شكرا اخويا سليمان على هذة الأجزاء الجميلة
عرض للطباعة
شكرا اخويا سليمان على هذة الأجزاء الجميلة
[FRAME="13 70"]
الجزء الرابع
قليلاً ما يُقيم الدارسون تمييزاً واضحاً بين الفردانية (Individualism) والشخصانية (personalism). هذا التمييز أساسي في خلفية ما حصل للإنسان بعد السقوط، وهو ما لا زالت البشريّة تعانيه وستبقى إلى قيام الساعة. الإنسان، قبل السقوط، كان شخصانياً، على مثال الثالوث القدّوس، أي كان كيانه متّجهاً صوب الله في حركة طاعة، في فعل محبّة. خروجُه من نفسه، علاقتُه بالله، انسجامُه معه، شفافيتُه له، هي ما جعلت اللهَ محورَ اهتمامِه وجعلت الإلهياتِ فَلكَه. وهذا، بالذات، هو ما جعله ينعم بحياة الله وينمو في نعمة الله. فلما سقط الإنسان صار فردانياً، على مثال الشيطان، أي متّجهاً إلى نفسه في حركة إرادته الخاصة، في فعل محبّةٍ ذاتية. ارتدادُه إلى نفسه، علاقته بالشيطان، انسجامه معه، شفافيته له، هي ما جعله محورَ ذاته وجعل حبَّه لذاته فلكَه. وهذا بالذات هو ما جعله مقيماً في الموت، مستأسَراً للخطيئة التي هي "شوكة الموت" (1 كو 15: 56).
ما حصل، إذاً، كان أن وقعت البشريّة في الفردانية، سواءٌ على صعيد الفرد أو الجماعة. وبذا لم تعد تعرف المحبّةَ الأصيلة إلاّ قلّةٌ عزيزة. لماذا؟ لأنّ المحبّة لا تطلب ما لنفسها (1 كو 13: 5) فيما كلٌ، في البشريّة الساقطة، يطلب ما لنفسه. على هذا قال الرسول المصطفى بولس عن الناس أجمعين إنّهم باتوا "تحت الخطيئة" (رو 3: 9) ووصف الحال التي آلوا إليها بإيراد بعض ما جاء في المزمورَين 13 و 52: "ليس بارٌ ولا واحد. ليس مَن يفهم. ليس مَن يطلب الله. الجميع زاغوا وفسدوا معاً. ليس مَن يعمل صلاحاً ليس ولا واحد. حنجرتهم قبرٌ مفتوح. بألسنتهم قد مكروا. سَمُّ الأصلال [الحيّات] تحت شفاههم. وفمهم مملوء لعنة ومرارة. أرجلهم سريعة إلى سفك الدم. في طرقهم اغتصابٌ وسُحْقٌ. وطريق السلام لم يعرفوه". في هذا الإطار صارت العلاقاتُ تحكمها الأنانيّات، وصارت الجماعةُ عبارة عن أنانيّة جماعية، وكذا العلاقة بين جماعة وجماعة. يلتقون إذا التقت مصالحهم ويفترقون إذا افترقت. خير تعبير عن علاقة الفرد بالفرد ضمن الجماعة الواحدة وعلاقة الجماعة بالجماعة هو القول المأثور: "أنا على ابن عمّي، وأنا وابن عمّي على الغريب". الكل، في هذا المناخ، واجدٌ نفسَه، في نهاية المطاف، وحيداً غريباً. والكل يسعى إلى الخروج من عزلته الكيانية وغربته بالدخول في علاقات ذات منفعة مشتركة. ولكنْ لا تلبث هذه العلاقات أن تنفرط بافتراق المنافع فيعود الإنسان، إذ ذاك، إلى غربته من جديد. ومرّة أخرى يبحث عن علاقات له والآخرين على أساس القواسم المشتركة. وهذه تدوم إلى حين ثم ينفرط عقدها من جديد. هكذا تَلقى الإنسان في خيبة وإحباط، في كرّ وفرّ بإزاء وحشته إلى أن يأتيه الموت، أخيراً، بالعزلة الكبرى التي طالما عاناها بعضاً وسعى لأن يهرب منها، ولكنْ على غير طائل.
في الفردانية تتشوَّه الفضائل لأنّها تَلقى ترجمة فردانية لها. الإيمان بالله يتحوّل إلى دعمٍ لأنانيّات الناس وتبريرٍ. الكل في التاريخ، مسيحيّون وغير مسيحيّين، عانَوا ويعانون تجربة قاسية راسخة في وجدانهم حين يسرقون ويَكرهون ويدمِّرون ويقتلون باسم الله. وإذا كان الناس مائلين إلى التقاتل باسم الله، تبريراً لأنانيّاتهم، فهم مائلون، بالقدْر عينه، توسيعاً لدائرة أنانيّاتهم الجماعية، إلى التلفيق (الخلط) بين الديانات، توحيداً للأمم والشعوب. خير مثال على ذلك، اليوم، السعي إلى توحيد شعوب الأرض من خلال التقريب ما بين الديانات وصولاً إلى صيغة دينية ذات عناوين عامة تناسب كلَّ الديانات وتعترف بكل الديانات إذ تجعلها كلَّها وجوهاً لحقيقة واحدة وتجعل اجتماعَها ذا منحى تكاملي. على هذا يكون المنحيان التنافري التقاتلي من جهة، والتلفيقي التكاملي من جهة أخرى، في موضوع الإلهيات، وجهَين لعملة واحدة هي عبادة الإنسان لنفسه، فردياً وجماعياً. في نهاية المطاف، في كلا الحالَين، الموضوع هو موضوع تغريب الإنسان عن الله، بتسخير كلام الله لمرامٍ فردانيّة، حين تستحيل الإلهيات شكليات ويُصرّ الإنسان على نبذ الخلاص / الشفاء الذي يمدّه له الربّ الإله بالمخلّص. لا فرق، في هذا السياق، بين المؤمن شكلاً والملحد واللاإدري، أي الذي لا يبالي بالله، لا بوجوده ولا بعدم وجوده. هؤلاء كلُّهم لهم إله واحد يجمعهم، وهذا يتمثّل في حبّهم لذواتهم وعبادتهم لأنفسهم.
