأسهل والأضمن. بالطبع تفوّق بيئة الرهبنة لا يُقصد "مكانياً" ولكن كاختيار وانتقاء الأسلوب الأمثل لأعمال النسك، إنها بيع كل ما نملك لنشتري ملكوت الله. لأن هذه الحياة تؤمن فعلاً قلة الهموم والاهتمامات والمشاغل العاقرة غير المثمرة، تلك الهموم التي تبسط أرضاً قابلة لحب العالم والتعلق به. بينما الظروف الرهبانية هي أرض قابلة وملائمة للالتصاق بالرب ووضع الرجاء في المسيح. الرهبنة هي استجابة ...... المسيح ودعوته، من أجل الضروري ولكن من أجل الكامل. إنها تعبير حي عن المحبة الكاملة للمسيح ومثال واضح عن التجاوب الكامل مع عمل النعمة. إنها تلاقي الحرية البشرية مع النعمة الإلهية في منتهاه. تجاوب حر وتجاوب من النفس على نداء الروح القدس. إنها إشارة واضحة عن تفضيل الروح على البشرة. إنها بالنهاية ذوق مسبق للحياة المستقبلية.
-انتهى-
رد: الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين
الكهنوت عند الذهبي الفم
للمطران بولس يازجي متروبوليت حلب للروم الأرثوذكس
مقدمة
1. حياته يوبيل 1600 سنة / سبب اختيار الموضوع.
2. الكتاب الشهير في الكهنوت.
إشكالية: نعمة؟ سرّ؟ هبة؟ استحقاق؟ من ناحية- مواهب/ انسحاق غاية؟ ممارسة؟ كيفية الرعاية؟
تقديم: شكر.
الموضوع:
1. عظمة الكهنوت.
2. شروط الكهنوت.
3. فضائل الكهنوت.
الكهنوت:
يختلف جوهرياً العهد الجديد عن القديم في مفهومه وتأسيسه لسرّ الكهنوت، رغم أن العهدين يكمل الثاني الأول ويتبعه.
في العهد القديم تتأسس "العبادة" أولاً في وسط "الجماعة"، ثم يأتي الله إلى وسطها. "وأُقدِّسُ خيمة الاجتماع، والمذبح وهرون وبنيه ليكونوا كهنة لي. وأسكن في وسط بني إسرائيل وأكون لهم إلهًا" (خروج 29، 44-45). لكن هذا الترتيب لم يكن النظام الإلهي للكنيسة بل تحضيراً له و "وظلاً" "ولأن الشريعة ظل الخيرات الآتية، لا جوهر الحقائق ذاتها، فهي لا تَقدرُ بتلك الذبائح نفسها التي يستمر تقديمها سنة بعد سنة أن تجعل الذين يتقربون بها إلى الله كاملين" (عب 10، 1).
في العهد الجديد، أكمل يسوع الناموس لكنه بالوقت ذاته أبطل القديم وأقام الجديد "ها أنا أجيءُ لأعمل بمشيئتك، فأبطل الترتيب الأول ليقيم الثاني" (عب 10، 9). هنا يتبدّل ترتيب الأمور، هنا بتجسّد المسيح (الكاهن الأعظم) يبدأ الله ثم تأتي الجماعة الكنيسة بعده كجسم له.
إذن لا يعبد الله "لا في هذا الجبل ولا في أورشليم" (يوحنا 4، 21) ولا في خيمة الشهادة وإنما بالروح والحق بالمسيح. هكذا كمال الناموس يأتي أولاً في يسوع ثم يُعطى لتأسيسه في الزمن عبر التنظيم والمؤسسات، "فبه يتماسكُ الجسد كله ويلتحم بفضل جميع المفاصل التي تقوم بحاجته، حتّى إذا قام كلُّ جزءٍ بعملهِ الخاصِّ به، نما الجسد كلُّه وتكامل بنيانه بالمحبة"(أفسس 4، 16). الكهنوت، قانون الكتاب المقدس، العبادة والطقوس، ... كل ذلك يأتي لاحقاً وبالتدرّج ليشكل جسم المسيح ويقوم بعمله في العالم. ويتحقق ذلك بعمل الشاهد (الروح القدس) الذي يجعل الكاهن الأعظم (يسوع) حاضراً في الكنيسة.
