رد: الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين
لاهوت الزواج
الزواج عند الذهبي الفم
1. غاية الزواج.
2. علاقة الرجل بالمرأة.
3. رجل وامرأة تفوق طبع أم طباع.
اتضح سابقاً أن الفريد والمميز في فكر أبينا فم الذهب هو نظرته للنسك بمنظار اسختولوجي، عندها يغدو النسك فناً ليس رهبانياً بالحصر وإنما فضيلة اجتماعية.
لهذا فأية دراسة حول الزواج في كتابات أبينا القديس ستقدّم الكثير والمفيد لمجتمعنا المعاصر وإذا كانت النظرة إلى النسك كفنّ اجتماعي تبدو "غريبة" في مجتمعنا، فهذا يعود بالتحديد إلى أنَّ هذا المجتمع متأثر غالباً باللاهوت الغربي ومعتقداته. بعد دراسة الزواج عند الأب القديس سوف نتابع عرض الأبعاد الاسختولوجيّة لمفهومه للعائلة، أي في التربية أيضاً وفي العمل وفي الدولة وعلاقة المؤمن بها وسائر الأطر الاجتماعيّة الأخرى.
في نصوص وكتابات الآباء الشرقيين الأرثوذكسيين، وفي العمق الاسختولوجي ينتقل مركز الأهميّة من "العزوبية" إلى "النسك" في حالات البتوليّة، أي إلى الطريق الضيق المؤدّي إلى الحياة. هذا ما نراه مثلاً عند قديسين كـ أثناسيوس الكبير وغريغوريوس النيصصي ويوحنا الذهبي الفم. هكذا وبفضل هذه النظرة الاسختولوجيّة تصبح النهاية الواحدة للطريق الضيق وغايتها المشتركة بتعدد الأساليب فيها. في هذا تمايزت المسيحيّة منذ فجر نشأتها عن الغنوسية. وانطلاقاً من هذا الأساس السليم نجد أنه عبر تاريخ أدبنا المسيحي شدّد آباؤنا على مزايا الرهبنة وفضائلها كما شدّدوا على مزايا الزواج. فالزواج والبتولية هما وجهان لطريق واحد، الطريق الضيّقة المؤدية إلى الحياة. وكلاهما يحققان عفة الروح. لدينا مثال هو طرفا ثابور في تجلي المسيح. لقد كان موسى الذي تزوج وإيليا الذي تبتّل، حول المسيح في المجد ذاته. فلم يمنع الزواج ما حققته البتولية. في كنيستنا الشرقية سُمِحَ دائماً للاكليروس بالزواج، على عكس الكنيسة الغربية، وهذا دليل على أن هذه الطريقة ليست أدنى بل هي الوجه الآخر. في المجتمع المسكوني الأول طُرحتْ مسألة الاكليروس المتزوج، والذي دافع عن ذلك كان الراهب المتشدد "παφνουτιος". إن مباركة المسيح، كما يقول طقس الزواج في الكنيسة الأرثوذكسية، للزواج في عرس قانا الجليل هو بركة دائمة. على عكس الآباء والكتّاب الغربيون مثل كبريانوس وأمبروسيوس وايرونيموس وأفغوسطينوس حيث ظهر الميل الشديد إلى البتولية مع الانتقاص من قيمة الزواج بشكل ملاحظ وشديد. من هذه المصادر المتطرّفة الأخيرة، وللأسف، تنهل أغلب الدراسات الغربية الانثروبولوجية اليوم، وكنتيجة حتميّة، لذلك يلغى فيها التوازن الأخلاقي الموجود بين الزواج والبتولية، الذي نراه عند آبائنا الشرقيين، وهكذا يتحورّ المفهوم المسيحي الحقيقي وتفسد روح الكتاب عينه كما يخان الفهم الآبائي الصحيح.
هدف الزواج:
1. الكمال الروحي: من الواضح بأن الزواج لا يشكل حجة للكسل والتهاون في سبيل الهدف المشترك لكل المسيحيين أو هروباً من الجهاد المطلوب من الجميع، رغم ذلك بسبب التمييز "الدنيوي الفاسد" و "العالمي" يقطع الزواج عن هدفه الاسختولوجي فينقل هدفه، للأسف، من ملكوت الله إلى "المجتمع"، لهذا السبب، وفي مثل هذه الحالة، يتحوّل الزواج إلى "عائق" في طريق الكمال الروحي الواحد لكلّ المسيحيين. القاعدة الأساسية في فكر أبينا القديس هي أنّ "الحكمة" في الزواج هي بالذات "الفلسفة المسيحية" التي في الرهبنة. إن كان الزواج شكلاً جاء بعد السقوط، فأن تفوّق الرهبنة لا يعود إلى نسبها الفردوسي الذي قبل السقوط، وإنمّا في كون الرهبنة طريقاً أسهل وأسرع للعودة بالأحرى، للصعود إلى ملكوت الله. التمييز يجب ألا يتوضع بين الزواج والبتولية، ولكن في درجة الحياة الروحية أينما كانت في الشكلين. ما يميّز إنساناً عن آخر هو الخلق وليس الزواج أو عدمه.
على الرغم من كل ذلك، فإن هذه النظرة الاسختولوجية غابت عن إدراك العديد من الباحثين، الذين اتهموا أبانا باطلاً وأعادوا إليه مسؤولية مفاهيم خاطئة. زعم هؤلاء أن أبانا القديس ينظر إلى الزواج كما إلى شيء "أدنى" خلقياً من الرهبنة. وأضافوا على ذلك ظنونهم أن هذه النظرة الدنيا للزواج تعود لتأثير الغنوسية على فكر القديس فم الذهب من جهة، وإلى ترمّل أمّه المبّكر والطويل من جهة أخرى، أضف لذلك مثلاّ تجارب صديقه ثيودورس، وأيضاً ميله الشخصي للرهبنة، وبالنهاية وختاماً طبعه القاسي المتشائم.
إن إعادة أصول الزواج إلى حياة الفردوس قبل السقوط يدّل على أنه كان من أجل غاية تلك الحياة أي الكمال الروحي. الكتاب يوضح أن الله بعد أن خلق الإنسان نظر إلى آدم وقال: "لا يحسن أن يكون الإنسان لوحده، فأصنع له عوناً بإزائه" (تك2: 18)، وهناك أمر الله آدم وحواء: "أكثرا وأنميا وأملأا الأرض"
أيّ أسلوب مُدخَل بعد السقوط، هو الزواج، بلا شكّ حسن وخير وهو من حكمة الله وتدبيره، وله بالنهاية هدف تربوي روحي وغايته شفاء الإنسان الساقط ومداواته، ذلك لأن كل هذه التدابير هي من "العناية الإلهية المحبة للبشر"، وتقصد بالنهاية اسختولوجيا إلى تحقيق "التدبير" الإلهي للإنسان، أي تألهه وخلاصه.
في العهد القديم كان الزواج دائماً غاية دينية، فلم يكن اختيار المرأة يتم بحسب الرغبات، بل حسب مصلحة الجماعة. المصلحة الدينية فوق المصلحة الفردية. لأن الزواج ينخرط في مسألة الخلاص عموماً وليس مسألة فردية. قصص الزواج التي يوردها طقس السرّ، توضح بعض الأمثلة. مرات عديدة تُختار الزوجة دون أن يعرفها مسبقاً الرجل. يكفي له أن يعرف أنه يحيا معه ما تريده له جماعته. يعقوب تزوج كما أمرته أمه من قبيلتها وبني دينها ودفع ثمن ذلك الكثير. غاية الزواج إذن هي أبعد من حدود اجتماعية، إنه مسألة خلاصية في سبيل الكمال الروحي.
2. الشهوة- الجنس: بعد السقوط غدا الزواج "أمراً مفيداً جداً وضرورياً" بعد أن كان غير ضروري في البداية، كما يشرح فم الذهب، وقبل السقوط، كانت المحبة للآخر والتعايش المتوافق مع القريب هما الجوّ العام السائد، أمّا بعد السقوط، عندما دخلت الخطيئة، فقد هوى الإنسان من علاقاته الشخصية المحبّة للآخر إلى مستوى الفرديّة والأنانية، وانطوى من الشخص إلى الفرد، هكذا كأناني انطوى على حبّ ذاته بدل حبّ الآخر. فتمزّقت روابط الوحدة وتضعضعت أواصر المحبة. عندها أسرع الرّب المحب للبشر وأدخل الشهوة ليحافظ على التلاحم والوحدة بين البشر، وهكذا أعاد روابط الوحدة بين الذين سبق وتفرّقوا. فالجدّان الأولان، قبل السقوط، كانت أواصر المحبة بينهما قوّية لدرجة أنهما كانا كـ"واحد"، هكذا ظهر الله في الفردوس بحسب النص الكتابي"يكلمّ الاثنين كأنه يكلمّ واحداً"، عناية الله المُحبة أوجدت تلك الحياة المشتركة الأولى ذات أواصر محبة قوية جداً، حتى أنه لم يكن لدى المرأة حبّ أعظم من حبها لشريكها، ولم يكن للرجل حبّ أعظم من حبّه لشريكته. ولكن عندما غلب حبّ الذات وسيطرت الأنانية، صارت الشهوة عاملاً إيجابياً، بالذات لأنه ينظر إليها كواسطة تُعيد إصلاح تلك الوحدة القديمة. هذه الوحدة يحققها الزواج بالفعل عندما يُلغى منه كلّ ما هو خاص وذاتي وأناني ولا يعد ما "لي" وما "لك". بالتالي ضمن النظرة الاسختولوجيّة، الشهوة هي حسنة كدواء هادف وشاف يؤول إلى رباط للمحبة وبالتالي يساعد ويقود في درب الكمال الروحي. فمن ناحية أخرى مفهوم "المثال" كلّه يتلخّص في المحبة. إن المحبة في الزواج تأتي من الطهارة. كما أن الزنى هو دليل نقص المحبة. إن المحبة الزوجية ستقود حتماً إلى العفة في الزواج وإلى بلوغ ما تحققه البتولية.
وبعد السقوط أصبح الزواج بلسماً يداوي "ضعف الجسد" ويصير بالتالي واسطة "للعفة" والجهل. بالتالي من الواضح أن "الزواج كريم". التركيز على المقصد الاسختولوجي في كل نظرة مسيحية من جهة. ومفهوم الحياة الروحية الأخلاقية للمسيحي "كتداوي"، يعطيان لفم الذهب ولكنيستنا الشرقية المستقيمة الرأي والحياة عامة، الإمكانية أن يحثا على الرهبنة وفي الحين ذاته أن يباركا الزواج، الذهبي الفم يسمح "تنازلا" بالزواج الثاني أيضاً، وذلك ضمن نفس النظرة السابقة "كتداوي" كسماح يداوي الانحرافات والزنى وليس كوصيّة. الزيجات التي يسمح بولس الرسول، وأيضاً بعده أباء منهم فم الذهب، هي "تنازلات" مقبولة دون أن تعني أنها مُثل "ممدوحة"، لا دينونة فيها من ناحية "لكن ليست جديرة بالمدح والثناء" من ناحية أخرى.
"والتنازل إلى هذا المقدار ليس إلا دلالة على وجود ضعف شديد يفرضه". على كلّ قديسنا يفسّر "التقديس"، الذي بدونه لا يستطيع أحد أن يرى الرّب، "بالنسك والجهاد الروحي". لهذا نراه ينصح أن كان أحد غير متزوج فليحاول أن يبقى بتولاً أو أن يتزوج. وإن كان متزوجاً فليحاول ألاّ يزني البتة. فالقداسة بالنسبة لفم الذهب ليست حصراً في الحياة الزوجية ولا في الحياة الرهبانية، إنما هي ثمرة الجهاد الروحي الممكن عند المتزوجين والرهبان على السواء. إن كانت القداسة تفسّر بالجهاد الروحي والنسك فإن المقارنة بين المتبتلين والمتزوجين يجب ألاَّ تنحصر في العذرية والعفة فقط وإنما أن تشمل مجمل الفضائل الأخرى كلها. النظرة الاسختولوجية والحقيقية لا تقدّر الإنسان ولا تكرّمه حصراً بسبب الحياة التي يختارها، أتزوّجا كانت أم ترهبّا، وإنما مقياسها الذي لا يخطئ هو "مستوى الحياة الروحية"، أي الحياة بحسب الفضائل المسيحيّة، القداسة الحاصلة بالنسك.
براهين: لهذا السبب الزواج ليس على الإطلاق مانعاً للفضائل المسيحية. وليبرهن على صحة رأيه هذا يلجأ إلى رجال الكتاب المقدس أمثال "أنوخ" ،"أكيلا" و "برسكيللا" الذين لمعوا في الفضائل المسيحية وهم متزوجون.
الحفاظ على الجنس البشري:
بالطبع، بعد السقوط، وإدخال الموت، الزواج يخدم استمرار النسل البشري. اقليمس الاسكندري وآباء كثيرون آخرون يربطون هدف الزواج بواقع الموت والإنجاب. الولادة، عند بعض الآباء مثل اقليمس السابق ذكره، هي "خلق"، أي بالتالي هي من صورة الله التي بالإنسان. آباء مدافعون مثل ايوستينوس وأثيناغوراس يحدّدون الهدف الأول للزواج والشهوة الجسدية بالإنجاب، الذي يرونه كمحلّ لمشكلة الموت. الإيمان بأن هدف الزواج هو إنجاب الأولاد نجده ونصادفه عند أغلب آباء اللاتين (الذين كتبوا بالغة اللاتينية وليس اليونانية) مثل أمبرسيوس وأفغوسطينوس. لكن أبانا فم الذهب له في هذا الموضوع موقف مميّز ومتمايز فضلاً عن نظرته العميقة الاسختولوجيّة لكل الحياة المسيحية. كنه الزواج وهدفه الأساسي مرتبط بموضوع السقوط ليس من حيث الإنجاب والحفاظ على النسل بقدر ما هو بالحقيقة واسطة كمال خلقي ونمو روحي للبشر. فهو دواء ليس للموت وإنما للسقوط الروحي. الأب القديس يقول أن الإنجاب يعود لقوة الله ومشيئته بالذات ولكلمته "أكثروا وانموا". رأيه هذا يسنده إلى الكتاب المقدس عينه الذي يذكر متزوجين لم ينجبوا ولم يصيروا آباء، بينما ولادات كثيرة، كما هي ولادة اسحق، تمت فقط بقوة الكلمة الإلهية وليس بقدرة الجسد. لو لم يخطئ الإنسان في الفردوس ما كان سيصعب على الله أن يكثر البشر بأسلوب ما، وهذا ما تؤكده ولادة آدم وحواء. فلا البتولية تهدّد استمرار الجنس البشري ولا الزواج يضمنه. فلو أنَ الخطيئة لم تدخل "ما كان سيصعب على الله أن يجد الطريقة، التي كان سيتكاثر بها الجنس البشري".
تعدد الزوجات:
في العهد القديم كان هناك تعدد زوجات بسبب الحاجة إلى عائلة قوية، ولأن الخصوبة كانت الغاية. (قضاة 8، 30؛ ملوك 10: 1). وهناك زواج مع إماء. ولكن هناك دائماً تعلّق بامرأة واحدة (اسحق، يوسف...). وكتاب نشيد الأنشاد وإن كان يتكلم عن النفس البشرية والله إلا أنه يوضح التعابير التي كانت مستخدمة في ذلك الزمان ومفاهيم الزواج فيه، حتى صار مفهوم الزوجة الواحدة هو السائد في العهد الجديد.