وما يقال عما آل إليه الإيمانُ بالله بين الناس يُقال عن كل فضيلة أخرى. المحبّة تتحوّل إلى مصالح مشتركة والسلام إلى حرب باردة واللطف إلى تهذيب واللاهوت، أي معرفة الله، إلى إيديولوجيات، أي إلى أفكار عن الله. الحرية بدل أن تكون حرّية من الخطيئة للسلوك في المحبّة تصبح تكريساً وحماية لحقّ الإنسان في أن يتعاطى أنانيّاته، على هواه، حتى الموت. العدالة بدل أن تكون حقَّ الآخرين عليك أن تتبنّاهم في المحبّة تصبح اقتصاصاً ممَن تقتحم أنانيّاتُهم، بالإكراه، أنانيّاتِ الآخرين. العلم بدل أن يكون معيناً على التنقية من الخطايا وأداة للمحبّة يتحوّل إلى أداة للقنية والاستغلال والاستعباد. المعرفة بدل أن تكون تعميقاً للعلاقة بالله والآخرين تكون سبيلاً لجمع المعلومات واقتناء الخبرات وتوظيف الاجتهادات لمكاسب خاصة. السياسة، أساساً، هي تدبير شؤون الناس، أي خدمة محبّة. في إطار الفردانية تستحيل السياسة، من خلال الوسائل والأساليب المتاحة، بما فيها الكذب والخباثة والتضليل والعنف، مجالاً أمثلَ لتمجيد الذات وتسيير الناس وتوجيه مصائرهِم بما يؤمّن المصالح الأناينّة للأكثرية أو للأقليّة في الأمّة. الحقّ، أساساً، هو أن تحبّ الله وأن تسلك في أحكامه. في مناخ الفردانية، الحقّ هو تحقيق مقاصد الفرد والأمّة في العزّة والكرامة والعيش الكريم، وهذه قيم فردانيّة. التحرير، أساساً، هو مساعدة الأخرين على التحرّر من خوف الموت وربقة الشيطان وتسلّط الخطيئة لاستعادة النعمة الإلهية واقتناء الحياة الأبدية. التحرير، في العالم، هو صراع أنانيّات جماعية مستعبَدة ضدّ أنانيّات جماعية متسلِّطة عليها، وانتزاعُها الحقّ في أن تكون أنانيّاتٍ جماعيةً مستقلة. لكل ذلك يبذلون، في العالم، كلَّ غالٍ ورخيص ولهم شهداؤهم ويسخِّرون كل قواهم ليحقِّقوا، في نهاية المطاف، ما يتصوَّرونه إرثاً مخلَّداً لهم ولأبنائهم، جيلاً بعد جيل.
لهؤلاء جميعاً تمتدّ كلمة المرنّم في المزامير: "... يرى الحكماءَ يموتون والجهلاءَ والأغبياءَ يهلكون جميعاً، ويتركون غناهم للغرباء وتصير قبورُهم مساكنَ لهم إلى الأبد ومنازلَ إلى جيل فجيل. أطلَقوا أسماءهم على أراضيهم! لمّا كان الإنسان في كرامة ولم يعتبر قيس بالبهائم التي لا عقْل لها وشُبِّهَ بها! طريقهم هذه ضلالةٌ لهم. ومع ذلك يُحبِّذ مَن يخلفُهم أقوالَهم" (مز 48: 10 – 13).
لقد جعل أهلُ بابل لأنفسهم برجاً / جبلاً يناطحون به السماء استكباراً. هذا تعبوا فيه عبثاً لأنّ الحيّ إلى الأبد بدَّدهم من هناك على وجه كل الأرض (تك 11: 8). لذلك القول للناس في كل جيل أن "كفاكم قعود في هذا الجبل. تحوّلوا وارتحلوا" (تث 1: 6).
"إلى مَن نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك" (يو 6: 68). نَفَس أنوفنا مسيح الربّ!
[/FRAME]
مشكور كتير أخ سليمان
[FRAME="13 70"]
الجزء الخامس
الإنسان ذاتٌ ناطقة واعية، مركّب فريد، نَفْسٌ وجَسَدٌ على صورة الله كشبهه (تك 1: 26). جسدُه من تراب الأرض ونَفْسُه نَسَمَةُ حياة نفخها الله فيه وفق القول الكتابي: "وجَبَل الربّ الإله آدم تراباً من الأرض ونَفَخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نَفْساً حيّة" (تك 2: 7). جمع الربّ فيه المنظور وغير المنظور، المادي وغير المادي. أتاح له أن يتعاطى الماديات وأن يكون له، إلى ذلك، إمكان الوصال بالله وملائكته والشيطان وزبانيته. ولكن ما معنى أن يكون الإنسان "على صورة الله كشبهه؟" عند الفلاسفة الإغريق، ومَن نحا نحوهم، الصورة هي في أنّ للإنسان عقلاً كشبه الله. هذا لم يكن لا فكر الكتاب المقدّس ولا فكر الآباء الأوّلين في الكنيسة. القدّيس يوستينوس الشهيد وتاتيانوس والقدّيس إيريناوس اللّيوني وأمثالهم قالوا إنّ الكلام على الصورة كشبه الله يطال الإنسان كلّه نَفْساً وجسداً (القدّيس إيريناوس) وأنّ الجسد هو مسكن النفس فيما النفس هي مسكن الروح القدس (القدّيس يوستينوس). وواضح لديهم أنّ ما يجعل النفس والجسد على صورة الله كشبهه ليست طبيعة تكوينهما أصلاً بل سكنى الروح القدس فيهما. تاتيانوس يقولها صراحة: "صورة الله كشبهه هي الروح القدس". على هذا بالسقوط ضيَّع الإنسان صورة الله كشبهه، لما تحوَّل من محبّة الله إلى محبّة ذاته، فغادر، نتيجة ذلك، عدم الفساد إلى الفساد والحياة إلى الموت.