الرب يسوع لا يسلّم سلطته لتلاميذه وللكهنة من بعده، وكأنه صار غائباً وأنهى دورَه. أيقونة العنصرة تضع الرسل يميناً ويساراً وتترك للمسيح غير المنظور موقع الرأس والوسط، حيث الروح القدس النازل على التلاميذ يشهد له ويجعله حاضراً في الكنيسة.
صلاة سيامة الشماس واضحة، إذ يقول رئيس الكهنة فيها: "ليس بوضع يدّي أنا، ولكن بكثرة رأفاتك...". وضع اليد ضروري لأنه علامة تسليم النعمة من العلى من المصدر الإلهي ذاته. الكهنوت ليس سلطةً أو نعمة تورث من شخص لآخر أو ميزات توهب من أسقف لكاهن ولا حتى من الرسل ذاتهم، ولا من المجمع المقدّس. هناك في السيامة "الكاهن الأوحد" يشرطن. إن عمل المجمع ووضع الأيدي هو إشارة إلى تحديد إرادته وإعلان خيارَه (المسيح) في المرشح للكهنوت. الموضوع ليس انتخاباً من جماعة كما في كلّ مؤسسة، بل هو عمل الروح القدس في الناس لاتمام عمل المسيح في الزمن.
الأصل الإلهي للسرّ
الكهنوت هو على رتبة ملكيصادق "دون أب ودون أم" (عب 7، 3) من خارج أي مؤسسة إنسانية بشرية. "لستم أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم" (يوحنا 15، 16) قال السيد لتلاميذه. إن صرخة الشعب في السيامات " Άξιος-مستحق" هي ضرورية ولكن ليس كإعلان انتخاب، الأمر الذي سبق وتمّمه الروح القدس، وإنما كشهادة على حضور الروح، وعلى العمل الإلهي – الإنساني في الكنيسة التي هي جسد الرب في التاريخ وهي إلهية (رأس) إنسانية (الجسد)
يبني المؤمنُ حياَته المسيحية أولاً من التعليم "Εξ’ ακοής"، أي من إطلاعه على الإنجيل واستماعه للوعظ. لكن عيش المسيحية التي اكتشفها يحتاج إلى تدريب لكي يصل إلى إيمانٍ "εξ’ Αποκαλύψεως"، أي إلى كشوفات الإيمان: الـ"Θεωρία"، أي معاينة اختبارات مع الله. هكذا يغدو المؤمن بدل مواطن أرضي سائحاً سماوياً – صاعداً "Οδήτης-Πολίτης" نحو المدينة السماوية (فيلبي 3، 20). هذا التعليم وهذا التدريب، هما مهمة الراعي الكاهن مع رعيته.
ظهرت المسيحية في العالم كحركة "تجديد"، أي إلغاء لواقع قديم، وذلك بعملية "تجلّي" للإنسان. وسمّى يسوع رسالته "ناراً" ألقاها وقد اضطرمت. هذه "النار" هي "عطش" يطلب الـ"Έσχατα" اسختا في الحاضر ويستحضرها ليعيشها، خاصة في الليتورجيا. هذا ما عبّر عنه سيرافيم ساروف، أن غاية المسيحية هي "اقتناء نعمة الروح القدس".
الذهبي الفم من كبار معلمي الكنيسة، معلم مسكوني، شرقاً وغرباً، أحد الأقمار الثلاثة. والطابع العام لتقدمته التاريخية هي المثل الأعلى للأسقف الراعي، ومثال الواعظ، لهذا يُعتبر أنموذجاً حياتياً وعلمياً للكاهن.
عاش في زمن عرفتْ فيه الإمبرطورية فساداً سياسياً واجتماعياً والكنسية علمنةً، وجاء هو بالروح الإنجيلية في صدام مع هذا الواقع لإصلاحه، صدام انتهى بنفيه وموته، لكنه أثمر عن خبرة روحية في مؤلفات ومواقف الحياة، تبقأ نموذجاً ومَعْلماً ظاهراً فريداً في تاريخ الكنيسة المسيحية عامة.
مؤلفاتُه وتفسيراته في الكتاب المقدس غزيرة جداً، وتتميز بفهم كتابي عميق ونظرة اكليزيولوجية، هذه كانت جزءاً محدّداً من عمله الرعوي الأوسع، كأسقف وكاهن في الكنيسة.