الزواج والشهوة أُدخلا بعد السقوط حصراً لأسباب روحيّة ونسكيّة، أي للحياة بالمسيح وللكمال الروحي للبشر. إيمانه هذا يبرهنه ليس فقط من الحياة الإنسانيّة الأولى الفردوسيّة، وإنما من قيامة المسيح، التي هي وحي للحالة الاسختولوجيّة المرجوّة. و يرى قديسنا أنه قبل قيامة المسيح ساد الخوف من الموت وتسلط هذا الأخير على حياة البشر، عندها كان الإنجاب أشهى ما لدى البشر لأنّه كان استمرار حياتهم "وعزاءهم ضد الموت" والجميع بنو رجاءهم على ذلك، بأن يتركوا "ورثة" و"ذكرى" و "باقي" لهم. بالإنجاب تستمر حياتهم. وانطلاقاً من هذا الاعتقاد توصّلوا إلى السماح بتعدّد الزوجات. لأن الناس لم يكونوا قد آمنوا فعلاً بحياة القيامة، ولم تكن لديهم بعد فكرة أكيدة وواضحة عنها، وهذا ما تؤكده حوادث جرت مع أناس لمعوا بالفضائل، كأيوب مثلاً. أمّا الآن فبعد أن لمعت شمس القيامة، صار هذا الرّجاء "غير ضروري". قديسنا يضيف أيضاً أنّه بعد أن امتلأت الأرض اليوم بالبشر، أصبحت الحاجة الآن أن نشتهي "الولادة الروحية" أكثر من "الإنجاب الطبيعي"، وبالنهاية يقول أنَ "علة الزواج واحدة وهي أن نتجنب الزنى". أي الزواج هو دواء بالأساس لشهوة الجسد. في نصوص أخرى نراه يقول أنَ الزواج أُدخل لكي "نتعقل ونتعفف" ولكي نصير آباء، لكنه يختم بقوله "أمّا العلة الأولى والسبب الأساسي بين السابقين هو أن نتعقل ونتعفف".
هكذا إن كان من الحياة البشريّة الأولى أو من قيامة المسيح يعَالج الزواج كموضوع روحي، كتداوي وواسطة للكمال الروحي. بالطبع هذا الموقف لا يشكّل إنقاصاً من أهمية العائلة والأولاد، بالطبع إذا كان فكر القديس بحسب العهد الجديد لا يشدد على الإنجاب كغاية في الزواج، وإنما كثمرة، ذلك لا يعني أن الإنجاب غير مطلوب. لأن الكمال الروحي سيتم عبر(Ατόκων- εκκια) البيت- الكنيسة الصغيرة. الزواج هو "سر المحبة" كما يسميه فم الذهب. والمحبة في العائلة تكتمل أكثر عند محبة الزوجين.
لكن من الواضح أنّه عندما لا يساهم إنجاب الأولاد في تشديد أواصر المحبة والوحدة ولا تكون خلقاً روحياً وليس فقط إنجاباً طبيعياً، عندها تستحق الرثاء لا المدح. ومن جهة أخرى، عندما شدّد قديسنا على أنّ الإنجاب ليس هدفاً أوّلاً للزواج، أراد بذلك أن يخلص البتوليّة من عيب العقر.
أوّل ما نستخلصه إذن من تعاليم القديس الذهبي الفم أن الزواج هو علاج للشفاء الروحي وواسطة للكمال والقداسة وهدفه المحبة أوّلاً والتعقل والتعفف. وإن كان يتكلم بالأكثر عن فائدة الزواج كواسطة للتعقل وتجنب للزنى فهذا لا يعود إلى أنّ ذلك هو الهدف الأوّل والغاية الأساسية، وإنما نزولاً إلى حاجات سامعيه. القديس فم الذهب يبقى أبداً أميناً على وصية بولس الرسول (1كور 7: 5)، حيث يتضح أن هدف العفة هو المحبة. الاستنتاج الثاني هو أنّ الإنجاب ليس الهدف الأساسي في الزواج وإنما هو واسطة للكمال الروحي. القديس يطلب الإنجاب لكن دون أن يحتل المكانة الأولى في أهداف الزواج. هذه النظرة العميقة تعود إلى حجر الأساس في تعليم قدّيسنا، وهو أنّه لا ينطلق في نظرته للإنسان من فلسفة فيزيولوجية وإنما من الإيمان بأن الإنسان هو كائن سيسكن السماء، وعندها يغدو الزواج "سراً". هذه النظرة السامية للزواج هي ردّ مباشر على الغنوسية من جهة، وعلى المفكرين واللاهوتيين الغربيين من جهة أخرى. فالزواج هو عناية إلهية من ضمن التدبير الإلهي المحب للبشر. إنَّ كلِّ مواقف الأب السلمية والفريدة بوضوحها وجمالها هي السبب الذي جعل نصوصه الحجر الأساس الأوّل لأغلب الدراسات والمواضيع المختصة بالزواج، الجميع لا ينهلون منه عظاته وحسب، وإنمّا يعتمدون بالأساس على كلماته. هذا ما قام به مثلاً "مايندورف".
يتبع>>>
رد: الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين
الزواج والبتولية:
هناك مفارقة في البتولية المسيحية، فبينما العهد القديم يرى أنه ليس حسناً أن يبقى الإنسان وحده نرى يسوع يتكلم عمن سيخصون أنفسهم من أجل ملكوت الله (متى19، 11-12) وبولس يشجع على الاقتداء به (1كو 7: 8؛ 25: 28).
دعوة العهد الجديد للبتولية ليست احتقاراً للزواج، بل لجعل الحياة من الآن في ملء سر العرس السماوي. وبولس بالذات منذ شعوره أن صور، هذا الدهر تنطوي وتسير نحو نهايتها (1كور7، 31)، يتمنى على الذين لهم نساء أن يحيوا كالذين لا نساء لهم (1كور7: 29).
الرجل والمرأة:
ترتيب، محبة مخلِّصة وطاعة مخلِّصة:
موضوع العلاقات بين كلّ من الزوجين له أهمية في موضوع هدف الزواج وغايته. المثال الأول للحياة الزوجية وطبيعتها ليس إلا ذلك المعطى من بولس الرسول، أي علاقة المسيح بالكنيسة. بالطبع من البديهي أن تكون هذه العلاقة ذات مفهوم اسختولوجي، أي أنها علاقة خلاصية، أي علاقة المحبة المخلّصة بالطاعة المخلّصة. حيث كلّ من المحبة والطاعة تصيران الواحدة هديّة وثمنا للأخرى، ولكليهما الهدف نفسه والغاية المنشودة عينها. إنها بكلام آخر علاقة الجسم بالرأس. فإن كان يتوجب على المرأة الطاعة فهذا لا يعني أن حقوق الرجل أولاً هي الرئاسة والسيادة، وإنما، بالجوهر، واجبه هو المحبة. فالطاعة إذن لا تتماشى ولا تترافق مع الرئاسة وإنما مع المحبة. الرئاسة في النهاية هي مكافأة المحبة، فمن يُحمّل بالأحمال الأثقل، أي بالمحبة تُهدى له الرئاسة. إن نظرة الذهبي الفم الاسختولوجية تعكس العثرة الاجتماعية العامة، عثرة رسالة العرس، أي أفسس (5، 22-23)، فالقديس هنا يشدّد على أن الثقل الملقى في هذا المقطع، ثقل الواجبات، ليس هو طاعة المرأة وإنما المحبة التي يصفها بولس ويحمّلها على عاتق الرجل. هكذا يقول أبونا القديس، يطلب بولس من الرجل محبة كمحبة المسيح لكنيسته، أي أن يعتني ، أن يحبّ، أن يهتم وأن يضحي بنفسه من أجل امرأته. هذه المحبة يمكن أن نفهمها كتصوّر في الفضيلة.
بكلام آخر، إن طاعة المرأة تزيد من محبة رجلها لها وتجعل تضحيته، هذه التي يصفها بولس، ممكنة. أو بشكل عكسي إن محبة الرجل، هذه السابق وصفها، تجعل طاعة المرأة خفيفة وجميلة. فالطاعة هي الدواء اللازم لمنع الرّياء الذي يمكن أن يهدّد محبة الرجل هذه. أمّا المحبة فهي المضاد الذي يمنع التسلط الذي يمكن أن يهدّد الطاعة. فأبونا القديس، كما يعبّر عن أخلاقياتنا المسيحية اسخاتولوجياً، يفترض طاعة المرأة لرجلها وطاعة الرجل لله ومحبة الرجل لامرأته، فإن وحدة الزوجين تتم بوساطة المحبة في الطاعة وبالطاعة في المحبة.
واعترافاً برئاسة الرجل بأنها العناية، وبالمحبة المخلصة، يقبل قديسنا مع بولس الرسول أن تنعكس الرئاسة إذا انعكست أسبابها وامتيازاتها. بما أن الطاعة دخلت بعد السقوط وبعد اضطراب العلاقة بين الزوجين وبعد تزعزع أواصر المحبة ودخول الخطيئة ولم تكن منذ البداية، إذن له هدف اسختولوجي. هكذا بما أن المرأة هي أوّل من عصى وضلّ، لهذا منذ ذلك الوقت هي من يخضع ويسمع.
أضف إلى ذلك أنه بعد السقوط، وبعد غياب المحبة الكافية، صار التساوي سبباً للاختلاف والتعارك، لهذا أُدخلت الطاعة اسختولوجياً. وجوهرياً، أن الرئاسة لا ترتبط بالجنس المحدّد أي بالرجل، ولكن بذلك الذي لا يضل ويطيع الله ويحفظ الإيمان، بينما العبودية كدواء جاءت بعد السقوط، فإنه من الممكن أن تخلّص المرأة الرجل كما يذكر بولس ذاته (1كو7، 16): وما أدرَاكِ أيتّها المرأة "لربّما تخلّصين الرجل"، أي يتبادل هنا الجنسان الرئاسة.
لهذا إن زنى الرجل المتزوج يدان أكثر من زنى غير المتزوج وندعوه فجوراً لأن هذا الأمر لا يشكل فقط تدنيساً للجسد، وإنما استغلالاً لجسد لا نملكه وإنما هو ملك للآخر أي بشكل آخر سرقة واقتناص واختلاس. هذا الفجور هو أبشع من الزنى العادي لأنه لا يلغي فقط العفة وإنما أيضاً يقتل المحبة. إذ أن شرط وجود المحبة هو تقديم الطاعة والعكس بالعكس، شرط تقديم الطاعة تواجد المحبة. هذا لا يعني أنه في حال غياب أحد الشرطين أن تتزعزع العلاقة وتنفك الروابط، لأن كلا المحبة والطاعة يربطهما القديس اسختولوجياً، ليس فقط بالعلاقة المتبادلة بين الزوجين وغير الأكيدة بشكل عام، إنما بالعلاقة اسختولوجيا مع الله والأكيدة دائماً. هكذا في حال اضطراب هذه العلاقة المتبادلة ينصح الأب بأن تُقَّدم المحبة أو الطاعة من الطرفين لله. هكذا نظرة الأب العميقة اسختولوجية، وهي لا تشرح لنا فقط معنى الرئاسة والطاعة، وإنما أيضاً تربط كليهما برابط أقوى من الروابط الاجتماعية ضمن الأطر الحياتية الحقوقية والواجبية، برابط هو بالرّب.
يرفض كل فكر عالمي يقدّم كرامة للرجل وبنفس الوقت يحقر المرأة. هذه الأفكار التي لا تنبع من الكتاب ومن فكرته الاسختولوجية وهذا هو الموجود في مجتمعاتنا حتى المتطورة منها، التمييز والفصل، أما التعليم الكتابي فهو أسلوب وحده. إن الفكر الكتابي هو حلّ عملي وفعلي للمشاكل العصرية حول حقوق وواجبات كل من الزوجين وكل المشاكل الراهنة الاجتماعية بما يختص بحقوق المرأة وعلاقة الجنسين. الذهبي الفم يشير إلى أن النساء يحملن بعض النواقص لكنه يصنفها في صنفين: فالنوعية الأولى تحتوي النواقص الاخلاقية، فمثلاً الزينة الزائدة، الخوف، وغير ذلك. ولكن هذه النواقص ليست في طبيعة المرأة، وإنما تدخل إليها من التربية.
ودليل ذلك أن هذه النواقص تتبدل من امرأة إلى أخرى، وأحياناً من المرأة إلى الرجل. فبرهان ذلك أنه يوجد رجال يخافون أو يحملون تلك النواقص السابق ذكرها.
بينما نرى نساء يتمتعن بالرجولة والوعي والبساطة، في هذه النواقص يلعب دوراً كبيراً إعجاب الرجال بها. والعكس ليس حالة نادرة حين نرى نساء سبقن الرجال في البساطة وشدّة الإيمان وشجاعة التقوى والمحبة الخالصة نحو المسيح.
لا يفتأ الذهبي الفم عن التشديد والتكرار لشروحاته، بأيّ نساء كنّ متصبرات في الجهاد الروحي والفضائل الكتابية والمسيحية. ويردّد الكثيرات منهن: سارة ورفقة وراحيل وسيفورة وحنة اللواتي صرن بإيمانهن وفضائلهن معلمات فعلاً للرجال. على كلٍّ، ينّوه الذهبي الفم أن بولس الرسول ذاته يعرف هذه الحالات ويعترف بها، وذلك عندما يذكر بريسكلاّ قبل رجلها أكيلا، وذلك لتقدّمها عليه بالتقوى والفضيلة.
إذن النساء متساويات فعلاً، ويمتلكن نفس القوى من الناحية الأخلاقية، ويستطعن على وجه السواء أن يسابقن الرجال في التضحية والتكريس للجهادات الروحية وأن ينجحن بذلك.
وفي الصف الثاني، أي النوعية الثانية، يصف كل النواقص الطبيعية كما هي، مثلاً الضعف الجسدي بمقارنة المرأة بالرجل. لكن نواقص كهذا هي امتيازات طبيعية جسدية لا قيمة للفرق بها اسخاتولوجياً أو أخلاقياً. وهذه الامتيازات التي يعطيها العالمَ المعلمن أهمية، هي بالواقع لا أهمية لها. فالقوة الجسدية حين توجد أو حين تغيب لا تزيد الإنسان كرامة ولا تنقصه منها. فعندما يجري الكلام عند آبائنا القديسين يجري الكلام بالأخص على طباع نسائية وعلى رجولة. وهذه الطباع ذات المعنى الأخلاقي تأتي من التربية وليس من الطبيعة. لهذا يشدّد فم الذهب أن بولس استطاع أن يقول: لا عبد ولا حرّ، لا رجل أيضاً ولا امرأة. لهذا يتابع أبونا ويقول: فلا الطبيعة ولا الضعف الجسدي يمنعان التقوى أو التقدّم بسرعة في طريق الكمال. فالمطلوب إذن أن نطرح عنا الطباع النسائية لتشتعل فينا الرغبة والهمّة، اليقظة والرجولة.
فعندما نفسّر القوة بالرجولة عندها تسقط التميزيات العالمية التي بحسبها تصير المرأة أدنى من الرجل. لكن الواقع أن هذا الطبع النسائي سمّي هكذا لأن الناس يربونه بالعموم في بناتهم. ونلاحظ أن هذه الاهتمامات المعاكسة للرجولة بشكل عام عند النساء. لكن هذا كما ذكرنا لا يعود إلى طبيعتهنّ ودليل ذلك أن مثل هذه التمييزات تلغى في الكنيسة لأن التربية هنا تختلف عن التربية العالمية. هذا الطبع هو طبع يختص بالنفس وليس بالجسد.