وإذ اختلّ الإنسان كلّه واعتوره الفساد التُعنتْ الأرض (تك 3: 7) ليكون له مدى يقيم فيه على شاكلة معطوبيّته. من ثَمَّ أخذ يستبين ما لا قِبْلَ للخليقة به: الإثم يعبِّر عن ذاته مادياً! هذه خاصية لا يعرفها الشيطان، أبو المآثم. وحده الإنسان خَبِرَها في السقوط. هذا أضحى مجاله الفذّ، بامتياز. تآلَفَ الإثمُ والمادةُ حتى تعذّر على الإنسان أن يميِّز ما بينهما، ناهيك عن فصل أحدهما عن الآخر. هذا، بخاصة، لأنّ الإثم انبثّ في النفْس وإليه صار اشتياقها (تك 4: 6). فلمّا ازدهرت أنشطة الناس وتشعّبت وتنامت خبرات البشريّة، نما الإثم وتغلغل وامتدّ وتعقّد حضوره وفعله فيها. أخذ الإنسان يبتدع للإثم، تلقائياً، ما لا حدّ له من التعابير الفكرية والشعورية والمادية. صار الإثم عالَماً له جمالاته المزعومة وخِلابتُه، وصار له تراث. لم يعد السقوط مسألة خلل في الطبيعة البشريّة وميل إلى المآثم ومناخ داخلي وحسب بل صار مناخاً خارجياً أيضاً وإطاراً وفكراً ونَفَساً ومؤسّسات وأنظمةً سياسيةً واجتماعيةً وتربويةً واقتصاديةً ينشأ فيها الإنسان وتتفتّح لديه قابلياتُ الإثمِ الكامنةُ في نفسه، المنبثّةُ في عقله وخلاياه، وكأنّها صنو طبيعته، أو قل، بالحري، كأنّها، في وجدانه الآثم، نفحةُ الطبيعة التي خلقه الربّ الإله عليها. هذا هو عالَم الإثم الذي بلوَرَه تاريخ البشريّة وأخرجه، فلسفةً وفكراً وعِلماً وأدباً وفنّاً، حتى إلى حيِّز العبادة ولسان حاله: "هذه آلهتِك يا إسرائيل..." (خر 32: 8). هذا بالضبط هو العالَم الذي قال فيه يعقوب في رسالته: "محبّة العالَم عداوة لله. فمَن أراد أن يكون محبّاً للعالَم قد صار عدوّاً لله" (يع 4: 4). هذا، بالضبط، هو العالَم الذي قال فيه بولس المصطفى لأهل كورنثوس: "ونحن لم نأخذ روح العالَم بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله" (1 كو 2: 12). وهذا، بالضبط، هو العالَم التي لم تنزل حكمته من فوق "بل هي أرضية نفسانية شيطانية" (يع 3: 15).
كل هذا كثّف الإثم في النفس وكرَّس وعمَّق التواطؤ الكياني بين الإنسان والشيطان على الله حتى لاح، في الأفق، خطر بروز إنسان – شيطان، على حدّ تعبير القدّيس يوستينوس بوبوفيتش. إذ ذاك تجسّد ابن الله. ظهر الإلهُ – الإنسان، يسوعُ، مخلِّصاً من الخطيئة والإثم والموت والشيطان. هذا حصل في ملء الزمن الذي تحدّثت عنه الرسالة إلى غلاطية حين "أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة... لننال التبنّي" (غلا 4: 4 – 5).
قبل ذلك كان الربّ الإله يعمل في كل أمّة وله شهوده. وقد اصطفى إسرائيلَ محطاً، ابناً ومذيعاً لألطافه. فقد "كلّم الآباءَ بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة" (عب 1: 1). لكنْ كان الأطباءُ الأنبياء يشكون أبداً عجزهم عن وقف التدهور وتفشّي داء الإثم بتواتر. فرفع ميخا الصوت أن قد "هلك الصفيّ من الأرض وليس في البشر مستقيم" (7: 2). وصدح هوشعُ بالويل أن "اللعنة والكذب والقتل والسرقة والفسق قد فاضت، والدماء تلحق بالدماء" (4: 2). وفضح مرنّم المزامير أعمال مَن قد "ذبحوا بنيهم وبناتهم للشياطين" (مز 105: 37). "جُرْحُ البشريّة"، بكلام القدّيس كيرلّس الأورشليمي، "كان بليغاً... طِبُّنا استبان عاجزاً عن شفاء هذه الجراح". لذلك تردّد في القدّيس كيرلّس صدى ما نطقتْ به الأنبياء أن "فيما عداكَ لا يستطيع أحد أن يعالج الشرّ". وقالت الأنبياء إنّه "يأتي بغتة إلى هيكله السيّدُ الذي تطلبونه... ومَن يحمل يوم مجيئه ومَن يثبت عند ظهوره، لأنّه مثلُ نار الممحِّص ومثل أشنان القصّار" (ملا 3: 1 – 2).
الخلاص، منذ السقوط، ومن قَبل السقوط، أي منذ الخلْق، كان يجري قُدُماً. من قَبل السقوط تمثّل الخلاص في السير في درب الكمال من حيث إنّ الربّ الإله أراد الإنسان، بدءاً، أن يكون كاملاً كما الآب نفسه كامل (مت 5: 48). المرتجى كان أن يصل كل أحدٍ إلى إنسان كامل، إلى قياس قامة ملء المسيح (أف 4: 13).
ليس أنّه كان لا بدّ للإنسان من أن يسقط لكي يتسنّى له أن يبلغ قامة ملء المسيح بل كان لا بدّ لابن الله أن يتجسّد، سواء سقط الإنسان أم لم يسقط، لأنّ "تجسّد الكلمة"، بتعبير القدّيس مكسيموس المعترف، "هو الهدف الرئيس من تدبير الله للعالم" (أسئلة إلى ثلاسيوس). القصد والمبلغ كان، للإنسان، أن يتألّه بسكنى روح الله فيه، بالنعمة غير المخلوقة. هذه كانت قِبلةَ الكمال المرتجى. أما الخلاص، بعد السقوط، فتمثّل في التحرّر من الخوف من الموت واستبداد الأهواء، وربقة الشيطان، من خلال حفظ الوصيّة والسلوك في الفضيلة وتعاطي القدسات، إيماناً بابن الله، ووصولاً إلى الاستنارة والمعاينة واللاهوت.
كل ذلك ما كان ليكون لو لم يكن الكلمة قد تجسّد.