مؤلُفه "في الكهنوت "Περί Ιεροσύνης λόγοι" (PG 48) يشدّد على سمّو الكهنوت وما ينتج عن ذلك من ضرورات وشروط في شخصية الكاهن، ومن تفاني كليّ وعملي في حياته.
مؤلفه هذا، يمكن وصفه بـ"نصائح للكهنة والرعية"، من أجل خلاصهم. هذا هو عمل الكنيسة على الأرض وهذه رسالتها، الرسالة التي يجب على الكاهن معرفتها تماماً ومعرفة طرق تحقيقها.
هذا المؤلف هو الأشهر بين مؤلفاته، ولقد أثّر تاريخياً كثيراً على حياة الكنيسة. هو عمل متأثر جدّاً بمؤلف غريغوريوس اللاهوتي "دفاع عن الهروب إلى البنطس"Απολογητικόν της εν Πόντω φυγής" ، حيث يشرح القديس غريغوريوس سمّو الدرجة الكهنوتية ويعلل بذلك هروبه من هذه الخدمة إلى الحياة الرهبانية النسكية في البنطس بعد شرطنته كاهنا من أبيه (362).
الأحداث والشخصيات الواردة في نص كتاب الذهبي الفم (باسيليوس) هي إنشائية وليست واقعية، دخلت من فنِّ الرواية.
يبدأ القديس مؤلفَه بحوار مع صديقه باسيليوس (شخصية إنشائية، البحث العلمي لم يعرف منْ هي وما هي الدرجة الكهنوتية التي سِيمتْ إليها) . ويهدف الحوار إلى إظهار عظمة ورهبة الكهنوت من خلال: خوف باسيليوس الذي أجبر على السيامة، وهروب فم الذهبي بالحيلة من هذه المسؤولية. وهو هنا يبرّر لصديقه هروبه بسبب ضعفه وعدم استحقاقه، لأن هذا السرّ يتطلب أشخاصاً أقدر منه بكثير !
الحوار لا يعطي تفاصيلاً مكانية أو زمانية بقدر ما يميل إلى الطابع النظري، فيعرض معنى الكهنوت وسمّوه. إنه كتاب في الرعاية، أكثر مما هو توثيقي لحوار حدثَ.
لاشك أن هذا الحوار لا يتناول العديد من المشاكل الرعوية الراهنة، فهو لزمنٍ وبيئة معينة، لكنه يبقى ذو أهمية دائماً كونه يتناول مواضيع أساسية في مفهوم الكهنوت لاهوتياً ورعوياً.
أهمية الكتاب تظهر من تأثيره وانتشاره الواسع، فقد فاق الكتاب ما كُتبَ قبلَه في هذا الموضوع. ولم يجرأ أبٌ بعده على تناول هذا الموضوع بشكل سيستماتيكي لشموله وعمقه. في الوقت ذاته يُظهرهذا الحوار حقيقة الواقع الفاسد في الإدارة الكنسية مرات عديدة، ويظهر السبل إلى إصلاح هذا الفساد حيث يوجد.
يتناول الذهبي الفم في الحوار أولاً عظمة الكهنوت، ثم الشروط التي يجب أن تتوفر في المتقدم إليه، وبعدها الفضائل التي يُمارس بها الكهنوت. وأخيراً في نهاية الكتاب يتعرض لمخاطر العمل الرعوي، لكنه يشجع المتقدمين، فحيث أن الخدمة رهيبة نعم، إلا أن السيد يساعد خدّامه لإتمام مهامهم وواجباتهم.
يعتمد الذهبي الفم في براهينه وحججه على الكتاب المقدس دائماً وأمثلته، لكنّ براعته الشخصية واضحة أيضاً في إبداع الصور الرائعة.
