بسلام إلى الرّب نطلب
بارك يا آب
الجواب على سؤالك أيها الأخت السائلة
يكمن في كلمات قلائل أعلنها السيّد معلقاً على الصليب قبل أن سلّم الإبن الروح للآب.
لكن دعينا ننظر سوية في ما سبق تلك المجوهرات
يهوذا: اعتراف .. توبة .. حل الخطيئة أي غفرانها؟
من أجل الدخول في ملكوت السموات، كان لابد من معالجة مشكلة خطيئة الإنسان. والحل الإلهي لذلك تنبأ عنه إشعياء النبي قبل مجيء المسيح بسبعة قرون إذ قال عن الفادي المسيح:
" إلاّ أنه مجروحاً من أجل آثامنا، ومسحوقاً من أجل معاصينا، حلّ به تأديب سلامنا، وبجراحه برئنا.
كلنا كغنم شردنا ملنا كل واحد إلى سبيله، فأثقل الرب كاهله بإثم جميعنا" (إشعياء 53 : 5ـ6).
حتى يهوذا! دينونته هذه تبقى عند الله
أي شيء يمكن أن يقدّمه الإنسان أكثر فائدة للعالم كلّه مثل بركات آلام الرب المخلِّصة؟!
ومع هذا فإن الخائن الذي سلَّم الرب للآلام لم ينتفع شيئًا من خيانته، بل أصابه ضرر بالفعل، إذ قيل عنه
"ويل لذلك الرجل الذي به يُسلَّم ابن الإنسان، كان خيرًا لذلك الرجل لو لم يولد" (مت 26: 24).
فثِمار عمله لا ترتد إليه حسب ما جاءت به من نتائج فعليّة، بل حسب ما أراد هو واِعتقد.
ولكن
هل نجد كفّارة ليهوذا؟
إذ بيهوذا "التلميذ" يبيع السيِّد بدراهم قليلة كعبد.
لقد كان يهوذا مع السيِّد أغلب الأيام يقضي الساعات الطويلة،
بل وأحيانًا الأيام، يراه يصنع أعمالاً عجيبة ويسمعه كثيرًا،
بل ونال منه سلطانًا للكرازة وعمل الآيات،
لكن قلبه لم يلتقي معه بسبب محبّة المال.
لقد أعمى الطمع قلب يهوذا ليبيع سيّده ليتقبّل عمل الخلاص وحق الكرازة الخفيّة. إذ قيل عنه
"ويل لذلك الرجل الذي به يُسلَّم ابن الإنسان، كان خيرًا لذلك الرجل لو لم يولد" (مت 26: 24)
من هذا نجد أن سرّ القوّة لا يكمن في مركز الإنسان أو عمله، بل في حياته الداخليّة. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم:
[الإنسان الفاضل وإن كان عبدًا أو سجينًا فهو أكثر الناس سعادة!... ضعيفة هي الرذيلة وقويّة هي الفضيلة.]
وباع يهوذا سيّده بالفضّة ليبقى فقيرًا حتى وإن تمتّع بالفضّة في يديه.
وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [من هو ليس غنيًا في نفسه لا يمكن أن يكون غنيًا، كما أنه لا يمكن أن يكون فقيرًا من هو ليس بفقيرٍ في ذهنه.
فإن كانت النفس هي أسمى من الجسد، فالأعضاء الأقل سُموًا ليس لها سلطان تؤثّر به حتى على ذاتها،
أمّا ما هو أسمى فإنه يؤثر عليها ويغيِّرها]،
كما يقول: [لا نفع للمال إذا كانت النفس فقيرة، ولا ضرر من الفقر إن كانت النفس غنية.]
يلزمنا هنا أن نُدرك أنه ليس كل خطيّة يسقط فيها الإنسان هي خيانة الرّب، وإنما الجري وراءها والبحث عنها، يطلبها الإنسان مستهينًا بالدم،
فهذه تُحسب خيانة!
استتابة يهوذا؟
هل أقلع يهوذا عن خيانته أي خطيئته؟ يجيبنا يهوذا مؤكداً عدم الإقلاع والتوبة في ما صنعه بنفسه في حقله المسروق من الناس!