طقس الزواج:
قديماً لا توجد نصوص واضحة تشير إلى ذلك. لكن الإسرائيلي كان يعرف أن الله يقودهُ في اختياره زوجته (تكوين 24، 42-52)، وأن الله في العهد حدد شرعيَّة وناموس وقوانين هذا الزواج.
كتاب طوبيا، بعد السبي، يعطي روحانية أسمى عن الأسرة المهيَّئة بيد الله (3: 16), بولس الرسول يعطي للزواج درجة سامية جداً حين يربطه مع علاقة المسيح بالكنيسة. والزواج في الكنيسة لا يعني أبداً مباركة ما هو طبيعي، لكن يعني إطلاق هذه الوحدة الجدّيدة في درب الملكوت.
إن سر الزواج كغيره من الأسرار لا يعمل في الإنسان بشكل عفوي، وإنما يشترط قبوله المعبَّر عنه بمساهمته في طلب نعمة السر.
سرّ الزواج يشدد على وجه الشهادة. الدورة حول المائدة وترانيمها "أيها الشهداء القديسون..." كلها موازية لما يتم بسرّ الكهنوت. والرابط بين السرّين هو سرّ المحبة كشهادة. المحب دائماً شهيد. المحبة دائماً تربح. إن وضع الإكليل يؤكد عن نظرة الكنيسة للعروسين كشهيّدين تكللهما. إن ذكر الشهداء الأربعين.. يؤكد أيضاً على درب المحبة والشهادة فيها.
رد: الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين
الغـنى والفقـر
للمطران بولس يازجي متروبوليت حلب للروم الأرثوذكس
مقدمة
شغل موضوع المال والغنى، كما مسائل الفقر والألم، الفكر البشري طيلة حياة الإنسان. ولطالما ارتبط بمسائل العدالة الاجتماعية أو الحياة الأخوية الإنسانية في الفكر الديني أو الاجتماعي. لعل توزيع الخيرات كان وراء أهم الحركات والصراعات التي عرفتها وتعرفها وستعرفها البشرية.
لا يمكن لأي دين أو فكر إنساني أن يتغاضى عن مواجهة هذه المسائل الحياتية. المال هو زاد الحياة. والرب أدرك أن البشر يقدرّون المال حتى حدود التأليه لذلك رآه نداً له: "لا يمكنكم أن تعبدوا ربين، الله والمال (مأمونا)"[1]
ما هي الرؤية المسيحيّة للمال وما هو موقفها من الغنى؟ كيف تنظر إلى مسائل الفقر؟ أين يكمن دور المسيحيّ المؤمن وما هو؟
إن أغلب المفاهيم المسيحيّة الخلقية حول الفضائل كالصوم والفقر والعفة والتواضع..، تحددت في القرون المسيحيّة الأولى، وخاصة مع عصر النهضة الرهباني، وبدايات القرن الرابع والخامس، حيث تنصَّرت الدولة وصار الملحّ هو التشديد على لون الحياة المسيحيّة الاجتماعية، بمقابلته مع الحضارة الوثنية السابقة. بعد هذه المرحلة الزمنية الخاصة من تاريخ الكنيسة ترددت الأفكار ذاتها. عدا استثناءات معينة حول الصلاة (القرن 14) وسواها، التي تبلور التعليم عنها في مراحل لاحقة.[2]
لا بد بالبداية من الإشارة إلى أن الموقف في المسيحيّة حيال هذه الأمور ليس رومانطيقياً ولا عقائدياً رافضاً وإنما إيجابياً. إلا أن ما يميزه عن غيره هو أساسه الأنثروبولوجي المرتبط بعلاقة الإنسان بإلهه وبالقريب، كمسألة تعرف عن ذاته الإنسانية. فالمال لا يُدرس من وجهة نظر اجتماعية وحسب، ولا من منطلق اقتصادي مثلاً، بل من النظرة الكتابية للإنسان وغايته، حيث يجب أن يكون للمال دور في هذه المسيرة، وهذا الدور يحدد قيمته. كل شيء، من نظرة مسيحيّة، صالح حين يخدم هذه الغاية، وسيء حين يضرُّ بها. وهذا ما عبر عنه الرب قائلاً: "ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟"
على أن الفكر المسيحيّ جاء نتيجة تطور متواصل طيلة العهد القديم. كان زمن العهد القديم زمن تهيئة لاستقبال العهد المسياني المنتظر. وخلاله أدَّب الله شعبه بوسائط متعددة، بإرسال أنبيائه، الذين لم يتغاضوا عن مسائل الفقر، لا بل إن الله كان بالنسبة لهم "إله المساكين"، كما وأنهم لم يقفوا من الغِنى موقف الحياد. ومن جهة أخرى، إن الناموس كما يُعرَّفه بولس الرسول كان مُدَّرِباً ومُهذِّباً ليؤهل الشعب لاستقبال المسيح.
الغنى في العهد القديم بشكل عام هو بركة إلهية. والخيراتُ هي هبةٌ إلهية لطالما ارتبطت بالغنى الإلهي. لا بل لطالما انتظر الشعبُ آنذاك من الرضى الإلهي خيراته وهباته الأرضية. "طوبى للرجل الذي يتّقي الرب ويهوى وصاياهُ جداً. تكون ذريته في الأرض مُقتَدِرةً... يكون المال والغنى في بيته".[3] إن ثباتَ أيوب بعد تجربته جلَب له غِنى مضاعفاً، فالله يُغني أحباءه كإبراهيم،[4] واسحق،[5] ويعقوب.[6] والغنى هو عنوان الشرف وهو بركات السماء. لذلك يبقى الفقرُ عثرةً، لم يقف أمامها المرسلون والأنبياء بصمت. إن الفقر عثرة اجتماعية، ولليهود تصبح عثرة دينية. خاصة بعد عصر الملوك وتفاقم التفاوت الطبقي بين شعب الله الواحد.
فغنِّي عن الذكر كم يُحرِّر الغنى من العوز الصعب، ومن العبودية التي تفرضها ظروف الفقر القاهرة. لذا يبدو الثراءُ مجداً واكتمالاً[7]في حين أن البؤس يبدو خِزياً وفشلاً.[8]
لعله، وللوهلة الأولى، كونُ الغنى هو علة كل الخيرات، يمكن اعتباره الخيرَ الأول. ولكن لأنه يفشل بضمان الصحة دائماً وطول الأيام والأولاد وسواها من الخيرات الأساسية في حياة اليهودي في العهد القديم أُعتُبِر الغنى خيراً نسبياً تسبقه الصحة والشرف والسمعة الجيدة وسلام النفس.[9]
تُرافق الغنى دائماً بعض الأوهام والمخاطر، وليس الغنى دائماً هبة إلهية، فقد يكون نتاج الظلم، لكن حكمة العهد القديم تؤمن أن الغنى الحرام يضرُّ بصاحبه،[10]وأن "ما يجمعه المرابي يرثه البار في النهاية".[11] "ومن يتكل على غِناً (ويستغني عن الله) يسقط".[12] لذلك اشتهت الحكمة اليهودية الحل الوسط "لا تجعل حظِّي الفاقة ولا الغنى، بل أرزقني من الطعام ما يكفيني لئلا أَشبع فأجحد وأقول مَنْ الرب، أو أفتقر فأسرق واتخذ اسم إلهي بالباطل".[13]
إن قساوة الطبقات الغنية والظروف التي مرَّت بالشعب اليهودي غالباً ما حمَّلت عِبر تاريخهم، لشخص مسيّا القادم والمخلص، لون المخلِّص الأرضي الذي سيرعى شعبه في حاجاته فيأكل البائسون الفقراء في أيامه ويشبعون.[14] إنه الآتي الذي سيرفع آلام شعبه ويمحو الفقر والمرض والعبوديات، إنه الذي سيهبهم الحرية وينادي للمساكين بالعتق.
وشعب الله في غالبيتهم هم بالنهاية الفقراء الذين ينتظرون خلاصه. الخلاص الذي امتزج بالأحلام السياسية والاقتصادية، التي فاجأهم المسيح بتحطيمها، عندما دخل بيتَ عنيا راكباً على ابن أتان. من بين هؤلاء كانت "القلةُ" المختارة التي رأت في ناموس الرب والهيكل غِناها. جماعة قمران كانت الفئة التي مثَّل الخيارَ الأخير في أبعد تعبير عنه. حيث عاشت الفقر الطوعي "لم يكن أحد منهم أغنى من الآخر لأن القانون عندهم أنه إذا دخل أحد الشيعة يترك للجماعة ثروته". ولعلهم هكذا استبقوا ما حققته كنيسة أورشليم الأولى فيما بعد.
الانقلاب الإنجيلي واضح، فهو يأخذ طابع القسوة تُجاه الغنى وحذراً تجاه المال. فهنالك ويلات موجهة للأغنياء[15]ولعل "دخول جمل من ثقب الإبرة أسهل من أن يدخل غني ملكوت السماوات.[16]
إن حلول ملكوت الله بين الناس هو الكنز الذي لا يقدر بثمن، ويستحق أن نضحي بكل شيء من أجله[17]، وهو يلغي أهمية الخيرات الأرضية. إن الرسالة الجديدة لا تسمح بعد بالاهتمام بما هو أرضي إلى حدود هذا الدهر وحالة الترقب التي يحياها المسيحي في انتظار سيده تجعل من له أملاك كمن ليس له.[18] الرسالة الجديد قوامها يسوع والحقيقة، والرسل لم يكونوا بحاجة إلى مذود ولا لأي شيء في الطريق، عندما أرسلهم الرب أولاً،[19] لكنه طلب منهم عند آلامه أن يبيعوا ما لديهم ليشتروا سيفاً، وأن يفعلوا ذلك أيضاً من أجل الرسالة.[20] ويجب ألا يلتبس علينا مفهوم السيف كما التبس على الرسل حينذاك؛ فهو يعني الاهتمام بما هو أرضي حتى الحد الكافي لاستمرار الرسالة. لم يكن لبولس على غرار سيده[21]ولا للرسل اهتمام إلا بالكرازة بالرغم من أن الصندوق كان لديهم. ورغبة يسوع بالتخلص من هموم المادة وواجبات الضرائب للتفرغ للبشارة واضحة حين دفع الضريبة[22]وقَبِل بحق المعبد.[23]
الكتاب المقدس، حياة المسيح والرسل، وكتاب الأعمال، يحتاجون لتفسير عميق يعلل كل الآيات والمواقف التي نجدها فيه. تقليدنا الآبائي يشرح الكتاب بإسهاب. عندما ننطلق في قراءة أي موضوع في الكتاب المقدس يجب أن نأخذ بعين الاعتبار روحه الجديدة. المسيحيّة هي دين الحرية والمحبة. من هاتين العدستين يمكننا تفسير كل المشاهد، ومن خارجهما دائماً تختلف الصور الظاهرة عن حقيقتها.
يتبع>>>
رد: الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين
حيادي
الحرية البشرية هي المسؤولة عن الخير والشر. والمحبة هي المعيار. الكتاب المقدس بعهده الجديد، وكما فسره وعاشه الآباء اللاحقون، استبدل مفهوم الغنى. المال في الفكر المسيحيّ، بحد ذاته، ليس خيراً ولا شراً، إنما هو أمر حيادي يتحدد صلاحه في كيفية استخدامه.[24]الأمور الصالحة هي الفضيلة[25]وكل ما هو من أجل الملكوت.[26] وعكسها هي الأمور الشريرة. أغلب فرص الحياة وأمورها هي حيادية بطبيعتها، يعود للإنسان تحديد مصيرها الصالح، بحريته وخياره وطريقة استخدامه لها.
فكما أنه لا فرق بين إنسان أسود أو أبيض كذلك لا فرق بين أن نغنى أو أن نَفقر،[27] (القديس الذهبي الفم). الغنى فقط عندما يترافق مع حياة الفضيلة. المال بيد إبراهيم وأيوب كان أسلحة برّ وفضيلة.
مَثلُ الغني ولعازر يَدينُ الغني ليس لغناه، بل لقساوة قلبه ولِلا إنسانيته ولعدم تحنُّنه. الروح النبوية عند الآباء لم تقاوم المال ولا تهجمت على الأغنياء، ولكن أنبَّت الاستخدام السيئ والبذخ والإتراف.[28] فالغنى لا يقتضي وجود الجشع. بولس عندما يوصي "على أغنياء هذا الدهر ألا يترفعوا"،[29]يعني أنه يميز بين غِنى هذا الدهر وغِنى الدهر الآتي الحقيقي.
غِنى هذا الدهر يحمل اسم الغِنى لا حقيقته عندما يفتقر إلى الفضيلة. لأنه يُقدم لحامله الهموم والأتعاب والترفع، فهو إذن يستحق الاحتقار.[30] إلى مثل هؤلاء المترفين توجهت ويلات الإنجيل.[31] هذا الغنى سماه المسيح أشواكاً، لأنه لا يعطي ثمراً ويجعل حامله مكروهاً من الجميع. لكن الطمع والجشع والترفع ليست مسائل تخص المال بحد ذاته وإنما هي صفات مستخدميه، كصفات الكرم والعمل والإحسان والتواضع في غيرهم.
1.الغنى الحقيقي
عندما يصبح ملكوت الله هو الكنز الحقيقي،[32]واللؤلؤة التي باع مَنْ وجدها كل شيء ليشتريها، عندئذ الغنى الحقيقي هو الافتقار بالروح، لأنه بحسب التطويبة الأولى في إنجيل متى، الفقراء بالروح هم ورثة الملكوت: "طوبى للفقراء إلى الروح فإن لهم ملكوت السماوات".[33]
الفقير بالروح هو الذي يزهد بحريته بالأشياء الكثيرة ليهتم "بالواحد الذي الحاجة إليه". الفقير بالروح هو الذي يشعر أن الله مُتكلُه، ويجعل كنزه في السماء، حيث يستقر قلبه أيضاً.[34] هذا هو الغنى الحقيقي: الفقر بالروح أي حبُّ السماويات. من هذا المنظار إن مقياس الغنى أو الفقر هو مقدار تحررنا من شهوة المال أو عبوديتنا لها.[35] فالمسألة ترتبط بالموقف الروحي الداخلي. هكذا الفقير بالروح (التطويبة الأولى) والغني بالله (مثل الغني الجاهل) يتطابقان.
إن خدعة المال هي أن تجعلنا "أغنياء فنستغني" عن الله ونغدو أفقر الناس.[36] الغني الحقيقي هو من يفتقر في طلب الرب ورحمته. إن مقدار الفقر لا يحدده مقدار المال، وإنما إلحاحُ الحاجة. فالقناعة في المفهوم الإنساني هي كنزٌ.[37] الغني الساعي وراء المزيد، هو بسبب الحاجة فقير، والفقير المكتفي هو مستغني بالقناعة.[38] لا تُشكل هذه النظرة الرواقية حلاًّ مسيحياً. وإنما يستخدمها الآباء (كباسيليوس) لشرح معنى الفقر. ويربطونها بالفقر بالروح ليتضح معنى التطويبة الأولى. هذا الفقير بالروح، كما يقول بولس الرسول، يبدو معوزاً وهو يُغني العالم (718-719) فهو قد لا يملك شيئاً أرضياً ولكنه غنيّ بكل تعزية.[39]
2.الملكية
هذه الحرية الداخلية هي الشرط الأول لنفهم معنى المال في المسيحيّة. أما الشرط الثاني فهو المحبة. المحبة التي لا تملك شيئاً لذاتها. ما هو موقف الإنجيل من المُلكية؟ وما هو التوزيع العادل للخيرات بالنهاية؟ إنه السؤال الذي تتأرجح عليه الإجابات عند الآباء من رافِض بالكلية إلى مُتقبِّل.