1. عظمة الكهنوت:
الكهنوت للذهبي الفم هو "خدمة Διακονία" وهبت مجاناً من الله. إنه هبة سماوية. لهذا السبب الكهنوت أكرم من كل الخدمات الأخرى الدنيوية ، خدمة تعمل على الأرض لكن غايتها وثمارها في السماء. لهذا هي خدمة ملائكية وتليق بتلك الطغمات . عمل الكاهن هو عمل الملائكة... لهذا يدعى الكاهن ملاكاً، لأنه لا يتكلم بما عنده وإنما ينطق بكلام الله مرسله، فـ"كهنتك يا رب يلبسون البرّ –مزمور 131". وخاصة أنه "لم يؤسس الكهنوت لا إنسان ولا ملاك ولا رئيس ملائكة بل الروح القدس الناطق بالأنبياء – ذاته".
للكهنوت طابع قدسي فائق ولأسباب عديدة. إن "سلطة" إتمام القداس الإلهي والذبيحة غير الدموية هي أهم شيء أعطي هدية للبشرية وعند الكهنة . لم يعطَ ذلك ولا حتى للملائكة. إن سلطة غفران الخطايا (الربط والحلّ)، هي السلطة ذاتها التي أعطيت من الله الآب للابن، ومنه للكهنة. هاتان السلطتان تكفيان لفهم سمّو وكرامة هذه الخدمة. إن هذه السلطة أعطيت من الله الآب للابن "لأنه ابن البشر". هذه الكلمات التي لفظها يسوع تتضمن موضوعين.
الأول هو الطهارة والنقاوة الداخلية التي كانت "لابن البشر" الذي أخلى ذاته حتى الموت موت الصليب؛ هكذا على الكاهن أن يكون قد تحرر من أهوائه ومن ضعفاته الشخصية. والثاني أن "ابن البشر" هو من يعرف الخبرة البشرية في تجربتها الإنسانية خلى الخطيئة؛ فهو المثال الطاهر، وهو إنساني. لذلك الكاهن هو بشر مثلنا لكنه على مَثَل "ابن البشر" يختبر التجربة الإنسانية بنجاح بسبب الإيمان وسترِ وظلِّ النعمة الإلهية، هكذا يعرف الكاهن داخل الناس لأنه "ابنُ بشر" يعرف ما في الإنسان، واختبر كيف يدفن الإنسان القديم مع المسيح ليقوم معه أيضاً. لهذين الأمرين مُنح الكاهن سلطان غفران الخطايا الذي "لابن البشر"، أن يحلّ ويربط على الأرض. إن السلطة ليست سحرية، وسرّ الكهنوت يتطلب جهداً بشرياً وموقفاً تقديسيّاً.
من هو الكاهن؟ يتساءل فم الذهب! إنه ملاك الرب يحمل على يديه المسيح، يتكلم عنه، يخدمه. عندما يتمم الكاهن الأسرار المقدسة يُعير يديه للمسيح؛ عندما يعظ ويتكلم يُعير لسانه للمسيح؛ لهذا عليه أن يكون طاهراً كالملائكة
الكهنة هم آباء وعلينا أن نعتبرهم أكثر من الوالدين الجسديين. يلدنا الكاهن في ملكوت الله بالمعمودية وينمينا فيه بسرّ الشكر الإلهي. (بكل ما تحمله معاني هذين السرّين من واجبات ومعاني بعد الطقس وقبله). يعمل الكاهن لتحقيق ذلك بواسطة: الأسرار المقدسة، التعليم، الإرشاد، وبصلواته. هكذا لم يعد الكاهن يحيا لذاته بل للذي جندّه، لرعيته، ولخدمة كنيسته.
عظيمة هي مسؤولية الكهنة وكثيرة هي واجباتهم أمام الله، لأنه وهبهم الاهتمام بنفوس البشر. إن واجباتهم لا تقدّر ولا تحصى ما داموا يهتمون بخلاص الناس ويصلّون لكل العالم ليعرفوا الله ويقتربوا منه.
2. شروط الكهنوت
يتكلم فم الذهب في كتابه هذا عن الشروط التي يجب أن يراعيها كلٌّ من المُرشحين للكهنوت من جهة والذين ينتخبونهم من جهة ثانية.
فحص الذات، هو الأمر الضروري الأول، وذلك عن كل الزمن الأسبق. على المرشح أن يفحص إمكانياته كلها، بدءاً من الجسدية، ثم الأخلاقية، والعلمية، والروحية. وإذا وجد فيها ما يعيق الخدمة فلينتبه لذاته، لأن قصاص الله سيكون قاسياً جداً، فلا يستهين بالخدمة.