[/FRAME]
-يتبع-
نحن بانتظار المزيد صلواتك :smilie (5):
[FRAME="13 70"]
الجزء السادس
الربّ يسوع ووالدة الإله والخطيئة
ثمّة مَن لا يقيمون فرقاً، في الاستعمال، بعامة، بين الخطيئة الجدّية والخطيئة الأصلية. لذلك يوردون هذه وتلك وكأنّهما يعنيان شيئاً واحداً بعينه. هذا بحاجة إلى شرح وتوضيح. وما يحتاج إلى توضيح أيضاً هو الفرق، في شأن هذا الموضوع، بين الربّ يسوع ووالدة الإله وبينهما وبيننا.
نشير، بدءاً، إلى أنّ تعبير "الخطيئة الأصلية" أول ما ورد كان لدى المغبوط أوغسطينوس، أسقف هيبو، المتوفّى سنة 430 م. المقابل اللاتيني الذي عبّر فيه عن "الخطيئة الأصلية" كان "Peccato Originali". هذا التعبير أخذ يسري، في الغرب، مذ ذاك. التعبير الذي كان سارياً، منذ القرون الأولى، وبقي كذلك، لدى الآباء الشرقيّين، هو "الخطيئة الجدّية". المقابل اليوناني لهذا التعبير هو (Propatorikon amartema). ثمّة فرق بين لفظتَين يونانيّتَين تُنْقَلان، في لغة الضاد، بلفظة "خطيئة": "amartema" و "amartia". اللفظتان اليونانيتان، في الحقيقة، لا تعبِّران عن المعنى عينه بل عن معنيَين مختلفَين. فلفظة "amartema" تشير إلى تعدٍّ فردي، إلى فعلٍ آثم محدَّد ومحسوس، فيما لفظة "amartia" تشير إلى الخطيئة من حيث هي الحال العامة للوجود البشري وفشلُ الإنسان، بعامة، في إصابة الهدف، لجهة تحقيق مصيره.
إذاً الكلام على "الخطيئة الجدّية" يتناول، بصورة محدّدة، الخطيئة التي ارتكبها جدّانا، آدم وحوّاء، بصفة شخصية. هذه، من حيث هي خطيئة آدم وحوّاء الخاصةُ بهما، لا شركة لأحد من ذرّيتهما فيها. هذا واضح تماماً لدى آبائنا. من ذلك قول القدّيس كيرلّس الإسكندري، في تفسيره للرسالة إلى أهل رومية: "كلّنا جُعِلْنا خطأة، لا لكوننا شركاء آدم في التعدّي، وهو ما لم يكن البتّة، بل لكوننا من طبيعته وتحت ناموس الخطيئة". في هذه الخلفيّة يُفهَم قولُ الرسول بولس إلى أهل رومية: "كأنما بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة دخل الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع" (5: 12). بآدم وحوّاء دخلت الخطيئة إلى العالم والخطيئة أنتجت موتاً شمل الناس أجمعين، وهذا، أي الموت، جعل الناس يخطئون وفق الكلام على الربّ يسوع أنّه اشترك في اللحم والدم لكي "يُعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً، كل حياتهم، تحت العبودية" (عب 2: 15).
وإذا كان تعبير "الخطيئة الجدّية" يحدّث عن خطيئة الجدَّين الأوّلَين وتداعياتها، لجهة الإعتلال الذي أصاب الطبيعة البشرية، وهو ما أضحى إرثَ ذرّية آدم وحوّاء قاطبة، فإنّ تعبير "الخطيئة الأصلية" كان في خلفية أخرى واقترن بمعنى آخر بالكلّية. "الخطيئة الأصلية" جرى تناولُها في خلفية الجرم القانوني، وعَنَتْ الخطيئةَ الأولى التي ليس آدم وحده المذنبَ فيها بل كل البشرية، بصورة حتمية لا علاقة لها بالإرادة الشخصية لدى أيّ كان، من حيث إنّ البشرية متضامنة وهي ذرّية آدم وحوّاء اللذَين ارتكبا هذه الخطيئة أولاً وأصلاً.
إذاً مضامين "الخطيئة الجدّية" و "الخطيئة الأصلية" مختلفة تماماً الواحدة عن الأخرى.
فأما "الخطيئة الجدّية" فقد تفتّقت عنها حالةٌ آلت بالعالَمين إلى العبودية للخطيئة والموت، إذ "الجميع أخطأوا وأعوزهم مجدُ الله" (رو 3: 23). هذه "الخطيئة الجدّية" شمل تأثيرها البشرية جمعاء، بمَن فيهم والدة الإله. مريم، والدة الإله، واحدة منّا وتنتمي إلى الطبيعة البشرية المعطوبة التي ننتمي نحن إليها. لذا قال القدّيس أثناسيوس الإسكندري: "مريم هي أختنا لأننا كلّنا من آدم". وقال القدّيس أفرام السوري: "لقد وُلد المسيح من طبيعة كانت بحاجة لأن تتنقّى بالحضور الإلهي". إذا لم تكن مريم شريكة لنا في معطوبيتنا لا يكون ما اتّخذه الربّ يسوع، من جسد مريم، منّا. وإذا لم يكن الربّ يسوع قد اتّخذ جسدنا، في مريم، لا يكون لنا نصيب فيه ولا في ما حقّقه. بكلام القدّيس غريغوريوس اللاهوتي: "ما لم يُتّخذ لا نصيب له في الخلاص". نحن، بعد، في خطايانا. لذا لا نقول كما يقول قوم بأنّ مريم براء من "الخطيئة الأصلية". أوّلاً لأنّنا لا نقول بـ "الخطيئة الأصلية" لا من جهة مريم ولا، حتى، من جهة البشريّة جمعاء، و"الخطيئة الجدّية"، كما أبنّا، شأن آخر. وثانياً لأنّ التضامن ما بين مريم، والدة الإله، وبيننا، في الخلاص المحقَّق بالربّ يسوع المسيح له المجد، يَفرض التضامن، فيما بيننا، في الطبيعة البشريّة المكسورة.