بالتأكيد موقف المسيحيّة من الخيرات هو إيجابي،[40] دون أن يلغي ذلك الفقرَ بالروح بل على العكس فهو يؤكده. لكن الآراء تبدأ من قبول للملكية الشخصية، مع شرط حسن الاستخدام للأموال والخيرات،[41] وتصل لحد الرفض القاطع لأية ملكية شخصية،[42]الحق الروماني على خلاف المسيحيّة يُعطي حق الملكية المطلق على الخيرات والممتلكات والعبيد، حتى حدِّ الاستخدام بدون أي شرط أو رادع أخلاقي. المالك سيد على ملكه وله الحق حتى بإتلافه.[43] يحق للسيّد بيع عبيده وأن يفعل بهم ما يشاء. للإنسان في الحق الروماني حرية الاستخدام حتى الإباحية. فالمُلك هو للإنسان المالك ، وهو حرُّ التصرف بالمطلق بممتلكاته. الخيرات في الفكر المسيحيّ، وخاصة بعد القرن الرابع عند الذهبي الفم والكبادوك، نجدها تنقسم إلى صنفين، الخيرات الروحية والخيرات المادية. أما المادية منها فهي نوعان أيضاً، الحرة والاقتصادية:
الأول هي الخيرات العامة الحرّة، وهي تلك التي يهبها الله للجميع دون استثناء، التي بدونها فعلاً لا تقوم الحياة كالنور والمطر.[44] ولقد وهبها بطريقة يصعب على الجشعِ البشري أن يحرمَ منها الضعفاء. أما الخيرات الاقتصادية، فهي تلك التي يلعب العامل البشري إلى جانب الهبة الإلهية دوراً هاماً في توزيعها.
بالنهاية كل الخيرات هي هبة إلهية وتعود ملكيتها للمالك الوحيد. الدور البشري فعال في توزيع الخيرات الاقتصادية. الإنسان إذن لا يملك وإنما يدبّر. التعبير البشري "مالي" و "مالك" هو تعبير خاطئ وهو الذي جلب الخصومات إلى الدنيا.[45] إذا كنا نشترك جميعنا بالخيرات الروحية، كالمائدة المقدسة والأسرار الإلهية والنعم السماوية، فهل يمكننا أن نمتلك لذواتنا دون غيرنا الخيرات الأرضية.[46]
يُشدَّد الذهبي الفم في تفسيره قول المسيح "اصنعوا لكم صدقات بمال الظلم"،[47] على أن المسيح لا يطلب عمل رحمة من أموال مسروقة مثلاً. فهو بالطبع لا يفرح بأن نظلم الأول لنصادق الآخر، كما يعتقد بعض الناس ويفسرون هذه الآية. المسيح لا يرضى أبداً بأن نعرّي الأول لنكسو الثاني. مالُ الظلم هو المال الذي أجعله ملكي بينما الحق أنه ملك غيري. مال الظلم بالتالي هو كل ملكية يعتقد الإنسان أنه سيّدها. بينما هو يسلبها من مالكها الوحيد، الله. كل مدبّرٍ مؤتمن على إدارة هذا المال حين يُحوَّل نفسه إلى مالكٍ له يُصبح عندئذ سيداً على مال ظلم. وبالتالي يقول المسيح أننا بالحقيقة نصنع صدقاتنا من ماله هو، وليس من مالٍ لنا.
لقد وهب الله الخيرات الحرة للجميع وقدم الخيرات الاقتصادية إلى الناس، وهي ملكه، ليُحسنوا توزيعها.[48] حُسنُ التوزيع هذا يساعد على المحبة والنمو الأخلاقي.[49]
الذهبي الفم إذن يرفض بشكل قاطع أي إمكانية للملكية الشخصية. موقفاً كهذا متشدداً نجده عند سمعان اللاهوتي الحديث[50] أيضاً وسواهما.
الملك الشخصي، الحقيقي، هو ما يبقى للإنسان. البشر يتناقلون الغنى ويتركونه. يرثون الخيرات ليورثوها بدورهم. حقيقة الموت تجعل الإنسان عبداً ووكيلاً، صالحاً أو سيئاً. الأمر الوحيد الذي يمكننا أن نملكه هو الفضيلة والصالحات الروحية. الخيرات المادية هي بمثابة "الوديعة" و "الوكالة". إذن توزيع الخيرات الاقتصادية هو الذي سيفصل الجِداء إلى اليسار عن قطيع اليمين. المحبة، الشرط الثاني لفهم موقف الإنجيل، هي حكمة العبد الأمين. العبد الأمين هو الذي يعرف أن مدينته الباقية ليست الحالية، وأنه مؤتمن وحسب على الخيرات الأرضية.[51]
يتبع>>>
رد: الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين
3.تساؤلات في استخدام المال
مما سبق تتولد الأسئلة التالية:
1-إذا كان الغنى الحقيقي هو الفقر بالروح، فهل هذا يعني التردّي الاقتصادي والعدم والعوز؟
إن الفقر بالروح هو، كما اتضح سابقاً، الاستغناءُ عن شهوة المال لنغنى بالله، إنه استبدال الكنز من الدهريات بالملكوت. وهذه الحرية الروحية يمكنها أن تعيش في بحبوحة ووفرة المال ويمكنها أن تقبل العوز والحاجة إذا فُرضتْ.[52]
القديس مكسيموس المعترف يميز بين ملكية خاطئة وبين احتفاظ (ملكية) بالمال غير خاطئة. الفرق بين الحالتين. أنه في الحالة الأولى المالك يتعلق بالمال ولا يحب التخلي عنه، وفي حال فقده يشعر أنه فقد حياته، وهذا ما حصل مع الغني الشاب في الإنجيل، إذ لما دعاه يسوع للكمال وترك المال حزِنَ لأنه كان يملك الكثير (غنياً).
في الحالة الثانية لدينا أمثلة عديدة كمتى، الذي ترك التعشير وتبع يسوع، وزكا، الذي وزَّع نصف أمواله عندما دخل يسوع بيته وسواهما.[53] فالمسألة تتعلق بالعمق بشهوة المال والتجرُد عنها، تلك الشهوة التي تسلُّطها على الإنسان يحرفه عن غاية حياته والتحرر منها يجعله سيِّداً على كل شيء.
وليس كل فقر ممدوح بل ما هو ناتج فقط عن الزهد المسيحيّ، الفقر بالروح هو الفضيلة، العوز يبقى دليل كسل غالباً. لا بل الفقير الذي يشتهي الغنى يُرثى له.
المسيحيّ يحيا في فقر، لأنه جائع إلى الخبز السماوي فقط، ولو كان وسط كنوز الدنيا. هكذا كان أيوب وبهذه الروح تصرف إبراهيم. المسيحيّة تجد في الخيرات والغنى هباتٍ إلهية، والوفرة أداة للمحبة كبيرة. لكن روح الفقر حتى في وسط الخيرات هو الغنى الحقيقي. المدبر فقير إلى الروح ولكن غنى العطايا هبة إلهية مباركة ومسؤولية أكبر.
هل يمكن للكنيسة أن تغنى؟ يجب أن تحظى الكنيسة على الكثير من المال، وأن تضاعف الوزنات. ولكن المؤمن يحيا في وسطها فقيراً بالروح، لأن الكنز هو اكتساب الروح الذي لا تحققه الرفاهيات وإنما الطريق الضيقة المؤدية إلى الحياة.
المال بالنهاية "أداة" و "وكالة" كلما زادت كلما أعطت فرصاً أكبر للخدمة. لذلك المال مطلوب لأن الحاجات البشرية كبيرة.[54] الخادم والمدبر يحب التواضع ويكتفي بالحاجة،[55] يصلي للرب كل يوم أن يهبه "الخبز الكفاف" (صلاة أبانا الذي...). المؤتمن على خيرات كبيرة له المسؤولية في تحسينها وتوزيعها.[56] لذلك كما يقول باسيليوس الكبير، غنى هو ليس ما يُجمع ولكن ما يبدّد.[57] والثوب الثاني الذي في خزانتك ليس لكَ.[58] الخيرات هي الوزنات، التي جَمْعُها يعني طمرَها. الذهبي الفم يمثل المال بالمن الذي وهبه الله للعبرانيين في البرية. الذي من جشعهم حين جمعوا منه المزيد تعفن. المال حين يُجمع يفقد غايته. الكلمة اليونانية للمال Χρήματα تأتي من معنى Χρήση أي الاستخدام، المال هو إذن للخدمات.[59] المسيح في الإنجيل أعطى الأمثلة عن الوكيل الظالم وعن العبد الحكيم.
إذن مفهوم الفقر بالروح هو الفضيلة المسيحيّة التي تعني طرح شهوة المال وتركيز انتباه الإنسان إلى غايته السماوية وتحقيق أبعاده الإنسانية. وهذه الفضيلة الحياتية تحيا في وسط الخيرات العديدة، لأن رجل الفضيلة هو أحق من يؤتمن على العطايا. الذهبي الفم يقول إن أفضل يد تستخدم المال هي أيادي الرهبان. في المدينة الفاضلة، (إن صح التعبير) لفم الذهب، القاعدة هي مقولته الشهيرة "أن يحكم الرهبان أو يترهب الحكام". اليد الفاضلة المطبوعة بالزهد، والقلب الذي يحمل حب الإنسان ورسالة البشارة، هما الأحق والأوفق في إدارة المال والأدرى بتوزيعه واستخدامه والاستفادة منه.
هل يحق للغني مثلاً أن يتوقف عن العمل؟ وهل الزهد يعني الاكتفاء بالقليل والخلود إلى الكسل. الجواب على ذلك تعطيه الجماعات الرهبانية، حيث العمل لا يأخذ دور التحرر من الحاجات تلك الحاجات المادية التي قلصتها الحياة الرهبانية إلى الحد الأدنى. عمل ساعة باليوم يغطي حاجيات الراهب. لكن الحياة الرهبانية تقوم على التقسيم الثلاثي لليوم، ثمانية ساعات عمل، ثمانية ساعات طقس وليتورجيا، ثمانية ساعات خاصة بالراحة والمطالعة والصلاة الشخصية. العمل والمال هما الوزنة، للمؤمن أن يتأخر بها بغضّ النظر عن حاجاته. حاجة المؤمن الحقيقية ليست على قدر "ما يحتاج" بل على قدر "ما يجب". المال ومضاعفته وإنماؤه والمتاجرة به أي حسن استخدامه إلى الحد الأقصى ضمن إطار الفقر الداخلي والمحبة للآخر هو غاية مسيحيّة وواجب روحي للمؤمن[60]من يستطيع أن يغنى بين الفقراء ويقول أنه يُحب؟[61]من يستطيع أن يرتاح بتأمين حاجياته وعلى وجه الأرض متألم؟[62] الرب يسوع قال: "أبي يعمل وأنا أعمل". والرب خلق الإنسان خالقاً ثانياً لينميَّ الخليقة الأولى بعمله واختراعاته وماله والخيرات.
على الصعيد الاجتماعي، هل يمكن لهذه الرؤيا المسيحيّة، التي قد تبدو للكمال أكثر مما هي للواقع، أن تصير مبدأً اجتماعياً؟ لا بد أن المجتمعات البشرية لا يمكنها أن تقوم إلاَّ على مبدأ العدالة، وخاصة أن الدعوة المسيحيّة إلى هذا الكمال هي دعوة حرّة[63]وتلبيتها الكاملة تتطلب من الحياة زمناً طويلاً. لذلك المسيحيّ يحيا فاعلاً في مجتمعه مجاهداً من أجل العدالة والمساواة في التوزيع والتزامِ مسائلَ الفقراءِ، ليس على الصعيد الشخصي الروحي وحسب، وإنما على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وسواهم. هذه إحدى مظاهر المحبة للقريب، والمسيحيّ الحق هو أحق من يمارس هذه الحقوق.
وعلى الصعيد الشخصي، عليه أن ينمو في الفقر الروحي والزهد المسيحيّ، فيشتري دائماً كنزه السماوي بائعاً كنوزه الأرضية ومعيداً إياها إلى أيادي أصحابها المُعتازين.
الإصلاح الاجتماعي يستحيل تحقيقه على مستوى الفضيلة الشخصية، إن المسيحيّ المؤمن الذي يحافظ على حياة الفضيلة هو المعني قبل سواه بممارسة الحقوق السياسية والاقتصادية الاجتماعية والثقافية. الفضائل مسائل شخصية توجه الإنسان، في ضمانات الروح، ليقود بالتزامه هذا مسائل الحياة الاجتماعية على اختلافها.
السؤال الثاني الذي تطرحه الفكرة المسيحيّة حول المُلكية، حيث الله هو المالك والإنسان هو المدبّر، هو: ألعَّل الإنجيل هو شيوعية مسيحيّة قبل الشيوعية الإلحادية؟ ويزيد السؤال إلحاحاً هو تشابه حياة الكنيسة الأولى في أورشليم، حيث كان كل شيء بينهم مشتركاً،[64] مع الفكر الشيوعي. على الرغم من التشابه الخارجي إلا أن الفرق كبير جداً. فالمسيحيّة لا تقبل بالملكية وترى الله المالك الوحيد. المسيحيّة لا تقسّم الملكيات وفقاً لمعايير التساوي والفرص المشتركة أو المتكافئة. الشيوعية توزع الخيرات بمعايير قد تتوازن حيناً أو تظلم أحياناً أخرى. المسيحيّة تجد في الملكوت الكنز الوحيد وفي الخيرات مسؤوليات. المسيحيّة تلغي شهوة المال لتستبدلها بحب الإلهيات. المسيحيّة تبدل الكنز ولا توزع كنوز الأرض. الإنسان الذي يحيا لهذا الدهر هو في المسيحيّة مِسخٌ وليس إنساناً. الإنسان في المسيحيّة هو ابن السماء يتعاطى المال ليسدَّ الحاجات ويخدم المحبة. في الشيوعية العدالة الاجتماعية لا تلغي شهوة المال ولا تحاسب على المحبة. فالموضوع ليس مسألة تسوية علاقات بين الناس. النظرة المسيحيّة إلى المال هي مسألة تسوية الإنسان،[65] إنها تحوِّله من عبد الأرضيات إلى رسول فيها وابناً للسماويات. المسيحيّة جدّية في طرحها، أن الكمال المطلوب هو مسألة التزام وليس مُجرَّد شعارات.
4.المنطلقات الأساسية:
ما هي إذن المنطلقات الأساسية في الفكر المسيحيّ حول المال؟
إن الرؤيا المسيحيّة لاستخدام المال تنطلق من أبعاد أنثروبولوجية، حيث المال، هو الأداة القوية، لتحقيق غاية الإنسان وكماله، على المستوى الشخصي أولاً وعلى المستوى الجماعي ثانياً. وهنا لا بد من الإشارة إلى الميزة الأساسية والمنطلق الثاني في المفهوم المسيحيّ لاستخدام المال، هو مركزية المسيح. كما هو في كل مسألة الكمال المسيحيّ.