إن ضعفات الناس عموماً هي خطايا أو نواقص تضرّ بالشخص ذاته، أو كأنها مثلاً تجري في الليل ولا يراها عديدون فيتعثرون منها. لكن ضعفات الكاهن يراها الجميع وكأنها في وضح النهار وأيّ منها يعثّر كثيرين. المسؤولية هنا لا تقاس على مقدار الخطيئة الشخصية للكاهن بل على حجم العثرة التي يسببها للكثيرين . وعلى العكس تماماً حينما يرون فضيلته فتشدّدهم.
يجب على المرشح للكهنوت أن يتحّلى بالحكمة والنضوج، أنكار الذات وحب بذلها، باحترام للكهنوت وميل إليه، عفة، ثقافة، قدرة على التعليم، صحة روحية وجسدية، ليستطيع أن يقوم بكل الواجبات التي تنتظره، وهي كثيرة. يهمّ جداً العمر والتقوى، لكن هذين الأمرين ليسا الشرطين الأولين. لا يمنع سن الشباب ولا تفيد الشيخوخة، بل المطلوب الحكمة. هناك فعلاً صعوبة أن ينال الشاب بسرعة ثقة الرعية، لكنه سينالها وبقوة عندما يثبت حكمته ونسكه وتقواه بأعماله وحياته. كما يحتاج الراعي في الكنيسة إلى جانب المواهب الشخصية مواهب إدارية.
حياة الكاهن هي الدافع الأساسي الذي يُشعل غيرة أبناء الرعية. الكنيسة هي جسد المسيح، وعلى المرشح للكهنوت القادم للخدمة أن يتأكد أن خلقه وسيرته لا يمكن بأي شكل أن يؤثران سلباً على أعضاء هذا الجسد.
وقبل الكل، بسبب أن هذه الخدمة قاسية لما فيها من المحبة الكثيرة، على المرشح أن يتأكد قبلاً من جلَدِهِ وصبره وثباته في قراره على انكار ذاته.
قبل أن يبدأ المرشحّ هذه السيرة الملائكية عليه أن يتّخذ القرار أنه سيبقى قوياً لكن وديعاً، في مواجهة كل الأمور الخاطئة المهمة منها والبسيط، سيواجه العديد من الناس الذين لا يقدِّمون أيةَ خدمة ولا يحملون أية مسؤولية في الكنيسة لكنهم لا يفتأون يعترضون ويناوئون ويتهمون الآخرين ويدافعون عن أنفسهم. يدينون أعماله وأقواله بحق ودون حق غالباً. وسيشيّعون أن الكاهن أو الأسقف يضرّ بالكنيسة أو يسلب منها مالاً كان للفقراء...
الكلُّ يطلبون من الكاهن كلَّ شيء، حتى الناس الذين لا يساهمون بأي عمل ولايشاركون بأية مسؤولية. ويقول القديس بالتحديد "إن سلطة الكاهن ليس فقط لا تقدم أفراحاً بل هي أقسى عبودية". يتحمّل الكاهن في الممارسة كأدنى عبدٍ. هذه كلها يقولها الأب عن خبرة شخصية. لهذا ينصح الأب المرشح للكهنوت أن يتصور ويقدّر مسبقاً عظم المسؤوليات وحجم الصعوبات التي تنتظره.
إن رعاية النفوس وحمايتها كما تنظيم الكنيسة وخدمتها هي أمور تتطلب مواهب روحية كثيرة عند منْ يتقدّم إلى هذه الخدمة. هذا ما يحصل في المؤسسات الدنيوية العادية عموماً فكم بالحري في كنيسة المسيح!
3. فضائل للكهنوت
للذهبي الفم، السيرة الكهنوتية هي خدمة ملائكية، وهي تتطلب ليس فضيلة معينة، بل جملة الفضائل كاملة.
الفضيلة الأولى الأساسية هي، المحبة القصوى للرب يسوع. وكما يقول بولس الرسول الرب يسوع هو "كمال الناموس والأنبياء"، لهذا عندما يشخص الكاهن إلى وجه يسوع يتعلق بالفضائل كلها. بدون هذه الفضيلة (محبة الرب يسوع) لا تفيد كل الفضائل الأخرى، ولا يمكن أن تتحقق فعلاً.