ظاهراً لا ! بل هو يأس من رحمة الله
فرصة الحل والغفران ليهوذا؟
عندما أعدَّ التلاميذ الفِصح أكله المسيح معهم، إذ أطال أناته على الخائن،
قبل أن يضمه إلى مائدة محبّته المترفِّقة اللانهائية - مع أنه كان خائنًا،
وكان الشيطان قد وجد له موضعًا فيه.
أي موضع وجده الشيطان في يهوذا؟
إن الشيطان لم يقدر أن يقترب إلى كل التلاميذ لأن قلوبهم كانت راسخة ومحبّتهم للمسيح ثابتة،
لكن الشيطان وجد له موضعًا في الخائن،
من أجل مرض الطمع المرّ الذي يقول عنه القديس بولس "أصل كل الشرور" ( 1تي 6: 10) كان قد هزمه.
قال السيد "واحد من الاثنى عشر" هذا أمر غاية في الأهمّية إذ يوضّح خطيّة الخيانة بأكثر جلاء.
فإن الذي كرَّمه مساويًا إيّاه بالبقيَّة، وزيّنه بالكرامات الرسوليّة،
وجعله المحبوب وضمّه للمائدة المقدّسة... صار طريقًا ووسيلة لقتل المسيح.
يهوذا يأتي بنفسه ليعلن
أمام الكاهن الأعظم ويعترف بخطيئة الخاطئ أمام خراف الحظيرة؟
"ولما كان المساء اِتَّكأ مع الاثني عشر،
وفيما هم يأكلون قال:
"الحق أقول لكم إنَّ واحدًا منكم يسلّمني"السيِّد تحدّث عن خائنه وسط الجماعة دون أن يُشير إليه،
كان مهتمًّا بخلاص نفسه دون أن يجرح إحساساته،
ولكن إذ رأى السيِّد أن التلاميذ حزنوا جدًا، وابتدأ كل واحد منهم يقول له: "هل أنا هو يا رب" ،
رأف السيِّد عليهم من هذا الاضطراب لئلا يهلكوا يأسًا، فاضطّرّ أن يُشير إليه.
وقد ألقى الشيطان فى قلب يهوذا سمعان الإسخريوطى أن يسلّمه.
فأجاب يسوع هو ذاك الذى أغمس أنا اللقمة وأعطيه فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا سمعان الإسخريوطى.
هنا نجد فرصة ذهبية لكي يقلع عن عزم إرادته في اتباع الشرير.
ماذا فعل؟
قَبِلَ اللقمة!
فبعد اللقمة دخله الشيطان.
يهوذا اتخذ قراره حسب إرادته
فقال له يسوع ما أنت تعمله فأعمله بأكثر سرعة..
فذاك لما أخذ اللقمه خرج للوقت وكان ليلاً..
فلما خرج قال يسوع الآن تمجد إبن الإنسان وتمجّد الله فيه. إن كان الله قد تمجّد فيه؛ فإن الله سيمجّده فى ذاته ويمجده سريعاً
يتضح من انجيل القديس يوحنا – ويتفق تماماً مع إنجيل متى و مرقس- إن السيد المسيح قد تكلّم عن خيانة يهوذا أثناء أكل الفصح اليهودى
بدليل أنه غمس اللقمة وأعطاها ليهوذا وهو ما يختلف عن تناول الجسد والدم الذى أعطاه لهم كلٍ على حده.
ولم يغمس الجسد فى الدم بل قال "خذوا كلوا هذا هو جسدى، خذوا إشربوا هذا هو دمى...
وقد أعطاهم الدم فى الكأس قائلاً "إشربوا منها كلكم" (مت26: 27).
ولم يغمس الجسد فى الدم إطلاقاً... وأوضح القديس يوحنا أن يهوذا بمجرد أن أخذ لقمة الفصح اليهودى المغموسة فى المرق
"خرج للوقت"
أى أنه لم يبق إلى إقامة العشاء السري. بل لما خرج قال يسوع:
"الآن تمجّد إبن الإنسان"
أى أن السيد المسيح فى تلك اللحظة قد دخل فى دائرة الموت بإرادته حينما قَبِل أن يذهب يهوذا إلى المتآمرين على تسليمه.