يرى المؤمن في الآخر المسيح المحتاج،[66] والرب وحَّد ذاته بالضعفاء. المال لدى المؤمن هو أداة للحاجة الشخصية أولاً ولكنه على الأكثر هو واسطة للكرازة بالرب يسوع. المالكُ هو الرب يسوع ونحن وكلاء حكماء أو ظالمين. المال بعد الحاجة الشخصية يدخل في إطار الاستخدام الذي تحدده المفاهيم الكنسية (اكليزيولوجيا). فالمحبة المسيحيّة مثلاً لا توصي بالإحسان وبالصدقة من مفهوم إنساني اجتماعي، بل تمارس المشاركة الأخوية من مفهوم كنسي أي أننا أعضاء جسدٍ واحدٍ جسدَ الرب يسوع. كلمة "صدقة" كلمة ليست مسيحيّة. فنحن لا نعطي مما نملك ولا نُحسن إلى أحد، بل نحن توزع ما استودعناه ونُحسن إدارة ما أُوتمنا عليه. لأننا وكلاء على مال الرب يسوع ومال أعضاء جسده. لكل واحد أعطي وزنات لكنه لا يملكها وحقه فيها هو تجارتها.
إن المال هو العصب الحي في الحياة الشخصية وفي تنظيم المجتمعات والدول وبناء الحضارات. إنه القوة الديناميكية لكل مستويات الحياة المادية والفكرية، لا بل هو أيضاً التعبير الواضح عنها. لذلك فإن إدارة هذا المال مسؤوليةً مسيحيّة ويجب أن تتم بروحانية الكتاب.
ختاماً نورد الآية من المزمور المسياني (21)، الذي يتنبأ عن لحظات يسوع الأخيرة في آلامه فيصف أحداث الصليب: البصاق واللطمات والاقتراع على ثيابه. ويسوع لفظ على الصليب بين كلماته الأخيرة بدايته "إلهي إلهي لماذا تركتني؟".[67] نهاية هذا المزمور هي آية نردِّدُها قبل طعامنا كل مساء ونقول: "يأكل البائسون فيشبعون، ويسبح الرب الذين يحبونه، فتحيا قلوبهم إلى الأبد"[68] هذا هو الحلم المسياني وهذه رسالة الخلاص التي كان الكتاب ينتظرها من يسوع أن يرفع عن الضعفاء وهنَ الأمراض وقساوة العيش والبؤس والفقر، وذلك ليشبعوا فينصرفوا إلى تسبحة الرب وخدمته وبهذه الخدمة يحيا القلب. المعدة الجائعة لا يصاحبها فكر مُتقبل للكلمة. المحبة لا تبشّر الجائع قبل أن تطعمه.
عبارة يسوع "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"[69] تفسيرها أية المزمور السابقة. الخبز ضروري ولكنه ليس الغاية. المال أداة والغاية هي المحبة. والمحبة تبدِّد بدون حدود. إن إنساناً يملك المحبة ويحب الإبداع هو الأحوج إلى المال والأحقُ به.
رد: الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين
[1](متى6: 24؛ لوقا16: 9-11): مأمونا كلمة يونانية مأخوذة عن الكلدانية أو السريانية وتعتمد بمعنى الغنى أو المال.
[2]أنظر أهم النصوص المسيحيّة حول الغنى والفقر في: Hamman, A, G, Riches et Pauvres dans L' Eglise Ancienne, p.315.
[3](مز111: 1-3)
[4](تك13: 2)
[5](تك26: 12-13)
[6](تك30: 43)
[7](مز37: 19)
[8](إرميا12: 13)
[9](أمثال15: 16-22: 1)
[10](أمثال21: 6)
[11](أمثال28: 8)
[12](أمثال 11: 28)
[13](أمثال30: 8-9)
[14](مز: 21)
[15](لوقا6: 24)
[16](متى19: 23-24؛ لوقا18: 20)
[17](متى13: 44)
[18](1كو7: 29-32): "فأقول هذا أيها الأخوة الوقت منذ الآن مقصر... والذين يشترون كأنهم لا يملكون، والذين يستعملون هذا العالم كأنهم لا يستعملونه. لأن هيئة هذا العالم تزول. فأريد أن تكونوا بلا هم..."
[19](مرقس6: 8)
[20](لوقا 22: 36)
[21](يوحنا6: 7)
[22](متى 22: 15-22)
[23](متى 17: 24-27) و:William Barclay, Ethics in a Permissive Society, Collins, Fount PAPER BACKS,1984
[24]:
[25]
[26]لماذا تدعوني صالحاً، لا صالح إلا الله وحده (متى7: 11). يستشهد الذهبي الفم بهذه الآية، ليؤكد على أن المال حيادي وأن الخير الحقيقي هو الله وما يتعلق بالإلهيات. أنظر: Homelie 63, Riches et Pauvres dans L' Eglise Ancienne, p.190
[27]
[28]
[29] (تيموثاوس5: 17)
[30]
[31]
[32]
[33](متى5: 3؛ لوقا6: 20). هناك مشكلة نقدية للفرق الوارد بين نص متى ولوقا. لوقا يورد "طوبى للفقراء"، أما متى فيضيف عليها "طوبى للفقراء بالروح". هذا الفرق نفهمه في إطار إنجيل لوقا الذي يحب الفقراء عموماً كشعب الله وفي لغة متى الذي يريد أن يحدد الفقراء الذي يبتغون الرب.
[34]"حيث هو كنزك هناك يكون قلبك" (متى6: 21)
[35]
[36]كما في سفر الرؤيا يؤنب الرب ملاك اللاذقية: "لأنك تقول أني أنا غني وقد استغنيت ولا حاجة لي إلى شيء، ولست تعلم أنك أنت الشقي والبئس وفقير وأعمى وعريان". Ambroise de Milan يؤكد من قصة Naboth le pauvre أن الغنى الذي لا يعطي السعادة الحقيقية ليس بغنى ومالكه هو الفقير الحقيقي. غنى كهذا يمكنه أن يجعل القلب قاسياً. أنظر:
Riches et Pauvres dans L' Eglise Ancienne,p.219-223
انظر رأي Augustin D' Hippone في الكتاب نفسه، ص272، العظة 614.
[37]الذهبي الفم يقول: "الغني هو المتجرد عن شهوة جمع المال" في تفسير فيليبي
[38] Stanley Harakas. Living the Faith, (Light and life Publishing, MN), 1992, P. 149.
[39](2كورنثوس 6: 10)
[40]
[41]
[42]
[43]
[44]
[45]
[46] Jean Chrysostome, Homelie sur David, Riches et Pauvres dans L' Eglise Ancienne,p.195
[47] (لوقا 16: 9)
[48]بحسب غريغوريوس النزينزي، على الناس أن يعطوا هذه الخيرات كما أعطاهم أبوهم السماوي كل الخيرات. عليهم أن يكونوا رحماء على صورة أبيهم السماوي الرحيم. انظر:
Gregoire de Nazianze.De l'amour des pauvres, Riches et Pauvres dans L' Eglise Ancienne,p.120-121
[49] القديس مكسيموس المعترف يتكلم عن "استخدام للمال الخاطئ" وعن "استخدام للمال عفيف"
[50]
[51]في كتاب هرماس الراعي (عصر الآباء الرسولين)، يُشدّد المثل الأول على ذلك، لماذا نشتري ونبني... في مدينة نحن عازمون على تركها.
[52]بولس الرسول يقول عن ذاته: " ليس لي أن أقول من جهة احتياجٍ فإني قد تعلمت أن أكون مكتفياً بما أنا فيه. أعرف أن أتضع وأعرف أيضاً أن أستفضل. في كل شيءٍ وفي جميع الأشياء قد تدربت أن أشبع وأن أجوع وأن أستفضل وأن أنقص" (فيليبي 4: 11-13).
[53]
[54]
[55]
[56] Hermas, The Pastor, 2,2- Cyprian, Works and Almsgiving, 14.
[57]كيرللس الاسكندري في كتابه "المربي"، يقول: "غني هو من يعطي وليس من يجمع" :
[58]
[59]
[60]
[61] من يُحب قريبه فعلاً لا يستطيع أن يملك شيئاً لا يملكه قريبه:
[62]صورة التفاوت الطبقي وتواجد الفقراء والأغنياء معاً في مجتمع مسيحي، هي صورة معثّرة بالنسبة للقديس غريغوريوس النزينزي. انظر:
Gregoise de Nazianze, De I'amour des pauvres, Riches et Pauvres dans L' Eglise Ancienne,p.110
[63] "إن أردت أن تكون كاملاً، اذهب وبع كل ما عندك وأعطه للفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني" (متى 19: 21)
[64](أع 2: 44)
[65]
[66](متى25). انظر أيضاً: Augustin D' Hippone, sermon 41, Riches et Pauvres dans L' Eglise Ancienne,p.299
[67](مز 21:1)
[68](مز 22: 26)
[69](متى 4: 4)
رد: الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين
كيف ننشئ عائلة مسيحية
بحسب
القديس يوحنا الذهبي الفم
مقدمة:
إن كل من يريد أن يتحدث عن العائلة والتربية عند الذهبي الفم لا بد وان يجد نفسه في موقف حرج وصعب للغاية ولا يحسد عليه إطلاقا. والصعوبة والحرج لا تأتي من تقريره لما سيتكلم عنه بل من تقريره لما لن يتكلم عنه. فكل كلمة وعبارة ونصيحة من نصائحه بشأن العائلة والتربية هي مهمة بحد ذاتها وبمثابة كنز عظيم سيكون من الخسارة عدم اكتشافه والتمتع ببهائه. ولا بد أيضا لكل من يقرأ مقالات الذهبي الفم عن التربية وتنشئة الأولاد أن يلاحظ التشابه الكبير بين ما يتكلم عنه قديسنا في القرن الرابع وبين ما نعيشه نحن اليوم وهذا إن دل على شيء إنما يدل أولا على أن كلمات القديسين وإن كانت موجهة لمجموعة معينة في زمن معين إلا أن مفعولها لا ينتهي بزوال تلك المجموعة أو بمرور الزمن، ويدل ثانيا على أن المشاكل التي كانت تعاني منها العائلة في عصره تحاكي وبدرجة كبيرة المشاكل التي تعاني منها عائلاتنا اليوم والسبب في ذلك على ما يبدو وخاصة من الوهلة الأولى أن كلمات ونصائح القديسين غالبا ما تذهب سدى لأنها قاسية من جهة ولأنها مخالفة للكثير من عادات المجتمع من جهة ثانية.
قديسنا العظيم في معرض حديثة عن العائلة وأسس تكوينها بالشكل الأمثل والموافق لتعاليم السيد المسيح وكنيسته ينطلق من نقطة اختيار العريس لعروسه، مرورا بالعرس والاحتفالات المرافقة له، ليصل إلى طرق العيش المشترك بين الزوجين، ولينتهي عند تربية الأولاد وسبل إرشادهم. فإذا سارت كل هذه الأمور على الخطوات المسيحية الصحيحة التي يرسمها قديسنا استطعنا أن نكوّن عائلات مسيحية تكون بمثابة كنائس بيتية والتي ستكون بالفعل النواة الأساسية للكنيسة الكبيرة. هكذا كلما كانت عائلاتنا صحيحة نقية بلا دنس ولا عيب، كانت كنيستنا نقية طاهرة بلا دنس ولا عيب كما يشتهيها المسيح أن تكون لتستحق بجدارة أن تكون عروسا له.
ولننطلق في موضوعنا من النقطة الأولى أي من اختيار الزوج أو الزوجة.
اختيار الشريك:
الذهبي الفم يعطي أهمية كبيرة لموضوع اختيار الزوج أو الزوجة ولهذا ينصح أن يبدأ هذا الأمر بالصلاة وبتسليم الأمر لله حتى ينال بركة منذ انطلاقته: "صلّي إلى الله وسلّمي أمرك إليه وهو يجازيك خيرا لثقتك به في هذا العمل الخطير. عليك أن تتبعي قاعدتين: أن تسلّمي أمرك لله، وتفتشي حسب مرضاة الله عن رجل أديب صالح". وهو إذ ينظر إلى الأمر على أنه هام وخطير فهو يحلله بطريقة بسيطة وسهلة ومنطقية جدا. فهو يقول مثلا عندما نريد شراء بيت أو جلب خدم إلى بيوتنا فعادة لا نهمل شيئا من الحيطة والتحفظ والحذر والسؤال لنعرف كل المعلومات الضرورية. فكم ينبغي بالأحرى من الحيطة والحذر والتعمق عند البحث عن زوجة؟ هذا مع العلم أن الأمر مختلف جدا في الأهمية. لأن البيت الذي تشتريه تستطيع أن تبيعه أو تبدله إذا لم يعجبك، الأمر الذي لا يمكنك فعله مع من ارتبطت بها بواسطة الشريعة والناموس وأمام الله وكنيسته. ينبغي إذا اتخاذ الحيطة قبل الزواج في التفتيش عن المرأة التي بين طباعي وطباعها توافق، الامرأة الطيبة الكريمة المطيعة. وبعد أن تكون قد فحصت كل شيء، ووزنت النتائج، وإذا حصلت عليها فإنك تربح شيئين مهمين جدا: الأول أنك لا تعود ترغب مطلقا في فصلها عنك. والثاني أنك تستطيع أن تحبها محبة لا حد لها.
كما ويحذر الذهبي الفم عند البحث عن الزوجة المناسبة ألا يكون المال والغنى والجاه ولا الحسب والنسب وجمال الجسد هم المعايير التي على أساسها سيتم الاختيار فهذه الأشياء لا تدوم بينما الزواج دائم لهذا يطلب ممن يرغب بالزواج البحث أولا عن الأخلاق والفضيلة والتقوى وجمال النفس الضروريات جدا لاستمرار الزواج وتكوين الأسرة الصحيحة لهذا ينبه قائلا: "فلا نفحص في اختيار الزوجة عن أموالها، بل عن أخلاقها. ولا نفتش عن امرأة ذات مال، بل عن امرأة تعرف أن تستعمل المال. ولنتساءل قبل كل شيء عن هدف الزواج ولنتذكر لماذا رتب لنا الله الزواج وما هو هدفه". كما ويقول في موضع آخر: "أطلب إليكم ألا تفتشوا عن المال والثروة بل فتشوا عن المزايا الصالحة في الفتاة: عن الحشمة والتقوى والورع، فهذه تغنيكم عن كنوز كثيرة وتقوم مقامها ...لا شيء أفضل من الأخلاق الصالحة، ولا شيء ألذ من الأدب، ولا شيء أكثر جاذبية من الحشمة".
أما في حالة كان الأهل هم من يفتشون عن الشريك المناسب لابنتهم وهم الذين سيقررون من يكون فهو يخاطب الأم قائلا: "لا تطلبي مالا ولا شهرة في النسب أو عراقة في الحسب، فإن هذا كله قليل الأهمية، لكن اطلبي التقوى والوداعة والعقل الثاقب ومخافة الله، إن كان يهمك مستقبل ابنتك وحياتها معه".
بعد الاختيار الصحيح الموافق لإرادة الله ووصاياه تبدأ الخطوات العملية باتجاه تكوين العائلة وهذا يبدأ تماما من حفلة العرس.