على أنّ اشتراك والدة الإله في الطبيعة البشرية المعطوبة لا يعني أبداً أنّها خَبِرتْ الخطيئة. والدة الإله لم تعرف الخطيئة على صعيدها الشخصي. نعمة الله حفظتها، منذ الطفولية، وحفظتْ هي نفسَها أيضاً. هذا ما يعبِّر عنه، خيرَ تعبير، عيد دخول والدة الإله إلى الهيكل، عندنا، حيث القول إنّ مريم أقامتْ هناك، في عهدة ملاك الربّ، من سن الثالثة إلى الثانية عشرة. فلمّا أتاها جبرائيل بالبشارة كانت بلا خطيئة. التمييز بين حالِها قبلما حلّ الروح القدس عليها وظلّلتها قوّة العليّ (لو 1: 25) وحالِها بعد ذلك عبّر عنه، حسناً، القدّيسُ أفرام السوري لمّا قال: "الله طهَّر العذراء التي سبق للروح القدس أن أعدّها... فإنّه طهّر العذراء التي كانت، قبلاً، بلا دنس. لهذا السبب بعدما ولدتْ بقيتْ عذراء... صارت مريمُ، بالنعمة، لا امرأة بل عذراء. لست أقول إنّ مريم صارت خالدة بل إنّ الأهواء الخاطئة لم تعذّبها لأنّها كانت قد استنارت بالنعمة" (الحديث إلى الهراطقة).
هذا من جهة مريم، والدة الإله. أما من جهة الربّ يسوع فإنّه الوحيد الذي كان براءً من تداعيات "الخطيئة الجدّية". صحيح أنّ جسده كان من جسد مريم ذي الطبيعة المعطوبة لكنّه، على صعيده الشخصي، كان حرّاً من الأهواء والخطيئة والألم والموت لأنّ الحبَل به كان لا من رجل وامرأة، كما هو حال العباد قاطبة، بل من الروح القدس ومريم البتول. هذا جعل عَطَب الطبيعة المكسورة، الموروثة بالتناسل، يرتحل تماماً. هذا جعل الربّ يسوع، من جهة الطبيعة البشرية، في موقع آدم قبل السقوط. صحيح أنّ الربّ يسوع ذاق الألم والموت ولكنْ كان هذا تدبيراً، عن إرادة منه، لا عن حتميّة ولا عن ضرورة لأنّه قال: "لهذا يحبّني الآب لأنّي أضع نفسي لآخذها أيضاً. ليس أحد يأخذها منّي بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضاً. هذه الوصيّة قبلتها من أبي" (يو 10: 17 – 18). اشتراكُه، نظيرَنا، في الألم والموت كان عن تضامن، عن محبّة "لكي يُبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس" (عب 2: 14). والقول أيضاً هو إنّه "كان ينبغي أن يشبه إخوته في كل شيء لكي يكون رحيماً ورئيس كهنة أميناً في ما لله حتى يكفِّر خطايا الشعب، لأنّه في ما هو قد تألّم مجرَّباً يقدر أن يُعين المجرَّبين" (عب 2: 17 – 18). فقط في الخطيئة لم يشبه إخوته، في معطوبيتهم، لأنّ الخطيئة نكران لله وما الربّ يسوع بمنكرٍ نفسَه. هذا حصل للربّ يسوع بإفراغ الذات والصيرورة عبداً في شبه الناس (في 2: 7). بلى، بالمحبّة، بالروح القدس، بالتوحّد بالناس، لا بالمظهر ولا بالتمثيل بل بالتمثُّل، كابد الربّ يسوع الألم والموت معنا وعنّا "لأنّه لاق بذاك الذي من أجله الكلّ وبه الكلّ وهو آتٍ بأبناء كثيرين إلى المجد أن يكمِّل رئيس خلاصهم بالآلام... فلهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم إخوة قائلاً أُخبر باسمك إخوتي وفي وسط البيعة أُسبِّحك" (عب 2: 10 – 12).
هكذا غلب الربّ يسوع الخطيئة في الجسد لمّا غلب الموت والشيطان حتى، لما مدّ نفسه لنا بالروح القدس وجعل في متناولنا ما حقّقه لنا، بات بإمكاننا، نحن أيضاً، بالإيمان به، أن نعرف الحقّ ونسلك فيه ونتحرَّر من خوف الموت وربقة الخطيئة واستبداد الشيطان إلى الخلاص، إلى العافية، إلى سيرة الكمال على شبه الله، إلى التألّه، إلى ملكوت الله والحياة الأبدية.
[/FRAME]
-يتبع-
[FRAME="13 70"]
الجزء السابع
يوحنّا الحبيب، الرسول الذي كان يسوع يحبّه، لا يتكلّم عن المحبّة إلاّ مقرونة بالحقّ. ولا غرو فالمحبّة هي الحقّ متجسِّداً. المسيح هو الحق والمحبّة. كل حقّ، في الدنيا، ينتمي إلى المسيح. كل حقّ في الدنيا شهادة للمسيح. كل ما هو حقّ، في الدنيا، يأتي بصاحبه إلى محبّة المسيح. إنسانية الإنسان تتجلّى في الحقّ وفي المحبّة. بغيرهما يفقد الإنسان إنسانيته.
ما فعله السقوط بالناس أنّه حرمهم، بمقدار، من الحقّ. شوّشه عليهم. حرمهم من المحبّة. صار الإنسان مائلاً، تلقائياً، إلى الباطل وإلى محبّة نفسه. غشيته الظلمة. ولكنْ بقيت المحبّة فيه قائمة ولو مخنوقة. الحقّ، أيضاً، بقي فيه ولو مشوباً بالباطل. الإنسان صار تحت تأديب من نوع آخر. صارت تؤدِّبه أعماله، يؤدّبه سقوطه، تؤدّبه خطيئته. والحقّ أنّ الله قليلاً ما يؤدّب الناس مباشرة متى ضلّوا سواء السبيل. ما يزرعه الإنسان إيّاه يحصد. الدينونة هي أنّ النور جاء إلى العالم وأحبّ الناس الظلمة أكثر من النور لأنّ أعمالهم شرّيرة. حين يستغرقون في محبّة الظلمة، حين تكون أعمالهم شرّيرة، إذ ذاك تكون دينونتهم. خطيئتهم عينها هي دينونتهم!