فرصة ذهبية أخرى قدمها السيّد لصاحبه كما سماه بعد منتصف الليل
ما أنت تعمله فاعمله بأكثر سرعة!
كان السيد يحاول أن يثني يهوذا عن الخيانة إشفاقاً عليه،
ولكنه فى نفس الوقت كان ينتظر توبته وعدوله،
وقام مراراً بتحذيره حتى أنه أظهر له معرفته بأنه هو الذى سيسلّمه.
ولكن يهوذا حينما
أخذ اللقمة
ولم يرجع عن قصده الشرير
دخله الشيطان لأنه رفض نصيحة السيد وتحذيره وبعدها قال له السيد المسيح
"ما أنت تعمله فإعمله بأكثر سرعة" (يو13: 27).
أى إن كنت مصمماً على الخيانة فلا تبق هنا على المائدة التى لن يتناول منها إلا الطاهرون الذين إغتسلوا بالتوبة.
وإن كنت تنوى أن تتوب فليكن ذلك بسرعة قبل إقامة العشاء الربانى الذى كان الوقت قد حان لبدايته.
وبالفعل خرج يهوذا مسرعاً منقاداً بفعل الشيطان الذى ملك على قلبه.
نجد حسب الأناجيل
تدرج الشيطان فى عمله فى قلب يهوذا.
إرادة
ألقى فى قلبه أن يسلمه..،
عزم
دخل الشيطان فى يهوذا فمضى وتكلّم مع رؤساء الكهنة..،
إصرار
فبعد اللقمة دخله الشيطان..
وبعد كل هذا والشيطان قد هزم يهوذا
كان لابد للسيِّد المسيح وقد احتل آخر الصفوف - ليحمل آلامنا ويشرب عنّا الكأس حتى النهاية
أن يتقبّل الألم على يديّ أحد تلاميذه، وخلال قُبلة ليكون الجرح غاية في المرارة
لقد رآه النبي مجروحًا فسأله
ما هذه الجروح في يديك؟" زك 13: 6
فيجيب السيِّد في مرارة
هي التي جُرحتُ بها في بيت أحبائي زك 13: 6
يهواذ حبيبه ولاشك في محبة السيّد له
وتزداد الجراحات مرارة أنها جاءت مغلَّفة بغلاف الحب الغاش
والكلمات الليِّنة التي تحمل وراءها سُم الشرّ
ونحن أيضًا إذ نتَّحد بالسيِّد المسيح
يلتقي بنا من هو من أهل بيتنا
كيهوذا مقاطعًا روح الحق فينا، إذ يقول
"أعداء الإنسان أهل بيته"
لقد أعطى السيِّد الفرصة الأخيرة ليهوذا فإنه حتى في لحظات القبض عليه عاتبه بكلمات لطيفة
"يا صاحب لماذا جئتَ؟"
دعاه صاحب
ولم يزجره كما انتهر الشيطان على الجبل
لكن فى كل مرة كانت درجة تأثير الشيطان على يهوذا أقوى
درجة التفكير
إلى درجة التآمر
إلى درجة الخروج للتنفيذ
إلى درجة التنفيذ والخيانة ...
حتى وصل به إلى درجة اليأس من مراحم الله
فقتل نفسه وهلك هلاكاً
وكان خيراً لذلك الرجل لو لم يولد.
أما دينونته أي يهوذا فتبقى عند ملك الملوك.
حتى الرّب المعلق على الصليب سمّاه صاحب وطلب المغفرة للجموع, قبل أن يُتمِم!
ثم المسيح نزل وحطم الموت وسما
وستقف الجموع ونحن وحتى يهوذا "الصاحب" بلا استثناء أمام منبر المسيح المرهوب
ولذلك نسأل الله أن تكون أواخر حياتنا مسيحية بلا خطيئة
والقدسات للقديسين
ولندع قلوبنا إلى فوق
اغفروا لي يا أاخوتي