الممارسات في العرس:
بداية يتكلم قديسنا عن زينة وحشمة العروس أثناء حفلة العرس، ثم ينتقل بعد ذلك للتكلم عن ترتيب الحفلة والتكاليف، وعن المدعوين والهدف من دعوتهم، وكيف علينا التشبه بما ورد في الكتاب عن عرس قانا الجليل الذي حضره الرب نفسه وتلاميذه وباركوه وزادوا من فرح العروسين حين كاد انتهاء الخمر يكدر عرسهما. لهذا كان ينصح بدعوة من ينوب عن المسيح أي رجال الاكليروس بالإضافة إلى الفقراء الذين هم أحباء الرب لتحصل البركة في العرس ولتحل أيضا في وسط العائلة المزمعة بالتشكل.
ففي شأن زينة ولباس العروس يخاطب الذهبي الفم والدة العروس قائلا: "لا تزيني العروس بالحلي الذهبية بل بالوداعة والحشمة. ألزميها أن تلبس ثوبا بسيطا عاديا وزينيها بالخجل والحياء قليلا عوضا عن الحلي الذهبية، وعلميها ألا تهتم لها ... ولا يجوز أن تُملأ الموائد بأنواع المسكرات، ولا داع للتبذير. فلنفكر بكل هذا ونتجنب وقوع الشر لنرضي الله ونستحق الحصول على الخيرات التي وعدنا بها".
وعن العرس والمدعوين يقول: "لا نُهن الزواج بمحافل الشيطان، بل فلنتشبه بأهل عرس قانا الجليل الذين دعوا المسيح إلى عرسهم وأجلسوه في وسطهم. إني اعرف إن ما أطلبه منكم سيظهر قاسيا للكثيرين منكم. إنه من الصعب التنكر للعادات القديمة. هذا لا يهمني كثيرا، لأني لا أفتش عن إرضائكم وإنما أفتش عن خيركم، و لا التمس ثناءكم وولاءكم وإنما أبتغي كمالكم وخلاصكم". وفي موضع آخر يقول أيضا: "ادعوا الفقراء وأقيموا منهم محفلا. آه أتخجلون من هذا؟ يا لها من مخالفة للمنطق رهيبة! عندما تدخلون الشيطان إلى بيوتكم لا تخجلون، ولكن عندما نقول لكم أن تدخلوا إليها المسيح تجدون في هذا شيئا مخجلا! عندما تدخلون الفقراء إنما تدخلون المسيح نفسه. إن صلوات الفقراء ودموع الأرامل هي أفضل من رقص المهرجين. إن الفقراء الذين تعطونهم يباركونكم ويستمطرون لكم بصلواتهم كل أنواع النعم. أما الذين يملأ أجوافهم طعامك وخمرك فإنهم يتقيأونها على رأسك بذاءات ورذائل". وأيضا: "في أعراسكم واحتفالاتكم، يوم الزواج، اجعلوها تضيء بالبساطة والحشمة وآداب الكتاب المقدس. لا رقصات خليعة، ولا قهقهات فجّة، ولا كلام قبيح، بلا تزمير وتطبيل ولا أي شيء وثني، ولا أي شيء من مواكب الشيطان. ادعوا الله إلى أعراسكم واجعلوه سيد زواجكم. وإذا أنتم عرفتم أن تنظموا وحدتكم في الزواج، فلا يمكنكم أن تخافوا طلاقا وانفصالا، ولا شبهة الزنا، ولا فرصة للحسد والخصام والنزاع. ستعيشون في سلام وفي وحدة كاملة حيث تزهر بنفس الوقت كل الفضائل، ولا يعكر صفو حياتكم شيء. وسط هذا الزواج يمكن تنشئة الأولاد بسهولة في الفضيلة. هكذا يستطيع الرجل مع امرأته وأولاده وكل أهل بيته أن يقضوا حياة هادئة على الأرض وأن يصلوا إلى الملكوت السماوي الذي أتمناه لكم جميعا بنعمة ومحبة سيدنا يسوع المسيح الذي له القدرة والمجد مع أبيه وروحه القدوس المحيي الآن وكل وإلى جيل الأجيال، آمين".
بعد العرس ينتقل قديسنا للتكلم عن أمور الحياة الزوجية المشتركة بين الزوجين والتي من شأنها أن تساعد كثيرا في إنماء نواة العائلة والحفاظ عليها كبيئة سليمة مناسبة لاقتبال واحتضان العناصر الجديدة التي ستضاف عليها، أي الأولاد.
يتبع>>>
رد: الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين
الممارسات أثناء الحياة الزوجية:
هنا وقد بدأت العائلة فالحيطة والحذر يجب أن ينتهيا لتبدأ حياة الثقة والتعاون ومحاولة إسعاد الشريك الآخر والتفاني أمامه وفي سبيله. فهذه شروط أساسية لدوام ونجاح العائلة. الذهبي الفم يؤكد أن الزواج هو مبارك وحسن طالما هو حاصل ببركة الرب شرط أن لا يساء استعماله: "إن الزواج هو منبع السعادة لمن يحيا حياة مسيحية. وهو على العكس منبع شقاء وتعاسة لمن يسيء استعماله. فالمرأة يمكن أن تكون سند حياتك، ويمكن أن تصبح سبب دمارك. والزواج قد يكون لك ميناء نجاة، وقد يكون لك بحرا متلاطما للغرق. الزواج بطبيعته هو حسن ولا يصبح سيئا إلا بإساءة استعماله".
هنا يجب التشديد على موضوع ممارسة الفضائل والابتعاد كليا عن الرذائل حتى يتحول المنزل إلى ميناء هادئ يستريح فيه الجميع من تعب ومشاكل الحياة: "لا نطلب في الزواج سوى شيئا واحدا، أعني فضائل النفس، والصفات الأخلاقية، حتى يسود السلام في بيوتنا ونقضي فيها حياتنا في وحدة تامة ... فإذا كنا نبتغي السعادة، فلا نلتمس الثروة في الزواج. لنطلب أولا وقبل كل شيء السلام فالزواج جعل ليكون لنا عونا على الحياة، وليكون لنا ميناء ضد الواصف وملجأ في الأعاصير، وتعزية في الآلام".
الذهبي الفم يشدد أيضا على ضرورة تحمل الزوجين لبعضهما البعض ومساعدة الواحد منهما للآخر ووقوفه إلى جانبه في كل من لحظات حياتهما المشتركة. فهو ينطلق من الآية "فيصير الاثنان جسدا واحد" ليؤكد أنه حتى في الحالات الصعبة والمعقدة يكون الحل بالمحاولات الجادة والدءوبة وحتى عند الوصول إلى طريق مسدودة فالحل ليس بالانفصال طالما أن العضو الغير قابل للشفاء لا يقطع من الجسم. ذلك أن المرأة بالنسبة للرجل عضو لا ينفصل "لحم من لحمه وعظم من عظامه".
كما ويؤكد قديسنا أن الاعتدال في المعيشة وعدم طلب الكثير ومحاولة عيش الفضيلة تشكل الدعائم التي يمكن أن يقوم البيت عليها وهي عادة التي تعطي الكرامة والمجد للساكنين فيه لا الموجودات المادية: "الكرامة ليست في جمال البيت، في فخامة السجاد، في تكديس الأغطية، في فراش مزين ولا في عدد الخدام. ما يكفينا هو الاعتدال ومحبة الفقراء وتخطي حدود الطبيعة عن طريق حياة فاضلة، هنا يكمن مجدنا وكرامتنا وجدارتنا".
أما عن أكثر المشاكل التي تهدد عادة الزواج وتحول البيت من فردوس أرضي إلى جحيم فهو بنظر قديسنا موضوع الخيانة الزوجية. حيث لم يعد بنظره من داع لهذا الأمر طالما أن الميول الجنسية يمكن التحكم بها والسيطرة عليها بطريقة شرعية ومباركة وطالما حلاوة هذا الأمر لا تدوم بينما عاقبته وعقوبته تدوم إلى الأبد وهذا هو السبب المباشر لدمار وهدم البيوت: "تجنبوا الخيانة الزوجية وإذا داخلكم هذا الأمر فامحوه من مخيلتكم لأن أجسادكم كما يقول الرسول بولس ليست ملككم، بل ملكهن وأثمن ما لديهن. فلا تفجعوهن بسلب ما يملكن، ولا تنزلن بهم الضربة القاضية. وإذا أنتم لم تخشوا سخطهن ونقمتهن، فخافوا على الأقل من الإله الذي ينتقم لمثل هذه الجرائم، والذي وعد الزناة بأفظع العقوبات: "بالدود الذي لا ينام والنار التي لا تطفأ (مر9:45)".
"عندما يكون إلى جانبك نبع نظيف فلماذا تسعى إلى الينابيع العكرة الفاسدة التي تجرك إلى نار جهنم وإلى العذاب الأبدي؟ إذا كان أؤلئك الذين قبل زواجهم يسلمون أنفسهم للدعارة والتهتك لا يفلتون من الدينونة، كالمدعو إلى العرس وليس له لباس العرس، فإن الذين يفعلون الزنا، ويخونون العهد الزوجي، بعد زواجهم لهم دينونة أعظم وقصاص أفظع. ذلك أنهم يكونون أشد إجراما بكثير من الأولين لأنه يحق لهم أن يستمتعوا بملذات محللة لهم ويتركونها ليستمتعوا بملذات محرمة، ويقعوا في الزنا والخيانة لزوجية".
أما في موضوع الطلاق فينصح قديسنا أن لا يتم إلا في حالات الزنا على حسب توصية الكتاب لأنه في كل الأمور الأخرى لن يكون له من داع إذا نحن سرنا من البداية على خطا هذا الكتاب في اختيار الشريك وطريقة اقتراننا به وكيفية حياتنا وتعاملنا معه: "كل الذين يطلقون زوجاتهم لغير سبب الزنا، والذين تزوجوا بمطلقات لغير سبب الزنا سيذهبون إلى النار الأبدية. وإني لأنصحكم أيها الرجال وأرجوكم، بل أتوسل إليكم أن لا تتركوا نساءكم، وكذلك النساء بأن لا يتركن رجالهن وتمسكوا جميعا بكلام الرسول بولس: "المرأة مرتبطة بالشريعة ما دام رجلها حيا. فإذا مات رجلها فهي حرة أن تتزوج من أرادت بموجب الناموس والأفضل لها أن تبقى بغير زواج".
والآن ننتقل إلى النقطة الأهم والأصعب في تكوين العائلة ألا وهي تربية الأولاد وتنشئتهم بطريقة صحيحة متوافقة مع تعاليم الكنيسة وآبائها.
تربية الأولاد:
بداية وكما هو متوقع فالذهبي الفم يضع المسؤولية الكبرى في تربية الأولاد على عاتق الوالدين ويجعل المنزل البيئة المثالية والنموذجية التي منها سيحصل الولد على تربيته ولهذا ومنذ البداية يجب أن يقرر الوالدان ماذا يريدان من ابنهما وما هو الهدف الذي سيضعونه نصب أعينهما وأعين أولادهما: "لكي يكون الوالدان مربين صالحين ينبغي أن يتحققا من الأولويات في تربيتهما لابنهما: "هل نريد لأولادنا أن يكونوا مشغولي البال باكتساب الماديات والشهرة الاجتماعية أولا، أم نريد أن يبحثوا ويتعلموا عن ملكوت السموات والمكافأة العظمى التي تنتظر الذين يعيشون حياة الفضيلة".
الأهل عادة وللأسف يهتمون بكل ما يحتاجه الطفل من الأمور المادية ويتسابقون لإعداد كل شيء له حتى قبل ولادته ولا يفكرون بحاجاته الروحية وعندما يفكرون يتصرفون على أنها عادات واحتفالات اجتماعية جميلة يكررون فيها عادة الأخطاء نفسها التي كانوا قد وقعوا فيها يوم زفافهم (التكلفة، المدعوين، الحفلة والرقص...): "ما أن يولد طفل حتى يهيئ أبواه كل شيء لا لتربيته بل لتجهيزه بالملابس والألعاب والهدايا. ماذا تفعل أيها الإنسان؟ ارتد أنت هذه الملابس ولكن لماذا تربي ابنك الذي لا يملك بعد خبرة هذا الجنون؟ لماذا تربيه على مثل هذه العادات ولماذا تجعل جواهر حول عنقه؟ إنه يحتاج إلى مربٍ صالح لا إلى الذهب لأجل تربيته. فإذا ما كبر ولدك وكان معاكسا للطبيعة فالله لم يأمر بذلك ولكن أنت وجهته إلى ذلك. نظّم قبل كل شيء نفسه وبعد ذلك اهتم لمنظره الخارجي".
وقديسنا يؤكد أن نفس الطفل هي كالعجين الطري أو كالشمع اللين حيث يمكن أن تنحت عليه ما تشاء وتكتب عليه ما تشاء وتضعه في القالب الذي تشاء وإذا ما فعلت فبمرور الزمن تتصلب هذه الأشياء وتأخذ شكلا ثابتا يبقى ملازما للطفل طيلة حياته وتكون أنت المستفيد الأول من هذا حيث سيعود عليك بالنفع حسن تصرفه ودماثة خلقه وإن لم تفعل خسِرته وخسّرته حياته وستكون أنت السبب في تعاسته. دور الأهل الأساسي هو تنشئة ولد مجاهد من أجل المسيح يحمل حبه في داخله بمثابة درع يقيه ويحميه من تقلبات الزمن: "لا أزال أحثكم، أرجوكم، أتوسل إليكم أن تهتموا قبل كل شيء وفي وقت باكر بتربية أطفالكم. ربّ شخصا مجاهدا من أجل المسيح. أنا لا أقول لك أبعده عن الزواج أرسله إلى العزلة هيئه ليعيش حياة الرهبان، أنا لا أقول ذلك. إنني أرغب وأتمنى أن يعتنق الكل هذه الدعوة، ولكن لكونها تبدو حملا فلا أمارس الضغط. أنت ربّ مجاهدا من أجل المسيح وعلّمه مع بقائه في العالم أن تكون له التقوى منذ حداثته ... هكذا نرضي الله في تنشئتنا مثل هؤلاء المجاهدين حتى نستطيع مع أولادنا أن نحصل على الخيرات التي وعد بها للذين يحبونه ... ابنك هو بالنسبة لك كائن يرتعد ويخاف من كل نظرة أو كلمة فاستخدم بداية حياته من أجل الخير فأنت أول من يستفيد من صلاح ولده ومن ثم الله نفسه يستفيد من صلاحه. إن كان لك ابن فاضل فأنت تعمل من أجل نفسك".
علّمه ما يختص بالطبيعة الإنسانية ما هو العبد وما هو الإنسان الحر قل له يا ابني في القديم لم يكن هناك عبيد عند آبائنا الأولين لكن الخطيئة هي التي أدخلت العبودية. اجتهد إذا أنت أن تكون السيد وأن تبقى هكذا لا من حيث مرتبتك بل من حيث تصرفك خوفا من أن تصبح عبدا. اسهر إذا لئلا يحصل معك شيء من هذا القبيل، أنت سيد قرارك.
ولتحيق تربية حميدة وفاضلة يخص الذهبي الفم عدة خصال جيدة أو فضائل يمكن للوالدين أن يساعدا الأولاد على بلوغها، وسجايا رديئة وانفعالات للتخلص منها:
فمن الفضائل: الاعتدال (وعلى الأخص في الأكل والشرب)، الازدراء بالثروة والشهرة، اللطف، التقوى، السمو في الكلام، الرصانة، الاستقامة، تمجيد الله، الصلاة، الوقار، قمع الذات، البساطة، الشكر، التيقّظ، العفة ...