الفضيلة الثانية هي، المحبة الكاملة للرعيّة، وهذه تأتي كإشعاع عن محبته لمن اشتراها بدمه الكريم، لأنه هو من قال لبطرس" أتحبني، ارع حملاني". وهذه المحبة للرعية هي محبة لكل فردٍ منها دون استثناء أو تمييز، وبدون أي تردّد بسبب من خطايا البعض، فمن هم خطأة من أجلهم جاء المسيح ومن أجلهم نتقدم إلى الكهنوت. نماذج لمحبة كهذه يقدم الذهبي الفم بطرسَ وبولسَ، وكذلك محبة الأم لأولادها.
ثالثاً، محبته لتقديس ذاته، بحيث يصبح بذلك معلماً بطريقة حقيقية وقائداً في حياة رعيته إلى مراعي السلامة. بهذه الطريقة يصبح نموذج حياة الكاهن ملكاً لأبناء رعيته.
رابعاً، غيرته على التعليم والوعظ. لا يمكن أن يفهم الذهبي الفم كاهناً لا يعلّم ويبشّر بالكلمة، فهو المدرّب والمعلم قبل كل شيء. الكلمة الإلهية هي مادة عمل الكاهن الأولى. الكاهن هو "فم المسيح" لأن على فمه دائماً "الكلمة"، إنه لا يعظ بكلامه الشخصي بل هو كالنبي يعلن كلمة الله ويشرحها ويحث على تطبيقها. من يترك الكلمة – لا سمح الله- يكون قد تخلى عن الهوية الأساسية لكهنوته.
للتعليم دوران مهمان، الأول هو تنشئة أبناء الرعية على ماء الكلمة الإلهية الحي، والثاني هو تأديبي فيفرز ويدحض على أساسها المسيئين للكنيسة والهراطقة والتعاليم الدهرية غير الإنجيلية . الكلمة الإلهية هي المعيار لحياة الكنيسة. التعليم ليس دائماً تنشئة بل وأحياناً تأديب ، لأن القيمة والكرامة هي في عين الله وليست في عين الناس. الواعظ والمعلم هو قائد للنفوس إلى التوبة والحياة مع الله كبولس الرسول. لهذين الدورين الهامّين غدا دورُ الأسقف الأولُ هو التعليم (تنشئة وتأديب- حفظ الوحدة)
"التعليم" هو "الزرع" في عمل الكاهن الذي يشبّهه الذهبي الفم بالزارع. الكاهن هو أيضاً نهر ماء جاري يسقي الأشجار على طرفيه. الكاهن هو طبيب يحمل أطيب وأقوى دواء أي كلمة الله . أخيراً الكاهن هو "نحلة" يقطف الأريج من أزهار الكتاب المقدس لتقدّمه للناس عسلاً شهياً للمأكل. الكاهن في الكنيسة، على مثال سيده، يكهن بذاته ويقدمها على مذبح المسيح.
التعليم نبوي، لهذا يجب أن يخرج من فم الكاهن متميزاً أولاً بالقوة، وبالمبادرة وصادر من القلب من خبرة ذاتية، وبقناعة شخصية لدى الكاهن أن كلمة الله نداء قوي وقوة فاعلة.
يحتقر الكاهن ويرفض مديح سامعيه عندما يعجبون بكلمة الله الصادرة من فمه . لأن الهدف هو بناء حياتهم الروحية وليس المجد الذاتي.
يجب أن يكون التعليم أورثوذكسياً، ثم منوّعاً يشمل كل جوانب حياة أبناء رعيته بحسب تنوّعهم، ثم ملماً حتى يرى حياة أبنائه موافقة للتعليم الموعوظ به. "إن إلحاحي وتكرار التعليم ليس لجاجةً مني بل هو رعاية وحنان ومحبة وحفاظٌ على هذه الكلمات لئلا تضيع سدىً". عندما كان البعض يشككونه قائلين لما كل هذا الوعظ ولمن، كان يجيبهم، أنه إن لم يسمع الجميع سيسمع نصفُهم، وإن لم يسمع النصف سيسمع الربع... وإن لم يسمع عديدون سيسمع ولو واحدٌ وهذا كافٍ. كلمة الله إلهية وبالتالي فاعلة. لكن عامة الزرع يُرى لكن الإثمار يتأخر".