ولكن بما أنّ الخطيئة لا تُشبِع، لهذا في الإثم سرّ كامن. والسرّ هو أنّ الإنسان، في السقوط، صار مقبلاً على الخطيئة، مدمناً عليها، لكنّه، في آن، في قرارة نفسه، يتسنى له أن يعرف أنّ الخطيئة جوفاء، أنّها فارغة. لا شكّ للخطيئة خِلابتها وغوايتها، لكنّها خاوية. الإنسان الذي يُقبل على المُسكِر مثلاً ويدمن عليه، يتداوى بالتي كانت هي الداء. يتألّم، ولا شك، يعاني كثيراً. وقد تمرّ في وجدانه أُويقات تجعله يتمنّى لو يخرج من خطيئته، لو لم يكن قد اقتبلها وسلك فيها. سرُّ الإثم يجعل الإنسان عبداً، يُفقده حرّيته، لكنّه يبعث في نفسه شيئاً من الصحو، شيئاً من الخيبة العميقة. هذا قد يلقيه في اليأس وقد يلقيه في التمنّي، الذي قد يستحيل رجاء. ليتني أخرج من الهوّة التي سقطتُ فيها!
مَن هو الإنسان الذي تغويه الخطيئة؟ هو مَن لم تستعبده بعد. هذا يؤخذ بمظاهر الأمور. يقع في رياء الخطيئة. لكنّه يكتشف، شيئاً فشيئاً، أنّه كان ضالاً. كأنّي بالخطيئة تأتي به إلى واقعيّة، إلى إدراك ما، إلى حسّ ما، ولو كان، بشرياً، بلا جدوى، لأنّ الإنسان قد استؤسر، بالكامل، لخطيئته. رغم ذلك، يُبْقي الله على الخطيئة تأديباً للإنسان حتى إن مَن لا يشاء أن يخلص بالبرّ، تراه يخلص بالمعاناة. يُعطَى فرصة أن يخلص بخطيئته بعد أن يكون قد عانى طويلاً، بعد أن تكون قد أذلّته وأفرغته من طاقته وحيويّته بحيث بات، في ذاته، في عين نفسه، كتلة لا نفع منها.
لاحظوا أنّ كلّ الذين سلكوا في الخطيئة حتى الثمالة، بين القدّيسين، قبل أن يهتدوا، هؤلاء، بالإضافة إلى غواية الخطيئة، اختبروا جحيمها. هذه قد تكون ربما للحظات. قد لا تكون بصورة دائمة. فالإنسان، بالخطيئة، دائماً ما يحاول أن ينسى. لكنَّ هذا لا يمنع أن يأتي بعض اليقظة من الحسّ الداخلي بالخطيئة. أمثال القدّيسَين موسى الأسود ومريم المصريّة ذهبوا في خطيئتهم إلى حدود بعيدة وعانوا الكثير. القدّيس موسى عانى الخوف والوحشة والقلق. كان يحاول، دائماً، أن يقوى على خوفه وعلى وحشته وعلى قلقه، ولكنْ بالمزيد من العنف والأعمال الشائنة، لأنّه كان مدمناً الخطيئة. ولكنْ لنلاحظ، الإنسان القوي لا يحتاج أبداً لأن يظهر بمظهر القوّة. الله قوي ولكنّه ظَهَر بمظهر الضعف. لم يظهر بمظهر القوّة. كل مَن يتظاهر بالقوّة يكون، في قرارة نفسه، ضعيفاً. هذا يختبر الضعف في عمق كيانه. يحاول أن يختبئ، أن يتوارى كيانياً. يحاول أن يحمي نفسه بالتظاهر بمظهر القوّة. الناس يغضبون غضباً شديداً من باب حماية أنفسهم. الإنسان، في نهاية المطاف، مسكين!
إذاً، موسى الأسود كان عنيفاً جداً لأنّه كان، بالأكثر، في قرارة نفسه، واهياً جداً. لاحظوا، في الطبيعة، الحيوانات التي تكون رقيقة رخصة، في داخلها، هذه تتلبّس بلباس قاس لتحفظ نفسها. مثل ذلك البزّاق والسلحفاة. ومريم المصريّة، أيضاً، كانت تمجّ الوحدة. الوحدة كانت تضنيها. لهذا انشغلت بعشّاقها. عشقت الخطيئة لتخرج من عزلتها. ثمّ مَن اعتاد الخطيئة اجترّها لأنّ حياته تصير منها ولو علم، في قرارة نفسه، أنّه في الضلال. القصّة قصّة إدمان، قصّة وَهْم. الخطيئة كاذبة وينام الخاطئ عن الحقّ كما ليهرب. ليس كالخطيئة مجال للهروب!
إذاً للخطيئة تأديبها. مَن لا يتأدّب بالكلمة ولا بسيرة القدّيسين، هذا له فرصة أن يتأدّب بخطيئته. لكن تأديب الخطيئة قاس ولا أقسى. وأعظم ما في قسوة تأديب الخطيئة أنّها تُفرِغ الإنسان، كيانياً، من إنسانيته. تشيّئه. تحوّله إلى ما دون البهيمة. وهو إذ يسترسل في الخطيئة يدرك، قليلاً أو كثيراً، في لحمه وعظامه، كم هو مستأسَر، كم هو ضعيف، كم هو مستحيل عليه أن يخرج، بشريّاً، من ذاته. يصير كأنّه في قبر نفسه كلعازر. لكنَّ ثمّةَ فرصةً أن يخرج، إذ ذاك، كلعازر، بقوّة الله، إذا اتّضع، إذا صرخ. "إلى الربّ صرخت في ضيقي فاستجاب لي ومن جميع أحزاني نجّاني". هذه فرصة أن يعود الإنسان إلى نفسه بعد أن تكون الخطيئة قد أذلّته وسحقته. لكنَّ كثيرين يفوّتون على أنفسهم هذه الفرصة ويموتون في خطاياهم. يبلغون في خطيئتهم حدّ اليأس بدل أن يبلغوا حدّ الاتضاع.
ليست الخطيئة مزحة. لا نستهينن بما يمكن أن تفعله الخطيئة فينا. صحيح أنّ الله يشاء للناس أن يخلصوا، يعطيهم صليبه، لكنْ مهما بدا صليبه قاسياً لعيوننا فصليب الخطيئة أقسى بما لا يقاس. حِمْل المسيح، في نهاية المطاف، خفيف ونيره ليِّن!