ومن الخصال الرديئة: السكر، ذلاقة اللسان، الحماقة، الحقد، العجرفة، إيذاء الغير، كلام الفسق، المشاكسة، الانحلال الخلقي، الافتراء، الحلف ....
لهذا يشبه قديسنا عمل الوالدين بعمل الرسام أو النحات الذي يضيف للوحته ما يراه مناسبا ويزيل منها ما هو غير مناسب حتى تخرج لوحة جميلة فريدة تثير إعجاب الجميع: "هكذا يجب أن يكون كل واحد منكم أيها الآباء والأمهات على مثال الرسامين الذين نراهم يعملون على لوحاتهم أو على تماثيلهم بانتباه كبير هكذا انتم أيضا أعطوا عنايتكم كلها من أجل هذه التماثيل الرائعة. لأنه حين يضع الرسامون لوحاتهم أمامهم فهم يطبقون عليها الألوان المناسبة. نحاتو الحجر هم أيضا يصنعون ذلك مبعدين كل ما هو غير ضروري مضيفين كل ما يلزم. أنتم أيضا على مثال صنّاع التماثيل اجتهدوا في هذا الفن في كل الوقت الذي عندكم وذلك بصناعتكم هذه التماثيل الباهرة من أجل الله. احذفوا كل ما ليس ضروري. أضيفوا كل ما ينقص انظروا إليهم بانتباه كل يوم ما هي الموهبة الطبيعية التي عليهم أن ينمونها؟ ما هو العيب الطبيعي الذي عليهم أن يمحوه؟ فبعناية ودقة كبيرة اقتلعوا أولا من نفوسهم النزعة إلى الإفراط وعدم الاعتدال. لأن هذا الهوى مؤذ للغاية لنفوس الصغار. قبل أن تكون له الخبرة علموه أن يكون صاحيا منتبها ساهرا مواظبا على الصلوات طابعا أعماله وأقواله بإشارة الصليب".
وبالرغم من أن الذهبي الفم كان ينبه الوالدين إلى ضرورة تعليم وتثقيف أولادهم لكنه في الوقت نفسه كان يشدد على أن المعرفة والعلم بدون ضوابط أخلاقية مسيحية يمكن أن يصبحا سلاحا ضد الإنسان والإنسانية، والعكس صحيح. فأناس مثقفون متعلمون ممن يحملون مبادئ أخلاقية مسيحية عالية يمكن أن يقودوا الكنيسة والمجتمع نحو التقدم والازدهار وان يضعوا علمهم وثقافتهم في سبيل تطوير ورفاهية البشر والبشرية. ولتحقيق ذلك يجب أن تكون البيئة التي ينمو فيها الطفل نظيفة خلوقة فلا يسمعن الأولاد شيئا غير لائق لا من قبل المربي ولا من قبل الخدم ولا من قبل أي من المحيطين بهم. ولا يسمعن قصص النساء والثرثرات التافهة بل فلينصتوا إلى روايات خالية من المواربات ومن الكلام البطال والكذب. والأخلاق المسيحية الحقيقة تأتي أيضا وتنغرس في النفس من قراءة الإنجيل ومطالعة الكتب الروحية فكما أن وجود الشجرة على سواقي المياه يعطيها الري الدائم الواقي إياها من تقلبات الطقس هكذا النفس الواقفة أمام ينابيع الكتابة الإلهية تستقي منها الحياة وتنعم بندى الروح القدس أيضا فلا خوف عليها من تقلبات الحياة وإذا تعرضت لمرض أو لوم أو نميمة أو ذم أو استهزاء أو تهاون فإنها تتغلب عليها بسهولة وتجد التعزية الكافية في مطالعة الكتب المقدسة وبالإجمال لا شيء كمطالعة الكتاب المقدس يعزي في الأحزان والشدائد "التمرين على قراءة الكتب الإلهية هو الميناء الهادي والسور الحصين الذي لا ينهدم، والبرج غير المتزعزع والمجد الملازم والسلاح الذي لا يغلب والسعادة الخالية من الاكدار، والنعيم الدائم ومصدر الخيرات التي لا يقدر العقل البشري أن يتصورها. إنها تطرد اليأس، وتحفظ الوداعة وتغني الفقير وتبعد الغني عن الخطأ، وتجعل الخاطئ صدّيقا وتقود الصدّيق إلى المأوى الحصين، وتستأصل الشرور وتزرع لخير وتطرد الحقد والضغينة والحفيظة، وترد النفس على الفضيلة وتثبتها. بل هي كالطيب للنفس، ونشيد إلهي سري يميت الشهوات ويستأصل أشواك الخطيئة. هكذا الكتب الإلهية تعطينا لمنفعة العظيمة لا بكثرة كلامها بل بالقوة الكائنة فيها".
وطالما أن الإنسان المعاصر اليوم يعيش في تشويش وضياع رهيبين مبهورا من تقدم العلم وانجازات التكنولوجيا إلا انه يشعر نفسه مسجونا في عالم يهمش إنسانيته ويخنقه وسط مجموعة من النظريات والأفكار المتناقضة، ويغرقه في بحر من الهستريا الشرائية الاستهلاكية، ويشتته في قبول الأمر ونقيضه، ويحبطه لشعوره بالوحدة القاتلة في عالم يحوطه من الضجة والصخيب. لهذا فاليوم نحن بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى التنشئة الصحيحة والتربية العملية الواقعية التي يتكلم عنها الذهبي الفم: "علّموا أولادكم ما هو الأهم اعني به الحكمة العملية. بالنسبة لهذه النقطة علينا أن نتعب كثيرا من أجل إعطائهم فهما طارحين عنه كل جهل. دور الفلسفة في ذلك كبير وعجيب وهي تساعد في معرفة أمور الله وما يخصنا هنا على الأرض. لنسعَ في أن تتولد في ذهنهم الحكمة العملية ولندربهم فيتعرفوا على أمور العالم من غنى ومجد وسلطة لكي يزدروا بها ولكي يندفعوا إلى الأمور الصالحة الكبيرة ونذكرهم دائما قائلين "يا ابني اتقِّ الله ولا تخشى شخصا آخر سواه" إذ إن مخافة الله تكفي للحصول على الحكمة والتمييز في الأمور الإنسانية. علّموهم أن يحسبوا الثروات كلاشيء، المجد البشري كلاشيء، السلطة كلاشيء، الموت كلاشيء، الحياة الحاضرة كلاشيء، هكذا سيكون حكيما فإن زوجناه بعد هذا التدريب فكّروا كم سيكونون هدية ثمينة لزوجاتهم".
أما عن موضوع ضبط الشهوات الجسدية فينبه قديسنا الأهل على هذه النقطة الهامة والحساسة ويؤكد على ضرورة مساعدة الأولاد في ضبط شهواتهم وميولهم لا إلى إثارتها عن جهل وغباوة: "لنحوله عن رؤية وسماع أشياء معينة وكل ما لا يليق ولنشغل فكره بملذات مباركة ولنحدثه عن سير القديسين الذين ضبطوا جماح الأهواء بالصوم والتقشف. علّموا أولادكم الصوم والذهاب للكنيسة ... علّموا أولادكم أن يصلّوا بحرارة وتخشع. ولا تقولنّ بأن الولد صغير ولن يتقبل ذلك. الولد الصغير ذو النظر الثاقب والمتيقظ يمكنه أن يتقبل الأشياء كلها. هكذا فالذي يجتهد في أن لا يحلف كذبا وأن لا يشتم شاتميه وأن لا يؤذي بكلامه الآخرين، وأن لا يبغض أحدا، وفوق كل ذلك أن يصوم ويصلي، هذا يجد ما يدفعه بإلحاح لضبط أهوائه ...وإن قلتم أنه من الصعب استئصال المرض فهذا يعود إلى أنه ليس من أحد يهتم بمستقبل أولاده. لا أحد يكلمهم عن العذرية أو عن الاعتدال في الرغبات ولا حتى عن الازدراء بالثروات والمجد الباطل ولا عن الصوم والصلاة. لا أحد يكلمهم أو يحدثهم عن هذه التعاليم الموجودة في الكتاب المقدس".
ويوجه قديسنا حديثه إلى الأم بشكل خاص عند تعاطيها مع ابنتها قائلا: "فلتهتم الأم بتربية ابنتها الشابة بأن تحولها عن الرفاهية والزينة وكل الأشياء الأخرى من هذا القبيل التي تصنعها الزواني. ولتتقيد الشابة ولتمتنع، كما هو بالنسبة للشاب، عن حياة الرخاوة والسكر. هذه أمور مهمة لضبط أهوائها. لأن الشباب يضطربون من جراء حدة حواسهم، والفتيات من رغبتهن في الزينة وكل ما يثير العجب فلنقص عنهن إذا كل ذلك".
ويولي قديسنا أهمية خاصة لموضوع تسمية الطفل مؤكدا أن لها دور هام في عملية تنشئته. فسابقا كان من الطبيعي أن يعطى للأطفال أسماء ذويهم وأجدادهم وكانت تعزية لهم أما بعد القيامة فلا فائدة من ذلك إذ لم يعد الموت نهاية ولا داع لإبقاء النسب على الأرض الزائلة. لهذا كان القديس يطلب من مستمعيه أن يعطوا لأطفالهم أسماء قديسين وأبرار وشهداء. فالاسم هو وسيلة للتذكير بالفضيلة و طريقة إعطاء الأسماء هي دافع للحصول على هذه الفضيلة والاقتداء بالشفيع..
خاتمة:
الذهبي الفم بواسطة تعليمه وعظاته وكتاباته وشروحاته وتفاسيره، بالإضافة إلى عمله الاجتماعي الهام جعلاه مثالا للراعي الصالح، والمعلم المتفاني، والاكليريكي المصلوب، والمربي الفاضل، والإنسان الكامل. كل ما علّمه قديسنا جسَّده في حياته فعاش بالكلمة، والكلمة كانت له حياة. فاستحق بجدارة لقب بطل الكلمة والعمل.
نصائحه بالنسبة للعائلة، وخاصة لعائلاتنا اليوم، هي بمثابة بوصلة توجههم نحو الطريق الصحيح وترشدهم إلى الميناء الهادئ وتبعد عنهم كل شرور وتجارب الحياة العصرية الراهنة. وما يجب أن نفعله نحن الآن بعد أن عرفنا ما يوصينا به هو أن نتبع وصاياه وأن لا ننساها على حسب ما ينبهنا هو حين يقول: "كرروا هذه الأقوال بكل مناسبة وفي كل مكان في السوق والبيت في الليل والنهار. كرروها لأنفسكم ورددوها أمام نسائكم ولتذكركم بها نساؤكم، حتى إذا عشتم عيشة طاهرة على الأرض تبلغوا إلى الملكوت السماوي، بنعمة ومحبة سيدنا يسوع المسيح الذي ينبغي له كل مجد وإكرام مع أبيه وروحه القدوس، الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين، آمين".
الأرشمندريت ديمتري شربك
رد: الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين
الرؤية الرعوية واللاهوتية
في تعاليم القديس يوحنا ذهبي الفم (1)
د. سعيد حكيم يعقوب
يُعد القديس يوحنا ذهبي الفم وبحق النموذج المشرق للراعي الروحي الصالح " والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف "[1]. فقد كان لعمله الرعوي صدى واضحًا في أرجاء واسعة من المسكونة، ولم تكن هناك على الإطلاق فجوة بين تعاليمه النظرية وحياته العملية. وقد توجّه بعمله الرعوي هذا لكل طبقات المجتمع، ولم يترك أى جانب من جوانب الحياة الاجتماعية، إلاّ وتناوله في تعاليمه. وفي محاولاته لإعادة صياغة المجتمع وتجديده، نجده يبدأ من الأبناء وينصح الوالدين ويوجههم إلى نوعية الطعام الروحي الذي ينبغي تقديمه للأبناء[2]. ولذلك نجد أن نيقوديموس الآثوسي[3] يتساءل ممتدحًا القديس يوحنا ذهبي الفم، بماذا ندعو كاهن الكنيسة ومُعلّمها يوحنا، هل ندعوه الكنيسة؟ بالطبع يجب أن ندعوه هكذا، طالما أن مكانته تُعد أعلى من كهنة ومعلمي الكنيسة كافة[4]. ويقول إننا نستطيع أن ندعوه:
1 ـ ملاكًا؛ لأنه بالحقيقة قد عاش حياة مُماثلة لحياة الملائكة كما أنه عاش في نسك مستمر، في صلوات، في سهر روحي، وفي أعمال الرحمة التي لم تنقطع.
2 ـ رسولاً؛ إذ أنه من خلال تعاليمه الرسولية، حمل الإيمان المسيحي لشعوب وثنية، وتمكن من جذبهم للإيمان بالمسيح. ووصل عمله التبشيري إلى أقاصي المسكونة وصل إلى كليكيا (kilik…a)، فينقيا (foin…kh)، العربية (Arab…a)، إيران (pers…a)، أثيوبيا، بيثنيا (Biqun…a)، بنطس (pÒntoς
)، سكيثس (SkÚqej) الخ.
3 ـ نبيًا؛ لأنه تنبأ في مرات كثيرة بأمور مختلفة.
4 ـ شهيدًا؛ إذ أنه عانى الآلام قبل استشهاده، وهو في طريقه إلى المنفى سواء من الجنود المرافقين له أو من هجوم الأساقفة غير المستقيمين.
5 ـ ندعوه العجائبي؛ بعدما أظهر رفاته الكثير من المعجزات، حتى دُعى " يوحنا العجائبي ".
6 ـ الرحيم؛ وقد دُعى بهذه الصفة بسبب أحشاء الرأفة التي كان يحملها، ومحبته الغنيّة للفقراء، ولهذا سمى "يوحنا الرحيم".
7 ـ الكارز بالتوبة؛ إذ أن حديثه كان من القوة، ليجذب كل خاطئ يسمعه، إلى التوبة.
8 ـ الخطيب البليغ؛ إذ أن قدرته الخطابية كانت تتجاوز كل المعلّمين الكنسيين المعروفين في زمانه.
9 ـ أخيرًا المفسر للكتب المقدسة؛ لأنه قام بتفسير الكثير من أسفار العهدين القديم والجديد ورسائل ق. بولس، ولهذا وصف بأنه " فم المسيح وفم بولس "[5].
وبسبب نشاطه المتنوع، ووكتاباته الغزيرة، فقد نال الكثير من الألقاب سواء من معاصريه، أو من الذين أتوا بعده. فقد كان وبحق وباعتراف عام شخصية متفردة لا تتكرر، أنار الجميع بتعاليمه، فصار بمثابة مُعلّم للمسكونة.
وبحسب رأى أينوكآنديوس (innokšntioj)، بابا روما، والمعاصر لذهبي الفم، هو "مُعلّم المسكونة الكبير". وبحسب المؤرخ ثيئودوريت أسقف كورش[6]، هو "فم الكنيسة وعين الناس النقية"، أيضًا هو "يوحنا المعمدان الجديد". وبحسب سمعان المترجم هو "رجل الله الحقيقي والمبشر الحقيقي بالتوبة"، وبحسب إيسيذورس الفرمي هو "حكمة الله السرية" وبحسب نيقوديموس الآثوسي هو "معلّم المعلّمين"[7].