على الكاهن ألاّ يتردد عن الوعظ مهما كان الواقع يدعو لليأس أو مهما كانت لا مبالاة سامعيه أو تعليقاتهم مسئية.
التعليم والوعظ هما مسؤولية الكاهن وعمله، وذلك بغض النظر عن النتائج. فرح الكاهن يأتي من إتمام دوره هذا أمام الله ولا يهمه أن ينتظر الثمار "الخطئية ليست ألاّ تقنع الآخر بل ألا تعظه"
نبوية التعليم تقتضي، مرات عديدة، التوبيخ والتأديب، في حالات الخطيئة. لكن التأديب صعبٌ خاصة عندما يُقابل بمعارضة الآخرين. الكاهن معرّض لأحد احتمالين وكمعلّم، الأول ألا يؤدب بل يستمر في المديح ويربح رضى الجميع، والثاني أن يكون خادماً صادقاً للكلمة ويعلنها كما هي دون رياء، عندها سيخسر محبة البعض وسيتعرض لعداوة آخرين. إن المعلّم يعرف حاجة أبنائه فلا يخضع لرغباتهم عندما تسيئُ هذه إلى تنشئتهم. لكن التفسير والشرح والتعليم سيجلب أكثر نتائج سلامية ويذلّل الخلافات بالرأي.
التعليم النبوي يجب أن يرفق بالمحبة الصادقة، عندها على الأرجح سيصير مقبولاً ولو كان قاسياً. يوبّخ المعلم الخطيئة لكنه يحترم ويحّب الخاطئ. قوة التعليم يجب أن تترافق مع الوداعة. المعلم النبوي صارم ولكنه أيضاً بالوقت ذاته حنون.
خامساً، الصلاة الحارة والمطالعة الدائمة ، هما سبيل الكاهن لتحقيق هذا الدور التعليمي. هكذا بالصلاة والمطالعة يستعد الكاهن للوعظ والتعليم. وفوق ذلك فهو كشفيع يصلي من أجل رعيته. هذا ما كان يفعله أيوب على أولاده لتطهيرهم من خطاياهم الجسدية، فكم بالحري يرفع الكاهن تضرعات من أجل النمو الروحي لأفراد رعيته .
إن التعليم فن، وليس موهبة طبيعية أو ظاهرة تقوية فقط. التعليم فضيلة تقتنى بالمحاولة والإعداد الدائمين. "لا يتعللّ البعض- من الكهنة- أننا لم نتعلّم لهذا لا نعظ، علينا أن نحاول، لأن الرعية تنتظر من الكاهن التعليم والوعظ، لا بل تقيّمه بالأساس من هذا الدور".
سادساً، الإحسان ومحبة الفقراء فضيلة ضرورية يجب أن يكون الكاهن مثالاً فيها يُحتذى. كان الذهبي الفم يهتم بما يزيد على 3000 أرملة في أنطاكية وبما يزيد على 7000 في القسطنطينية. بالإضافة إلى عنايته بالغرباء والمرضى وزيارة المسجونين كل أربعاء وجمعة.
سابعاً، الصبر والمسامحة، فضيلتان مترافقتان مع العمل الرعوي، وهما اللتان تستدعيان العديدين إلى التوبة. الكاهن أبٌ روحي يحتضن الجميع بحنانه حتى ولو عادوه، حين يعادوه عندها يتفهم ضعفهم البشري ويستوعبه ويقف إلى جانبهم لمساعدتهم. موقف كهذا سيقود كثيرين منهم إلى الاعتراف والتوبة.
قلب الكاهن محب يسامح، ليس أبناء رعيته وحسب وإنما حتى أخوته الاكليريكيين عندما يخطئون إليه ويؤلمونه أكثر. الأخيرون يسيئون غالباً من الغيرة أو الصراع على السلطة وهذا يضرّ بالخدمة الكهنوتية أكثر بكثير.
لكن العداوة والنميمة هي أمور منتظرة من أية جهة كانت. لهذا الحل هو المسامحة واحتمال الإهانة.
الكاهن رجل مسامحة ومصالحة بين الناس بعضهم مع بعض، كما المثال الأول لهم في تطبيق وتحقيق ذلك. مثال حي للكاهن الرب يسوع في مسامحته لصالبيه. شهيرة عبارة القديس التي رددها في منفاه على سرير الموت "الشكر لله على كلِّ شيء".
"ومن يصبر إلى المنتهى ذاك يخلص". إن الشدائد والإهانات والصعوبات والعداوات الظالمة هي أيضاً جزء من العناية الإلهية، التي سمحت بها وتراها. لا "يحتمل" الكاهن هذه الظروف، بل يعيش فيها بسلام وفرح وشكر لله عليها، لأنها ستقوده إلى خدمة أفضل: لا شيء سيء لنا إلا خطيئتنا، هذه لا نصبر عليها ولا نسامحها بل نصلحها فوراً. لأنه "إن عشنا فللرب نحيا وإن متنا فللرب نموت".
ثامناً، الأسرار الكنيسة، وحياة التقديس بما فيها من طقوس، هي الإطار الأهم لحياة وعمل وخدمة الكاهن. التعليم جزءٌ منها يتم فيها كما خارجها. لكن الدور الأساسي والمحيط الأهم لممارسة خدمته هو الأسرار الإلهية. الأسرار هي منبع التعليم وهي غايته. ومن أهم هذه الأسرار هي، الاعتراف والشكر والمعمودية.
في حياة الأسرار يمارس المؤمن حياة "التجلّي" – "التجديد". دور الكاهن ليس التعليم والقيادة الإدارية فقط، بل بالأحرى وأولاً إحياء الحياة الطقسية والأسرارية وجعل المؤمنين يمارسون العبادة المسيحية بوعي ومشاركة حقيقية. في هذا المحيط يحيا المسيحي حياة التوبة والتجديد والنموّ الروحي.
تاسعاً، الجهاد الروحي، تزداد صعوبة هذه المهمات الجمّة بسبب أيضاً من الضعفات الشخصية في حياة الكاهن. وهذا يفرض عليه الجهاد شخصياً قاسيٍ ومتواصل. فإذا كان لا يستطيع أن يحافظ على ذاته كيف يقدر على سند الآخرين؟ لكن هذه الصعوبات لا تدعونا لليأس، لأن من وهبنا ذاتنا لأجله معنا في الحرب يشدّدنا ويحارب إلى جانبنا. يكفي أن نتعب فعلاً لغاية واحدة هي تقدّم الرعية وبناء جسم الكنيسة وتحقيق شهادتها.
الكهنوت فن خدمة تختص بحياة الناس وليس بممتلكاتهم كما في الفنون الأخرى. في الفنون الأخيرة أي تحسين مهم وأي ضرر مسيئ قليلاً. أما في فن الرعاية إن الأمر أدق وأهم بكثير ومسؤوليته قصوى. أمام هذه الصورة البانورامية التي يرسمها الذهبي الفم عن شروط الكهنوت والفضائل التي يجب أن يتحلّى بها الكاهن نستطيع أن نقدّر جسامة الخطأين عند موقفين شائعين. الموقف الأول عند بعض المؤمنين الذين يعتبرون دور الكاهن ليس أوليّاً أو يحطوّن من أهميته ومركزيته. إن أي احتقار لشخص الكاهن هو احتقار لشخص المسيح مباشرة ، والموقف الثاني عند بعض الكهنة الذين يتعاطون هذه الخدمة كمجرد "مهنة"! الحالة الثانية هي أخطر.
وماذا يمكننا أن نعمل عندما لا تتوفر كل هذه الفضائل مجتمعةً، الأمر الذي يبدو للوهلة الأولى مستحيلاً؟ يرى فم الذهب أنه لا يمكن سيامة وانتخاب كهنة إذا نقصت منهم بعض الفضائل الأساسية التي سبق إيرادها. إن سيامتهم هي إساءة للكنيسة وعبء على جسمها. والمسؤولية في ذلك تقع على الأساقفة أولاً.
لهذا في اختيار الكهنة لا تقوم معايير كالغنى والقرابة والحاجة والشهادات الفارغة، ... ولكن بمعايير الفضيلة. هناك قوانين كنسية واضحة تتطلب ذلك.
ينصح الأب القديس، في حال أن أحد الكهنة شعر بعدم أهليته –حتى بعد سيامته- ألا يترّدد عن الاعتذار عن هذه المهمة السامية.