لهذا، الحكمة تقضي بأن يكون سعي كل منّا منصبّاً على اقتبال صليب المسيح مهما بدا صعباً. صحيح، السير مع الله أوّله صعب لكنّه يسهل شيئاً فشيئاً بنعمة منه إلى أن يصبح فردوساً. الصليب شجرة الحياة. صليب المسيح، مهما قلّبناه، صليب فردوسي، صليب قيامي، صليب للفرح لأنّه صليب المحبّة القائم في الحقّ. كل محبّة محبّةٌ صليبية. الإنسان الذي يحبّ لا يمكنه إلاّ أن يبذل. هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد. لكنَّ هذا البذل، هذا الصليب مُشبَع بالبهاء، مُشبَع بالفرح لأنّه قائم في المحبّة على الحقّ.
فلو أدركنا هذا الأمر لاستسهلنا كل تبعات الصليب واستهنّا بكل تداعياته في حياتنا، لأخذنا الصليب على عاتقنا بفرح، لأنّنا ننظر إلى ما نحن مقبلون عليه بشغف ونتخطّى كل الصعوبات الآنيّة الآتية علينا، وكلّها عابر. المهم أنّنا إن عرفنا أنّ وجهة سيرنا هي إلى المدينة المقدّسة، إلى أورشليم السماوية فإنّ فرح الملكوت يطغى على مشاق السفر، على أتعاب الطريق. هذه تصبح كلا شيء. فرح الربّ قوّتكم. المهم ألاّ يفقد الإنسان الرؤية، أن يعي دائماً إلى أين هو ذاهب. "تعالوا إليّ يا جميع المتعَبين والثقيلي الأحمال وأنا أُريحكم".
-يتبع-
[/FRAME]
اخي سليمان الله يقدسك
جميل جدا تامل ابائي رائع المجد لله الذي وضع فيك هذه الثقة في استقامة الايمان والفكر والروح
الى الامام وبانتظار المزيد من العشق الالهي
الاب الياس خوري
شكرا على المقال الهام جدا و لدي سؤال :
لقد افتدانا السيد المسيح و خلصنا بموته و قيامته
و انتصر على الموت و الخطيئة
فهل نحن نتمتع بحرية تجعلنا نتمتع بسيادة
أي هل نحن أسياد بخلاصنا من الخطيئة و أبناء لله
أم أننا و رغم خلاصنا ينبغي ان تكون علاقتنا بالله علاقة سيد و عبد صالح ---
عندما نصلي نقول :يالله ارحمني انا عبدك الخاطئ و خلصني
ماذا تعني كلمة عبدك
و لماذا لا اقول : ارحمني انا ابنك الخاطئ و خلصني ....
سلام الرّب لروحك أختي رويدة, أهلا بك أختاً لنا في رحاب منتدى شبكتنا المباركة. ويسعدني أن تكون مشاركتك الأولى بهذا السؤال الجوهري الذي عادة يدور في فكر الأخوة المعارضين "البروتستانت". أقول حبذا لو أعدت النظر بما ذكرناه سابقاً بدقة وأناة لوجدت الإجابة على ما خطر بفكرك. إليك قولاً آخر علّه يشفي غليلك.
صلّ لأجل ضعفي
أخيك الخاطئ وأحقر خَدَم الرّب
[FRAME="13 70"]
معلِّم الصلاة بامتياز هو العشّار الوارد الكلام عليه في إنجيل لوقا، الإصحاح الثامن عشر، الآيات العاشرة إلى الرابعة عشرة. صعد إلى الهيكل ليصلّي. كان يعمل السيئات عنوة وإلاّ ما صعد لأنّ القول الإلهي: "كل مَن يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتي إلى النور لئلا تُوبَّخ أعماله" (يو 3: 20). كيف يعمل الإنسان السيئات عنوة؟ بقوّة العادة، وبالأَولى لأنّه، في أذهان الناس، مصنَّف. تصرّفات الناس، أحياناً كثيرة، تحدّدها توقّعات الآخَرين. إذا صنَّفوا أحداً زانياً لا يتوقّعونه غير زانٍ ولا يصدّقونه إذا رأوه قد عفّ. يقولون يتصنَّع، يمثِّل. والناس مرآة. إذا قالوا فيك شراً مِلتَ بالأكثر إلى الشرّ، وإذا قالوا فيك خيراً مِلتَ، بالأحرى، إلى الخير. لذا لا يساعد الناس الشرّير على التوبة بل تلقاهم يستحلون غبطة شرّيرة إذا ما رأوا أحداً مصنَّفاً يغرق. صعب على الشرّير، والحال هذه، أن يتوب. وإذا ما تاب كان عليه إما أن يغادر معارفه أو يكون على تواضع كبير وتوق كبير إلى الله. العشّار (أنا وأنت) صعد إلى الهيكل لأنّه ملّ الخطيئة حتى العَظم ولمّا يعدْ يبالي بما يقوله الناس فيه. هذا ترافق وشعور عميق لديه برحمة الله.
وقف العشّار، في الهيكل، عن بُعد. قَرُب من الله عن بُعد. اعتبر نفسه غير مستأهل. لم يبعد عن الله. فقط وضع نفسه. التواضع، بالضبط، هو هذا أن تقرب الله عن بُعد. تقرب الله لأنّه ليس لك آخَر تذهب إليه. "إلى مَن نذهب، كلام الحياة الأبدية عندك". لكنك في دنوِّك منه تستبعد روحك عنه. تفعل ذلك، مادياً، بحركات شتى كما فعل العشّار. "وقف عن بُعد". "لم يُرد أن يرفع عينيه إلى السماء". "كان يقرع صدره قائلاً: اللهم ارحمني أنا الخاطئ". لم يشأ في هيكل الله أن يكون كمَن في بيت أبيه. لم يعامله الله كغريب. عامل نفسه كذلك. كدخيل. في الداخل ولكن كدخيل. لم يشأ أن ينظر إلى السماء. السماء ملء الله، وجهته. حين لا ترفع عينيك إلى فوق تكون كمَن يتوارى في خجل نفسه. كل العشّار كان خَجَلاً. كل خطاياه حضرته في تلك اللحظة لا كأحداث وحسب بل كواقع كياني مضنٍ. الخطيئة على الخطيئة في نفس التائب وجع على أعماق. كلّما عمقت الخطيئة عمق الوجع. ولمّا يُصَلِّ كأهل البيت. أهل البيت يصلّون كمَن لهم دالة لأنّ حفظ الوصايا، في وجدانهم، يجعلهم من الأقربين. أما هو، العشّار فصلّى كغريب يطلب القربى. "ارحمني أنا الخاطئ". أنا غريب عنك لأنّي خطئت إليك. آثامي هجّرتني عنك. قارب العشّار ربّه برهبة، رهبة الغريب المعرّض لأن يُطرد خارجاً. "اطرحوه في الظلمة البرّانية". الصلاة بحاجة إلى مثل هذه الرهبة وإلاّ لا تكون. بالتواضع جعل العشّار نفسه خارجاً. لست أنت مَن يدخل بيت الله. الله يُدخلك. ربما تدخل المكان لكنّك لا تدخل القلب. لكي تدخل القلب تضع نفسك خارجاً فيأتي ويدعوك إليه. منطلق العشّار الكياني كخاطئ، لا بل كخطيئة، أي كل كيانه كَجِبْلَةِ خطيئة، هو ما أهّله لأن يدخل إلى الداخل. "ما جئت لأدعو صدّيقين بل خطأة إلى التوبة". كيف تكون هناك توبة إن لم يكن هناك شعور حاسم بالخطيئة؟"
عين العشّار كانت على خطيئته. "خطيئتي أمامي في كل حين". ومع ذلك قلبه كان على رحمة الله. "ارحمني". قرباه من الله تمثّلت في يقينه العميق بأنّ الله رحيم. لذا بدا العشّار قريباً على بُعد وبعيداً على قرب من ربّه. في هذا الكرّ والفرّ الكيانيَين استبانت صلاة العشّار لغة الإنسان الخاطئ واقفاً بإزاء ربّه ولغة الإله الرحيم بإزاء ابنه الشاطر الذي انشطر وشطرته الخطيئة عنه إلى بلاد بعيدة.
ركنا الصلاة اللذان لا ينفصمان: الشعور بالخطيئة ورحمة الله. إذا ما اكتفيتَ بالإحساس بالخطيئة اصطادك الشيطان إلى اليأس بقوله عنك: لا خلاص له بإلهه". وإذا ما اعتبرت رحمة ربّك تحصيل حاصل ألفيت الباب موصداً دونك. علامَ يرحمك؟! إذا لم تكن عليلاً، إذا لم يكن إحساسك بالعلّة يضنيك فأنت تسخر من الطبيب إن سألته العافية. الإحساس بعماك أولاً حتى يعطيك البصر. الإحساس بالنجاسة أولاً حتى يمنّ عليك بالنقاوة. الإحساس بالخطيئة أولاً حتى يسبغ عليك الغفران. عبداً تأتيه وتشعر بأنّك كذلك فيجعلك ابناً. لذا لا حسّ بالله ما لم تحسّ أولاً بخطاياك. الإحساس بالخطيئة يذيقك تواضع القلب وتواضع القلب يدنيك من ربّك. بالتواضع تستدعي العليّ إليك.
هكذا أضحى العشّار معلّم الصلاة، بيقينه العميق أنّه إنسان وضيع، خاطئ وبيقينه العميق، في آن، أنّ الله رحيم.
إذا كان الإنسان مساهماً الإحساسَين معاً، في كونه خاطئاً وفي كون الله رحيماً، فالله مساهم أيضاً. من دون الله، في الحقيقة، لا إحساس حقيقي بالخطيئة في مستوى الكيان. الخطيئة كواقع غريب عن كيان الإنسان، كظلمة، كغربة. يحضرك الله بنعمته وأنت في الخطيئة فتعي أنّك في غربة عنه. لأنّك تشعر بحضرته تصبح غربتك عنه واقعاً مأساوياً. كذلك من دون رحمة الله لا تذوق الإله الرحيم ولا ترنو إليه. لا تشتاق. لا تنشدّ إلى ما تفتقده. لذا الله حاضر في الخاطئ حضوراً كبيراً. لا في خطيئته بل في شخصه. هكذا يتمثّل إفراغ الله الكامل لنفسه فينا كل حين.
كل هذا إذا ما تمثّلناه في تعاطينا العبادة كل يوم يؤتينا صلاة من الأعماق. بخوف الله وإيمان ومحبّة تقدّموا. خطيئتي أمامي في كل حين. لا تصرف وجهك عن عبدك فإنّي حزين، انظر إلى نفسي وخلّصها. الهيكل مكان لقاء. ألتقيه ويلتقيني. آتيه مجرّحاً فيغمرني بحنانه. آتيه ضالاً فيوجدني. آتيه ميتاً فيحييني. الصلاة، في نهاية المطاف، حياة. حين قال السيّد عن العشّار إنّه نزل إلى بيته مبرَّراً دون ذاك (أي دون الفرّيسي) فهذا لأنّ البر رضى الله، والله يرضى عن الذين يضعون أنفسهم بإزائه. الخطيئة ليست بشيء. حتى الخطيئة جعلها الربّ الإله للخلاص، للفرح. لا لأنّها فرح في ذاتها بل لأنّها معلّمة الاتضاع. وبالاتضاع والدموع نأتي إلى الفرح. "تواضعوا تحت يد الله لكي يرفعكم في حينه، ملقين كل همّكم عليه لأنّه هو يعتني بكم" (1 بط 5: 6 – 7).
وأيضاً قال الرّب
«وَمَنْ مِنْكُمْ لَهُ عَبْدٌ يَحْرُثُ أَوْ يَرْعَى يَقُولُ لَهُ إِذَا دَخَلَ مِنَ الْحَقْلِ: تَقَدَّمْ سَرِيعاً وَاتَّكِئْ.
بَلْ أَلاَ يَقُولُ لَهُ: أَعْدِدْ مَا أَتَعَشَّى بِهِ وَتَمَنْطَقْ وَاخْدِمْنِي حَتَّى آكُلَ وَأَشْرَبَ وَبَعْدَ ذَلِكَ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ أَنْتَ. فَهَلْ لِذَلِكَ الْعَبْدِ فَضْلٌ لأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ؟ لاَ أَظُنُّ. كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضاً مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ. لأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا».
[/FRAME]
لنا عودة لنتابع معكم دراسة
البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
بمعونة الرّب
"لأن الله شاء فكانت مشيئته"