ويعد ق. يوحنا ذهبي الفم هو أكثر الآباء إنتاجًا في كتاباته التي تتسم بالتنوع في موضوعاتها والعمق في محتواها، تتميز أيضًا بالبساطة والوضوح. لقد أدرك احتياجات النفس الإنسانية، ولهذا فإن عظاته كانت تتلامس مع هذه النفوس، وكان لها تأثير إيجابي على الرعية، وأتت بثمار كثيرة، ظهرت في تحويل الكثيرين من الخطاة للتوبة، ورجوع الكثيرين من الوثنيين للإيمان. ويعتبر ق. ذهبي الفم من أعظم رجال الإنسانية، بالإضافة إلى أنه واحد من أهم آباء الكنيسة. وهو الذي لم يتراجع قط عن مواقفه في الحق، وظل أمينًا لمبادئه وواجبه، وشاهدًا للحقيقة حتى المنتهى.
وبسبب غيرته في الحق لم يتردد أن يواجه المخطئين سواء كانوا من الحكام، أم كانوا من القائمين على رعاية الشعب من أساقفة وكهنة، وهذا الصدام كلّفه الكثير، ليس فقط استبعاده عن كرسي رئاسة الأسقفية، بل ونفيه، ومن منفاه انتقل إلى ملكوت السموات.
وقد إتصفت كتاباته الغزيرة والثرية بحسب المنظور الكنسي، بالطابع الرعوي التبشيري، وهذا يرجع إلى المشكلات الإجتماعية الحادة التي كان يتسم بها مجتمعه في ذلك العصر. وكان لأحاديثه مذاقة خاصة، نتيجة لخبراته الشخصية المرتبطة بأهمية الإيمان المسيحي بالنسبة للحياة الروحية لكل مؤمن وللشعب بشكل عام، الأمر الذي كان يُشكّل له السلاح الأساسي الذي كان يستخدمه لحل مثل هذه المشكلات الإنسانية والأخلاقية التي سادت تلك الفترة. هكذا نجده في تفسيره لإنجيل يوحنا يُركّز على هذا التوجه، قائلاً: " نحن دائمًا في إحتياج للإيمان، لأن الإيمان هو مصدر الخيرات ودواء الخلاص وبدونه لا نستطيع أن نفهم التعاليم العقائدية "[8].
ومن أجل هذا نجده يتوجه إلى الكهنة في سلسلة عظات باعتبارهم مسئولين مسئولية مباشرة عن الرعية ونموها في الحياة الروحية. ويُشدد في هذه العظات على الرسالة الروحية للكاهن وعلى مسئوليته الشخصية تجاه المؤمنين. وهذا نابع من رؤية االقديس يوحنا ذهبي الفم للكنيسة، حيث يرى أن رسالتها تتحدد في هذا الإطار، أى في تتميم خلاص المؤمنين، والكهنة هم المعنيون بذلك، بل أن الهدف الرئيسي من وراء خدمتهم هو تحقيق هذا الأمر. ويرى أن خدمة الكهنوت أعطيت من الله "كموهبة إلهية"، ولهذا فهى أهم وأكرم من كل المناصب الأرضية[9]. وعلى الرغم من أنها تمارس على الأرض فإن نتائجها تعبر إلى السموات، وهذه خدمة تليق بالملائكة[10]. ولهذا وُصفت الرتبة الكهنوتية "بالملائكية"، طالما أن الكهنوت يُمارس على الأرض، لكنه مرتبط "بنظام السمائيين". وهذا أمر طبيعي ومنطقي، إذ أن الكهنوت، كما يقول ق. يوحنا ذهبي الفم " لم يؤسسه إنسان ولا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا أى قوة أخرى مخلوقة، لكنه المعزي الروح القدس نفسه، هو الذي جعله هكذا، حتى يبدو وكأنه يُمارس من ملائكة، على الرغم أنه يمارس من بشر "[11]. هكذا فإن العظات التعليمية التي يقدمها الكهنة لها دور هام جدًا في إنارة أذهان أعضاء الكنيسة، أى المؤمنين بحقائق الإيمان المسيحي، وأيضًا في مواجهة الهراطقة، وهى تُشكّل حائط صد ضد تعاليمهم المنحرفة[12]. ويشبه القديس يوحنا ذهبي الفم الكاهن بالفلاح الذي يزرع باستمرار وينتظر طويلاً حتى يجني حصاده، ويشبهه بالنهر الذي يُنعش النفوس ويجعلها تُثمر باستمرار، وبالطبيب والذي بأدوية كلمته المناسبة يشفي مؤمنين كثيرين، وأخيرًا يُشبهه بالنحلة التي تستقي من الكتاب رحيق الحقائق الإلهية وتعطي عسلاً لنفوس المؤمنين[13]. ويعتبر ق. يوحنا ذهبي الفم أن عمل الرحمة نحو الفقراء هو من المواهب الأساسية للخدمة الكهنوتية، أى رعاية الفقراء والمتألمين، والمتروكين، وبشكل عام كل من ليس لهم أحد يسأل عنهم[14]. وكان ق. يوحنا ذهبي الفم نفسه يرعى 3000 فقير يوميًا في مدينة أنطاكية، و 7000 فقير في مدينة القسطنطينية، وبالطبع ساعده عدد من الكهنة والشمامسة ممن كانوا قائمين على هذا العمل الضخم، أيضًا أسس مضيفة للغرباء، ومستشفى لرعاية المرضى، وكان يقوم بترتيب زيارات للسجناء يومي الأربعاء والجمعة من كل أسبوع، كما أنه حرر الكثيرين من الأسرى والسجناء[15]. لقد كرز ق. يوحنا ذهبي الفم، دون انقطاع، بأهمية عمل الرحمة تجاه المحتاجين، حتى أنه دُعيَ بيوحنا الرحيم. وكان يعتبر أن التبشير بعمل الرحمة للفقراء والمحتاجين هو عمل يُمليه عليه ضميره، وهو أيضًا رسالة روحية ينبغي تتميمها[16]. ويصف هذه الخدمة بأنها:
1 ـ عمل 2 ـ فضيلة 3 ـ سر
ولم يتردد أن يعتبر عمل الرحمة أسمى من البتولية، ومن الشهادة[17]، ويشبه من يُقدمه بالكاهن، فهو يرتدي ثوب الوداعة وهو مكرس لله مثل الكاهن. ولديه أيضًا مذبح لكن ليس من حجر، لكن مذبحه هو نفوس المؤمنين هناك حيث يسكن المسيح[18]. ويؤكد ق. يوحنا ذهبي الفم على أن واجب ممارسة أعمال الرحمة هو أمر ملزم للجميع، للأغنياء وللذين يمتلكون القليل. وعندما ادعى البعض أن الكثيرين من الفقراء يطلبون الكثير على الرغم من أنهم ليس لهم احتياج حقيقي لذلك، أجاب بأن حينما يتوفر للإنسان الإحتياجات الضرورية فإنه لا يكون قد وصل إلى حالة الفقر الحقيقية[19]. وفي رده على تساءل البعض أن الكثيرين من الفقراء، بينما هم أصحاء جسديًا، لا يعملون، يقول أخبرني هل كل ما تملكه قد آل إليك من العمل، أم عن طريق الوراثة؟ بل حتى وإن كنت تعمل وتحقق دخلاً، فيجب ألاّ تُغيّر موقفك من الآخر؟ هكذا يؤكد أن ميناء الرحمة ينبغي أن يظل مضيئًا، على مثال ما كان يفعله المسيح تجاه الخطاة وكل من له احتياج. فمن ناحية يجب على الفقير أن يكون أمينًا ومُمتّن، ومن ناحية أخرى على الغني أن يُقدم عمل الرحمة دون تمييز. إن عمل المحبة قد أخذ أبعادًا جديدة بعد أن طابق المسيح نفسه بالفقير. في هذه الحالة على الرغم من أن عمل الرحمة يُقدم على الأرض، فإنه يصير أداة تواصل مع الله، إذ يستجيب الإنسان للمحبة الإلهية تجاه البشر، ويتمثل بمحبة المسيح على قدر الإمكان. ويعدد القديس يوحنا ذهبي الفم أعمال الرحمة، بحسب قول الرب في (مت35:25ـ36) " لأني جعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. كنت غريبًا فأويتموني. عريانًا فكسوتموني. مريضًا فزرتموني. محبوسًا فأتيتم إليّ " وحين يشير ق. ذهبي الفم إلى الإحسان وعمل الرحمة فإنه ينصح ألاّ يكون هذا كواجب، بل كوصية إنجيلية. ويضع في اعتباره الضعف الإنساني أيضًا، لكنه يُضيف أن ذاك الذي يقدم من فضلاته، سيأخذ من الله فضلات، بينما الذي يُقدم كل شئ، سيأخذ من الله بوفرة[20]. ويرى ق. يوحنا ذهبي الفم أن هناك شروط محددة لمن يُريد أن يقدم عمل الرحمة وهى:
يتبع>>>
رد: الذهبي الفم في التقاليد المسيحية المختلفة - لمجموعة من المؤلفين
1 ـ أن يُمارس ذلك العمل باستقامة وحيوية، فالمال الذي يُحصل عليه بالظلم لا يصلح أن يكون وسيلة لعمل الرحمة، بل هو عدم أمانة أمام الله. وحينها سيكون من الأفضل ألا يتم عمل الرحمة في هذه الحالة حتى وإن كان الفقير في حالة عوز شديد.
2 ـ لا ينبغي أن يُقدم عمل الرحمة بضيق وتأفف، فعندما تعطي يجب أن يكون العطاء بسخاء وحين تقدم شيئًا فلا تظن أنك تعطي، لكنك في الحقيقة تأخذ[21].
3 ـ ينبغي أن يُقدم عمل الرحمة بلا إهانة أو مذلة، لأن في هذا قسوة شديدة، فبدلاً من أن تخفف ألمه، تضيف إليه ألمًا، ومن يُمارس عمل الرحمة بهذه الطريقة، سيفقد مكافأته من الله[22].
إن عمل الرحمة كما يراه ق. يوحنا ذهبي الفم لا ينحصر في الإلتزام الذي ينبغي تتميمه، لكنه في الحقيقة مصدر نفع وخيرات للجميع، سواء لمن يقدم، أو لمن يستفيد من التقدمة. إذًا فكل من يعطي أهمية خاصة لعمل الرحمة، سيحصد منفعة روحية، إذ يربح اسمًا حسنًا بين الفقراء، ويتمتع بحب وقبول عام[23]. عدا ذلك فسيكون من يقدم عمل الرحمة قد عرف كيف يوظف الخيرات المادية في مكانها الصحيح. إنه عمل يؤدي لغفران الخطايا، ويقود لملكوت الله. وهذا العمل لا يقود لتنقية النفس فقط، بل أنه يُعيد ميلادها، ويعطيها جمالها الأول[24]. ودون أن يقلل ق. ذهبي الفم من الطرق الأخرى التي تقود للكمال؛ يلاحظ وهو يعلق على موضوع الدينونة الأخيرة أن البركة التي تُعطى لمَن عاش حياة العفة، لن تُعطى له إن كان لم يسع إلى خدمة المسيح في شخص الفقير، وأن الزاني، أو الحاسد، أو الثَمِل، أو الهرطوقي لن يُدان عما ارتكبه فقط من شرور، بل إن الإدانة ستقع عليه لأنه تجاهل مساعدة المسيح في شخص المحتاج. ولذلك نجده يؤكد دومًا على هذه الحقيقة في كل عظاته، وهى أن ملكوت الله يُستعلن فقط لمن عاش بالمحبة تجاه الآخر الذي هو على صورة الله ومثاله. وفي تفسيره لرسالة رومية، يتوجه نحو المؤمنين قائلاً: " دعونا نُبطل الفقر في هؤلاء المحتاجين حتى ولو أنهم مازالوا يفعلون الشرور، وليتنا لا نفحص الأمر بالتفصيل. لأننا نحن أيضًا نحتاج لمحبة الله وحنوه، فخلاصنا مرتبط بمحبتنا للآخر. فمهما كان مقدار السخاء الذي نُظهره نحو الآخر، فإننا لا نستطيع أن نقدم محبة للغير تماثل تلك التي نحتاجها نحن من الله محب البشر. لأنك حين تدقق وتفحص حالة مَن هو في احتياج شديد، فإنك تصير غير مستحق لمحبة الله. لأنك حين تضع هذا مع مَن هم شركائك في الإنسانية، ستجد أن الله يضع هذا معك أيضًا "[25].
1 يو11:10.
[2] PG. 52, 327-328E.
3 نيقوديموس الآثوسي: وُلِد سنة 1849م. ترهبن بجبل آثوس سنة 1775م، وعُرف عنه النسك الشديد، والتقوى، والميل لحياة الوحدة الكاملة. وقد كان غزير الإنتاج في الكتابات اللاهوتية المتنوعة. رقد في الرب في 14 يوليو سنة 1809، بعد حياة نسكية حافلة بالنشاط الروحي المتواصل. " θρισκευτική και Ηθική εγκυκλοπαίδεια " Τόμος 9, Αθήνα 1966, σελ. 498-500.
[4] Nikodhmou Tou Agioreitou “ Eij Ton oikoumenikόn did£skalon kai fwst»ra thj ekkl. Ag. iw£nnh ton crusÒstomon .. “ qssα
lon…kh 1991, sel.26.
[5] ' ApÕstoloj Π
aÝloj kai Iwannhj crusÒstokoj ' klhronom…a 14 (1982) 321.
6 ثيئودوريت: مؤرخ وُلِد في أنطاكية سنة 339م، نال معارفه اللاهوتية في مدارس ديرية متنوعة في نفس المنطقة، وفي سنة 423م صار أسقف لمدينة كورش، وهى مدينة صغيرة تقع شرق أنطاكية، وقد تنيح سنة 466. وله كتابات في تاريخ الكنيسة، كتابات عقيدية، وتفسيرية، ورسائل حفظ منها 232 رسالة.
[7]Χριστου. κρικώνη " Η προσωπικότητα Ενὸς πολυπὰθους Αγὶου " θεσσαλονίκη 1996, σελ. 246-247..
8 السامرية، إصدار مركز دراسات الآباء، ترجمة د. جورج عوض، 2006 ص 38.
[9] Peri IerwsÚnhj LÒgoj G'5.
[10] Peri IerwsÚnhj LÒgoj G'4.
[11] Peri IerwsÚnhj LÒgoj G'5, PG. 48, 643.
[12] Peri IerwsÚnhj LÒgoj D, 3.4.
[13] Peri IerwsÚnhj LÒgoj D, 3.
[14] Peri IerwsÚnhj LÒgoj G'17.
[15] D. kwstantšlou “ buzantin» Filanqrwp…a kai koinwnik» prÕnoia “ sel. 120-125.
[16] Peri IerwsÚnhj 1, PG 51, 261.
[17] E…j Matq. Omil. 49, 4, PG 58, 500501.
[18] E…j b, kor. Omil.
[19] E…j b, kor. Omil. 16, 4 PG 61, 515-516.
[20] E…j b, kor. Omil. 17,2 PG 61, 519.
[21] E…j b, kor. Omil.16, 4 PG 61, 516.
[22] Per… ierwsÚnhj 3, 16, PG 48, 655.
[23] E…j yalm. PG 55, 298-299.
[24] E…j to Econtej .. 2, 11, PG 51, 300.
25 تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، الإصحاح الثامن، ترجمة د. سعيد حكيم، (تحت الطبع) إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية.