-
رد: السنكسار اليومي (11 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(11 كانون الثاني)
* سيرة القديس البار ثيودوسيوس رئيس الأديار *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2011.jpg
(+529م)
ولادتُهُ ونشأتُهُ:
ولد ثيودوسيوس في قرية كبادوكية تدعى موغاريسوس لأبوين تقيين. اسم أمه أفلوغيا, ترهَّبت في كبرها وصار ثيودوسيوس أباها الروحي. نما ثيودوسيوس في النعمة والقامة وكان قوي البنية. قيل إنهُ منذُ أن كان فتىَ لم يسمح لنفسِهِ بأن تميل إلى محبة القنية والغنى والمال. أمرٌ واحدٌ كان يملأ جوارحَهُ:الرغبة في رؤية الأرض المقدَّسة. اعتاد أن يقرأ الكتاب المقدَّس باستمرار. قرأ في سفر التكوين أن الله دعا إبراهيم لأن يترك أهله وأصدقاءَهُ وعشيرتهُ وكُل شيء له إذا كان يرغب حقَّاً في أن يرث البركة الأبدية. هذه الدعوة اقتبلها قديسنا ثيودوسيوس كما لو كانت موجَّهة إليه، سلوكاً في الطريق الضيِّق المفضي إلى بركات الدهر الآتي.
خروجُهُ نحو أورشليم:
خرج ثيودوسيوس من كبادوكية متجهاً نحو أورشليم بنية التبرك من الأراضي المقدسة. وفي طريق رحلته بلغ أنطاكية ليتبرَّك من القديس سمعان العمودي، الذي التقاه وباركهُ وتنبأ له بما سيصير إليه كرجل الله .
بعد ذلك أسرع ثيودوسيوس إلى أورشليم, لمَّا وصل لم يدر أي طريق يأخذ وكيف يباشر ما عزم عليه. أيختار الحياة المشتركة كونه يرغب في الترهُّب,أم يلتمس حياة النسك من أول الطريق؟
وبعد أخذٍ ورد تكوَّنت لديه قناعة أنَّه خيرٌ لهُ أن يتمرَّس على الحياة النسكية على يد أحد الآباء المجرَّبين أولاً ثمَّ يخرج إلى العزلة والصحراء. وهكذا كان.
لقاؤهُ بالأنبا لونجينوس:
هدى الله ثيودوسيوس إلى أب شيخ مبارك يدعى لونجينوس كان هو أيضاً كبادوكيَّاً, فأقام معه زماناً طويلاً قرب برج داود سالكاً في الطاعة لهُ في كل الأمر. بارك الأب لونجينوس ثيودوسيوس سامحاً لهُ بأن يقيم متوحداً في قلايةٍ صغيرة على الطريق إلى بيت لحم. فانتقل ثيودوسيوس إلى تلك القلاية. لكن ما لبث أن ذاع صيتُهُ فأخذ الناس يُقبلون إليه من كُلِّ ناحيةٍ وصوب. هذا دفعَهُ لكي يترك قلاَّيته وينتقل إلى أعلى الجبل حيثُ استقرَّ في مغارة ما تزال رفاتُهُ إلى اليوم رابضةً فيها.
تنسُّكهُ في المغارة:
تنسَّك ثيودوسيوس في المغارة, كان بنية الانصراف الكلّي إلى إتمام عمل الرهبنة. لذلك كان القديس يعمل على ضبط جسده بكلِّ حكمة ودراية. لأن همَّه كان أن يفعل ما يرضي الله. كان دائماً ينظرُ إلى مكنونات قلبه، ويسلك بإمانة في حكمة ربه، عالماً باحتيالات العدو الذي يشاء أن يدفع المجدِّين إلى التطرف والنسك الزائدين لإلقائهم في الكبرياء والغرور. اعتاد اليقظة بنعمة ربّه وكان دائم الصلاة. كان يكفي جسدَهُ من الطعام بما هو ضروري اجتناباً للوقوع في الوهن والمرض. حياتُهُ النسكيَّة هذه جعلتهُ يضيء بالنعمة الإلهية. مما دفع الناس مجدداً إليه بنية الفضيلة والترقي في دروب الحياة الفضلىَ. ردَّةُ الفعل الأولى لديه كانت، أنَّهُ صدَّ الناس لئلا يتعكّر صمتُه.أخيراً ألحّ عليه طلاَّب الرهبنة وأعطاه الرَّب الإله اقتناعاً. كان عدد الذين قبلهم أولاً لا يتجاوز السبعة. هؤلاء استقروا في المغارة من حوله.
رجاؤهُ بالله:
رجاءُ قديسنا كان بالله قوياً، لأن الله كان يمدَّه ورهبانهُ بكلِّ ما يعوزون. كما حدث لمَّا أعطاهم خبزَ الذبيحة الإلهية يوم الفصح المجيد ليقيموا الذبيحة بوساطة رجلٍ بلغ الدير وهو يحمل الخبز والخمر وضرورات الحياة الأخرى, بعد أن اضطرب تلاميذه وقلقوا لأن الفصح كان ولم يكن لديهم لا خبز الذبيحة ولا قوتهم اليومي. وحوادث أخرى مثلُ هذه تكرَّرت مع القديس ورهبانه. لذلك كان القديس يعلّم رهبانَهُ أن لا يضطربوا متى نقصت مئونتهم, وأن يلقوا رجاءهم على الله الحي.
بناءُهُ ديراً لرهبانه:
زاد عدد تلاميذ القديس, حتَّى ضاقت بهم المغارة حيث يقيمون, فطلبوا من قديس الله أن يبارك بناء ديرٍ لهم, فرفض بادئ الأمر. وبعد إلحاحٍ أعطى الأمر بأن يُطاف بمبخرةٍ فيها فحمٌ غير متقد وبخور. قائلاً: في المكان الذي يشتعل فيه الفحم وتفوح رائحة البخور هناك يكون الدير. طاف هو ورهبانه كثيراً إلى أن بلغوا صحراء كوتيلا وبحيرة الأسفلت. ولمَّا لم يتَّقد الفحم ظنّوا أن الله لا يريدهم أن يقوموا ببناء الدير فغادروا في طريقهم إلى مغارتهم. لكن ويا للعجب هاهم في طريق عودتهم يمروَّن في مغارة تبعد سبعة كيلو مترات من بيت لحم, وهاهو الفحم يتقد ورائحة البخور تفوح.
عل هذا بنى الإخوة كنيسةً جميلة وديراً فسيحاً ومستوصفاً ومضافةً وكل ما يعين لا في قضاء حاجة الإخوة وحسب بل الحجاج والزوَّار والفقراء والمرضى من قصَّاد الدير أيضاً, وكذلك الرهبان الزائرين والنبلاء.
كنائس الدير:
بلغ عدد الرهبان في الدير 793 راهباً وقد ابتنى لهم القديس أربع كنائس. واحدة كانت التسابيح فيها باليونانية, وواحدة بالسريانية، وواحدة بالأرمينية, وواحدة للغرباء والممسوسين. سبع مرات في اليوم كانت الصلاة ترتفع إلى السماء. بعد قراءة الكتاب المقدس كان الجميع ينتقلون إلى كنيسة اليونانيين ليكمِّلوا القداس الإلهي. ثيودوسيوس كان أبا الجميع وكان, بمثالِه وتعاليمهِ, صورة حيَّة للمسيح.
تقديسُهُ لرهبانِهِ:
عناية ثيودوسيوس ومحبته لرهبانه, جعلت النعمة الإلهية تحفظهم وبالتالي جعلتهم يرتقون نحو القداسة فصاروا رجالاً شهوداً للكلمة الإلهية, فاختير البعض منهم أسقفاً والآخر رئيس دير, والآخر أباً مرشداً. وكلُّ هذا بفضل عناية ومحبة القديس ثيودوسيوس الذي عرف كيف ينقل لهم الكلمة الإلهية وبالتالي عرفوا بدورهم وتربَّوا على متابعة ما تعلموه من أبيهم ومرشدهم الروحي.
دفاعُهُ عن العقيدة الأرثوذكسية:
في زمن القديس ثيودوسيوس, ظهرت هرطقة أفتيشيوس التي كان يدين بها الإمبراطور البيزنطي أنسطاسيوس. هذا الإمبراطور طلب من القديس أن يعلن إيمانه وأن يعترف بأنهُ يدين بنفس ما يدين أفتيشيوس بشأن طبيعة المسيح الواحدة هذا رفضَهُ القديس ثيودوسيوس, بعد أن جمع آباء البريِّة وتداول معهم طلب الملك. حيثُ فضلوا الموت على القول بالطبيعة الواحدة. ولم يقف القديس عند هذا الحدِّ من الرفض, بل جمع جمهرة من الناس وأعلن: "كل من ناهض المجامع المسكونية الأربعة وأبى أن يكرمهم على غرار الأناجيل الأربعة فليكن أناثيماً". غضب الإمبراطور غضباً شديداً وأمر بنفي القديس. ولكن غيابه عن ديره ورهبانه لم يدم طويلاً لأن الإمبراطور مات بعد حين.
عجائب القديس:
اجترم القديس عجائب عديدة منها شفاء امرأة من سرطان الثدي, وإكثار القمح لدى راهب مُعدم من حبة قمح واحدة ونجَّى ولداً من الموت المحتَّم إثر سقوطه في بئر عميق, شفاء امرأة كادت تطرح قبل الولادة. وإيقاف زحف الجراد والحشرات الفتاكة عن أذية الأرض.
رُقادُهُ:
رقد القديس ثيودوسيوس عن عمر ناهز سن المئة وخمس سنوات. إثرَ مرضٍ أصابه قبل رقادِه بسنة. إذ تقرَّح جلد أردافه وتآكل حتى إلى العظم. آلام مرضِهِ تحمَّلها بكلِّ صبرٍ وشكرٍ وتسبيح. لما عرف أن ساعتَهُ دنت, جمع الإخوة وحثَّهم على الصبر في الملمَّات إلى المنتهى وأن يخضعوا لرئيسهم. ثمَّ بعد ثلاثة أيام ودَّع وصلىَّ صلاة عميقة وجعل يديه على صدره بشكل صليب وغادر إلى ربِّهِ بسلام.
طروبارية باللحن الثامن
للبرّية غير المثمرة بمجاري دموعك أمرعتَ، وبالتنهُّدات التي من الأعماق أثمرتَ بأتعابك إلى مئة ضعفٍ. فصرتَ كوكباً للمسكونة متلألئاً بالعجائب، يا أبانا البار ثاودوسيوس، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.
قنداق باللحن الثامن
لما غُرستَ في ديار ربك، أزهرتَ ببهاء فضائلك الباهرة، وكثَّرثَ أولادك في البرية، وبامطار عبراتكَ روَّيتهم، يا رئيس
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (12 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(12 كانون الثاني)
* سيرة القديسة الشهيدة تتيانا *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2012.jpg
(القرن الثالث الميلادي)
زمن حياتها:
عاشت القديسة تتيانا في زمن الإمبراطور الروماني ألكسندروس ساويروس (225- 235م). كان والدها قنصلاً معروفاً في رومية، وقيل جُعل شماساً في الكنيسة هناك.
لم تُغوِ الرفعةُ تتيانا ولا مباهج الحياة الدنيا، فقد أمضت طفولتها في دياميس رومية حيثُ اعتاد المسيحيون أن يجتمعوا. وقد ورد أنَّها لما كبرت صارت شمَّاسة هي أيضاً. رغبةُ قلبها كانت أن تبذل نفسها لمسيحها حتى الموت، موت الشهادة.
تعذيبها واستشهادها:
وإذا كانت أمةُ الله تتيانا مُجدَّة في الكرازة بالرَّب يسوع دون مهابة، جرى القبض عليها وأوقفت أمام الإمبراطور. فبعدما كلَّمها الإمبراطور بكلامٍ مَلِقٍ في محاولة لاستردادها إلى هيكل الأوثان آملاً في أن يجعلها تضحّي لها هناك. أخذت تتيانا في الصلاة إلى ربِّها وإذ بالأوثان تهوي أرضاً وتتحطم. عَظُمَ الأمر لدى الإمبراطور وشعر بالمهانة فأمر بها جنده فنزعوا جِلدَ وجهها. وإن ملائكة الله جاءت فأعانتها. وقد ذُكر أن جلاديها الثمانية عاينوا الملائكة في نور الله فاختشوا وامتنعوا عن إنزال العذاب بأمة الله معترفين بالمسيح نظيرها، فتقدم الجنود وفتكوا بهم فأحصوا في عداد الشهداء القديسين.
أما تتيانا فاستمرِّ تعذيبها حيناً. حلقوا شعر رأسها ونزعوا ثدييها وألقوها في ألسنة اللهيب ثمِّ رموها للحيوانات، لكن لم تقضِ كل هذه التدابير عليها، وبدت الحيوانات المفترسة بإزائها هادئة مسالمة. مع ذلك أمعن الجلادون في تحطيم عظامها وتقطيع أوصالها. رغم كل شيء بقيت تتيانا راسخة في الإيمان لا تتزعزع. أخيراً عيل صبر الإمبراطور وبدا لهُ كأن محاولاته باءت بالفشل ولم يتمكن من استعادة الفتاة إلى ما كان يرغب فيه. فإنقاذاً لكرامتِهِ الجريحة, أمر بقطع رأسها، فتمَّ لهُ ذلك وانضمت تتيانا إلى موكب الشهداء المعظَّمين.
طروبارية باللحن الرابع
نعجتك يا يسوع تصرخ نحوك بصوتٍ عظيم قائلة: ياختني إني أشتاق إليك وأجاهد طالبةً إياك، وأُصلّب وأُدفَن معك بمعموديتك، وأتأَلم لأجلك حتى أملك معك، وأموتعنك لكي أحيا بك. لكن كذبيحة بلا عيب تقبَّل التي بشوقِ قد ذُبحت لك. فبشفاعاتها بما أنك رحيمٌ خلص نفوسنا.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (13 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(13 كانون الثاني)
*القديسون استراتونيكس الشهيد ومكسيموس الحراق البار وإرميلُس الشهيد*
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2013.jpg
حوالي 315م
القديس أرميلس:
هويَّتُهُ:
هو الشماس أرميلس المولود زمن الإمبراطور ليسينيوس، في سيغيدونم، القريبة من بلغراد. افتُضح أمرهُ أنهُ مسيحي فجاء إليه الجند فاستقبلهم على الرحب والسعة. استاقوه إلى حضرة الإمبراطور فأجاب بجرأة ورباطة جأش عن الأسئلة التي وجّهها إليه، ساخراً من فعل عبادة الأوثان، فمزَّقوا خدَّيه. ولما ألقي في السجن جاءَهُ ملاك الرب فعزّاه وقوّاه ودعاه إلى الثبات في الجهاد إلى المنتهى. أوقفوه من جديد أمام الطاغية فبدا متشدداً، ثابتاً في الإيمان بالمسيح يسوع، على غير ما كانوا يتوقَّعون. انهال عليه ستة من الجلادين ضرباً بالسياط فتكبد ما نزل به من دونِ تذمُّر. اكتفى بالصلاة إلى ربِّه أن يؤهله للمشاركة في آلامه الخلاصية، فجاءه صوت من السماء يعده بإكليل المجد في غضون ثلاثة أيام.
القديس استراتونيكس:
هويَّتُهُ واهتداؤه:
هو واحدٌ من الجلَّادين السَّتة الذين عذَّبوا أرميلس. هذا تحرَّك قلبه لمرأى أرميلس ونفذت نعمة الرَّب فيه فوجد نفسه مائلاً إلى الإيمان بمن يؤمن أرميلس به. ولكن كانت الشجاعة تنقصهُ ليجاهر بالمسيح ويخوض غمار الشهادة. فلما كان الغد، جيء بأرميلس مُجدَّداً وأنزل الجلّادون به عذابات مرهبة فلم يتمالك استراتونيكس نفسه أمام فظاظة المشهد وانفجر باكياً. كانوا قد مدَّدوا من أضحى صديقه على الأرض وانهالوا عليه بسياط لها في أطرافها مثلثات حديدية مسَّننة، وتمزَّق جلده حتى إلى الأحشاء بمخالب حادة. فلمّا رأى الجنود ما آلت إليه حال استراتونيكس استجوبوه. كانت ساعته قد دنت، فاعترف ولم ينكر أنه لا يحسب نفسه صديقاً وحسب بل مؤمناً بمن يؤمن هو به، وهو مستعد لأن يشترك وإياه في الموت من أجل محبة المسيح. للحال أوقف استراتونيكس وحُكمَ عليه بالجلد فتقوّى بنعمة الله ومرأى أرميلس وسأله الصلاة من أجله ليثبت إلى النهاية السعيدة. فلمَّا أعيد الصديقان إلى السجن جاءهما صوتٌ من السماء يقول لهما: "غداً تظفران بإكليل المجد".
استشهادهما:
فجر اليوم التالي، أخذوا أرميلس وعلّقوه على خشبة راغبين في تقطيعه وبعدما تبين لهم أنه لا فائدة من محاولة إعادة استراتونيكس إلى الوثنية لأنه كان ثابتاً في عزمه وإيمانه، أخذ الجلادون الاثنين معاً ووضعوهما في زنبيل وألقوهما في نهر الدانوب. هكذا أكمل شهيدا المسيح شوطهما وتكلّلا بالمجد. وقد تمكن المسيحيون من التقاط جسديهما فأخذوهما بفرح عظيم ودفنوهما بإكرام جزيل على مقربة من المدينة.
طروبارية باللحن الرابع
شهيداكَ يا رب بجهادهِما، نالاَ منكَ الأكاليل غير البالية يا إلهنا، لأنهما أحرزا قوَّتك فحطما المغتصبين، وسحقا بأسَ الشياطين التي لا قوَّة لها، فبتوسلاتهما أيها المسيح الإله خلص نفوسنا.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (14 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(14 كانون الثاني)
* القديس البار سابا رئيس أساقفة صربيا ومؤسس دير خيلندار الآثوسي *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2014.jpg
(1235م)
ولادتُهُ ونشأتُهُ:
ولد القديس سابا عام 1169. وهو الابن الثالث لأمير صربيا الأكبر، استيفانوس نامنجا التقي. اتخذ وقت المعمودية اسم رادكو أوراتسلاف الذي يعني هلالاً. ترعرع على مخافة الله. تسلم وهو بعد في الخامسة عشرة من عمره حكم مقاطعة هرزكوفينا. لم يغره مجد العالم ولا مباهجه. محبة الله تظللت فيه. عرض عليه ذووه الزواج وهو في السادسة عشرة فتهرب. في تلك الأثناء قدم رهبان صرب من جبل آثوس وعلى رأسهم شيخ روسي. جاؤوا يلتمسون العون من الأمير الأكبر. أصغى رادكو بشغف إلى كلام الشيخ بشأن الحياة الرهبانية الملائكية في جنة والدة الإله، أي جبل آثوس. استقرَّت في أذني رادكو خصوصاً كلمة تفوه بها الشيخ: "من أحبَّ أباً أو أماً أكثر مني فلا يستحقني" (متى10: 37). سقطت آخر تحفظات الشاب. أيقن أن تعلقه بذويه ليس سبباً وجيهاً للبقاء. قرَّر على الأثر أن يحمل هو أيضاً صليبه ويتبع المعلّم. لجأ، لتحقيق رغبته المباركة، إلى الحيلة. طلب من والده البركة ليذهب في رحلة صيد للغزلان. فلما حظي بما اشتهته نفسهُ انطلق في إثر الطريدة الإلهية التي هي المسيح.
ترهُّبُهُ:
اقتبل رادكو الثوب الرهباني في دير القديس بندلايمون الروسي, واتخذ سابا اسماً له. بعد ذلك صار سابا راهباً في دير فاتوبيذي تحت قيادة شيخ اسمه مكاريوس. هذا الأخير أنشأه على الصوم والصلاة والسير على درب النساك القديسين. فحرص على الطاعة وخدمة الإخوة بلا تردد. تسنىَّ له خلال هذه المرحلة من سيرته الرهبانية، أن يتقن اليونانية، الأمر الذي سمح له بنقل الكثير من كنوز التراث الآبائي والليتورجي والقانوني الكنسي إلى السلافية، لغة شعبه.
دورهُ في ترهُّبِ واِلِدهِ استفانوس، وبناء دير خليندار:
بتأثيرٍ من القديس سابا تخلىَّ والدُهُ استفانوس عن العرش وسلَّمهُ إلى ابنه الثاني، ليترهَّب في الدير الصربي المعروف باسم ستودينيتسا، ويتخذ اسم سمعان. ومن هناك انتقل إلى الجبل المقدس واتخذ من ابنه، سابا أباً روحياً له. وإذ لم يكن بمقدور سمعان أن يتمم الفروض النسكية المطلوبة من الرهبان المجرّبين، بسبب سنِّه، أخذ سابا على عاتقه أمر مضاعفة جهاداته الخاصة،عنه وعن أبيه. قائلاً لأبيه: "أنا صيامك وسجداتك. أنا نسكك. أنا مسؤول أمام الله عنك لأنك سمعت لي وأتيت إلى هنا". وبعد ما وزَّع الأمير حسناته على الأديرة، أسس الأميران الراهبان دير خيلندار الذي صار مركز الرهبانية والثقافة الكنسية الصربية. هناك أقام بصحبة رهبان صرب آخرين، كما انضم إليهم رهبان من جنسيات مختلفة سنة 1200م ورقد سمعان بالِّرب وهو أحد قديسي الكنيسة ويُعيد له في 13 شباط. للحال نضح طيباً وجرت برفاته عجائب جمة.
تنسُّكهُ:
بعد وفاة سمعان استلم سابا رئاسة دير خيلندار، وانصرف ليحقق رغبة قلبه التي كثيراً ما كان يتوق إليها، ورغبة قلبه هذه هي النسك. حيث نزل في قلايةٍ قرب كارياس، العاصمة الصغيرة للجبل المقدَّس. محبة المسيح كانت قد أسرتهُ. لم يعد ينظر إلَّا للسماء وخيرات العالم الآتي. كان يتضرع ليل نهار إلى الإله أن يتحنن عليه لأنَّهُ أسوأ الخطاة.
القديس سابا في صربيا:
إثر نزاعٍ وقع بين أخويِّ سابا في صربيا، عاد سابا إلى بلاده حاملاً معهُ رفاة أبيه، سمعان العجائبية. حيثُ عمل على إصلاح وإزالة النزاع بين أخويه أمام رفاة أبيهما. قبل سابا بناءً على طلبٍ من أخيه استيفانوس والشعب الصربي، أن يبقى في صربيا ويصير رئيساً لدير ستودينيتسا. لم يهمل شيئاً من سيرته النسكية. قام بعمل رسولي مهم. ثبَّت الشعب في الإيمان الأرثوذكسي. قاوم الهرطقات، بنى الكنائس والأديرة ونظمها على النمط الآثوسي. أسس دير زيخا الكبير وهو ما أضحى، فيما بعد، مركز رئاسة الأساقفة الصربية ومركز الحياة النسكية في البلاد.
عودتُهُ إلى جبل آثوس:
عاد سابا إلى جبل آثوس سنة 1216 منصرفاً إلى الصلاة بحرارة إلى الله من أجل الشعب الصربي.
زيارتُهُ الإمبراطور البيزنطي ثيودوروس وأسقفيته على صربيا:
زار سابا الإمبراطور البيزنطي ثيودوروس الأول لاسكاريس في مدينة نيقية سنة 1219. أبدى الإمبراطور استعداده أن يمنح الكنيسة الصربية استقلالها الداخلي الكامل شرط أن يكون سابا أول رئيس أساقفة لها. رضي سابا فسامه البطريرك القسطنطيني أسقفاً. للحال باشر سابا بتنظيم الكنيسة الصربية. سام خيرة تلاميذه أساقفة وتوَّج أخاه ملكاً. جاد في البلاد كارزاً بالإيمان القويم. سام الكهنة وبنى الكنائس وأسس الأديرة، ونقل القوانين الكنسية إلى السلافية.
استجابة الله لصلاته:
بعد حين رقد أخوه الأمير استيفانوس ولم يحقق رغبته الأخيرة في أن يصير راهباً. فما كان من سابا سوى أن ردَّ إليه نسمة الحياة، بنعمة الله، ورهبنه وأعطاه اسم سمعان وناوله الذخيرة المقدَّسة. وما أن تم له ما رغب فيه حتى أسلم الروح بسلام.
حجُّهُ إلى الأراضي المقدَّسة:
سنة 1230م خرج سابا في حجّ إلى الأراضي المقدسة فنزل في دير القديس سابا القريب من أورشليم إلى القدس. ثمَّ في السنة 1233 تنازل عن رئاسة الأساقفة وجال على الأرض المقدسة وسيناء وإنطاكية.
رُقادُهُ:
رقد القديس سابا في الرب في 14 كانون الثاني 1235 أو ربما 1236 في تيرنوفو البلغارية. بقي جسده في كنيسة الأربعين شهيداً هناك إلى أن جاء الأمير الصربي فلاديسلاف واستعاده. استقر في دير ميلاسيفو الصربي الذي أضحى مركز حجّ مهم. بقي كذلك إلى أن أحرق سنان باشا التركي الرفاة في بلغراد في 27 نيسان 1594م.
طروبارية باللحن الثاني
يا إله آبائنا الصانع معنا دائماً، بحسب وداعتك لا تُبعد عنا رحمتك، بل بتوسلاتهم دبّر بالسلامة حياتنا.
قنداق باللحن الثاني
لقد فررتم من التشويش العالمي، فانتقلتم إلى حال الهدوء، مكلَّلين بدم الاستشهاد ومشاق النسك، فلذلكَ ظهرتم مساكنين للشهداء والأبرار.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (15 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(15 كانون الثاني)
* سيرة أبويَنا البارًّين بولس الثيبي ويوحنا الكوخي *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2015.jpg
القديس البار بولس الصعيدي الناسك الأول
(324م)
هويَّتُهُ:
هو بولس المولود في صعيد مصر أيام الإمبراطور الروماني ألكسندروس ساويروس، قرابة العام 228م. كان أبواه غنيَّين، فثقَّفاه باللسانيين اليوناني والقبطي وربَّياه تربيةً مسيحية صالحةً لأنهما كانا مسيحيَّين تقيَّين.
هروبهُ إلى الصحراء:
إثر الاضطهاد الذي حرَّكهُ داكيوس وفاليريانوس ضد الكنيسة، وبعد وفاة والديِّ بولس وزواج أخته، وجد بولس نفسهُ وحيداً، فهرب إلى الصحراء خوفاً من الرومانيين خاصةً بعد أن سمع أن صهرهُ عازمٌ على إخبار الرومانيين بأن بولس مختبئ بين الحقول، ليتمكن من وضع يَدُهُ على ميراثِهِ.
وجد بولس نفسه أليفَ الصحراء، فطاب لهُ التوغل فيها. وقد استمر كذلك إلى أن بلغ جبلاً استبان فيه ما يشبه الكهف، فشقَّ طريقه عبر جرائد نخلة كانت على تشابك وكثافة سدّا المكان. فإذ به أمام صحن واسع، وقرب النخلة مياه رقراقة تجري قليلاً ثم تغور في الأرض.
نظر بولس المكان ورأى فيه أن العناية الإلهية هيَّأتهُ ليكون منزِلاً لهُ. فتخلىَّ عن العالميات وأقام في الكهف بقية أيام حياته. لقد وفرَّ لهُ المكان الطعام والشراب والمسكن. حتىَّ ثوبه صنعه من جرائد النخل. ما خلا ذلك انصرف بولس للصلاة والتسبيح.
لا يعرف أحد كيف عاش ولا التجارب التي تعرَّض لها. فقط نعرف أن حياته كانت أدنى إلى سيرة الملائكة منها إلى سيرة البشر، وأنه بقي كذلك إلى سن الثالثة عشرة بعد المائة حين كشف الله أمره للقديس أنطونيوس الكبير.
العناية الإلهية وكشف أمره للقديس أنطونيوس:
كان القديس أنطونيوس قد بلغ يومذاك التسعين. ويبدو أن فكراً قد خطر بباله أنه لم يُقم أحد قبله في الصحراء سار في الحياة الكاملة نظيره. فجاءَهُ, في رؤى الليل، من قال لهُ أن في فكره وهماً لأنَّ ثمَّةَ في الصحراء من هو خيرٌ منهَ وأعرف وأن عليه أن يسرع الخطا إليه، فلمَّا انبلج الفجر، قام فأخذ عصاه وسار غير عابئ بثقل الأيام عليه والنسك. همُّه كان أن يتَّبع الصوت الإلهي إلى حيثُ يهديه.
شاءت العناية الإلهيَّة أن يهتدي القديس أنطونيوس بعد مسيرة يومين في الصحراء إلى كهف القديس بولس. فتطلَّع إلى داخل الكهف, فبدا لهُ مظلماً، فتلمَّس طريقه تلمَّساً فعاين نوراً ضئيلاً يلتمعُ من بعيد فتيقَّن أن هذا هو مسكن الرّجل الذي أعلن لهُ الله عنهُ.
أسرع القديس أنطونيوس الخطا جذلاً فاصطدمت رجلاه ببعض الحجارة فترددَّت في المكان أصواتٌ منكرة، فلما فطن لها بولس من الداخل قام فأقفل الباب. كانت هذه أول مرَّة اخترق فيها أحد هدوءه منذُ أن وصل إلى المكان. وإذ رأى القديس أنطونيوس أن الباب قد رُدَّ في وجهه، ارتمى أرضاً، عند العتبة، ورجا بولس أن لا يحرمه من التعزية التي جاء يلتمسها من بعيد بمشقة كبيرة، مؤكداً أنه لن يغادر الموضع البتة قبل أن يحظىَ ببركة القديس أو يموت عند الباب. فما كان من بولس سوى أن فتح لهُ وطالعهُ بابتسامة رقيقة. وإذ تعانقا سمىَّ كُلٌ منهما الآخر باسمِهِ.
الغراب ورغيف الخبز:
بعد لقاء بولس وأنطونيوس وجلوسهما لتبادل الحديث، إذ بغراب يأتيهما برغيف خبز ويلقيه أمامهما. فشكر الرجلان الله على عظيم رحمته. قال بولس: "أترى كم صالحٌ هو الله الذي يُرسل إليَّ نصف خبزة كل يوم. واليوم، وقد أتيتني زائِراً، ضاعف الحصَّة لأنَّهُ يهتم بالذين يخدمونَهُ.
ثم قام الإثنان للأكل. فبعدما صليا انتظر كل منهما الآخر أن يكسر الخبز ويعطيه، بولس احتراماً لحق أنطونيوس كضيف عليه وأنطونيوس توقيراً لمشيئة بولس. فلما أصر الإثنان على نحو طفولي بديع اتفقا على أن يمسكا الرغيف معاً ويكسراه، كلاً من ناحيته.
معرفة القديس بولس بقرب رُقادِه:
بعد أن أمضىَ بولس وأنطونيوس ليلهما في الصلاة، رغبا في اليوم التالي بمتابعة الكلام، فقال بولس لأنطونيوس: "من زمان، يا أخي، وأنا عارف بإقامتك في هذه البريَّة. من زمان كشف لي الله أنك تبذل نفسك في خدمته. ها إنَّ ساعتي الأخيرة قد دنت، ولطالما اشتاقت نفسي إلى الإتّحاد بالرّب يسوع فإنهُ لم يبقَ لي سوى أن أتلقىَ من يده إكليل البرّ. وقد أرسلك المعلَم الإلهي لتدفن جسدي. أو بكلام أوفق، لتردَّ التراب إلى التراب".
فلمَّا سمع أنطونيوس بولس يتكلم عن قرب مفارقته أجهش بالبكاء ورجاه ألا يتركه وحيداً أو أن يتبعه. فأجاب بولس: "ليس لك أن ترغب بما فيه خيرك، في الوقت الحاضر. لا شك أنهُ سرور لك أن تنعتق من ثقل هذا الجسد المائت، لكن أخوتك بحاجة إلى مثالك. لذلك أسألك، إن كنتُ لا أُثقل عليك كثيراً، أن تذهب وتأتيني بالرداء الذي سبق فأعطاك إياه أثناسيوس الأسقف لتلفَّني به وتدفئني". طلب منهُ بولس ذلك لا لأنَّهُ كان يهتم كثيراً بأمر دفنه، ملفوفاً في رداءٍ أو غير ملفوف، بل لأنه شاء أن يبعد أنطونيوس عنه بضعة أيام ليوفر عليه ألم معاينته يموت، علاوة على أنَّهُ كان راغباً في إعلان أنه يموت على شركة والقديس أثناسيوس، المدافع الصلب عن الإيمان الأرثوذكسي في وجه الهرطقة الآريوسية.
دُهِشَ أنطونيوس لنعمة الله الساكنة في هذا الشيخ الجليل وأَكْبَرَ من كشف له أمر الرداء. وبعد ما ذرف الدمع وقَبَّل عيني الشيخ ويديه عاد إلى ديره.
عودة القديس أنطونيوس إلى منسك القديس بولس ودفنه إيَّاه:
سار أنطونيوس في طريق العودة بهمَّة. الشوق إلى بولس جدَّد كالنسر شبابه. ولماَّ بلغ ديرَهُ قبض على الرداء وأسرع خارجاً، دون أن يفكر في طعامٍ يأخذه معه. لأنَّ همَّهُ كان أن يُدرك بولس قبل موته.
مشىَ أنطونيوس مقدار ثلاث ساعات وفجأة رأى بولس صَاعِداً إلى السماء في نور وضَّاء وسط الأرواح المغبوطة، فوقع على الأرض وغطىَّ رأسه بالرمل وصاح: "آه، يا بولس، لماذا تركتني؟ لماذا لا تسمح لي بتوديعك؟ أكان يجب أن أضيِّعك هكذا سريعاً بعدما التقيتك متأخرَّاً؟
ثمَّ قام وأسرع الخطا من جديد. فلما وصل إلى المغارة, وجد جسد القديس في حال الركوع فظنَّ أنه مازال حياً فركع بقربه وأخذ يصلي. وإذ أنتبه إلى أن بولس لا يتنفَّس بصوت مسموع كما ألفاه في المرَّة الأولى, عرف أنَّهُ قد مات, فقام وألقىَ بنفسِهِ على عنقِهِ وقبَّله قبلة حزينة وبكىَ عليه طويلاً.
أخيراً قام أنطونيوس وسحب جسد بولس خارج المغارة ليدفنه وهو يردِّد التسابيح والمزامير ولكنه لما رغب في نبش حفرة يواري فيها الجسد لم يجد ما يستعين به فارتبك. وإذا بأسدين يظهران من عمق الصحراء ويتقدمان ليربضا عند جسد بولس ويداعبانه بذيليهما وهما يزأران وكأنهما في حال النحيب عليه. ثمَّ أنهما أخذا يحفران الأرض بمخالبهما ويلقيان الرَّمل من هنا ومن هنا، إلى أن أحدثا حفرة تكفي لضم جسد بولس. فلما انتهيا من عملهما تقدما من أنطونيوس مطأطئي الرأس ولعقا يديه ورجليه، فأدرك أنطونيوس أنهما يتودَّدان إليه ليسألاه البركة فباركهما على هذا النحو: "أيها السيد، يا من بغير مشيئته لا تسقط ورقة واحدة من الشجر على الأرض ولا يهلك أقل طيور السماء، أنت أعطِ هذين الأسدين ما تعرف أنَّهُ ضروريٌ لهما". فلما قال هذا أشار إلى الأسدين بالانصراف، فانصرفا. وقام هو إلى الجسد فجعله في الحفرة وردّ عليه التراب وعاد إلى ديره. شيءٌ واحدٌ حملهُ معه من المكان، رداء بولس المصنوع من جريد النخيل، الذي أخذ مذ ذاك، يلبسه في أعياد الفصح والعنصرة.
طروبارية للقديس بولس باللحن الثامن وللقديس يوحنا باللحن الرابع
للبرّية غير المثمرة بمجاري دموعك أمرعتَ، وبالتنهُّدات التي من الأعماق أثمرتَ بأتعابك إلى مئة ضعفٍ. فصرتَ كوكباً للمسكونة متلألئاً بالعجائب، يا أبانا البار بولس، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.
لما صبوتَ إلى الرب منذ الطفولية بحرارة، تركتَ العالم والمطربات التي في العالم، ونسكتَ نسكاً فاضلاً، ونصبتَ الكوخ عند أبواب والديك، فسحقتَ مكامن الأبالسة، يا يوحنا الكلي الغبطة، فلذلك قد شرَّفكَ المسيح باستحقاق.
قنداق للقديس بولس باللحن الرابع وللقديس يوحنا باللحن الثاني
لنمدح جميعنا أيها المؤمنون، الكوكب الشارق في سمّو الفضائل، بولس الشريف هاتفين: أنتَ بهجة الأبرار أيها المسيح.
لما رغبتَ أيها الحكيم يوحنا، في المسكنة المماثلة مسكنة المسيح، تركتَ ثروة والديك، وتبعتَ المسيح الإله حاملاً الإنجيل بيدك، متشفعاً على الدوام من أجل جميعنا.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (16 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(16 كانون الثاني)
* سيرة القديس بطرس الرسول *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2016.jpg
أساس العيد:
يستند العيد الذي نحتفل به اليوم إلى ما ورد في الإصحاح الثاني عشر من سفر أعمال الرسل بشأن القبض على بطرس الرسول وسجنه وتقييده بسلاسل ثمَّ إطلاقه من قبل ملاك الرَّب.
ففي تلك الأيام أساء هيرودوس الملك، وهو هيرودوس أغريباس الأول، حفيد هيرودس الكبير، الذي حكم اليهودية والسامرة ما بين العامين 41و 44م، أقول أساء إلى عدد من رجال الكنيسة إرضاء لليهود. فألقى القبض على يعقوب، أخي يوحنا الحبيب، وقتله بحد السيف. كما أمسك بطرس الرسول وألقاه في السجن مزمعاً أن يقدمه بعد الفصح إلى الشعب لأن الزمن كان الفطير. وقد سلمه إلى أربعة أرابع من العسكر ليحرسوه.
في تلك الأثناء كانت الكنيسة تصلي بلجاجة إلى الله من أجله. وقبل أن يمثل بطرس للمحاكمة، في الليلة التي سبقت وقوفه أمام الحكَّام، والمفترض أن تكون الأخيرة قبل لفظ الإعدام بحقه على غرار يعقوب، كان مقيداً بسلسلتين إلى عسكريين، واحداً عن اليمين والآخر عن اليسار. وكان قدام الباب حراس يحرسون السجن، فحلّت بالعسكر والحراس غفوة عميقة ونزل ملاك الرب بنور بهي أضاء السجن، وضرب جنب بطرس وأيقظه قائلا له: "قم عاجلاً!" للحال سقطت السلستان من يديه. ثم قال له: "تمنطق والبس نعليك!". ثم قال له: "البس رداءك واتبعني!". فلبس رداءه وتبعه وهو لا يعلم أن ما جرى له كان في اليقظة لا في الحلم كما ظن. ثم اجتاز الملاك وبطرس المحرس الأول والثاني إلى أن وصلا إلى الباب الخارجي المؤدي إلى المدينة فانفتح لهما من ذاته. فخرجا وابتعدا قليلاً مسافة زقاق واحد. وإذ أضحى بطرس في مأمن فارقه الملاك، فعاد الرسول إلى نفسه وتيقن من تدبير الله فسبح وشكر.
ثم أنه جاء إلى بيت مريم، وهي أم يوحنا الملقب مرقص، حيث كان كثيرون مجتمعين وهم يصلون. فلما قرع الباب جاءت جارية اسمها رودا، التي معنى اسمها وردة، لتسمع. وإذ عرفت أنه بطرس ارتبكت من الفرح، وبدل أن تفتح له تركته يخبط على الباب. فقالوا لها أنت تهذين! فأصرت أنه هو إياه وأنها سمعت صوته. فقالوا إنّه ملاكه! وفيما استغرق من في الداخل في الأخذ والرد لبث بطرس يقرع. فلما فتحوا له ورأوه اندهشوا، فأخبرهم بما جرى له وكيف أخرجه الرب من السجن. ثم غادرهم إلى موضع آخر.
أما السلاسل التي جرى تقييد الرسول بها فقد حصل عليها، فيما بعد، مسيحيون أتقياء وحفظوها فتنوقلت من جيل إلى جيل إلى أن استقرت في كنيسة على اسم سلسلة الرسول بطرس في القسطنطينية، بقرب كنيسة الحكمة المقدسة، حيث جرت بواساطتها، وعلى مدى أجيال أعداد من العجائب والأشفية. الكنيسة التي ضمت سلسلته تم تكريسها في السادس عشر من كانون الثاني، كما يبدو، فحُسب العيد في مثل هذا اليوم. هذا فيما درج الغرب على التعييد لها في الأول من آب، وهو ذكرى إنشاء كنيسة تحمل الإسم نفسه في رومية، الكنيسة عريقة في قدمها، ولكن لا نعرف ما إذا كانت السلسلة التي وصلت إلى رومية هي إيَّاها التي كابدها الرسول في أورشليم. بعض الآراء تقول بأن التي في رومية كابدها الرسول هناك لا في أورشليم. والله أعلم!
يُذكر أن بعضاً من سلسلة الرسول بطرس موجود اليوم في دير ديونيسيوس وبعضها في دير ايفيرون ودير القديس بندلايمون في جبل آثوس.
طروبارية باللحن الثاني
لقد حضرت إلينا أيها المتقدم على كراسي الرسل، ولم تترك أهل رومية الذينَ منهم لبستَ السلاسل المكرمة، التي إذ نسجد لها بإيمانٍ، نطلب إليك أن تمنحنا بشفاعاتك إلى الله الرحمة العظمى.
قنداق باللحن الثاني
إن المسيح الصخرةَ الحقيقية، يُمجد ببهاء صخرة الإيمان، المتقدم في كراسي التلاميذ، لأنه يستدعي جميعنا إلى التعييد لتذكار عجائب سلسلة بطرس المكرمة، ويجود علينا بغفران الزلاَّت.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (17 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(17 كانون الثاني)
* القديسون جاورجيوس يوانينا الشهيد وأنطونيوس الكبير وأنطونيوس الجديد *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2017.jpg
(356م)
ولادته ونشأته:
ولد القديس أنطونيوس في قرية صغيرة في صعيد مصر تدعى كوما قرابة العام 250م. كان أهله من أعيان البلد، ذوي ثروة يعتدَّ بها، مسيحيين فنشأ على التقوى. وكانت له أخت أصغر منه سنَّاً. اعتاد ملازمة البيت إلا للضرورة أو للخروج إلى الكنيسة. ولم يشأ أن يحصِّل العلم الدنيوي تجنّباً للخلطة بالناس. لكنه كان يصغي جيداً لما يُقرأ عليه ويحفظه في قلبه. سلك في بساطة وامتاز بكونه رضياً وعفَّ عن الملذات.
ترهَّبُهُ:
لما توفي والده تأمل فيه وقال: "تبارك الله! أليست هذه الجثّة كاملة ولم يتغير منها شيء البتة سوى توقف هذا النفس الضعيف؟! فأين هي همتك وعزيمتك وسطوتك العظيمة وجمعك للمال؟! ثم أردف: إن كنت أنت قد خرجت بغير اختيارك فلا أعجبنّ من ذلك بل أعجب أنا من نفسي إن عملت مثل ما عملت أنت". وقد ذكر القديس أثناسيوس الكبير أنه قد ترك العالم بعد وفاة أبيه بستة أشهر. فيما ذكرت مصادر أخرى أنه ترك والده بغير دفن وخرج يهيم على وجهه مخلفاً وراءه ما كان له من مال وأراضٍ وخدم. لسان حاله كان: "ها أنا أخرج من الدنيا بإرادتي كيلا يخرجوني مثل أبي رغماً عني". عمره ، يومذاك، كان ثمانية عشرة أو ربما عشرين ربيعاً.
انصرف أنطونيوس إلى النسك متأملاً في ذاته، متدرباً على الصبر. لم يكن في بلاد مصر يومذاك أديار. فقط بعض الشيوخ كان يتنسك، هنا وهناك، في مكان قريب من بيته أو قريته. فتش أنطونيوس عن مثل هؤلاء في جواره فوجد بعضاً. كان منهم، على حد تعبير القديس أثناسيوس "كالنحلة الحكيمة" لا يرجع إلى مكانه إلا بعد أن يراهم ويتزود لديهم بما ينفعه في طريق الفضيلة. يتعلم من الواحد الفرح ومن الآخر الصلوات الطويلة. من هذا التحرر من الغضب ومن ذاك الإحسان. يأخذ عن فلان السهر وعن فلان الصبر وعن فلان النوم على الأرض. لاحظ وداعة هذا وطول أناة ذاك، وتشدد بإيمان هذا ومحبة ذاك.
اتخاذه الزي الرهباني:
كان أنطونيوس جالساً في قلاَّيتِهِ، يوماً، فاستبدَّ به روح ملل وصغر نفس وحيرة فضاق صدره وأخذ يشكو إلى الله حالهُ قائِلاً: "أُحب يا رب أن أخلص، لكن الأفكار لا تتركني، فماذا أعمل؟" فجأَة رأى إنساناً جالساً أمَامه يلبس رداء طويلاً، وهو متشح بزنار طويل كالإسكيم الرهباني، وعلى رأسه قلنسوة. وأخذ الرجل يضفر الخوص. ثم قام للصلاة. ثم جلس من جديد وأخذ يعمل في ضفر الخوص وهكذا دواليك. كان هذا ملاكاً من عند الله جاء يعزي القديس ويقويه ويعلمه. لذلك قال له: "إعمل هكذا تسترح!". من ذلك الوقت اتخذ أنطونيوس الزيّ الذي رأى الملاك متشحاً به وصار يصلي ويعمل على الوتيرة التي رآه يعمل بها، فاستراح بقوة الرب يسوع.
غلبته على الشيطان:
لمَّا تقدم أنطونيوس في حياة النسك والصلاة والفضيلة، لم يرقّ ذلك للشيطان عدو الله. فأخذ يهاجمَهُ بروح المجد الباطل. وأفكار الزنى ومختلف أنواع الشهوات. فاعتصم أنطونيوس بالله وواجهه بشجاعة قائلاً: "أنت تستحق كل احتقار! أنت مظلم العقل وعديم القوة! مثلك مثل ولد صغير! لن أهتمّ لك بعد اليوم لأن معيني الرب". فلم يعد الشيطان يجسر على الدنو منه. غادره بأصوات مخنوقة من الخوف.
غلبة أنطونيوس على الشيطان لم تدعه يتكاسل أو يتراخى. لأنه كان يعرف أن الشيطان لا بد له أن يعيد الكرَّة مرة أخرى. لأن الشيطان ربيب الخطيئة. لهذا كان مثابراً على الدوام ومستعداً للسلوك في مشيئة الله بكل قواه، مادام همُّه أن يظهر أمام الله طاهر القلب.
لم يتوقف أنطونيوس عن محاربته للشيطان يوماً في حياته. حتى عندما سكن إحدى المقابر، واهتاجت عليه الأبالسة وضربته وتركته مرمياً طريح الأرض إلى أن جاءه في اليوم التالي صاحبه حاملاً له الخبز. ولما رآه معدم الحركة نقله إلى كنيسة القرية. لكن ما لبث أن استرد عافيته في منتصف الليل وعاد إلى المقبرة ثانية ليدخل في أشد معركة له مع الشيطان. حيث جمع الشيطان كلابه وهاجمه من جديد. ووسط هذه المعركة الضارية مع الشيطان كان أنطونيوس ساهراً، صاحياً، ساكن القلب. قال وهو يهزأ بالشياطين: "لو كنتم تملكون القوة لكفاكم أن يأتي علي حيوان واحد منكم، لكن الرب جعلكم عديمي القوة!". وبقوة صلاة أنطونيوس وصموده في وجه التجربة تمكن بنعمة الله التي نزلت عليه على شكل شعاع من نور من غلبة الشيطان وقهره.
حصوله على النعمة الإلهية:
صمود أنطونيوس في وجه التجارب الشيطانية، وشدة نسكه وتقشفه، وصلاته، جعلته يغتصب ملكوت الله اغتصاباً، حتى أهطل عليه الله بركاته السماوية. فاستطاع بهذه النعمة أن يشفي المرضى ويطهر العديد من الشياطين، ويهدي كثيرين إلى الإيمان بالمسيح لأن حياته كانت تشع بالنور الإلهي ومنطقه كان ينبع من الروح القدس المتكلم بوساطته، فاقتنع الكثيرون بحياة التوحد. وهكذا نِشأت الأديار على الجبال واستحالت الصحراء مدينة.
دحضه للهرطقات والمنشقين:
كان للقديس أنطونيوس دورٌ هامٌ في دحض العديد من الهرطقات التي شاعت في زمنه. فعلّم أن مصادقة المانويين، القائلين بإلهي الخير والشر، دمار للنفس. وأوصى بعدم الإقتراب من الآريوسيين أو مشاركتهم معتقدهم الوخيم. وقد طرد الآريوسيين الذين أتوا إليه في الجبل ليكلموه. قال أن كلامهم أخطر من سُمِّ الأفاعي.
لقاؤه بعض الفلاسفة:
مرة، حاول بعض الفلاسفة استعمال القياس المنطقي في كلامهم على الصليب الإلهي، فحدثهم طويلاً ثم ختم حديثه قائلاً: "أنتم لا تؤمنون بالله لأنكم تطلبون مقاييس منطقية.نحن لا نعتمد مقاييس الحكمة الهلينية في الإقناع بل نُقنع بالإيمان الذي يسبق الصناعة المنطقية. وكان هناك، قريباً منه، مرضى بهم شياطين فأقامهم في الوسط قائلاً: "أبرئوا هؤلاء بقياسكم المنطقي أو بأي فن آخر أو بالسحر وادعوا أصنامكم! فإذا كنتم لا تقدرون على إخراج الشياطين فأوقفوا حربكم ضدنا فتروا قوة صليب المسيح".
ولما قال هذا دعا باسم يسوع ورسم إشارة الصليب ثلاث مرات على المرضى فنهضوا للحين كاملي العقل يسبحون الله. فتعجبوا وانصرفوا بعدما قبَّلوه واعترفوا بالفائدة التي نالوها منهُ.
من أهم أقواله عن الرهبان:
"إذا بقي السمك على اليابسة طويلاً مات، وإذا أقام الرهبان بين الناس طويلاً أصيبوا بالتراخي".
رقاده:
عرَّفَت العناية الإلهية القديس أنطونيوس بقرب موعد رحيله من العالم الأرضي. فأعلم رهبان الجبل الخارجي بأنهُ لن يأتيهم بعد هذا اليوم الذي هو عندهم. وأوصاهم بحفظ أنفسهم من الأفكار الدنسة، والسلوك في غيرة القديسين وحفظ تقليدات الآباء ثم غادرهم.
بعد أشهر قليلة مرض فدعا الناسكين اللذين كانا معه خمسة عشرة عاماً وخدماه في شيخوخته. قال لهما: "ها أنا أسير على طريق الآباء والرب يدعوني. فكونا صاحيين. اهتما بالحفاظ على غيرتكما كما لو كنتما في البداءة. تنفسا المسيح دائماً وآمنا به. تذكرا نصائحي. اتحدا أولاً بالمسيح ثم بالقديسين الذين ستلتقيانهم بعد الموت في المساكن الأبدية. لا تفسحا المجال للآخرين بنقل جسدي إلى مصر كي لا يضعوه في بيوتهم. ادفنا جسدي تحت التراب ولا يعرف أحد غيركما المكان لأني سأحصل عليه بلا فساد في قيامة الأموات. وزعا ثيابي. أعطيا أثناسيوس ثوبي الذي كان كفراش لي. والأسقف سرابيون ثوبي المفرّى الآخر، واحتفظا أنتما بكسائي المكسو بالشعر.
وحالما قال هذا عانقاه فمد رجليه ونظر إليهما كصديقين قادمين إليه، وفرح جداً والتمع وجهه بهاءً. ثم مات وانضم إلى الآباء.
ملاحظة: كتب سيرة أبينا أنطونيوس الكبير رئيس أساقفة الإسكندرية القديس أثناسيوس الكبير. ووجهها لمنفعة الرهبان بناء لطلبهم.
طروبارية باللحن الرابع
لقد ماثلتَ إيليا الغيور في أحواله، وتبعتَ المعمدان في مناهجه القويمة، فحصلتَ في البرية ساكناً، وللمسكونة بصلواتك أيها الأب أنطونيوس، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.
قنداق باللحن الثاني
لقد أقصيتَ الاضطرابات العالمية، قضيتَ حياتكَ بالهدوء والسكينة، مماثلاً المعمدان في جميع الأحوال يا كلي البرّ، فمعه إذاً نكرمك يا أبا الآباء أنطونيوس.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (18 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(18 كانون الثاني)
*القديسان كيرلّس وأثناسيوس بطريركا الإسكندرية *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2018.jpg
القديس أثناسيوس الكبير معلم المسكونة
(+373م)
ولادته ونشأته:
كانت ولادة القديس أثناسيوس في حدود العام 295 م. ربما في مكان ما بقرب مدينة الإسكندرية، مما يفسر إلفته بآباء البرية وتعلقه بهم.
علمُهُ وثقافتُهُ لا نعرف الكثير عنهما, يبدو أنه لم يتثقف ثقافة اليونانيين نظير كبار القديسين كباسيليوس الكبير والذهبي الفم وغريغوريوس اللاهوتي.الكنيسة تعلمها بشكل خاص من الكنائس المقدسة, من المعلمين المسيحيين وأوساط المؤمنين والدوائر الأسقفية في الإسكندرية حيث يبدو أنه انضم حدثاً إلى حاشية القديس ألكسندروس أسقف المدينة.
بعض ملامحه:
كان نحيف البنية، قصير القامة. أعداؤهُ دعوه قزماً. وكان معقوف الأنف، صغير الفم، ذا لحية قصيرة محمرة تميل إلى السواد وعينين صغيرتين.... وقد اعتاد أن يمشي بانحناءة بسيطة إلى الأمام ولكن برشاقة وكأنه أحد أمراء الكنيسة.
اشتراكه في مجمع نيقية:
دعي القديس أثناسيوس في مجمع نيقية المنعقد عام 325م, بدعوة من الملك قسطنطين الكبير, لتحديد موقف الكنيسة الجامعة من بعض الهرطقات. والأفكار الجديدة التي دخلت إلى المسيحية, ومن أهمها تعليم آريوس حول الابن الكلمة يسوع المسيح. وقد مثَّل أثناسيوس في هذا الاجتماع أسقف الإسكندرية ألكسندروس وكان وقتئذٍ رئيس شمامسة. كان الأبرز في الرَّد على آراء آريوس والتصدي لحججه وتبيان عطبها. حيث بيَّن أن كلمة الله مولود ولكنه غير مخلوق لأنه نابع من جوهر الآب لا من مشيئته.
هو منهُ كشعاع من الشمس. ليس فقط أن كل ما للابن هو للآب بل كل ما للآب هو للابن أيضا. كل ملء اللاهوت في الابن كما في الآب.الواحد لا ينفصل عن الآخر. من رأى الابن فقد رأى الآب . ليس الآب من دون الابن ولا الابن من دون الآب. كما الضوء و الشعاع واحد, الآب والابن واحد لذلك لم يكن هناك وقت لم يكن فيه الابن موجودا. وإذا كان الآب والابن واحداً فالآب مميز عن الابن والابن مميز عن الآب. هكذا وبهذه التعابير استطاع أثناسيوس أن يدحض إدعاء آريوس بأنه لأنَّ الابن مولود, هذا يعني أنه مخلوق من نتاج مشيئة الآب السماوي.
الموضوع بالنسبة للقديس أثناسيوس كان موضوع الخلاص برمَّتِهِ. قول آريوس يتعدى كونه مجرَّد رأي لأن قبوله معناه ضرب المسيحية في الصميم. فلا مجال للمساكنة أو المهادنة. أثناسيوس وعى دقَّة المسألة وخطورتها حتّى العظم, فأتت حياتُهُ, في كلِّ ما عانى على مدى ست وأربعين سنة, تعبيراً عن تمسُّك لا يلين بكلمة حق الإنجيل و الإيمان القويم.
أثناسيوس بطريرك:
بعد مجمع نيقية سام ألكسندروس أسقف الاسكندرية أثناسيوس كاهنا وسلَّمه مقاليد الإرشاد والوعظ وشرح تعاليم المجمع النيقاوي. ثمَّ بعد ثلاث سنوات رقد ألكسندروس (328م) فاختير أثناسيوس ليحلّ محلّه كان في الثلاثين يوم ذاك. رفض أثناسيوس منصبه كأسقف وهرب إلى أحد الأديرة لكنه رضخ فيما بعد للأمر الواقع.
أولى مهام أثناسيوس كرئيس أساقفة على الإسكندرية وتوابعها, كانت استعادة الوحدة والنظام في أبرشيته الواسعة التي عانت لا من الهرطقة الآريوسية وحسب بل من جماعة ملاتيوس المنشقة أيضا. وكذلك من الانحلال الخلقي وانحلال الانضباط الكنسي. وعلى مدى سنوات جال أثناسيوس في كل الأنحاء المصرية حتى الحدود الحبشية, يسيم الأساقفة ويختلط بالمؤمنين الذي اعتبروه إلى النهاية أباً لهم. كما تفقد الأديرة حتى التي في برية الصعيد وأقام لبعض الوقت في دير القديس باخوميوس.
نفي القديس أثناسيوس:
النفي الأول
انفجر الصراع مع الآريوسية من جديد وعلى أخطر مما كان قبل مجمع نيقية. وأخذ الآريوسيون يحيكون المكائد ضد البطريرك أثناسيوس إلى أن استطاعوا نقل الصراع من المستوى اللاهوتي إلى السياسي وهكذا استطاعوا أن يقنعوا قسطنطين الملك أن أثناسيوس يسيء إلى سياسة وأمن الدولة. فبان موقف أثناسيوس ضعيفاً أمام الملك قسطنطين الذي لم يرد أن يبتَّ في أمر أثناسيوس بصورة نهائية فأبقى عليه أسقفا للإسكندرية لكنَّه حكم بنفيه إلى (تريف) عاصمة بلاد الغال (فرنسا) حيث بقي إلى أن رقد قسطنطين في أيار 337م .
في غضون سنة وفاة قسطنطين عاد أثناسيوس إلى كرسيه. القديس غريغوريوس اللاهوتي كان حاضرا ووصف ما جرى. كل الإسكندرية استقبلتهُ مشى على السجّاد اشتعلت أمام البيوت قناديل الزيت وصدحت المدينة بالعيد والتمجيد (لا شيء يفصلنا عن المسيح) هكذا علَّق أثناسيوس. الصلاة والعبادة اجتاحت مدن مصر في حركة عفوية جامعة شاملة, وفي طفرة الحماس مئات وآلاف الإسكندرانيين خرجوا ليترهبوا. الجياع أُطعموا, اليتامى احتضنوا. واستحال كل بيت ودير كنيسة. ومع ذلك وفي اقل من ثلاث سنوات 340م عاد أثناسيوس إلى المنفى من جديد بعد أن تسلم قسطندينوس ملك على آسيا وسوريا ومصر نتيجة لتقسيم الإمبراطورية البيزنطية إلى ثلاث ولايات توزعت على أولاد قسطنطين بعد وفاته. قسطنديوس كان يميل إلى الآريوسية لذلك عمد إلى نفي أثناسيوس من جديد.
النفي الثاني:
بقي أثناسيوس في المنفى ست سنوات تلك كانت سنوات مخصبة أخذ يتنقل في الغرب بحرية كان محترماً ومقدراً من الجميع وعظ, خاطب الأساقفة, علَّم عن نيقية. وقيل كتب آنذاك سيرة القديس أنطونيوس الكبير التي كان لها أثر بارز على الغرب وعلى شيوع الرهبنة فيه. وفي 342م عقد مجمع في الغرب بدعوة من يوليوس, زكى فيه الإيمان النيقاوي ودعم أثناسيوس معترفا فيه أسقفا على الإسكندرية دون غيره مما دفع الآريوسيين إلى عقد مجمع ضد المجمع المنعقد في رومية ووضعوا دستور إيمان جديد ووضعوا تدابير وقوانين تحول دون عودة أثناسيوس إلى كرسيه. على هذا بدا العالم المسيحي مقسما إلى غرب أرثوذكسي وشرق يرزح تحت نير الآريوسية. أخيرا سنة 345م اندلعت الثورة في الإسكندرية وقُتل غريغوريوس المغتصب. وإذ تنبه قسطنديوس إلى خطر اندلاع حرب أهلية هناك تراجع وسمح لأثناسيوس بالعودة, فعاد خلال عام 346م وقيل 348م.
النفي الثالث:
بعد وفاة قسطنديوس تولى يوليانوس الوثني الجاحد ولاية آسيا وسوريا ومصر ، هذا عمد على إرجاع الأساقفة الأرثوذكسيين الذين كانوا في النفي بعد أن أبعدهم قسطنديوس بعد أن رفضوا الخضوع لآرائه الآريوسية. إلى ديارهم أملا في تأجيج الصراع بين الأرثوذكسيين والآريوسيين ومن ثم إضعافهما معا لتقوية الوثنية على حسابهما وتعود إلى الواجهة من جديد. ومن بين الذين عادوا في 21 شباط عام 362م كان أثناسيوس الذي اختبأ متخفيا لمدة 6 سنوات بعد أن هرب من وجه الجنرال سريانوس الذي حاول قتله وهو يرأس قداس إلهي في كنيسة القديس ثيوناس في الإسكندرية بعد أن رفض تسليم سلطاته إليه. ولكن لما رأى يوليانوس أن خطته في إضعاف الأرثوذكسية باتت خاسرة عمد إلى نفي أثناسيوس مرة أخرى.
النفي الرابع:
بين شباط وخريف عام 362م حقق القديس أثناسيوس نجاحات مختلفة حتى أنه بدا لناظريه كلولب لتوحيد الكنيسة. هذا أقلق يوليانوس الجاحد, وحتّى لا يفسح لأثناسيوس بالمزيد من المجال لإفساد خططه عليه اتخذ في حقه تدابير احترازية, ثم أنذره بمغادرة الإسكندرية حال تسلمه إشعارا بذلك وإلا فإن عقاباً صارماً سوف يتخذ بحقه. لم يجد قديسنا أمامه خياراً غير الإنسحاب من الإسكندرية فتركها في تشرين الأول 362م.
النفي الخامس:
بعد يوليانوس الجاحد تولى الحكم الإمبراطور جوفيانوس الذي كان أرثوذكسياً. هذا ثبَّت أثناسيوس على كرسيه في الإسكندرية وعامله بإجلال كبير. لكنَّ عُمر جوفيانوس كان قصيرا حيث توفي في أوائل عام 364م وتولى الحكم بعده والنس الآريوسي الذي بادر في عام 367م إلى نفي الأساقفة الأرثوذكس ومن بينهم أثناسيوس.
وفاة القديس أثناسيوس :
بعد أن نفى والنس أثناسيوس مع غيره من الأساقفة سنة 367م اهتاجت مصر فتوجّس والنس خيفة وأمر باستعادة أثناسيوس. فعاد هذه المرّة ليبقى. ساس قديسنا رعيَّته بسلام إلى أن رقد في الرب في 2 أيار علم 373م. جملة سنواته أسقفاً كانت 46 سنة قضى عشرين منها في المنفى.
بعض ما قيل في القديس أثناسيوس:
قال عنه القديس غريغوريوس اللاهوتي:
"إن الله به حمى الإيمان الأرثوذكسي وحفظه في حقبة من أشد الحقب التاريخية".
" إذا كنت أثني على القديس أثناسيوس فإنما أثني على الفضيلة ذاتها لأنه حوي كل أنواع الفضائل كان عمود الكنيسة ولا يزال مثال الأساقفة, ليس إيمان أحد صادقا إلا بمقدار ما يستنير بإيمان أثناسيوس".
وعن كتاباته قال يوحنا موخوس في القرن 6 م "إذا وجدت مقطعا للقديس أثناسيوس ولم يكن لديك ورق لتنقله فاكتبه على ثيابك".
طروبارية باللحن الثالث
لقد تلألأتما بأفعال استقامة الرأي، وأخمدتما كل رأي وخيم، فصرتما منتصرين لابسَي الظفر، وإذ قد أغنيتما الكل بحسن العبادة، وزينتما الكنيسة بزينة عظيمة، وجدتما باستحقاق المسيح الإله مانحاً الجميع بصلواتكما الرحمة العظمى.
قنداق باللحن الرابع
يا رئيسَي كهنة حسن العبادة المعظمين، والمناضلين عن كنيسة المسيح الشجاعين، أحرسا جميع المرتلين: خلص أيها الرؤوف جميعَ الذين يكرمونك بإيمانٍ.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (19 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(19 كانون الثاني)
* القديسان مرقس المعترف أسقف أفسس ومكاريوس المصري البار *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2019.jpg
* القديس البار مكاريوس الكبير المدعو المصري *
(+391م)
ألقابه واسمه:
ألقاب عديدة أسبغها المهتمّون على القديس مكاريوس. قالوا إنه "اللابس الروح" وقالوا إنه "المصباح المضيء" وقالوا إنه "الشاب الحكيم". اعتبروه بمثابة نبي ومخيف للأرواح المضلّة ورفيق للشاروبيم من البداية إلى النياحة. تسربل التواضع كالثوب وكان وجهه يلمع كالشمس أحياناً وكان رسول زمانه كبطرس وبولس. اسمه، مكاريوس، يعني المطوّب، وأصله قبطي هو مقار (بكسر الراء) ويفيد الصدق والأمانة. جعل العرب اسمه مقاره.
نشأته:
ولد القديس مكاريوس المصري في قرية تدعى شبشير في مركز المنوفية في مصر قرابة العام 300م. دعي بالمصري لأنه من إقليم مصر الذي هو منف أو الجيزة الحالية. نشأ على التقوى واقتنى إحساساً مرهفاً بالخطيئة. يحكى عنه أنه سرق هو وبعض الصبية من وفاقه أكوازاً من التين وأكل واحداً منها. فلما عاد إلى نفسه ندم ندماً شديداً، وقيل ذكر فعلته وبكى عليها بمرارة إلى آخر حياته. عمل راعي بقر وقيل جمّالاً. استهوته الرهبنة فاعتزل في قلاّية في قريته. انصرف إلى النسك والصلاة. وإذ رغب مواطنوه في جعله كاهناً لهم فرّ إلى قرية أخرى.
إلى الإسقيط:
فيما كان مكاريوس جاداً في سعيه الرهباني، في موطنه الجديد، إذا بتجربة تحلّ به. فتاة سقطت في زنى. فلما بان حبلّها سألوها عن الذي عرفها فقالت: المتوحّد! فخرجوا إليه واستهزأوا به ولفّوا به القرية بعدما علّقوا في عنقه قدوراً قذرة وآذان أجرار مسودّة وهم يضربونه ويقولون: هذا الراهب أفسد عفّة ابنتنا! وبعدما بالغوا في شتمه وضربه جعلوه يتعهّد بالإنفاق عليها وعلى مولودها. كل هذا وهو لا ينطق بكلمة واحدة يدافع بها عن نفسه. فلما عاد، بالجهد، إلى قلاّيته قال في سرّه: "كدّ يا مكاريوس لأنه قد صارت لك امرأة وبنون. فينبغي لك أن تعمل ليلاً نهاراً لتطعمهم وتطعم نفسك".
فلما أقام ردحاً من الزمان يكد ويتعب، حان وقت وضع الفتاة فتعسّر. وبعدما مكثت معذّبة أياماً لا تلد شعرت بأن ما حدث لها كان لافترائها على المتوحّد، فاعترفت أنه بريء وأن فلاناً الرجل هو الذي خدعها. فخرج سكان القرية ليستسمحوا القدّيس. وقبل أن يصلوا إليه أطلعه خادمه على ما جرى وأن أهل القرية في طريقهم إليه. فقام لتوّه وهرب إلى برية الإسقيط، فكان أول ساكن لها. عمره، يومذاك، كان ثلاثين سنة.
أب لرهبان كثيرين:
بنى مكاريوس لنفسه قلاّية غربي الملاّحات. هناك قسى على نفسه وعبّد الله بكل قوّته. أخذ يضفر الخوص ويعيش من عمل يديه. فلما سمع به قوم حضروا إليه فاستهوتهم عيشته وسألوه أن يكونوا معه فأذن لهم وصار لهم أباً مرشداً يلبسهم الزيّ ويرشدهم إلى طريق العبادة.
لم يصر راهباً بعد:
سأله بعض الشيوخ مرة في جبل نيتريا أن يقول للإخوة كلمة تنفعهم فأجاب: أنا لم أصر بعد راهباً، لكني رأيت رهباناً. ثم أخبرهم أنه فيما كان يوماً في الإسقيط جاءه فكر يدعوه للذهاب إلى البرّية الداخلية. فلما ألحّ الفكر عليه مضى إلى هناك فصادف بحيرة ماء وفي وسطها جزيرة عليها وحوش وبين الوحوش رجلان عاريان فجزع منهما ظاناً أنهما روحان. فلما لاحظاه طمأناه وأخبراه عن نفسيهما. وإذ سألهما كيف يصير راهباً، أجاباه: ما لم يزهد الإنسان في كل أمور العالم فلن يستطيع أن يصير راهباً. فقال لهما: أنا إنسان ضعيف ولا أستطيع أن أكون مثلكما فأجاباه: إن لم تستطع أن تكون مثلنا فاجلس في قلاّيتك وابكِ على خطاياك!
تواضعه:
وحدث أن كان مكاريوس، مرة، عابراً في الطريق وهو يحمل الخوص وفي يده منجل. فالتقاه الشيطان وانتزع المنجل من يده وأراد قطعه به، فلمّا يفزع، بل قال: إن كان السيّد المسيح قد أعطاك سلطاناً عليّ فها أنامستعد لأن تقتلني. فلم يستطع الشيطان أن يفعل ضدّه شيئاً، فقال له: "يا مكاريوس! أنت تطرحني أرضاً بقوة عظيمة ولا أتمكّن منك. كل ما تعمله أعمله أنا أيضاً. أنت تصوم وأنا لا آكل أبداً. أنت تسهر وأنا لا أنام أبداً. شيء واحد تغلبني به: تواضعك! من أجل هذا لا أقدر عليك". فرفع مكاريوس يديه للصلاة فتوارى الشيطان للحال.
وذكروا أن تلاميذه كانوا يدنون منه بخوف لأن توقيرهم له كان كبيراً. وإذ كان يراهم على هذه الحال كان يمتنع عن محادثتهم. أما إن أتاه إنسان وكلّمه بكلام قاس أو سخر منه أو غضب عليه فإنه كان، إذ ذاك، يجد للكلام جدوى فيجيب عن كل سؤال يُوجَّه إليه.
كذلك كثيراً ما كان مكاريوس يسترشد لدى من هم أصغر منه. قابل صبياً، مرة، يرعى البقر، فسأله: قل لي يا صبي ماذا أعمل، فأنا جائع؟ فقال له: كلْ! فقال: أكلت وما زلت جائعاً! فقال له: كل من جديد! فقال: أكلت وما زلت جائعاً! فأجاب الصبي: لا شك إنك حمار يا راهب لأنك تأكل كما يأكل الحمار. فانصرف مكاريوس منتفعاً.
انكفاءه وتقشفه:
كان مكاريوس معروفاً جداً. لذلك كثيرون كانوا يقصدونه ليتبرّكوا منه. ولكي يحفظ نفسه في هدوء، حفر في قلاّيته سرداباً امتد نصف ميل هيّأ في نهايته، لنفسه، مغارة صغيرة اعتاد الخلود إليها كلّما زحمه الناس وثقّلوا عليه. ومن حبّه للصمت وحرصه عليه، قال لتلاميذه: فرّوا يا إخوة! فأجابوه: إلى أين؟ إلى أبعد من البرّية؟ فوضع يده على فمه وقال: من هذا فرّوا! وقال لهم: متى رأيتم الأشجار تُغرس بجوار الأبواب والشبّان يقيمون في الإسقيط فاحملوا أمتعتكم وارحلوا.
وذكروا أن مكاريوس كان لا يمتنع عن شرب النبيذ متى قدّم له أحد الإخوة بعضاً. لكنه أخذ على عاتقه أن يصوم عن شرب الماء يوماً مقابل كل كأس خمر يشربها. فلما عرف الإخوة بقانونه امتنعوا عن تقديم النبيذ له لئلا يعذّب نفسه بالعطش.
وقيل إنه بينما كان القديس سائراً في البريّة، مرة، وجد بقعة جميلة كفردوس الله وفيها ينابيع ماء ونخيل وأشجار متنوعة الأثمار. فلما أخبر تلاميذه عنها طلبوا الإقامة فيها فأجابهم: إن وجدتم لذّة وراحة في ذلك المكان وعشتم من دون تعب وضيق، فكيف تتوقّعون الراحة واللذّة من الله؟ أما نحن، معشر الرهبان، فيليق بنا أن نحتمل الآلام من أجل المسيح، في هذا الدهر، لنتمتّع بالسرور في الدهر الآتي. ولما قال هذا سكت الإخوة وامتنعوا.
حكمته:
توّجه القديس مكاريوس، مرة، برفقة تلميذ له إلى جبل نيتريا. فلما اقتربا من أحد الأمكنة، قال لتلميذه أن يتقدّمه قليلاً. فما أن ابتعد التلميذ عن معلّمه قليلاً حتى التقى كاهناً وثنياً يحمل بعض الأخشاب، فصرخ التلميذ في وجهه قائلاً: "يا خادم الشيطان، إلى أين تجري؟ "فاغتاظ الكاهن وانهال على التلميذ بالضرب حتى كاد يقضي عليه، ثم تركه ومضى. فلمّا تقدّم قليلاً التقى مكاريوس فبادره القديس بالقول: "لتصحبك المعونة يا رجل النشاط! فتعجّب الكاهن وأتى إليه وسأله: أي شيء جميل رأيته فيّ حتى حيّيتني على هذا النحو؟ فأجابه الشيخ: "إني أرى أنك تكدّ وتتعب وإن كنت لا تدري لماذا؟" فتأثّر الكاهن وقال للشيخ: الآن عرفت أنك رجل الله ولست كذلك الراهب الشرّير الذي لعنني فضربته ضرب الموت. فعرف الشيخ أنه تلميذه. وإذ أمسك الكاهن الوثني بقدمي مكاريوس رجاه أن يرهبنه فوعده خيراً. ثم سار الاثنان إلى حيث كان التلميذ مطروحاً مغشياً عليه فأعاناه وأتيا به إلى كنيسة الجبل. بعد ذلك أخذ القديس الكاهن الوثني وجعله راهباً. وبفضله اهتدى العديد من الوثنيّين إلى المسيح. تعليق مكاريوس كان: "الكلمات الشرّيرة المتكبّرة تحوّل الأخيار إلى أشرار، والكلام الطيّب المتواضع يحوّل الأشرار إلى أخيار".
وذكروا عنه أيضاً أن أخاً يدعى ثيوبمبتوس كان مجرّباً بأفكار الزنى وكان يخجل أن يتكلّم عنها. فدرى القدّيس بأمره وجاء إليه وسأله: "هل عندك شيء تقوله يا أخي؟ كيف أحوالك؟" فأجاب الأخ: "أموري حسنة في الوقت الحاضر!" فقال الشيخ: "ها أنا قد عشت في نسك شديد سنين طويلة وصرت مكرّماً من الجميع. ومع ذلك، ورغم إني شيخ، فإن شيطان الزنى يتعبني!" فأجاب ثيوبمبتوس: "صدقني يا أبي، إنه يتعبني أنا أيضاً!" فتابع الشيخ كما لو كان متعباً من أفكار كثيرة إلى أن قاد الأخ أخيراً إلىالاعتراف بما يثقّل عليه. فأعطاه مكاريوس قانوناً فالتزمه واستراح.
محبته:
زار مكاريوسُ أحدَ الإخوة وكان مريضاً. فسأله إذا كان بحاجة إلى شيء. فأجاب: بحاجة إلى خبز طري. فسار مكاريوس ستين ميلاً إلى الإسكندرية وأحضره له.
تشبّهه بخالقه:
كان في بعض القلالي أخ اتُهم بالزنى فلم يستطع الإخوة أن يصبروا عليه وأدانوه. وكانوا يترصّدون خطواته. مرة، لاحظوا امرأة تدخل إليه فأوقفوا بعضاً لمراقبته ثم جاؤوا إلى القديس مكاريوس وأخبروه. فكان جوابه الفوري: "لا تصدّقوا يا إخوة. حاشا لأخينا المبارك أن يفعل هذا!" فدعوه إلى التأكد من ذلك بنفسه. فأتى إلى قلاّية الأخ كما ليسلّم عليه. فلما علم الأخ بقدومه تحيّر وارتعد وخبّأ المرأة في الصندوق. فلما دخل القديس جلس على الصندوق ودعا الإخوة إلى الدخول فدخلوا وفتّشوا فلم يجدوا أحداً ولم يجرأوا على سؤال الشيخ أن يبتعد عن الصندوق ليروا ما إذا كانت فيه. وهكذا عادوا خائبين. فلما انصرفوا أمسك القديس بيد الأخ وقال له: "احكم على نفسك، يا أخي، قبل أن يحكموا عليك لأن الحكم لله!" ثم ودّعه وخرج. فلما وجد مكاريوس نفسه وحيداً في الخارج جاءه صوت يقول له: "طوباك يا مكاريوس، رجل الروح، يا من تشبّه بخالقه، وستر العيوب مثله!" ثم أن الأخ عاد إلى نفسه وتاب عن غيِّه وصار مجاهداً وبطلاً شجاعاً.
وسأله آخر، مرة، أن يقول له كلمة منفعة فأجاب: "لا تصنع شرّاً بأحد ولا تدن أحداً. احفظ هذين الأمرين فتخلص".
عدم القنية:
اهتم مكاريوس بتدريب تلاميذه على عدم حبّ القنية. دخل، ذات مرة، بستان راهب كان يقيم بالقرب منه وأخذ يقلع البقول من الأصول. فلم يضطرب الراهب ولا حرّك ساكناً. وإذ أتى القديس على كل البقول إلا واحدة بادره الراهب ببساطة قلب: إن شئت يا أبانا فاترك هذه ليكون لنا أن نبذر منها! عندئذ علم الشيخ أن هذا الراهب خالص عند الله وليست الزراعة له قنية، فقال له: لقد استراح روح الله عليك يا ولدي! ثم التفت إلى أخ رافقه وقال له: لو حزن على النبات لبان عليه وأنا أقلعها، ولكنها كانت عنده كلا شيء. هكذا يعرف الشياطين إذا كانت محبّة القنية فينا.
جزاء من يكفرون:
ومرة، أثناء سيره في البريّة الداخلية، صادف جمجمة إنسان فحرّكها بعصاه وبدأ يبكي متضرّعاً إلى الرب الإله أن يعرّفه بقصة صاحبها. فخرج منها صوت يقول له: أعلمك إني كنت ملكاً لهذه الأماكن، وكانت هنا مدن كثيرة، وكنا نعبد الأصنام وندعوها آلهة ونعمل لها أعياداً واحتفالات. وها أنا اليوم كما ترى! فازداد مكاريوس بكاء وسأل: وما حالكم اليوم؟ فأجاب: نحن في عذاب مرّ لأننا لم نعرف الله. لكن عذابنا أخفّ من عذاب الذين عرفوا الله و آمنوا به ثم جحدوه.
أية صلاة؟
راهب اسمه بولس كان يعمل أقل ما يمكن لسدّ حاجة نفسه، وبقية وقته كان يقضيها في صلاة مستمرة. صلواته جاوزت الثلاثمائة كل يوم حسب ترتيب الصلوات آنذاك. هذا التقاه مكاريوس فوجده حزيناً فسأله عن سبب تكدّره، فأجابه: سمعت عن عذراء تتلو خمسمائة صلاة في اليوم فاحتقرت نفسي. فقال له الشيخ: لقد عشت في الحياة النسكية ستين سنة وأنا أتلو كل يوم خمسين صلاة واستقبل الإخوة الذين يأتون إليّ وأعمل ما فيه كفايتي. ولا يلومني عقلي إنني مقصِّر من جهة الله. فهل أنت الذي تصلّي كل هذه الصلوات تُدان من أفكارك؟! ربما لا تقدّم هذه الصلوات بنقاوة أو لعلّك قادر على أن تعمل أكثر ولا تعمل.
أدوات الشيطان:
أثناء سير مكاريوس، مرة، في أقصى البريّة التقى شخصاً هرماً يحمل حملاً ثقيلاً حول جسده. وكان الحمل عبارة عن أوعية في كل منها ريشة وكان لابساً إيّاها عوضاً عن الثياب. فتعجّب مكاريوس من منظره وسأله باسم الرب أن يقول له من هو وما هذه الأدوات التي يحملها. فأجاب الهرمبغير اختياره: أنا من يقولون عنه إنّه شيطان محتال. وهذه الأوعية هي ما أجتذب الناس به إلى الخطيئة مقدِّماً لكل عضو من أعضائهم ما يناسبه من الخديعة. فإذا أردت أن أُضلّ من يقرأ نواميس الله وشرائعه أدّهنه من الوعاء الذي على رأسي. ومن أحب السهر في الصلوات والتسابيح أخذت من الوعاء الذي على حاجبيّ ولطّخت به عينيه لأجعل عليهما نعاساً ونوماً. والأوعية الموجودة على مسامعي معدّة لعصيان الأوامر. والتي عند أنفي اجتذب بها الشبّان إلى اللذّة. والتي عند فمي اجتذب بها النسّاك إلى الأطعمة أو أشدّهم إلى الوقيعة والكلام القبيح. من كان راغباً وزّعت عليه بذار أعمالي. ومن كان متّكلاً على نفسه جعلته يتعالى بالأسلحة التي في عنقي. أما التي عند صدري فمخازن أفكاري أُسكر بها الفكر وأصرف الصالحات من الأذهان. أما الموجودة عند جوفي فمملوءة من عدم الحس. أما التي تحت بطني فأسوق بها الراغبين إلى سائر ضروب الزنى والفسق واللذّات القبيحة. والتي على يديّ فمعدّة للضرب والقتل. والتي وراء ظهري مخصّصة لنصب الفخاخ للذين يقاومونني. والتي على قدميّ فللعثرات أعرقل بها طرق المستقيمين. وبعدما قال هذا صار دخاناً واختفى.
حسد الشيطان:
جاء كاهن وثني إلى مكاريوس، يوماً، فسجد أمامه وسأله أن يعمِّده ويرهبنه. فتعجّب القديس وسأله كيف يريد أن ينضمّ إلى المسيح من دون وعظ، فأجاب: كان لنا عيد عظيم وما زلنا نصلّي إلى منتصف الليل حتى نام الناس. فجأة رأيت داخل أحد هياكل الأصنام ملكاً عظيماً جالساً وحوله كثيرون. فأقبل إليه واحد من غلمانه وأخبره أنه آت من المدينة الفلانية وقد نجح في جعل كلمة صغيرة في قلب امرأة رشقت بها امرأة أخرى فلم تحتملها فأدّى ذلك إلى شجار كبير بين الرجال أودى بحياة الكثيرين في يوم واحد. فقال الملك لأعوانه: أبعدوه عني لأنه لم يعمل شيئاً!
ثم تقدّم غلام ثان وأخبر أنه آت من بلاد الهند حيث وجد داراً تحترق، فوضع في قلب أحد الأشخاص أن يتّهم آخر وشهد عليه كثيرون بالزور. فقال الملك: أبعدوه عني لأنه لم يعمل شيئاً!
ثم تقدّم ثالث وأخبر كيف أنه تسبّب في حرب بحرية غرقت على أثرها عدة سفن. فقال الملك: أبعدوه عني لأنه لم يعمل شيئاً!
ثم تقدّم رابع وخامس وسادس وأخبروا بما عندهم فلم يسرّ الملك بأي منهم وأمر بإبعادهم جميعاً لأنهم لم يعملوا شيئاً!
أخيراً تقدّم غلام وقال إنه آت لتوّه من الإسقيط وقد قاتل راهباً واحداً أربعين سنة فصرعه لتوّه وأسقطه في الزنى. فلما سمع الملك بالخبر انتصب وقبّله ونزع التاج عن رأسه وألبسه إيّاه قائلاً: حقاً لقد قمت بعمل عظيم! وتابع كاهن الأصنام قائلاً: فلما رأيت أنا كل ذلك، وقد كنت مختبئاً في الهيكل، أدركت عظم الرهبنة فخرجت وجئت إليك.
تضاهياته في السيرة:
طلب مكاريوس يوماً من الرب الإله أن يدلّه على من يضاهيه في السيرة، فجاءه صوت يقول له: تضاهيك امرأتان في المدينة الفلانية. فأخذ عصاه وخرج إلى هناك. فلما وصل سأل وتقصّى عنهما، فدلّوه على بيتهما. فلما قرع الباب فتحت له إحداهما ثم سجدت إلى الأرض دون أن تعرف من يكون. ولما عرفت الثانية بقدومه جاءت هي أيضاً وسجدت. ثم قدّمتا ماء لرجليه وبسطتا له مائدة ليأكل، فلم يشأ قبل أن تخبراه عن نفسيهما قائلاً لهما إنه مرسل من الله. فارتعدتا وسقطتا على وجهيهما باكيتين. فأنهضهما، فقالتا له: ماذا تطلب منا أيها القديس ونحن خاطئتان؟! وبعدما ألحّ متضرّعاً إليهما ألاّ تحرماه من خبرهما لمنفعة نفسه، أجابتا: إننا غريبتان في الجنس إحدانا عن الأخرى. تزوّجنا أخوين حسب الجسد ولما طلبنا منهما أن نمضي ونسكن في بيت للعذارى لنخدم الله بالصلاة والصوم أبيا. فجعلناعلى نفسينا قانوناً أن تسلك إحدانا مع الأخرى بكمال المحبّة الإلهية.
وها نحن نحفظ نفسينا بصوم دائم إلى المساء وصلاة مستمرة. وقد أنجبت كل منا ولداً. فمتى نظرت إحدانا ابن أختها يبكي أخذته وأرضعته كما لو كان ابنها. أما رجلانا فراعيا غنم وماعز لا يعودان إلينا إلا عند المساء فنقبلهما كأخوين قدّيسين. ونحن مسكينتان بائستان، وهما دائبان على الصدقة ورحمة الغرباء. ولم نسمح لنفسينا أن تخرج من فم الواحدة منا كلمة عالمية بطّالة.
فلما سمع مكاريوس ما قالتاه خرج يقرع صدره ويلطم وجهه قائلاً: ويلي، ويلي! ولا مثل هاتين المرأتين لي محبة لقريبي".
صانع المعجزات:
ينسب إلى القدّيس مكاريوس عدد من المعجزات بينها هذه:
نزل القديس مرة إلى الحصاد ومعه بعض الإخوة. وكانت هناك امرأة تلتقط خلف الحصّادين ولا تكفّ عن البكاء. فسأل من تكون وما سبب بكائها، فعلم أن رجلها حفظ وديعة لإنسان مقتدر، ثم مات فجأة والمرأة لا تعلم من موضع الوديعة شيئاً. فلما حانت استراحة الحصّادين، دعا القدّيس المرأة وقال لها: هيّا، أريني قبر زوجك! فذهبت به إلى المقبرة. فلما وصلوها صلّى مع الإخوة ثم نادى الميت قائلاً: يا فلان! أين تركت الوديعة التي عندك؟ فخرج من المقبرة صوت قال له: إنها في بيتي تحت رجل السرير. فقال له القديس: عد إلى رقادك! فتعجّب الإخوة! فقال القديس: ليس من أجلي كان هذا الأمر، لأني لست شيئاً، بل من أجل الأرملة واليتامى. فلما سمعت المرأة بموضع الوديعة انطلقت وأخرجتها من مكانها وأعطتها لصاحبها. وكل الذين سمعوا بما جرى سبّحوا الله.
كهنوته:
سيم مكاريوس في حياته كاهناً. هذا أمر مؤكّد. متى كان ذلك، ليس ثابتاً. المخطوطات القديمة كالقبطية والعربية تقول إنه لما كان عائشاً في قلاّيته بريف مصر، جاء أهل القرية واختطفوه ورسموه قساً. ولما لم يجد نفسه أهلاً لهذه الوظيفة الشريفة هرب إلى قرية بعيدة حيث كان يتردّد عليه رجل بار ويأخذ منه شغل يديه ويسدّ احتياجاته. أما سوزومينوس المؤرّخ فيقول إنه صار كاهناً في سن الأربعين، في نهاية اعتكافه الأول الذي دام عشر سنوات.
مكاريوس وأنطونيوس:
يستفاد من الأبحاث أن مكاريوس وأنطونيوس التقيا مرتين. المرة الأولى في بداية نسك مكاريوس والثانية بعدما تقدّم فيه. وقد ورد أن قدّيسنا كشف فكره لأنطونيوس كابن لأبيه وإن أنطونيوس قبّل رأسه وقال له: يا ابني مقاره، إنك عتيد أن تصير مغبوطاً كاسمك! وقد وعظه وأيّده بكلام كثير وعرّفه بقتالات العدو. ولما طلب منه مقاره أن يقيم عنده أطلقه قائلاً: كل واحد منا يلزم الموضع الذي دعاه الرب إليه! هذا في الزيارة الأولى. أما الزيارة الثانية فتمّت بعد ذلك بزمان طويل وكان الدافع إليها ازدياد حروب العدو على مكاريوس وحاجته إلى النصح بشأن الرعاية وقيادة النفوس وغير ذلك. كذلك ورد أن أنطونيوس سلّم مكاريوس، أثناء زيارته الثانية، عصاه العتيقة تعبيراً عن تسليمه أمانة التدبير الرهباني له من بعده.
خطابه الأخير ونياحه:
قبل نياحة مكاريوس بزمن قصير خاطب رهبان جبل نتريا مودِّعاً فقال لهم: "يا أولادي الأحباء... كثيرة هي أمجاد القدّيسين... وسبيلنا أن نعرف تدبيرهم وعملهم... فلقد اقتنوا المسكنة وتواضع النفس وانسحاق القلب والجهاد في الصلاة ومحبة كل الناس وخوف الله... أما الجسد فرفضوا جميع شهواته...
فرّوا من الخطيئة واصبروا إلى الموت في حفظ وصايا الرب. لا تقبلوا كسر أية وصية مهما كانت صغيرة، لأن كسر أية وصية، صغيرة كانت أم كبيرة، يغضب الله...
لا يكون فيكم من يذكر الشر لأخيه... فإن القلب الذي يتفكّر بالشر والبغضة لا يمكن أن يكون مسكناً لله... اقتنوا الحب بعضكم لبعض لتقتنوا لأنفسكم كل تدبير الفضائل الأخرى في رهبنتكم.
... النفس التي لا تقبل الوقيعة ولا تفكّر في السوء على أحد ولا تميل إلى حب الدرهم ولا تميل إلى شهوات العالم تستضيء كالشمس...
أفعال السوء مدخل للعدو... والواجب أن نحفظ أنفسنا جداً لئلا نصيرآنية للشيطان...
ليحرص كل واحد منكم على أن يمدح أخاه في غيبته حتى إذا سمع أخوه بذلك عنه ازداد في محبّته...
متى كان قلب الإنسان غير نقي ونيّته غير صافية فلا بد أن قلب أخيه يحسّ بذلك... مهما حاول أن يتجمَّل بلسانه من نحوه. في قلب الإنسان سر إلهي. فإن حدث أن سمع أحد كلاماً صدر من أخيه عنه فلا يخبئه في قلبه ويحقد عليه ويحاسنه بلسانه وقلبه غير نقي. فهذه الحال تولّد البغضة المرّة والمقت وهي تغضب الله...
كل من يسمع التأديب ولا يقبله ولا يعمل به فهو خاسر نفسه...
أوصيكم أن تبالغوا في خدمة القدّيسين والمرضى وادفعوا لهم قدر قوّتكم من عمل أيديكم... كل تعب يتعبه الواحد منا سوف يُستعلن له وقت خروج نفسه من الجسد... أحبّوا التعب... طوبى لمن يبقى في تعبه فرِح القلب لأن التعب هو باب الفردوس المفتوح.
أما الذي يطيع ضعف الجسد فإنه يصبح غريباً عن الخيرات المعدّة للمجاهدين ويتولاّه الندم في القيامة حين يبقى بعيداً لا يملك إلا الحزن والكآبة التي لا تنفع!
... كل من يلازم فضيلة واحدة ويفرِّط بأخرى يشبه إنساناً أخذ إناء وملأه زيتاً وأهمل فيه ثقباً. ثم ركب وسافر فما وصل إلى نهاية سعيه إلاّ والإناء فارغ مما فيه... الوصايا كالسلسلة متى انفكت منها عروة تفلت بأكملها... سيأتي وقت تُسألون فيه عن ثمر كلامي وتُعطُون جواباً عما سمعتموه مني. فلا تجعلوا كلامي لكم سبب دينونة لأني إنما كلّمتكم لخلاصكم وصحّة نفسكم...
أفزع إلى الله لكي لا تُصطادوا بفخ الغفلة ولا تعتد قلوبكم التهاون... ما دمتم في الجسد فأمسكوا التوبة ولا تدعوها تفلت منكم لأن من فارقها فارقته الرحمة وملكوت السموات...
... لنجتهد متشبّهين بالصالحين لئلا نندم عندما نجدهم في النهاية في مجد عظيم... طوبى للذين يعملون بكل قوّتهم.
اجعلوا أنفسكم غرباء عن هذا العالم لتصيروا أهلاً للخيرات الأبدية...
إن صوم الأربعين هو الخميرة للسنة كلها فيجب أن نتمّمه باحتراس لأن الخميرة إذا فسُدت أفسدت العجين كله...
تيقّظوا بالروح وامتلئوا بالإيمان حتى تمضوا إلى الرب بدالة وتنالوا الإكليل الذي لا يبلى...
هذا وتنيّح القديس مكاريوس في سن التسعين، وقيل في السابعة والتسعين. وقد حضرت إذ ذاك الملائكة والقديسون لمرافقته فهتف بصوت خافت على قدر ما بقي فيه من قوة: "يا سيدي يسوع المسيح، حبيب نفسي، اقبل روحي إليك!" وأسلم الروح.
طروبارية للبار مكاريوس باللحن الأول وللقديس أرسانيوس باللحن الرابع وللقديس مرقس باللحن الثالث
ظهرتَ في البرية مستوطناً وبالجسم ملاكاً، وللعجائب صانعاً، وبالأصوام والأسهار والصلوات، تقبَلتَ المواهب السماوية، فأنت تشفي السقماء ونفوس المبادرين إليك بإيمان، يا أبانا المتوشح بالله مكاريوس، فالمجد لمن وهبكَ القوَّة، المجد للذي توَّجك، المجد للفاعل بك الأشفية للجميع. لقد أظهرتكَ أفعالُ الحق لرعيتك قانوناً للإيمان، وصورةً للوداعة، ومعلماً للإمساك، أيها الأب رئيسُ الكهنة أرسانيوس، فلذلكَ أحرزتَ بالتواضع الرفعة وبالمسكنةِ الغنى، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.
إن الكنيسة وجدتكَ، في اعترافكَ بالإيمان الإلهي، غيوراً إلهياً يا مرقس الكلي المديح، مناضلاً عن المعتقد الأبوي، وداحضاً إدلهمام الظلام، فلذلك ابتهل إلى المسيح الإله، أن يمنح لنا الغفران نحن المعيِّدين لك.
قنداق للبار مكاريوس باللحن الرابع وللقديس مرقس باللحن الثالث
إن الرب قد جعلكَ حقيقةً في بيتِ الإمساك، بمثابة كوكبٍ ثابت، منيراً الأقطار أيها البار مكاريوس أبو الآباء. أيها المتأله العزم، لما تقلَّدتَ بالسلاح الذي لا يُحارَب، ذللتَ تشامخ الاضطهاد الغربي، إذ قد حصلتَ آلةً للمعزّي، وظهرتَ مناضلاً عن استقامة الرأي، فلذلكَ نهتفُ نحوك قائلين: السلام عليكَ يا مرقس فخرُ المستقيمي الرأي.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (20 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(20 كانون الثاني)
* القديس البار أفثيميوس الكبير الموشح بالله *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2020.jpg
القديس البار أفثيميوس الكبير
(+473م)
الكاتب:
كتب سيرة القديس البار أفثيميوس الكبير أحد تلامذة القديس سابا، الراهب كيرللس البيساني (سكيثوبوليس)، بناء لطلب القديس يوحنا الهدوئي (8كانون الثاني) وإثر معاينته القدّيسين أفثيميوس وسابا في رؤيا وتلقّيه العون والبركة من القديس أفثيميوس، على ما روى. أخذ الورق وجلس فلم يُؤْتَ الكتابة. كانت الساعة الثانية، أو الثامنة صباحاً حسب ترتيبنا اليوم. فجأة أتاه القدّيسان في رؤيا متجلببين بالجلباب عينه فقال سابا لأفثيميوس: "هوذا كيرللس يمسك بالدّرج ولمّا يباشر الكتابة بعد!"، فأجابه أفثيميوس: "أنّى له أن يُتمّ واجباً كهذا ولم تنزل عليه بعد نعمة إلهية ترشد خطاه؟" فأردف سابا: "هبه أنت نعمة، كهذه، أيها الأب القدّيس!" فجعل أفثيميوس يده في حضنه وأخرج إناء مرمرياً فضياً ناعماً وغمس فيه أداة في طرفها ريشة ثلاث مرّات ومدّها إلى كيرللس. فبدت في فمه سائلاً كزيت الزيتون، مذاقه من الحلاوة بحيث لو شُبِّه بالعسل لبخسه العسل حقّه. ثم صحا وكانت نكهة السائل بعد في فمه. وإذ امتلأ من مسرّة الله باشر بكتابة السيرة.
مولود العقر:
ولد أفثيميوس قرابة العام 377م في ملاطية الأرمنية، قريباً من نهر الفرات، زمن الإمبراطور غراتيانوس. اسم أبيه بولس واسم أمّه ديونيسيا. كلاهما كان بارزاً وفاضلاً. لكنهما أقاما مكتئبين سنوات لأنهما كانا من دون ذرّية. وإذ اعتادا التردّد على كنيسة القديس بوليفاكتوس الملاطي (9كانون الثاني) دأبا على الابتهال إلى الله أن يمنّ عليهما بثمرة البطن ويسكِّن لوعتهما. فقُبلت طلبتهما وأنعم عليهما الرب الإله بمولود ذكر أسمياه أفثيميوس أي المسرّة. هذا نذراه لله من قبل أن يولد. فلما بلغ الثالثة رقد أبوه وقدّمته أمّه للكنيسة نظير حنّة أم صموئيل واقتبلت هي الشموسية.
راهب ومدبّر:
قضى أفثيميوس سنوات الفتوّة في عشرة الكتاب المقدّس وأخبار القدّيسين ملتصقاً بأكاكيوس معلّمه، أسقف ملاطية العتيد، خادماً له، سالكاً في السيرة الملائكية بحرص وانتباه. وقد سامه معلّمه كاهناً وكلّفه العناية بالأديرة التابعة لأبرشيته.
أحبّ أفثيميوس الهدوء والتردّد على كنيسة القديس بوليفاكتوس. فيها اعتاد قضاء سحابة أيامه كلّما وجد إلى ذلك سبيلاً. وكان يترك المدينة مرة في السنة، بعد الظهور الإلهي، ليعتزل في بعض الجبال في البرّية إلى عيد الشعانين.
أضنت القديس مهمّة الإشراف على الأديرة فيما اشتاقت نفسه إلى المزيد من الهدوء والسكينة فخرج سرّاً إلى أورشليم وهو في التاسعة والعشرين. همّه كان أن يحجّ إلى هناك وأن يحادث الآباء القدّيسين ويتعلّم منهم. فبعدما تزوّد بأمثلة العديدين ونصائحهم مال إلى مكان يبعد سبعة أميال عن أورشليم، إلى الجهة الشمالية الشرقية، يدعى فارا فأقام بقرب عين الماء وأشجار النخيل في هدوء. هناك تعرّف إلى ناسك في الجوار هو القديس البار ثيوكتيستوس (3 أيلول) الذي أضحى وإيّاه كنفس واحدة.
من فارا إلى المغارة:
بقي أفثيميوس في فارا خمس سنوات انتقل بعدها ورفيقه إلى صحراء كوتيلا، صوب البحر الميت، ناحية قمران. هناك هداهما الرب الإله إلى مغارة فسيحة كانت ملاذاً للوحوش، فأقاما فيها زمناً طويلاً يقتاتان من الأعشاب البرّية ولا يباليان بغير الرجاء بالله إلى أن كشف مكانهما رعيان من بيت عنيا.
وسمع بالمجاهدين رهبان فارا فأخذوا يتردّدون عليهما. فلما ذاع صيتهما وكثر طلاّب الرهبنة عليهما حوّل أفثيميوس الكهف كنيسة وابتنى فوقها لافرا عهد بعنايتها إلى ثيوكتيستوس. اللافرا، في الأساس، مجموعة قلالٍ للمتوحّدين حول مركز يضمّ كنيسة وفرناً. واستعمال اللفظة فلسطيني أولاً. المتوحّدون كانوا يمضون أيامهم في قلاليهم، إلا السبت والأحد ليشتركوا في سر الشكر ومائدة المحبة وتبادل كلام المنفعة. أما أفثيميوس فاختلى في المغارة وكان يرشد المقبلين إليه والمعترفين لديه معلّماً إيّاهم الزهد والطاعة والاتضاع وأن يجعلوا ذكر الموت حيّاً فيهم ويحصّلوا طعامهم بتعبهم ويحفظوا الصمت.
البدو:
وحدث، في ذلك الزمان، أنه كان لأحد زعماء البدو ابن يدعى ترافون عانى من ضغطة شيطانية فانشلّ نصفه الأيمن. وأتت الصبي رؤيا قيل له فيها أن يذهب إلى مغارة أفثيميوس الراهب وهو يشفيه. فقام ووالده وصحبه وذهبوا إلى الموضع كما أُشير به إليهم في الرؤيا. فلما وصلوا طالعهم ثيوكتيستوس فأخبروه بما أتوا من أجله وما حدث لهم. وكان أفثيميوس منكفئاً على عادته. فقال ترافون: "لقد التجأت إلى السحرة وأطبّاء العربية وأنفقت مالاً جزيلاً ولمّا أنتفع شيئاً، فأيقنت أن ما نوليه قيمة لا يعدو كونه حكايات وأوهاماً. فصلّيت إلى الإله الحقيقي وأخذت على نفسي أن أصير مسيحياً إن برئت. وفيما كنت أصلّي على هذا النحو عاينت شيخاً راهباً طويل اللحية يسألني عن علّتي فكشفتها له، فقال لي: لو شُفيتَ لكان عليك أن تتمّم ما وعدت به. فقلت: أجل يا سيّد! سوف أفعل ذلك! إذ ذاك كشف لي عن نفسه قائلاً: "أنا أفثيميوس. أقيم في ناحية السيول، على بعد عشرة أميال عن أورشليم. فلو رغبت في أن تُشفى فأتِ إليّ والرب يشفيك". وتابع ترافرن كلامه قائلاً: لما علمتُ أنا بذلك أخبرت والدي، وأتينا إليك. فأدرك ثيوكتيستوس أن في الأمر تدبيراً إلهياً فنقل الخبر إلى أفثيميوس الذي خرج من المغارة لتوّه وقابل البدو وصلّى على الصبي فأبرأه باسم الرب يسوع.
تعجّب البدو جداً وآمنوا بالمسيح وطلبوا العماد بيد قدّيس الله. للحال جعل أفثيميوس من زاوية الكهف مكاناً للمعمودية. فاعتمد والد الصبي ودعي بطرس وكذلك ماريس، زوج أخته، وكان فهيماً فاضلاً، ثم ترافون والباقون. وقد علّمهم القديس ووعظهم أن يحفظوا التقوى وصاموا أربعين يوماً، ثم قاموا وارتحلوا إلا ماريس الذي ترهّب ودخل في طاعة القدّيس، وهو الذي صار، فيما بعد، رئيساً للافرا. وقد ورد أن العديد من البدو اهتدوا واعتمدوا بفضل بطرس وبركة القديس أفثيميوس وتعليمه وإن بطرس سيم أسقفاً عليهم.
إلى قمة مردان:
وتقاطر الناس إلى قديس الله من كل صوب وطلب الكثيرون البر، على يديه. فلما اشتدّت وطأتهم غادر موضعه سرّاً لأنه أحب السكون، ورافقه راهب فاضل يدعى دوميتيانوس. وقد قصدا مكاناً بقرب روبا وصعدا قمّة مردان التي هي مسعدا المعروفة في تاريخ بني إسرائيل. هناك وجدا ماء وبعض الخرائب، فأصلحا لنفسيهما كنيسة وأقاما فيها. هناك أيضاً اهتدى الناس إلى أفثيميوس فأخذوا يتردّدون عليه. وإذ شفى، باسم الله، ولداً عذّبه الشيطان، كثر عليه القادمون وابتنوا لأنفسهم ديراً بعنايته.
إلا أن أفثيميوس عاد بعد حين إلى الكهف وإلى رهبان اللافرا، لكنه أقام على بعد ثلاثة أميال منهم وصار يتردّد عليهم بانتظام.
ضيوف ومائدة:
في ذلك الزمان تاه أربعمائة من الأرمن نزلوا من أورشليم إلى الأردن فبلغوا لافرا القديس أفثيميوس. فلما رآهم المغبوط دعا تلميذه دومتيانوس وطلب استضافتهم. فأجابه دومتيانوس: ولكن، لا طعام لنا ولا ليوم واحد! فقال له أفثيميوس: اذهب يا بني وانظر كم تختلف أفكار الناس عن نعمة الله وقدرته!" فخرج دومتيانوس إلى المخزن. ولما رام فتح الباب لم يقدر. فصاح بآخرين فأتوا وساعدوه. فلما فتحوا الباب وجدوا الخير في المخزن فائضاً. كل ما يمكن أن يحتاجوا إليه من الطعام كان موجوداً في الداخل: خبز وخمر وزيت وخلافه! فعاد دومتيانوس إلى معلّمه وسجد عند قدميه فأقامه القديس قائلاً: من يزرع بالبركات، فبالبركات أيضاً يحصد! من يخدم الغرباء ويقبل الفقراء ينفع نفسه بالأكثر. هذا ما يجب أن تفعله إذا ما اشتهيت بركة الله عليك وأن تقوى ما فيه الكفاية في الدهر الحاضر وتنعم بالحياة الأبدية في الدهر الآتي.
عدم الطاعة:
وبلغ عدد الرهبان في اللافرا قرابة الخمسين. أحدهم، أوكسنديوس، حافظ البهائم، لم يكن مطيعاً. فنبّهه الإخوة ونبّهه القديس فلم يرعو. فقال له القديس: سوف تلقى ثمرة عصيانك بعد قليل! وإذا بروح الخوف يستبدّ به لدرجة أن قواه خارت وسقط أرضاً. فأقامه قديس الله وشفاه، بنعمة الله، ووعظه فاتعظ واستقامت قناته.
راهبان يطلبان ترك الدير:
مرة أخرى، طلب راهبان، مارون وكليماتيوس، ترك الدير. فعرف القديس بروحه أن الشيطان لجم رأسيهما وطلب إسقاطهما، فحذّرهما مبيّناً لهما، بأمثلة عديدة عن الطاعة، أنه إذا أراد أحد ترك مكانه راغباً في الفضيلة يخطأ لأن تغيير طريقة الحياة هي التي تخلّص الإنسان لا تغيير موضعه. وكما أن الشجرة التي تُقلع وتزرع من جديد في موضع آخر لا تزدهر كذلك الراهب لا ينجح في حياة الفضيلة إذا أدام التنقّل من موضع إلى آخر. فلم يشأ الراهبان أن يفهما إلى أن سمح الله بروح رعدة استبدت بهما فتابا.
جهادات القديس:
ونقل كيرياكوس الناسك الذي رافق القديس وعرف صرامة عيشه أنه لم يره مرة يأكل أو يتلفّظ بكلمة واحدة، خمسة أيام في الأسبوع، إلاّ عند الضرورة القصوى، ولا اعتاد النوم ممدّداً بل جالساً أو معلّقاً بحبل في زاوية القلاّية. كان لا ينام إلا قليلاً وينادي النوم قائلاً: "هيا، أيها العبد الشرير!"
كذلك سلك أفثيميوس في خطى أرسانيوس (8أيار)، اعتزالاً واتضاعاً وصمتاً وفقراً في الملبس وإمساكاً وأسهاراً ونخس قلب ودموعاً واحتمالاً.
أمليانوس الراهب:
أحد إخوة اللافرا واسمه أمليانوس سلك في الفضيلة منذ صباه وكان طاهراً حكيماً، فحسده الشيطان وهاجمه بحرب جسدية رهيبة لم يحتملها. وإذ مال إلى تلك الأفكار قبلها أخيراً. فلما خرج القديس عند الفجر إلى صلاة السحر مرّ بذلك الأخ فاشتم رائحة كريهة تنبعث منه فأدرك أن في الأمر فخاً من الشيطان فانتهره. وإذا بالأخ يسقط على الأرض ويتشنّج ويزبد فطلب القديس ضوءاً لأن المكان كان مظلماً وقال للآباء: "انظروا يا إخوة هذا الذي كان منذ الطفولية حكيماً وفاضلاً كيف هو الآن مغلوب لأفكار النجاسة. إنه لأمر مخيف مبك! لذلك أقول لكم ليحطم كل واحد منكم أفكاره الشرّيرة ويطردها أولاً بأول، حين لا تكون بعد قوية. أما إذا لاطفناها ودخلنا في وصال معها وتمتعنا بها، حتى ولو لم نعرف جسداً فإن النفس تكون قد خطئت. إذ في ذاك، كما علّمنا ربّنا، ندان كزناة يوم تكشف دواخلنا.
وبعدما نبّه الإخوة إلى ضرورة الحذر والتأمل في خروج النفس على الدوام، صلّى على أمليانوس فخرجت منه رائحة نتنة لا تحتمل. وإذا بصوت يقول: "أنا هو روح الزنى!"
بعد ذلك عاد أمليانوس إلى صوابه وتأدّب.
القدّاس الإلهي:
لما بلغ القديس السادسة والسبعين نزل من الروبا إلى اللافرا وخدم سرّ الشكر، القدّاس الإلهي، وكان سبتاً. بضعة أشخاص كانوا محتفّين به كتلميذه دومتيانوس وترافون البدوي. فلما بلغت الخدمة حدّ الترنيمة المثلثة التقديس، فجأة نزلت نار من السماء وغلّفت القديس وتلميذه دومتيانوس، من تلك اللحظة وإلى نهاية القدّاس الإلهي.
كذلك أفاد عارفو القديس أن الرب الإله منّ عليه بنعمة خاصة أتاحت له معرفة الجميع، واحداً واحداً، من مجرّد منظرهم، كما في مرآة. كان يعرف حركات قلوبهم وأهواء نفوسهم ويميِّز الهوى الذي سقط فيه الأخ، وكذا الأهواء التي لم ينغلب لها. من هذا المنطلق، كان ينظر بعض المقبلين إلى الكأس المقدّسة حسني المنظر، ذوي بهاء، فيما كان سواهم مسودّاً، كئيباً.
وقد لاحظ بعض الإخوة إن ملائكة مخوفين كانوا يأتون إليه في الخدمة الإلهية ويعاونونه كشمامسة.
عن القديس سابا:
لما بلغ القديس أفثيميوس الثانية والثمانين أتى المغبوط سابا المتقدّس راغباً في الانضمام إليه، فعرف القدّيس بروحه على أية قامة سوف يكون سابا في حياته. وإذ لم يقبله لصغر سنّه بعث به إلى ثيوكتيستوس قائلاً: "اقبل هذا الشاب وأرشده وقده باهتمام في دروب النسك والرهبنة بدقّة، لأنه يبدو لي إنه سوف يتقدّم تقدّماً كبيراً في الحياة النسكية وسيشعّ على العديدين بإنجازاته الفائقة العجيبة".
وداعية القدّيس:
إذ كانت للقدّيس دالة عند الله فقد عرف وخبّر عن خروجه العتيد إلى ربّه وما سوف يحدث للافرا التي أنشأها بتعب جزيل. فبعد ثمانية أيام من عيد الظهور الإلهي، اجتمع إليه العديد من الآباء، بعضهم ليودّعه وآخرون ليذهبوا معه إلى الصحراء. كانوا يظنّون إنه سوف يخرج كعادته إلى خلوته السنوية. وإذ لاحظوا إنه لم يعدّ العدّة للذهاب سألوه، فأجابهم: "أنا باق معكم كل هذا الأسبوع. ثم أغادركم يوم السبت في نصف الليل". كلّمهم عن مغادرته لهم لا إلى الصحراء بل إلى ربّه فلم يفطنوا.
بعد ثلاثة أيام، كان عيد القديس أنطونيوس الكبير فأمرهم أن يقيموا السهرانة ففعلوا. في نهايتها، دعا الخدّام وقال لهم: "اعلموا هذا، يا إخوة، إن الرب دعاني من هذه الحياة إلى الحياة الآتية. فليجتمع الإخوة كلّهم غداً فأخبركم كيف تسلكون بعد رحيلي عنكم".
في الصباح، اجتمع الإخوة ففتح فاه وكلّمهم قائلاً: "أيها الآباء والإخوة المحبوبون في الرب، يا أولادي الأعزاء! في ثلاثة أيام أطأ نهاية طريق آبائي. لذا عليكم أن تحفظوا الوصايا التي أستودعكم إيّاها لكي تستبين تقواكم ومحبّتكم لي. أهمّ الفضائل التي عليكم اقتناؤها المحبة التي بدونها لا يمكن لأحد أن يحقّق شيئاً. كل الفضائل تعرف بالمحبة والتواضع. التواضع يرفع الفاضل إلى قمم الإنجاز فيما تعصمه المحبة عن السقوط منها. علينا دائماً أن نعترف بخطايانا أمام الله... اثبتوا أنقياء في النفس والجسد. احفظوا القانون الذي وضعته لكم وداوموا على التمجيد في اجتماعاتكم. اهتمّوا بالمتألّمين قدر طاقتكم. على كل الإخوة القلقين من أفكار فاسدة كريهة أن يعترفوا بها للحال وأن يصلحهم الآباء الأكثر خبرة بالوعظ والمثال الصالح حتى لا يطيح بهم الشيطان. بهذا أوصيكم فاحفظوه بحرص: لا توصدوا الباب في وجه المقبلين إليكم! ليكن مفتوحاً للمسافرين المنهوكين وللفقراء. ضعوا ما تقتنون في خدمة المحتاجين إذا ما رغبتم إلى الله في أن يزوّدكم بما تحتاجون إليه بوفرة...". ثم ختم القديس بالقول: "وأنا إذا أذن لي الرب فلسوف أسأله أن أكون مع الشركة دائماً في الروح".
فلما قال هذا صرف الجميع إلا دومتيانوس الذي بقي معه ثلاثة أيام. ثم في مساء السبت، كما سبق فخبّر، رقد في سلام بالرب ممتلئاً أياماً، ستة وتسعين عاماً. كان ذلك في 20كانون الثاني من السنة 473م.
ملامح القديس:
كيف بدا القديس أفثيميوس لناظره؟
ثمة وصف له أورده كيرللس البيساني الراهب. قال: كان القديس بطبعه لطيف المعشر، موطّد العزم، مليح التقاسيم، وسيماً، دائري الوجه، بهج الطلعة، حلو الشمائل، ممدود اللحية إلى وسطه ويزيد. كل ما فيه كان صحيحاً سليماً. وكان كامل الأعضاء، حتى أسنانه لا نقص فيها.
عجائبه:
ينقل كيرللس الراهب للقديس عن تلاميذه عجائب جمّة بينها أشفية وطرد للأرواح الشرّيرة. من أخباره هذه الحادثة الفريدة التي جرت بعد وفاته. في قرية تدعى فاران، إلى الشرق، كان راع اسمه كيرياكوس أمّنه جار له فقير على عشر خراف يرعاها. بعد حين عضّت الفقير الحاجة ورغب في بيعها، فلما جاء إلى كيرياكوس وطلبها منه لم يعترف إلا بثمانية واحتفظ لنفسه بخروفين. فتجادل وإياه ولكن دون جدوى. فقال له الفقير: "إذا كنت مستعداً أن تقسم عند قبر القديس أفثيميوس فلا بأس عندي إن خسرتها !" فقبل كيرياكوس العرض. وإذ دنا الاثنان من قبر القديس رأى المُسُاء إليه أن كيرياكوس على وشك أن يحلف يميناً كاذبة فخشي الإثم وقال له: "لنعد يا أخي وأنا أعتبر كأنك أقسمت!" فلم يرض كيرياكوس، وكأن الحق بجانبه، وأصرّ، بوقاحة، على أخذ القسم. وإذ اقترب من القبر تجاسر وحلف يميناً كاذبة، ثم عاد إلى بيته. في تلك الليلة، فيما كان كيرياكوس في السرير، بدا له كأن الباب انفتح ودخل راهب في يده عصا ومعه خمسة فتيان. فجأة امتلأ البيت نوراً. كان الراهب هو القديس أفثيميوس بالذات وكان متجهِّم الوجه. وإذا به يصرخ في وجه كيرياكوس قائلاً: "أيها البطّال، كيف تجرؤ على حلف يمين كاذبة عند قبر أفثيميوس؟" فخرس كيرياكوس ولم يستطع جواباً. فأمر القديس أربعة من الفتيان أن يضربوه بالسوط والخامس بالعصا قائلاً: "اضربه بكل قوّتك حتى لا يجرأ على إهانة الله مرة أخرى ويقسم قسماً كاذباً ويأخذ ما ليس له!" وبعدما ضربوه ما فيه الكفاية أوقفهم القديس وقال للمفتري: "ألم تعلم، أيها الأثيم، أن هناك إلهاً يدين الأرض بعدل؟ وهو جعل هذا العقاب عليك، لا لخيرك، لأنك غداً تموت وآخرون يأخذون ما جمعته بغير حق، بل لإصلاح سواك، حتى يفروّا من خطر القسم الكاذب ويجتنبوا حتى القسم بحق!" قال القديس هذا وانصرف. كانت آلام كيرياكوس لا تطاق. وإذ صرخ اجتمع عليه الجيران فأراهم جراحه واعترف بأنه أقسم يميناً كاذبة. ثم رجاهم أن يأخذوه إلى قبر القديس ليسترحم لديه. فلمّا أحاطوا به خافوا أن يلمسوه من كثرة جراحه. فاحضروا كيسين من القش وضعوه بينهما وأخذوه إلى الدير وأخبروا بما جرى. وكل الذين سمعوا انتابتهم القشعريرة وخافوا خوفاً عظيماً، فلم يعد أحد يجرؤ، مذ ذاك، على حلف يمين، لا فرق صادقة أو كاذبة. وبعد يومين ساءت حال كيرياكوس وانفتحت معدته وكان يتقيأ باستمرار فجاء أقرباؤه وأخذوه إلى البيت. وفي اليوم الثالث مات.
طروبارية باللحن الرابع
افرحي أيتها البريَّة التي تَلد، اطربي يا مَن لم تُمارس طَلْقَاً، لأن رجل رغائب الروح قد كثَّر أولادكِ، إذ قد غرسهم بحسب العبادة، وعالهم بالإمساك, لكمال الفضائل، فبتوسُّلاته أيها المسيح الإله سلم حياتنا.
قنداق باللحن الثامن
إن الخليقة قد وجدتْ فرحاً في مولدكَ الموقَّر، وفي تذكاركَ الإلهي أيها البار، اتخذتْ ابتهاجاً بعجائبكَ الكثيرة، فامنح منها نفوسنا بغزارة, وطهِّرنا من دنس الخطايا، حتى نرتل هليلويا.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (21 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(21 كانون الثاني)
* القديسون الشهداء نيوفيطس النيقاوي ومكسيموس المعترف وأغني *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2021.jpg
القديس البار مكسيموس المعترف
(+662م)
ولد القديس مكسيموس المعترف لعائلة مرموقة في القسطنطينية سنة 580م. كان على ذكاء خارق وتمتّع بقدرة خارقة على التأمّلات الفلسفية السامية. درس فلمع وانخرط في السلك السياسي. عندما تولّى هيراكليوس العرش، سنة 610م، لاحظ مكسيموس وفطن إلى ما يتمتّع به من فهم وعلم وفضيلة فاختاره أمين سرّه الأوّل. لكن الكرامات والسلطة والغنى لم يطفئ فيه الرغبة. التي طالما احتضنها منذ الشبابية في أن يسلك في سيرة مطابقة للفلسفة الحق التي يدين بها. لهذا السبب، تخلّى عن وظيفته بعد ثلاثة أعوام وترهّب في دير والدة الإله في خريسوبوليس القريبة من القسطنطينية.
كان مكسيموس مزوّداً بأمرين أساسيّين قدّماه في مراقي الحياة الروحية: المعرفة التأملية للكتاب المقدّس وكتابات الآباء، ثم الرغبة العميقة في صعود سلّم الفضائل وصولاً إلى اللاهوى. لذا أخضع، بمعرفة، وثبات الأهواء بالنسك، والغضب بالوداعة. كما حرّر نفسه من استعباد الأهواء وغذّى ذهنه بالصلاة وارتقى، بسلام، معالي التأملات الإلهية. في صمت قلاّيته، إذ انعطف على لجّة قلبه، نظر في ذاته سرّ الخلاص بشأن كلمة الله الذي تنازل ليتّحد بطبيعتنا المقطوعة عن الله والمنقسمة على نفسها بسبب عشقها لذاتها. دافعُ السيّد هو حبّه للناس بلا حدود وقصده استعادة المحبة الأخوية بينهم وأن يفتح لهم سبيل الاتحاد بالله لأن الله محبة.
أمضى مكسيموس في الهدوئية ما يقرب من العشر سنوات، تحوّل بعدها برفقة تلميذ له يدعى أنستاسيوس إلى دير صغير للقدّيس جاورجيوس في كيزيكوس. هناك باشر بكتابة أولى مؤلّفاته وكانت عبارة عن مقالات نسكية تناولت الصراع ضد الأهواء، والصلاة، واللاهوى والمحبة المقدّسة. لكن أحداثاً عسكرية أجبرت الرهبان على مغادرة أديرتهم في القسطنطينية والجوار بعدما تعرّضت المنطقة لهجمات الآفار والفرس.
مذ ذاك سلك القديس مكسيموس في التشرّد.
أقام في جزيرة كريت لبعض الوقت حيث شرع يقاوم لاهوتيين، من أصحاب الطبيعة الواحدة، دفاعاً عن الإيمان الأرثوذكسي القويم. ثم انتقل إلى قبرص ووصل أخيراً إلى قرطاجة، عام 632م، فالتقى القدّيس صفرونيوس الأورشليمي وانضمّ إليه. القديس صفرونيوس كان أحد كبار العارفين بالتراث الرهباني واللاهوتي، ومشهوداً له بأرثوذكسيته. كان، يومذاك، مقيماً هو وعدد من رهبان فلسطين في دير أوكراتا حيث التجأوا إثر استيلاء الفرس على أورشليم.
في تلك الفترة الممتدة بين العامين 626 و 634م، تسنّى لمكسيموس أن يعرض بعمق، لم يسبقه إليه أحد، لعقيدة التألّه مقدّماً الأسس الفلسفية واللاهوتية للروحانية الأرثوذكسية. ففي مقالات عميقة صعبة طالت مقاطع غامضة في الكتاب المقدّس وتعاطت الصعوبات الواردة في كتابات ديونيسيوس المنحولة والقدّيس غريغوريوس اللاهوتي، وكذلك سرّ الشكر، في هذه المقالات تمكّن مكسيموس من وضع حصيلة (Synthèse) لاهوتية فخمة بشأن تألّه الخليقة.
فالإنسان، كما قال، جعله الله في العالم كاهناًَ يقيم سرّ الشكر الكوني، وهو مدعو إلى جمع الكائنات المخلوقة كلها لتقريبها إلى الكلمة الإلهي. كل خليقة، في لغته، تُعرف بتسمية "كلمة"، ومجموع الخلائق "كلمات". وفي فهمه إن الإنسان يرفع "الكلمات" إلى "كلمة الله"، الذي هو مبدأها، في حوار محبّة حرّ من كل قيد. إذ يحقِّق الإنسان القصد الذي من أجله خُلق، وهو الاتحاد بالله، يأتي بكل الكون أيضاً إلى الكمال في المسيح الذي هو إله وإنسان معاً.
منذ أن ارتقى هيراكليوس سدّة العرش سعى إلى إعادة تنظيم الإمبراطورية البيزنطية المتزعزعة وإلى التحضير لهجوم معاكس ضد الفرس. بعض الإصلاحات الإدارية والعسكرية كان لا بد منه. وكان لا بد أيضاً من إعادة اللحمة بين المسيحيّين تجنباً لتحوّل أصحاب الطبيعة الواحدة نحو الفرس أو العرب. لهذا السبب كلّف الإمبراطور البطريرك القسطنطيني سرجيوس إعداد صيغة لاهوتية وسطية تكفل كسب رضى أصحاب المشيئة الواحدة دون أن تتنكّر للمجمع الخلقيدوني. وقد اقترح سرجيوس، في هذا الإطار، صيغة تقوم على أساس وحدانية الطاقة في المسيح يسوع. وفق الصيغة التوفيقية المقترحة، اعتُبرت طبيعة الرب يسوع البشريّة منفعلة لا فاعلة، ومحايدة لا مقدامة، فيما اعتبرت طاقتها الخاصة مستوعّبة من طاقة كلمة الله. وهذا لا يعني، على أرض الواقع، سوى القول بالطبيعة الواحدة ولو بشكل مموّه قضى باستبدال لفظة "الطبيعة" بلفظة "الطاقة". وفي السنة 630م عيّن الإمبراطور كيرُس بطريركاً على الإسكندرية. وكلّفه بتحقيق الوحدة مع أصحاب الطبيعة الواحدة الذي كان عددهم في مصر كبيراً. وما إن جرى توقيع اتفاق الوحدة هناك حتى خرج القديس صفرونيوس الأورشليمي عن صمته ودافع عن القول بالطبيعتين في المسيح يسوع. كما توجّه صفرونيوس إلى الإسكندرية فإلى القسطنطينية وتناقش وكيرُس وسرجيوس دون أن يكون من النقاش في الموضوع جدوى. على الأثر عاد صفرونيوس إلى أورشليم حيث استقبله الشعب المؤمن كمدافع عن الأرثوذكسية وجرى انتخابه بطريركاً جديداً في الوقت الذي اجتاح المسلمون العرب البلاد. وقد صدرت، عنه، للحال، رسالة حبرية حدّد فيها أن كلتا الطبيعتين في المسيح لها طاقتها الخاصة بها وإن شخص المسيح واحد فيما طبيعتاه اثنتان وكذلك طاقتاه.
الكلام على الطببعتين والطاقتين في المسيح يسوع وكذلك الجدل القائم. أوقف بأمر إمبراطوري. رغم ذلك دافع القديس مكسيموس من مقرِّه في قرطاجة عن قول صفرونيوس معلّمه، بطريقة ذكية. قال: "يحقّق المسيح بشرياً ما هو إلهي، من خلال عجائبه، ويحقّق إلهياً ما هو بشري، من خلال آلامه المحيية". ولكن ما أن أصدر هيراكليوس مرسوم الاكتيسيس سنة 638م وأكدّ حظر الكلام على الطاقتين فارضاً على الجميع الاعتراف بإرادة واحدة في المسيح (مونوثيليتية)، حتى خرج مكسيموس عن صمته وجاهر بالحقيقة جهراً. القديس صفرونيوس كان في تلك السنة قد مات واتجهت الأنظار، مذ ذاك، نحو مكسيموس الذي أخذ الجميع يعتبرونه كأبرز المتحدّثين رسمياً بلسان الأرثوذكسية. وكما حدث في زمن القديس أثناسيوس الكبير ومن بعده القديس باسيليوس الكبير، استقر حِمل الإيمان القويم بالدرجة الأولى على كاهل رجل واحد هو مكسيموس.
راسل مكسيموس أسقف رومية والإمبراطور وذوي الشأن في الإمبراطورية موضحاً لهم، في مقالات عميقة قيّمة، أن كلمة الله، لمحبته وتوقيره اللانهائيين لخليقته، اتخذ الطبيعة البشريّة في كلّيتها دون أن يغيّر شيئاً في حرّيتها. لذلك إذ كان هو حرّاً في التراجع أمام الآلام، أخضع نفسه، بملء إرادته كإنسان، للإرادة والقصد الإلهيّين فاتحاً لنا بذلك سبيل الخلاص بالخضوع والطاعة. وإذ اتحدت الحرّية الإنسانية بحريّة الله المطلقة في شخص الرب يسوع المسيح، وُجدت مستعادة في حركتها الطبيعية نحو الاتحاد بالله والناس بالمحبة. ما سمحت له خبرة الصلاة والتأمل أضحى باستشفافه أضحى بإمكان مكسيموس أن يقدِّمه مركِّزاً عقيدة تأليه الإنسان على قاعدة لاهوت التجسّد.
رقد البطريرك سرجيوس القسطنطيني، هو أيضاً، سنة 638م، فكان خلفه بيروس مروّجاً متحمّساً للهرطقة الجديدة. ورغم كل الضغوط التي مورست فإن فريقاً لا يستهان به من المسيحيّين قاوم المرسوم الإمبراطوري حتى إن هيراكليوس اعترف، قبل قليل من موته، سنة 641م، إن سياسته الدينية باءت بالفشل. أما بيروس فلم يلبث أن فرّ إلى إفريقيا حيث كانت له مواجهة علنية والقدّيس مكسيموس في قرطاجة في شأن شخص الرب يسوع (645م). وإذ عرض القدّيس لسرّ الخلاص بحجج دامغة، نجح في تبيان أضاليل البطريرك الذي اقترح أخيراً التوجّه شخصياً إلى رومية ليلقي الحرم على القول بالمشيئة الواحدة (المونوثيليتية) عند قبر الرسل القدّيسين. ولكن لم يحفظ بيروس كلمته، بل عاد إلى قينه وفرّ إلى رافينا. وقد قطعه ثيودوروس، أسقف رومية، ثم قطع خلفه على الكرسي القسطنطيني، بولس. إزاء هذا التطوّر خشي الإمبراطور البيزنطي قسطنديوس الثاني العاقبة، في المستوى السياسي، وأن يفضي تطوّر الأحداث إلى انشقاق الغرب عن الإمبراطورية، لاسيما بعد سقوط مصر في يد العرب، فعمد إلى نشر مرسوم التيّبوس (648م) الذي حرّم فيه على كل مسيحي، تحت طائلة العقاب الصارم، مناقشة موضوع الطبيعتين والمشيئتين. عليه بوشر بملاحقة الفريق الأرثوذكسي واضطهاده، لاسيما الرهبان وأصدقاء القديس مكسيموس. أما مكسيموس فالتحق بمرتينوس الأول، أسقف رومية، الذي عزم على دعم الإيمان القويم ودعا إلى عقد المجمع اللاتراني (649م) الذي أدان القول بالمشيئة الواحدة ونبذ المرسوم الإمبراطوري. فلما وصلت أخبار ما حدث للإمبراطور اغتاظ واعتبر أن في الأمر تمرّداً، فبادر إلى إرسال جيش إلى رومية لوضع حدّ للتدهور الحاصل (653م). أوقف العسكر مرتينوس الأسقف، وكان مريضاً عاجزاً، واستاقوه كمجرم إلى القسطنطينية حيث أُهين أمام الملأ وحُكم عليه بالنفي، ثم اقتيد إلى شرصونه حيث قضى شهيداً في حال يرثى لها، في أيلول من السنة 655م.
أما القدّيس مكسيموس فجرى توقيفه، بعد ذلك بقليل. وكذلك أوقف تلميذه الأمين أنستاسيوس وأنستاسيوس آخر كان مندوباً لأسقف رومية. أودع الثلاثة السجن أشهراً طوالاً قبل أن يمثلوا للمحاكمة. وُجِّهت إلى مكسيموس تهم سياسية بالدرجة الأولى. قالوا إنه ناهض السلطة الرسمية وبارك اجتياح العرب لمصر وإفريقيا. وقيل أيضاً إنه تسبَّب في بذر الشقاق في الكنيسة بسبب عقيدته. أجاب مكسيموس بهدوء، ولكن بثبات عزم، إنه يؤثر قطع الشركة وسائر البطاركة والموت على أن يخون الإيمان القويم. وقد حُكم عليه بالنفي واستيق إلى بيزيا في تراقيا فيما استيق أنستاسيوس وأنستاسيوس الآخر إلى موضعين آخرين.
بقي مكسيموس في المنفى طويلاً وكابد الأمرّين. أخيراً قرّر الإمبراطور فتح باب الحوار معه عسى أن يكسبه لأنه أدرك أنه ما لم ينجح في إقناع مكسيموس بالانضمام إلى حزبه فلن ينجح في كسب الرأي العام الأرثوذكسي. لهذا أوفد سفارة من ثلاثة أشخاص، أسقفاً يدعى ثيودوسيوس ونبيلين آخرين. فلما التقوه وجدوه سيّد قواه، ثابتاً على قناعته الأولى. ولما دخلوا معه في بحث لاهوتي في الموضوع المطروح فنّد حججهم ودحض مزاعمهم، فثارت ثائرتهم عليه وأمطروه شتماً وضرباً وانصرفوا.
بعد ذلك جرى نقل مكسيموس إلى بربريس حيث بقي محتجزاً وتلميذه أنستاسيوس ست سنوات، بانتظار محاكمتهما من جديد. وفي السنة 662م مثل أمام بطريرك القسطنطينية ومجمعه. سألوه: من أية كنيسة أنت؟ من القسطنطينية؟ من رومية؟ من أنطاكية؟ من الإسكندرية؟ من أورشليم؟ فها هم جميعاً متّحدون فيما بينهم. فأجاب مكسيموس: "إن الكنيسة الجامعة هي الاعتراف بالإيمان الصحيح والخلاصي بإله الكون". هُدِّد بالموت فأجاب: "ليتحقق فيّ ما رسمه الله من قبل الدهور لأعطي لله المجد الذي له من قبل الدهور!" فلعنوه وأهانوه وسلّموه لحاكم المدينة الذي حكم عليه بالجلد وقطع لسانه ويده اليمنى اللذين بهما اعترف بإيمانه. وبعدما استاقوه في شوارع المدينة مدمّى كله أودعوه قلعة في أقاصي القوقاز، في لازيكوس. هناك لفظ أنفاسه الأخيرة في 13آب 662م عن عمر ناهز الثانية والثمانين. وقد نُقل أن ثلاثة قناديل زيت كانت تشتعل على قبره من ذاتها كل ليلة.
طروبارية باللحن الثامن
ظهرتَ أيها اللاهج بالله مكسيموس، مرشداً إلى الإيمان المستقيم، ومعلماً لحسن العبادة والنقاوة، يا كوكب المسكونة وجمال رؤساءِ الكهنة الحكيم، وبتعاليمك أنرت الكل يا معزفة الروح، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلّص نفوسنا.
قنداق باللحن الثامن
لنكرمنَّ أيها المؤمنون بالتسابيح كما يليق, مكسيموس العظيم عاشق الثالوث، الذي علَّم جليَّاً بالإيمان الإلهي، أن يُمجَّد المسيح بطبيعتين ومشيئتين وفعلين، ونهتف نحوه صارخين: السلام عليك أيها الكارز بالإيمان.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي { تم فهرسة السنكسار - انظر المشاركة الأولى }
الأخت مايدا,بارك الله بجهودك الرائعة, في صباح كل يوم أطالع السنكسار الخاص بهذا اليوم , حبذا لو تضاف القراءة الأنجيلية و الرسالة الخاصة بكل يوم , أختي ,هذا اليوم 28/12 عندي في كتاب السنكسار تذكار القديسين الشهداء العشرين ألفا الذين ُأحرقوا في نيقوميدية , بينما في الصفحة المخصصة لهذا اليوم ,على الموقع تذكار القديسون غليكيريوس (حلو) الكاهن والباران سمعان وغورغونيوس الشهيد , فإذا شو القصة
شكرا دائما لك
-
رد: السنكسار اليومي { تم فهرسة السنكسار - انظر المشاركة الأولى }
سلام الرب يسوع معكم جميعاً ...
اعتذر عن غيابي في الفترة السابقة ...
أخي Nyef قد تكون نسخة السنكسار الموجودة لدي غير النسخة الموجودة لديك أو تختلف بالتقويم الشرقي أو الغربي!!!
وللذكر ... هناك أيضاً قديسون آخرون غير مذكورين في جميع كتب السنكسار ... ففي كتاب الارشمندريت المتوحد توما بيطار لسنة 1995 " القديسون المنسيون في التراث الأنطاكي " تجد آسماء لقديسين وعجائب وحوادث تجهلها العامة إلا أقلها وتعرف أكثرها الخاصة من جامعي أخبار القدّيسين ودارسيها...
على العموم أشكر لك متابعتك للسنكسار اليومي ... ولكن أتمنى أن أرى مشاركات لك معنا ...
سلام الرب يسوع ...
صلواتك ..
-
رد: السنكسار اليومي (22 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(22 كانون الثاني)
* القديسان تيموثاوس الرسول وأنسطاسيوس الفارسي الشهيد *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2022.jpg
القديس الرسول تيموثاوس
(القرن 2م)
تيموثاوس، الاسم، يوناني معناه "عابد الله" أو من يكرم الله". من أب وثني وأم يهودية تدعى أفنيكي (أعمال1:16:2 تيمو5:1) وله جدّة اسمها لوئيس. كان لأمه وجدّته، بشهادة الرسول بولس، إيمان عديم الرياء أخذه تيموثاوس عنهما (2تيمو5:1). عرف الكتب المقدّسة منذ الطفولية (2تيمو15:3) لكنّه لم ينضمّ إلى أمّة اليهود بدليل إنه لم يختتن (أعمال1:16-3) إلا بإيعاز من الرسول بولس لضرورات بشارية. أغلب الظّن أن تيموثاوس كان من لسترة. أغلب الظنّ أيضاً أن أمّه وجدّته قبلتا الإيمان بالرب يسوع إثر قدوم الرسول بولس إلى دربة ولسترة خلال رحلته التبشيرية الأولى. متى انجذب تيموثاوس نفسه إلى الإيمان بالمسيح؟ لا نعلم تماماً. ولكن ثمّة ما يشير إلى أنه تتبّع الرسول بولس وتأثّر بتعليمه وآلامه، ربما في أنطاكية وربما في إيقونية ولسترة لأن الرسول المصطفى قال في رسالته الثانية له: "أما أنت فقد تبعت تعليمي وقصدي وإيماني وأناتي ومحبّتي وصبري واضطهاداتي وآلامي مثل ما أصابني في أنطا كية وإيقونية ولسترة، أيّة اضطهادات احتملت" (2تيمو10:3-11). أنّى يكن الأمر فإن بولس، لما أتى إلى دربة ولسترة، سمع من الإخوة في لسترة وإيقونية شهادة حسنة عن تيموثاوس. فلما كان بحاجة إلى رفيق معاون له في أسفاره وكرازته فقد أخذ تيموثاوس معه. تيموثاوس، إذأ، كان قد اقتبل الإيمان وكان ناشطاً في كنيسة المسيح قبل ذلك. ولعل الرسول بولس هو الذي عمّده. هو كان في كل حال أحد أو من وضع يده عليه بعدما استبانت موهبة الله فيه وسبق عليه بعض النبوءات (1تيمو18:1-19، 12:4-16).
جال تيموثارس مع الرسول المصطفى في فيرجيا وغلاطية وتسالونيكية وبيرية وأثينا وسواها وتبعه إلى قيصرية فلسطين وإلى رومية. وكان له موفداً شخصياً إلى أماكن عدّة كتسالونيكي وكورنثوس وفيليبي وأفسس. كان لتيموثاوس في كل هذه الجولات دور فاعل. لأهل كورنثوس قال عنه بولس إنه يعمل عمل الرب كما هو أيضاً (1كور16:10-11) ولأهل تسالونيكي قال إنه العامل معنا في إنجيل المسيح. كذلك كان لتيموثاوس دور تثبيت الكرازة (1تسا2:3-3) والتذكير بطرق الرسول بولس في المسيح (1كور17:4).
في كل شيء أبدى تيموثاوس أمانة للرسول المصطفى لا غش فيها. لذا قال عنه الرسول إنه الأمين في الرب ويعلّم كما يعلّم هو نفسه في كل مكان وفي كل كنيسة (1كور17:4). ولم يكن للإناء المصطفى من يتّكل عليه بالكامل غير تيموثاوس. في بعض الحالات اعتبره كنسخة عنه، فقد قال لأهل فيليبي إنه ليس له أحد آخر نظير نفسه يهتم بأحوالهم بإخلاص (فيليبي2:19-22).
إذن كانت علاقة بولس بتيموثاوس دافئة مميّزة. كولد مع أبيه خدم معه لأجل الإنجيل (فيليبي أيضاً). من هنا طريقة مخاطبته الخاصة له. أسماه "تيموثاوس الأخ" (2 كور1:1) و"إنسان الله" (1تيمو11:6) ودعاه "ابني (2تيمو1:2) و"ابني الحبيب" (1كور17:4) و"الابن الصريح في الإيمان" (1تيمو2:1). وخاطبه بكثير من العطف والحنان والمحبة. في رسالته الثانية إليه قال له: "أذكرك بلا انقطاع في طلباتي ليلاً ونهاراً مشتاقاً أن أراك ذاكراً دموعك لكي امتلئ فرحاً" (3:1-4). وعندما كان بولس في المعتقل في رومية وتخلى عنه الكثيرون، إلى تيموثاوس اتّجه ذهنه ليكون بقربه. "بادر أن تجيء إليّ سريعاً... الجميع تركوني... لوقا وحده معي...".
وقد حرص بولس على تزويد تلميذه بكل ما رآه محتاجاً إليه من الوصايا والنصائح والدعم. تيموثاوس كان شاباً معرَّضاً لكل أنواع الشهوات والنزوات والنزاقة الشبابية. لذا حثّه على الهرب من الشهوات الشبابية والمباحثات الغبيّة لأنها تولّد الخصومات (2تيمو22:2-23) ودعاه إلى الصحو في كل شيء (2تيمو4:5) وإلى الإعراض عن الكلام الباطل الدنس (1تيمو20:6) وإلى التعامل مع الشيوخ كآباء والأحداث كإخوة والعجائز كأمّهات والحدثات كأخوات بكل طهارة (1تيمو1:5-2)، وإلى اجتناب حبّ المال الذي هو أصل الشرور وطعن للنفس بأوجاع كثيرة (1تيمو10:6-11). كما دعاه، بعامة، لأن يكون قدوة للمؤمنين في الكلام والتصرّف والمحبّة والروح والإيمان والطهارة وإلى الانكباب على القراءة والوعظ وملاحظة نفسه والتعليم (12:4-16). وحثّ المؤمنين على احتضانه وإكرامه والتعاون معه (1كور10:16-11).
هذا ويبدو إن صحة تيموثاوس كانت، أقلّه في وقت من الأوقات، رقيقة ولعله كان متشدِّداً في إمساكه. قال له الرسول المصطفى: "لا تكن في ما بعد شرّاب ماء بل استعمل خمراً قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة" (1تيمو23:5).
ثم يبدو إن تيموثاوس كان إنساناً حييّاً وكان عرضة، لحداثته، أن يستخفّ الآخرون به. لهذا السبب نبّهه: "لا يستهن أحد بحداثتك" (1تيمو12:4) ودعاه لأن يوبّخ وينتهر ويعظ المخالفين (2تيمو2:4). "الذين يخطئون وبّخهم أمام الجميع لكي يكون عند الباقين خوف"(1تيمو5:20)، على أن يكون هذا بلا غرضيات ومن دون محاباة (21).
والظاهر من كلام الرسول بولس إن تلميذه تعرّض للسجن ثم أُطلق سراحه. هذا حدث في إيطاليا. وثمّة إشارة إلى ذلك في الرسالة إلى العبرانيين التي كُتبت على يد تيموثاوس (انظر عبرانيين23:13).
أما الرسالتان اللتان وجّههما رسول الأمم إلى تيموثاوس فكانت أولاهما في حدود السنة 64. يومها كان قد تمّ إطلاق سراحه من سجنه الأوّل في رومية بعدما اشتكى عليه أهل أمّته كما هو مبيّن في سفر أعمال الرسل (الإصحاح 21 وما يتبعه).
أما الرسالة الثانية، فكانت بعد القبض على الرسول المصطفى للمرة الثانية، نحو السنة 67، إثر حرق نيرون لرومية. في الأولى عالج بعض الصعوبات التي تعرّض لها التلميذ وبسط لصفات معلّمي الكنيسة وخدّام الإنجيل وواجباتهم. أما في الثانية فشدّد تلميذه وحضّه على الثبات في البشارة والتمسّك بالأمانة عارفاً ممن تسلّمها (14:3)، والاشتراك في المشقات كجندي صالح ليسوع المسيح (2تيمو1:2-3). ويشير رسول الأمم إلى قيوده وإلى ارتداد العديدين عنه بسبب ذلك (15:1)، ويعلن عن قرب حضور وقت انحلاله. "أنا الآن أسكب سكيباً ووقت انحلالي قد حضر. جاهدت الجهاد الحسن أكملت السعي حفظت الإيمان. أخيراً وُضع لي إكليل البرّ الذي يهبه لي في ذلك اليوم الربّ الديّان العادل" (6:4-8). ثم يطلب منه أن يوافيه سريعاً قبل الشتاء (16:4-21).
لا نعرف بالضبط ماذا حدث بعد ذلك التاريخ. ولكن ورد في التراث إن تيموثاوس التقى في أفسس القديس يوحنا الحبيب وأخذ منه بركة ونعمة. فلما تمّ نفي يوحنا، ساس تيموثاوس الكنيسة في أفسس بروح بولس ويوحنا معاً. ثم ذات يوم، فيما كان الوثنيون، في المدينة، يحتفلون بأحد أعيادهم حاول تيموثاوس ردّهم عن ضلالهم فثاروا عليه كالوحوش وضربوه بشدّة، فجاء بعض تلامذته وسحبوه من بينهم نصف ميت، لكنه ما لبث أن رقد بعد قليل. كذلك ورد أن تيموثاوس دُفن غير بعيد عن ضريح القديس يوحنا الحبيب. ثم في حدود السنة 356م نُقلت رفاته إلى القسطنطينية وأُودعت كنيسة الرسل القدّيسين هناك. وقد جرت بها عجائب جمّة وبقيت إلى أن اختلسها الصليبيّون إثر نهب القسطنطينية في السنة 1204م.
طروبارية باللحن الرابع
لما تعلمتَ الصالحات، واستيقظتَ في جميع الأحوال، لابساً النية الصالحة كما يليق بالكهنوت، تلقنَّتَ من الإناء المصطفى, الأسرار الغامضة الوصف، وإذ أنكَ حفظتَ الإيمانَ أتمَمتَ السعي القويم، أيها الشهيد في الكهنة تيموثاوس، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.
قنداق باللحن الأول
أيها المؤمنون لنمدح اليوم بالتسابيح، تيموثاوس التلميذ الإلهي، المرافق بولس في أسفاره، مكرِّمين معه أنسطاسيوس الحكيم، الذي أشرقَ من بلاد فارس، بمثابة كوكبِ، المزيل أهواء نفوسنا وأمراض أجسادنا
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (23 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(23 كانون الثاني)
* القديسون أغاثنجلوس وكليمنضوس أسقف أنقرة الشهيدان وذيونيسيوس البار *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2023.jpg
القديس الشهيد في الكهنة كليمنضوس أسقف أنقرة ورفيقه أغاثنجلوس
(القرن 3م)
أصل القديس كليمنضوس من أنقرة في غلاطية. ولد من أب وثني وأم مسيحية. فلما توفّي والده، وهو صغير السن، تبنّته امرأة مسيحية تقية نقرة اسمها صوفيا، فنشأ لديها على التقوى. وقد امتاز، منذ نعومة أظفاره، بعطفه على الأطفال الفقراء وغيرته على الإيمان بالمسيح. ورد إنه كان يصوم ويصلّي كالرهبان وهو بعد في الثانية عشرة. لاحظه الأسقف المحلي فسامه شمّاساً فكاهناً ثم اختير أسقفاً لأنقرة في العشرين. ورغم حداثته ساس رعيّته بمعرفة الشيوخ وحكمتهم. عنايته بالأطفال الفقراء واليتامى بدت مميّزة. فلما ذاع صيته بلغ أذني الوالي فقبض عليه وعرّضه للضرب أملاً في ردعه فلم يرتدع، فحطّم فكّيه وألقاه في السجن.
بقي كليمنضوس في الأسر، على ما ورد، ثمانية وعشرين عاماً ذاق خلالها كافة أنواع التعذيب والحرمان. قيل إنه استيق إلى رومية ونيقوميذية وأميسا وطرسوس، ثم أعيد إلى أنقرة. لم يترك الولاة طريقة لكسر صلابته وتمسّكه بالإيمان بالمسيح إلاّ جرّبوها فلم ينتفعوا شيئاً. تشبّثه بيسوع رباً وإلهاً كان أقوى وأشدّ. أخيراً، كما ذكر، أقنع بعض المسيحيّين الجند بإخلاء سبيله لبعض الوقت ليقيم الذبيحة الإلهية. ثم خلال الخدمة، وهو أمام المذبح، اقتحم الوثنيون المكان وأجهزوا عليه وعلى الخدّام معه. وقد دفن في مكان يعرف بـ "كريبتون".
أما أغاثنجلوس، ويعني اسمه الملاك الصالح، فوثني اهتدى بمثال كليمنضوس وتبعه فعانى أصنافاً من الاضطهاد إلى أن جرى قطع رأسه.
يعتبر كليمنضوس في التراث البيزنطي عظيماً في الشهداء. أقيمت له في القسطنطينية قديماً كنيستان هناك ربضت أكتر رفاته. بعض الرفات، فيما يبدو، اختلسها الصليبيون في القرن الثالث عشر، وقد وصلت إلى يد حنّة ملكة النمسا فهدتها لدير فال دو غراس. أما في الشرق فقطعة من جمجمته موجودة في دير للسيدة في أفريتانيا (اليونان) وله ذراع في بتراكي القريبة من أثينا، وبعض رفاته موجود في ديري ديونيسيّو وزوغرافو في جبل آثوس وفي دير القديس يوحنا اللاهوتي في باتموس.
طروبارية باللحن الرابع
أيها الكلي الشرف كليمنضوس، لقد بدوتَ للمؤمنين، كرمة برٍّ وغصن جهاد، وزهرةً كلية الطهارة، وكثمرٍ كلي العذوبة ممنوح من الله, فبما أنك مع الشهداءِ مجاهدٌ، ولرؤساء الكهنة في الكراسي مجالسٌ, تشفع إلى المسيح الإله أن يخلّص نفوسنا.
قنداق باللحن الرابع
لقد حصلتَ جفنةً مكرمة, لكرم المسيح، يا كليمنضوس الكلي المديح، وإذ قد ظهرتَ كثير الجهاد، هتفتَ مع المجاهدين معكَ صارخاً: أيها المسيح أنت بهجة الشهداء وفرحهم.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (24 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(24 كانون الثاني)
* القديسة كساني البارة *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2024.jpg
القديسة البارة كسينيا الرومية
(القرن 5م)
اسمها في المعمودية كان أفسافيا أي "التقية". ولدت ونشأت في رومية لوالدين من الأشراف. فلما بلغت سنّ الزواج رغب أبواها في زفّها إلى شاب يليق بها، فلم تلق الفكرة لديها ترحيباً لأن رغبة قلبها، عبر السنوات، كانت أن تصير راهبة. لكنها سكتت ولم تبد اعتراضاً، فيما استقرّ في نفسها أن تغادر أبويها سرّاً قبل حلول يوم الزفاف. وإعداداً لساعة المغادرة، اختارت اثنتين من خادماتها كشفت لهن ما في نفسها ودعتهن إلى مرافقتها فوافقنها. وإذ تدفّقت الهدايا الزوجية على أفسافيا، ذهباً وفضة و آنية وملابس فاخرة، سعت أمة الله إلى تحويل ما أمكن منها إلى خادمتيها ليعملن في السرّ على توزيعها على الأرامل والأيتام. وإذ اكتملت عدّة الزواج اكتملت معها استعدادات النسوة الثلاث للرحيل فغادرن فرحات باكيات لأن الرب الإله حسبهن مستأهلات للتخلّي عن كل شيء من أجل اسمه القدّوس.
كانت أفسافيا تعلم جيّداً أن والديها سوف يبحثان عنها في كل مكان، لذا اختارت التوجّه إلى مكان بعيد، وحرصت ومرافقتيها على حفظ السرّ حتى الممات. استقلّت النسوة الثلاث مركباً وافقته الأهوية فحلّ في الإسكندرية بعد أيام، ومنها انطلقن في مركب آخر إلى جزيرة كوس اليونانية في الناحية الجنوبية الشرقية من البحر الإيجي. فلما حططن هناك بحثن لأنفسهن عن منزل يأوين إليه فوقعن على بيت معزول موافق لهن فاستأجرنه. مذ ذاك غيّرت أفسافيا اسمها وصارت تدعى "كسينيا" التي تعني "غريبة" لأنها اختارت، بنعمة الله، أن تخرج كإبراهيم أبي المؤمنين، إلى أرض غريبة كانت موقنة أن الرب الإله سوف يشملها برحمته فيها.
الخطوة التالية في رحلة كسينيا كانت أن تجد لنفسها ورفيقتيها أباً يرشدها في أصول الحياة الروحية. أين تجد أباً كهذا؟ الله أتى بها إلى هذا الموضع والله يدبّرها! لذا لجأت إلى الصلاة: "يا إلهي، يا من تعرف الجميع وتضبط الكل، لا تخلنا نحن الذين هجرنا بيوتنا وأرضنا وذوينا محبّة بك، بل أرسل لنا إنساناً على قلبك يحفظنا ويرشدنا إليك كما أرسلت بولس الرسول لأولى شهيداتك تقلا!". ولم يطل الوقت حتى أطلّ عليهن رجل بانت عليه سمات التقى، وقوراً، ملائكي الطلعة، فتحرّك قلب فتاة الله نحوه. كان راهباً، رئيس دير، اسمه بولس، وكان عائداً من أورشليم إلى ديره في ميلاسا، شمالي شرقي جزيرة كوس. فاستجارت به النسوة الثلاث فعرض أخذهن معه إلى ديره فرافقنه بفرح.
في ميلاسا، بقرب دير بولس الشيخ، أقامت المتبتّلات الثلاث في منسك وبنين لأنفسهن كنيسة كرّسنها لأول الشهداء أستفانوس. وقد أضحى المنسك فيما بعد ديراً حين ذاع صيت كسينيا وأقبلت النسوة إليها يطلبن الحياة الملائكية على يديها.
ثم إن بولس الراهب اختير أسقفاً لميلاسا فجعل كسينيا شمّاسة رغم تحفّظها الشديد.
يقول كاتب سيرتها، وهو كاهن راهب مجهول الهوية، إن كسينيا الشمّاسة ضاهت بسيرتها الملائكة وتكبّدت من أجل ربّها مشاقاً عظيمة. حتى الأبالسة خافت الدنو منها. كانت تأكل مرة كل ثلاثة أيام، وفي زمن الجهاد مرة واحدة في الأسبوع. طعامها اقتصر على الخبز اليابس. وإذ كانت تبلّل الخبز بالماء، كان يختلط بالدموع والرماد وفق القول المزموري: "أكلت الرماد مثل الخبز ومزجت شرابي بدموعي" (مز1-9:1).لم تخلف كسينيا في قانونها مرة واحدة بشهادة رفيقتيها اللتين سعيتا إلى الاقتداء بها قدر إمكانهما.
كانت كسينيا تجاهد في الصلاة والسجود الليل بطوله. وكثيرات شاهدنها تركع في الصلاة من ساعة غياب الشمس إلى ساعة ضرب الناقوس صبيحة اليوم التالي. وكانت أحياناً تمضي الليل في الصلاة ببكاء لا ينقطع. والحق إنها لم تكن تصلّي البتّة من دون دموع في عينيها. سيرتها انعجنت بالوداعة والمحبّة الفائقة. هكذا عاشت كسينيا وهكذا استمرت إلى آخر أيّامها.
فلما دنت ساعة مفارقتها، وهي عالمة بما يأتي عليها، دعت راهباتها وزوّدتهن بإرشاداتها وبركتها، ثم أقفلت على نفسها في الكنيسة إلى أن أسلمت الروح. وقد ذكر شهود عيان أن الطيب فاح ساعتئذ من الكنيسة، كما ذكر آخرون أن مرضى عديدين شفوا برفاتها.
أما خادمتا كسينيا فلم تلبثا طويلاً حتى فارقتا كما ليكون الثلاثة معاً في الممات بعد أن كن معاً في الحياة.
طروبارية باللحن الثامن
بكِ حُفظت الصورة باحتراس وثيق، أيتها الأمّ كسينيا. لأنكِ قد حملتِ الصليب فتبعتِ المسيح، وعملتِ وعلَّمتِ أن يُتغاضى عن الجسد لأنهُ يزول، ويهتَّم بأمور النفس غير المائتة. فلذلك أيتها البارَّة تبتهج روحكِ مع الملائكة.
قنداق باللحن الثامن
إننا نحن المكرمين لكِ بشوق يا كسينيا، إذ نقيم تذكاركِ الغريب الطريقة، نسبّح المسيح المانح لكِ في كل الأحوال قوة الشفاء، فابتهلي إليه دائماً من أجلنا جميعناً.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (25 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(25 كانون الثاني)
* القديس غريغوريوس اللاهوتي رئيس أساقفة القسطنطينية *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2025.jpg
هو المعروف أيضاً بلقب النزينزي نسبة إلى مدينة صغيرة اسمها نزينزة قريبة من قيصرية في بلاد الكبّادوك. في هذه المدينة نشأ قدّيسنا وترعرع. ويبدو أن ولادته كانت في مزرعة قريبة من المدينة تدعى أرينزة ملكتها العائلة. تاريخ ولادته غير محدّد تماماّ. يظنّ أنه قريب من السنة 329 / 330م.
أبوه هو القدّيس غريغوريوس الشيخ المعيّد له في أول كانون الثاني. انتمى والده منذ الصغر إلى نحلة تعرف بـ "عبّاد العليّ" أو "الهيبسيستاري" جمعت بعض الوثنية إلى بعض اليهودية وأكرمت النور والنار. لكنه كان رجل استقامة بحسب الناموس الطبيعي. اهتدى واعتمد بتأثير زوجته المؤمنة وسلك في الفضيلة. لوحظ لفضله وحكمته وغيرته على الكنيسة فاختير أسقفاً على نزينزة. أحبّ الفقير حباً كبيراً وعاش إلى مئة عام.
أما أمّه فهي القديسة نونّة المعيد لها في 5آب. كانت زينة النساء المسيحيات، تقيّة، مصلّية، فاضلة، صلبة، حكيمة، صبورة. أكثر ما في تنشئة غريغريوس على حب الله والسير في الفضيلة مردّه نونّة. هي نحتت اسم الله في قلبه أولاً. بفضل صلاتها ودموعها ارتدّ غريغوريوس الشيخ عن غيّه. ولمّا يأت قدّيسنا إلى الحياة إلاّ بعد الصلوات الحارّة لنونّة ونذرها إيّاه لله حتى قبل أن يبصر النور. فلما أنجبته جعلت يديه كلتيهما على الإنجيل علامة تكريسها إيّاه لخدمة الله.
وإلى غريغوريوس أنجب الزوجان الفاضلان بنتاً وصبياً، وكلاهما قديس: غرغونية، يعيّد لها في 23شباط، وقيصاريوس ويعيد له في 25شباط.
وإذ تمتّعت العائلة برفعة الشأن وبحبوحة العيش تسنّى لغريغوريوس، إلى التقوى، أن يحصّل من العلم والثقافة القدر الوافر، مما يسّر له أن يؤدي لربّه شهادة مميّزة وخدمة مباركة من حيث تطويعه علوم عصره وسوق كل فكر إلى طاعة المسيح على حسب قول الرسول المصطفى: "هادمين ظنوناً وكل علو يرتفع ضد معرفة الله ومستأسرين كل فكر إلى طاعة المسيح" (2كور5:10).
حلم الصبا:
هذا وقد نقل غريغوريوس في وقت متأخر من حياته إنه حين كان فتى أتاه حلم انطبع في نفسه أن عذراوين جاءتا إليه مجلّلتين بالبياض، اسم إحداهما "طهارة"، واسم الثانية "عفة" وأخبرتاه إنهما ترافقان الرب يسوع على الدوام وكذا الذين يلتمسون الحياة السماوية. كما دعتاه إلى توحيد قلبه وروحه بهما حتى إذا ما امتلأ من بهاء البتولية قدّمتاه إلى نور الثالوث القدّوس.
تحصيله العلوم:
بقي غريغوريوس في نزينزة إلى حدود الثالثة عشرة من العمر حصّل خلالها ما أمكنه من العلم والمعرفة. ثم انتقل إلى قيصرية الكبّادوك حيث التقى القدّيس باسيليوس الكبير الذي أضحى، فيما بعد، ربيب عمره وأليف نفسه. ثم ترك إلى قيصرية فلسطين فإلى الإسكندرية، إلى سن السابعة عشرة تقريباً، ومن هناك ارتحل إلى أثينا ليدرس البلاغة والشعر والأدب والفلسفة على أشهر معلّمي ذاك الزمان. أثينا كانت يومها أبرز مواطن العلوم والآداب قاطبة. هناك التقى غريغوريوس وباسيليوس من جديد ونمت الصداقة بينهما إلى أبعد الحدود. وقد تابعا الدراسة سويّة سنوات.
حادثة مصيرية:
في الطريق من الإسكندرية إلى أثينا، وتحديداً في مياه جزيرة قبرص، تعرّض المركب الذي استقلّه غريغوريوس لمتاعب جمّة. ضربته العواصف واستبدّت به الأهواء وتلهّت به الرياح عشرين يوماً ويزيد. نفذ ماء الشرب ولاح شبح الموت ثقيلاً كل يوم. ارتعب غريغوريوس وارتجّت نفسه حتى العظم. السبب إنه لم يكن، إلى ذلك الوقت، قد اعتمد. المعمودية، يومذاك، كانت، تتأخر، أحياناً كثيرة، إلى سن الثلاثين، وهو العمر الذي اعتمد فيه السيّد في الأردن. وإذ خشي غريغوريوس أن يُقضى عليه من دون أن يعتمد ركع وصلّى بدموع وعاهد ربّه على خدمته ما حيي لو قُيّد له أن ينجو من هذا الخطر الجسيم. للحال استكانت العاصفة فسار المركب إلى رودس ومنها إلى أثينا بسلام.
الصديقان:
جمع الصديقين في أثينا همّ واحد مشترك: محبّة الله ثم محبّة البلاغة والأدب والفلسفة. لذا اجتنبا معاً عشرة المعلّمين ذوي السيرة المتفلّتة واقتصرا على التعاطي مع ذوي الحرص والفضيلة. لم يكن لهما في التسليات البطّالة والمجون نصيب، ولا عرفا في إقامتهما سوى طريقين: ذاك الذي يفضي إلى الكنيسة وذاك الذي يؤدّي إلى المدرسة. نبذا الغنى وحسباه أشواكاً. اكتفيا من مخصّصاتهما بما يسدّ ضرورات الجسد والباقي درجا على توزيعه للفقراء. لم يكن للحسد مكان فيهما. الحب الخالص جعل كلا منهما يحسب كرامة صاحبه ومنفعته ككرامته ومنفعته هو. كل واحد كان لأخيه منخساً للصلاح، وكل واحد اقتدى بأخيه في إتمام الصوم والصلاة وكل فضيلة.
العودة:
بقي غريغرريوس في أثينا إلى سن الثلاثين تقريباً (359م) ثم عاد إلى نزينزة. أول ما فعله أن اقتبل المعمودية من يد أبيه مكرِّساً نفسه بالكلّية لله. قال: "قد أعطيتُ كل ما هو لي ذاك الذي أعطاني إيّاه فأضحى هو لي كلّ ما أملك. كرّست له خيراتي واعتباري وصحّتي ولساني ومواهبي. والثمرة التي جنيتها من كل هذه الامتيازات هي الغبطة التي أشعر بها من جرّا اعتباري لها جميعاً كلا شي، من أجل المسيح". من تلك اللحظة، وبتصميم لا هوادة فيه، مات غريغوريوس عن الطموحات العالمية والغنى والشهرة ومتع الحياة الدنيا. وحده الله أضحى له الكل ووحده اللاهوت أضحى المتعة. بات طعامه الخبز القاسي مع الملح والماء. أخذ ينام على الأرض ولا يلبس إلاّ الخشن والحقير. صار يعمل النهار بطوله ويصرف سحابة هامة من ليله في تمجيد الله والتأمل في الإلهيات. وإلى الغنى أعرض غريغوريوس عن الآداب العالمية، تلك التي أنفق الكثير من الوقت والجهد في تحصيلها. قدّم نفسه قرباناً لله، فيما هجر المؤلفات الكلاسيكية اليونانية وكُتب الشعر والبلاغة "طعماً للدود والعثّ" على حدّ تعبيره. باتت أعظم الكرامات العالمية لعينيه أحلاماً خاوية ينخدع بها الناس. لم يعد شيء، في نظره، يداني حياة الإنسان الذي مات عن نفسه وعن أمياله الحسيّة وصار يعيش كما لو كان خارج العالم، ولا حديث له يستهويه إلاّ إلى ربّه (الخطبة 29). اهتمّ، لبعض الوقت، بإدارة شؤون بيت أبيه، لكنه مرض مرّات بسبب نسكه المتشدّد وبكائه وقلّة خلوده إلى النوم. وإذ اعتاد في فتوّته القهقهة استعاض عنها الآن بالبكاء. لم يعد للغضب سلطان عليه وخلدت نفسه إلى الهدوء. سخاؤه في العطاء للفقير جعله خلواً من خيرات الأرض كأفقر الناس، فيما استحال بيته وأرضه إلى ما يشبه الميناء للمسافرين في البحر. حبّه للخلوة والصمت كان كبيراً. وكان يرثي للمبالغات المتأتية من إقبال الناس على كثرة الكلام، وللّهف الشقي الذي يستبدّ بالناس لأن يصبحوا معلّمين لغيرهم.
منسك مشترك:
لم تدم إقامة غريغوريوس في نزينزة طويلاً. كان يتوق إلى حياة التوحّد. في تلك الأثناء كانت بين الصديقين، باسيليوس وغريغوريوس، مراسلات. فلما عرض باسيليوس تأسيس منسك لاقى عرضه صدى طيّباً في نفس صديقه. لكن، وببراءة أخّاذة، اختلف الرأي في أي مكان يكون الأوفق. اقترح غريغوريوس أن يكونا في تيبيرينة على نهر أرينزة، وهي من ممتلكات أبيه، فيما تمسّك باسيليوس بإيبوره مقابل مختلى والدته في أنّيسي، وهي أيضاً من ممتلكات عائلته. كل شدّ الحبل إلى صدره. عن تيبيرينة قال باسيليوس إنها موحلة، قذرة ولا شيء فيها يُشتهى. وعن إيبوره التي لم يكن غريغوريوس قد شاهدها بعد ولكن كانت له فكرة عنها، قال إن جبالها شديدة الانحدار والوعورة، مشوكة، ولا زهور فيها. الهواء فيها مقطوع والشمس بالكاد تنفذ إليها لأن الصخور هناك أدنى إلى الستائر الثقيلة، والمرء بحاجة لأن يكون بهلواناً ليصل إلى المكان، فيما النهر يزأر زئيراً وفيه حجارة أكثر مما فيه سمك ويضرب الصخور ضرباً يصمّ الآذان.
رغم ذلك كله ربح باسيليوس الجولة. فلما زار غريغوريوس المكان راق له مع إنه لم يشأ أن يقرّ لصديقه بجمالية الموضع. والحق إن الموضوع كان أبعد من موضوع مكان. غريغوريوس كان متعلقاً بباسيليوس. فعن أيام أثينا قال: "في أثينا بحثت عن البلاغة فوجدت السعادة لأني وجدت باسيليوس"! كما كتب إليه مرة يقول له: "أنت نفَسي أكثر من الهواء وعلى قدر ما أكون برفقتك أشعر بالحياة".
في إيبوره، أقام غريغوريوس قرابة السنتين. سهر وصام وصلّى ودرس الكتب المقدّسة ورنّم المزامير وعمل بيديه واشتغل وصديقه في جمع مختارات من كتابات أوريجنيس المعلّم أسمياها الفيلوكاليا وتساعدا في وضع قانون الحياة الرهبانية للشركة الناشئة.
ثم قبل ميلاد العام 361م اضطر غريغوريوس للعودة إلى نزينزة.
كاهناً بالقوة:
والد القدّيس غريغوريوس كان قد جاوز الثمانين وكان بحاجة إلى ابنه معيناً له في تدبير شؤون الرعية في نزينزة. لهذا السبب عاد قدّيسنا ليكون بجانب أبيه. لكن الأجواء في نزينزة كانت مشدودة لأن غريغوريوس الشيخ وقّع، من دون انتباه، بياناً توفيقياً لا يخلو من الآراء الآريوسية. نتيجة ذلك تصدّى له العديدون، لاسيما الرهبان، وأرادوا التخلّص منه. فلما وصل قدّيسنا أصلح الحال وهدّأ النفوس، فعاد السلام إلى نزينزة وأكبر المؤمنون عمل غريغوريوس إكباراً عظيماً.
ثم في ميلاد العام 361 حدث ما شكّل لغريغوريوس صدمة. فجأة أمسكوه وحملوه إلى الكنيسة حملاً وألزموه أن يصير كاهناً. لم يكن بإمكانه لا أن يرفض ولا أن يهرب فسلّم أمره لله ورضخ للأمر الواقع الذي أسماه، فيما بعد، "عمل استبداد روحي". لكنه لم يثبت أكثر من اثني عشر يوماً هرب بعدها إلى صديقه في إيبوره، فأقنعه صديقه بضرورة العودة فعاد صاغراً في عيد الفصح من السنة التالية 362م. وقد دافع عن نفسه في خطبة تعتبر من أجلّ ما قيل في الكهنوت ومنها استقى القدّيس يوحنا الذهبي الفم مقالته في الموضوع نفسه. كيف دافع غريغوريوس عن موقفه؟ تحدّث عن رفعة الكهنوت وواجباته ومخاطر الخدمة الكهنوتية. القداسة شرط الدنو من الهيكل والمثول أمام الله، سيّد الطهارة. ليس أقسى من أن يسوس المرء ضمائر الناس ويعالج أدواء النفوس.
لا بد من الفضيلة والعلم للقيام بهذه الأعباء المقدّسة وتلبية حاجات المؤمنين ودحض المفاسد. فمن حق غريغوريوس أن يضطرب إزاء جسامة المسؤولية وأن يسعى إلى إعداد نفسه لخدمة الهيكل بالصلاة والنسك والتأمل. "لا بد للمرء أن ينقّي نفسه قبل أن ينقّي غيره، وأن يصبح حكيماً قبل أن يحمل الآخرين إلى الحكمة، وأن يصير نوراً قبل أن يعطي النور، وأن يدنو من الله قبل أن يحملهم إليه وأن يتقدّس قبل أن يقدّس الآخرين، وأن تكون له يدان قبل أن يقود الآخرين باليد وأن تكون له حكمة قبل أن يتكلم بحكمة". وقد أفصح غريغوريوس أن شعوره بعدم الاستحقاق هو السبب الأول لفراره وإنه إذ يعود ليقبل الكهنوت، لا يعود لشعوره بأنه بات مستحقاً بل لاشتياقه إلى شعب نزينزة ولوالديه المسنّين ولأنه لا يجوز أن يقاوم أحد دعوة الله له. فها قد عاد كيونان راجياً أن تشدّده الطاعة وتزوِّده بالنعمة اللازمة لإتمام خدمته.
بقي غريغوريوس في نزينزة ما يقرب من السنوات العشر يعمل بصمت مكتفياً بممارسة نسكه على طريقته.
أسقفاً رغماً عنه:
سنة370م أضحى باسيليوس رئيس أساقفة على قيصرية الكبّادوك. أحد الذين لعبوا دوراً بارزاً في حمله إلى سدّة رئاسة الكهنوت كان غريغوريوس الشيخ. أما قدّيسنا فعمل من بعيد وسعى لأن يبقى خارج صورة الاحتفالات وتحرّكات أنصار باسيليوس. خلوته من ناحية وحرصه على الابتعاد عن الأضواء من ناحية أخرى أبقياه بعيداً عن باسيليوس. عرض عليه صديقه بعد حين أن يكون متقدّماً في كهنة قيصرية فرفض العرض. ومرّت أشهر فإذا بمشكلة كأداء تطرأ. فالنس، الإمبراطور ذو الأميال الآريوسية، أراد إضعاف سلطة باسيليوس وإيهان شأنه، فأصدر مرسوماً قضى بتقسيم ولاية الكبّادوك إلى مقاطعتين، الأولى عاصمتها قيصرية والثانية عاصمتها تيانا. وحيث إن التقسيم الكنسي كان يتبع التقسيم الإداري المدني، فقد خسر باسيليوس أكثر من نصف أبرشيته. وحتى لا تضعف سلطته في مواجهة فالنس ورئيس أساقفة الأبرشية الجديدة أنثيموس، فقد سعى، وبسرعة، إلى تحويل عدد من القرى المغمورة إلى أسقفيات جعل عليها أساقفة من أنصاره. أحد الذين شملتهم التدابير الجديدة كان غريغوريوس. أراده باسيليوس على زاسيما المتاخمة لحدود أبرشية تيانا. زاسيما كانت محطة للخيل على ملتقى ثلاث طرق، وصفها غريغوريوس بأنها مكان صغير كريه لا ماء فيه ولا عشب ولا شيء من معالم الحضارة. وأضاف: لا يوجد هنا غير الغبار والضجيج والصراخ والأنين والموظفين الأشقياء والسلاسل وأدوات التعذيب، والسكان جلّهم من التجار المسافرين والغرباء.
لم يشأ غريغوريوس أول الأمر أن يستجيب. شعر بأن صديقه خانه واختار للأسقفية الجديدة أشقى موضع في الأرض. الصداقة بين الرجلين كانت على المحك. أخيراً، وكالعادة، لم يكن أمام غريغوريوس إلاّ الرضوخ فسيم أسقفاً على زاسيما في نزينزة. كان ذلك سنة 372م. في المقابل رأى غريغوريوس نفسه أنه كالعظم يلقى للكلاب. وقد عزم على التوجّه إلى زاسيما والبقاء فيها طالما كان ذلك نافعاً. لكنه لما ذهب إلى هناك، والبعض يقول إنه لم يذهب إليها البتّة، أدرك أنه لا شيء يُرتجى من إقامته فيها فعاد أدراجه إلى نزينزة، مساعداً لأبيه. كانت زاسيما على بعد أربعة وعشرين ميلاً من نزينزة. مذ ذاك أصاب علاقته بباسيليوس الفتور.
سلسلة نكبات:
بقي غريغوريوس في نزينزة إلى حوالي العام 375م، حلّت به خلالها محن قاسية، لاسيما لرهافة حسّه. أبوه وأمه وأخوه وأخته كلّّهم رقدوا في غضون سنوات قليلة، فيما مرض هو وقرب من الموت. كما حلّت النكبات الطبيعية بنزينزة، الطاعون أصاب البقر والبرد خرّب المحاصيل. الفلاّحون تضايقوا وعمّال الضرائب ضغطوا فكانت شبه ثورة أخمدها العسكر وخلّفت مآس وضيقات. انحطّت نزينزة كمدينة وهدّد الحاكم بهدمها بالكامل. أجواء القلق والخوف سيطرت. غريغوريوس وعظ وشدّد كما فعل الذهبي الفم حين ساد الخوف أنطاكية إثر تحطيم التماثيل الملكية. هنا أيضاً لم ينفّذ الحاكم تهديده، لكن النفوس أقامت مشوّشة مضطربة متضايقة سنوات.
وكما ضغطت الأحداث على غريغوريوس من الخارج، ضغطت عليه أحزانه من الداخل، فلم يجد لنفسه مهرباً إلاّ الخلوة والهدوء، فغادر إلى سلفكية إيصفرية حيث بقي ما يقرب من السنوات الأربع كما لو كان في مقبرة منعزلاً عن العالم.
وكان يمكن لغريغوريوس أن ينهي حياته في سلفكية على هذا المنوال. لكن كان لربه في شأنه تدبير آخر.
سنة 378م قُتل الإمبراطور الآريوسي فالنس ولاحت في سماء الكنيسة تباشير فجر جديد. وسنة 379م رقد في الرب عمود الأرثوذكسية، في ذلك الزمان، القديس باسيليوس الكبير.
كلا الحدثين حملا غريغوريوس على العودة إلى أرينزة.
لما وصله خبر وفاة باسيليوس انصدم ومرض. كتب لصديق له يدعى أفدوكسيوس يقول: "تسأل عن حالي فأخبرك. أنا كأس تفيض مرارة. خسرت باسيليوس. خسرت قيصاريوس الذي كان أخي في الجسد وأخي في الروح. صحتي ضعيفة. الشيخوخة تحوم حولي وتكدّني الهموم. أصدقائي لا أمانة فيهم والكنيسة بلا رعاة. كل الكرامة بادت. الإثم يربض سافراً أمام العيون. نسافر في الظلمة ولا منارة بعد. المسيح راقد! ماذا سيحدث لنا؟ لست أتطلّع إلى النياح من هذه النكبات إلا بالموت. وإذا كان لي أن أحكم باعتبار ما هو قائم هنا فإني أرتعد من الآتي بعد القبر!"
أسقفاً للقسطنطينية:
إثر وفاة فالنس الإمبراطور تلحلح الرضع الكنسي وتنفّس الفريق الأرثوذكسي الصعداء. الأرثوذكس في القسطنطينية كانوا قلّة مبعثرة. مائة كنيسة في المدينة كانت في يد الآريوسيين. ولا واحدة كانت للأرثوذكس. لقد أقامت المدينة في السبي الآريوسي أربعين سنة كاملة. والآن بعد أن أطلّ فجر جديد جالت العيون في من تُرى يجمع شمل الرعية المتبدّدة ويشدّ أزرها. وكان غريغوريوس الخيار فاستجاب بعزم وحميّة لم يعهدهما أحد فيه من قبل. كيف لا والقضية قضية الثالوث القدّوس! الأمانة والغيرة أخرجاه مرارة نفسه إلى حلاوات النور، ومن الانكفاء إلى طليعة خراف المسيح. فجأة وُجد في القسطنطينية. لا نعرف كيف ولا الظروف. كان قد صلع وانحنى وارتسمت على محيّاه معالم النسك واحتفرت في وجهه مجاري الدموع. كان فقير الثوب، فقير الروح، لا هيأة له ولا جمال. لكن روح الرب كان فيه قوياً أخّاذاً والكلمة في فمه خلاّبة.
لم يجد غريغوريوس في القسطنطينية كنيسة واحدة يلتقي فيها المؤمنين أحد أقربائه فتح له داره فحوّل أحدى القاعات فيها كنيسة "دعيت "كنيسة القيامة". في هذا المكان بالذات، فيما يبدو، تفوّه قدّيسنا بخطبه اللاهوتية الخمسة الشهيرة، تلك التي أهّلته للقب اللاهوتي". لم يكن أحد، إلى ذلك الزمان، قد لُقب بـ "اللاهوتي" إلاّ القدّيس يوحنا كاتب الإنجيل الرابع. وغيّرت مواعظه الموازين. انقلب الشعب إليه وانقلب الهراطقة عليه. الآريوسيون والأبوليناريون سعوا جهدهم للتخلّص منه. ألقوا عليه الحجارة. حاولوا تدنيس مقامه. رهبان هراطقة ونساء مولولات كمنوا له وهاجموه بالعصي وجمر النار. لكنه صمد وثبت. حقّق في أقل من سنتين ما لم يحقّقه في مجمل حياته إلى ذلك الحين. ولما أقام مشبوهون رجلاً يعكّر عليه ويغتصب القسطنطينية من يديه، اسمه مكسيموس الكلبي سيم أسقفاً على المدينة زوراً، ودّ غريغوريوس لو يعود إلى خلوته وهدوئه فطالعه الشعب المؤمن قائلاً: إذا غادرتنا غادرت الثالوث القدّوس فبقي ولم يتزحزح! الثالوث كما قال كان غاية القصد والنيّة والزينة.
أخيراً في 24كانون الأول سنة 380م دخل ثيودوسيوس المدينة قيصراً. وإذ كان أرثوذكسياً، طرد الآريوسيين وأسقفهم ديموفيلوس من القسطنطينية في أيام. أخيراً سادت الأرثوذكسية ولم تقم للآريوسية من بعد قائمة. بعد يومين رافق ثيودوسيوس غريغوريوس إلى كنيسة آجيا صوفيا، فيما ارتفعت أصوات المؤمنين، عشرة آلاف، تنادي: غريغوريوس أسقفاً! ثيودوسيوس بارك. لكن الأمر كان بحاجة إلى مجمع قانوني يصدّق. في أيار 381م التأم مجمع عام في القسطنطينية برئاسة ملاتيوس الأنطاكي صادق على التعيين.
ولكن في غضون أيام تغيّرت المعطيات من جديد.
غريغوريوس ينسحب:
ما إن جرى افتتاح المجمع المسكوني الثاني حتى رقد رئيسه ملاتيوس بالرب فاختير غريغوريوس رئيساً محلّه. كان على المجمع أن يعالج موضوع خلافة ملاتيوس على أنطا كية. وكان هناك حزبان أنطاكيان: حزب ملاتيوس وحزب بولينوس. غريغوريوس دعا إلى القبول ببولينوس أسقفاً بعدما رقد ملاتيوس.لم يرق العرض للعديدين من أساقفة الشرق. اضطرب حبل الوفاق. وصل أساقفة الإسكندرية ومقدونية بعد أيام. دخلوا في الصراع. لم يتمكّن غريغوريوس من ضبط الأمور. شبّه الأساقفة بسرب من القوق الهاذر وبعاصف من الدبابير اللاسعة. حلّت الخيبة بغريغوريوس كبيرة. لم تعد المشكلة مع الهراطقة بل بين أفراد الأسرة الواحدة.
الحسد وحب السلطة بانا أشد خطراً على الكنيسة وإيلاماً من الهرطقات. وارتفعت الأصوات، لاسيما من جماعة الإسكندرية ومقدونية، إن أسقفية غريغوريوس على القسطنطينية مخالفة للقوانين لأنه سيم على زاسيما. غريغوريوس بان مستهدفاً وكأن القوم أرادوه كبش محرقة. لم ترق رفعته لكثيرين، لاسيما لهذا المظهر الفقير الحقير الذي كان عليه. رئيس الأساقفة يعامل في نظرهم كالملوك ويسلُك كالملوك وله عزّ وجاه. لا يليق أن يكون على كرسي العاصمة رجل مريض، أصلع، رثّ الثياب كهذا الرجل لذا تحوّل الموضوع فجأة من موضوع معالجة قضية الكرسي الإنطاكي إلى معالجة قضية الكرسي القسطنطيني. وقد دفع الحسّاد أحد الرجال إلى محاولة قتل غريغوريوس، فلما كان على وشك تنفيذ جريمته انهار واعترف تائباً.
لم يدافع غريغوريوس عن نفسه وعن مركزه. نفسه توّاقة، في كل حال، إلى الخلوة والهدوء ولا يجد سلاماً لنفسه في فوهة وكر الدبابير هذا. لذا اعتبر أنها بركة من عند الله أن يُعفى من مهامه ولو استقرت المرارة في نفسه على رتاتة نفوس من استودعوا أمانة رعاية خراف المسيح. فعرض التنحّي والمغادرة واستجيب طلبه.
خطبة الوادع:
ألقى القدّيس غريغرريوس خطبة وداعية طويلة. دونك بعض ما جاء فيها نسوقه تعبيراً عما كان يجول في نفسه وعما كان عليه الواقع آنذاك: "... إن هذا الحقل كان وقتاً ما قليلاً وفقيراً... هذا الشعب أصبح عديدا بعد أن كان زهيداً، ومجموعاً بعد أن كان متبدّداً، ونشيطاً بعد أن كان خاملاً وهو محسود الآن بعد حال يرثى لها... أيها الرعاة الزملاء الأحباء! ها أنذا والأولاد الذين أعطانيهم الله، بهم أتحفكم... أمام الملائكة والبشر... لتعرفوا أننا فقراء ونغني كثيرين... إذا كان عملي يستحق المديح فشكراً لله... ما طمعت في شيء من هذا الشعب... ولا أحزنت الكنيسة في أمر ما... حفظت الكهنوت نقياً بغير دنس... إن كنت قد شُغِفتُ بالسلطة والمركز، أو بسمو العروش والكراسي... أو غرّني توطّؤ أعتاب الملوك فلأُحرَم من كل مجد في الآخرة... فإذا كانت لي غاية من خدمتي، وإذا كان لي حق في المكافأة على أتعابي فكافئوني مشكورين جداً بإعفائي وإراحتي من تعبي الطويل... أكرموا غربتي ورحيلي. نصِّبوا غيري في مكاني. نصّبوا من عنده الاستعداد لأن يُضطهد من أجلكم ويداه طاهرتان وكلامه متزن...
أما أنا فعاينوا جسدي ووفاضي وما أنا فيه من الوهن والضعف والانحلال... أعييت وتعبت مقاوماً كلام الحسّاد الأعداء والأخصّاء. فبعضهم يقرع الصدر ويصرف الأسنان، وهو أقلّ خطراً لأن اتقاء العدو الظاهر غير عسير. وأما العدو غير الظاهر فأضرّ وأفتك... الشرق والغرب انقسما جهتين متعارضتين... محبة الخصام تقذف بنا على التوالي من حال إلى حال... اليوم نتحزّب ونتعصّب لهذه الجهة حسب تلقين زعمائنا، وغداً تهبّ ريح معارضة فتبدّل الأهواء والاتجاهات... كم من مسيء إلينا محسوب علينا؟!... أية مصائب لم نكابد... على يد الآريوسيين... ألم نشهد الإهانات والتهديدات والطرد... وإحراق الكهنة على البحر... ألم نرّ الهياكل ملطّخة بدم القدّيسين، وبعضها تحوّل إلى مقابر... ألم نرى الجمهور يذبح الكهنة والأساقفة... ألم يكن التجوّل ممنوعاً على الأرثوذكسيين وحدهم... ألم نُطرد من الكنائس... ونلاحق حتى في البراري... وماذا كان بعد ذلك؟ صرنا أقوياء والظالمون انهزموا! لكن الحسد ضدّنا ظهر أفظع من هذا وأنفذ والكنيسة تضطرب من الداخل. فإذا كنت أنا يونان المسبّب هيجان البحر والعاصفة والمهدِّد بخطر الغرق فاطرحوني في قلب اليم ونجّوا السفينة من الغرق وأعيدوا السكينة والراحة إلى الكنيسة...
ربما أُلام أن ليس عندي مائدة غنيّة بالمآكل ولا ثياب لائقة بالرتبة ولا أبّهة الظهور ولا عظمة الوجاهة والتصرّف. لم أكن أعلم إنه يلزمني أن أعاشر القناصل والولاة... وكل أولئك الذين لا يدرون أين يبذّرون غناهم. لم أعلم إنه كان ينبغي لي أن أعيش الترف من مقتنى المساكين وأتخم معدتي بالمآكل. لم أعلم إنه يجب أن أركب العربات المذهّبة تجرّها الجياد المطهّمة، وأن أُلاقى واُستقبل بخضوع وخنوع... فإذا كنتم قد استثقلتم شيئاً من هذا... فنصّبوا عليكم آخر يرضى الشعب عنه. أما أنا فأعيدوا لي حرّيتي وبرّيتي وربّي... الوداع أيها الشرق والغرب... حبذا لو اقتفى أثري وابتعد ابتعادي ولو قليل من الرؤساء... المبتعدون عن الكراسي لهم الله وما يعد به من عروش عالية أعلى بكثير من عروش العالم وأسلم من الخطر...
أيها الأبناء تمسكوا بالعادات الشريفة والتقاليد التي تسلمناها.
نعمة ربّنا يسوع المسيح معكم أجمعين.
أيامه الأخيرة:
سنوات قدّيسنا الأخيرة من حياته قضاها في أرينزة يكتب الرسائل والشعر ويدافع عن الإيمان من وقت لآخر، ويتابع، بأمانة، الصلاة والممارسات النسكية قدر طاقته. كان أحياناً يغور في أحد الكهوف ينام على المسوح ويصادق الحيوانات. وقد أوصى بكل ما بقي له للفقراء. أما وفاته فكانت في السنة 389 أو 390م عن عمر ناهز الستين.
كيف كانت هيأته؟
كان حيوياً قصير القامة، أصلع، ذا لحية ورموش حمراء، متجعّداً، يعاني من الأوجاع بصورة شبه متواصلة، مضنى من الأسهار والأصوام، فقيراً، رثّ الثياب. يتكلّم بعفوية. قاطعاً في كلامه. لا يخشى أحداً. ساخراً بشكل غير منضبط. هو الوحيد الذي كان يسخر من باسيليوس أحياناً. وكان حاد الطبع متجهّم الوجه لا تسرّه صحبة أكثر الناس. يميل إلى الابتعاد عن العالم بشكل حاد. وكان شاحب الوجه، له ندب فوق عينه اليمنى. بقي يقرأ ويكتب طيلة أيامه. هو أول شاعر مسيحي بمعنى الكلمة وكان يكتب النثر ملائكياً. أحبّ الله أولاً، ثم البلاغة، ثم الناس، بهذا الترتيب.
نُقلت رفاته، بعد قليل من موته، إلى القسطنطينية حيث بقيت إلى زمن الصليبيين الذين سرقوها إلى رومية سنة 1204م. وهي اليوم في الفاتيكان، في كنيسة القديس غريغوريوس التي صمّمها مايكل أنجلو.
طروبارية باللحن الأول
إن المزمار الرعائي لتكلمكَ في اللاهوت، قد قهر أبواق الخطباء وغلبها، فبما أنك التمستَ أعماق الروح قد أُضيف إليكَ حسن النطق أيها الأب غريغوريوس، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.
قنداق باللحن الثالث
أيها المجيد لقد حللتَ بلسانكَ المتكلم بالإلهيات، اشتباكات الخطباء، فزينتَ الكنيسة بحلَّة استقامة الرأي المنسوجة من العلاء، فإذ قد تسربلَتها فهي تصرخ معنا نحو أولادكَ قائلةً: السلام عليكَ أيها الأب, ذو العقل السامي المتكلم باللاهوت.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (26 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(26 كانون الثاني)
* القديس كسينونون البار مع زوجته مريّا وولديه أركاديوس ويوحنا *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2026.jpg
القديس البار كسينوفون ورفقته
(القرن 6م)
كسينوفون هو أحد رجال المشيخة المعروفين في مدينة القسطنطينية، أيام الإمبراطور البيزنطي يوستينيانوس الأول (527-565م). زوجته مريّا، امرأة فاضلة، وله ولدان أركاديوس ويوحنا. نعم الصبيّان بفرص تعليمية جيّدة يسَّرها لهما وضع العائلة. فلما بلغا أرسلهما والدهما لتلقّي العلم القانوني في مدرسة بيروت الشهيرة، في تلك الأيام. ولم يمرّ على ذلك زمان قصير حتى مرض كسينوفون وشارف على الموت، فاستدعى ولديه. ولكن، وبصورة غير متوقّعة، استعاد كسينوفون عافيته، بنعمة الله، فركب الشابان البحر من جديد طالبين بيروت. في الطريق، ضربت المركب عاصفة مجنونة فتكسّر. وإذ لم تكن إرادة الله أن يهلك الصبيّان، نجيا، ولكن وُجد كل منهما في موضع لا يدري به أخوه، وظنُّه أن أخاه قضى وهو وحده باق على قيد الحياة. ليس الموضع الذي انكسر فيه المركب ونجا إليه الأخوان محدّداً بدقة. في بعض المراجع إن ذلك حدث في نواحي صور. ولكن ورد عندنا إن الموضع هو رأس الشقعة، مقابل دير النورية، ولعلّ هذا هو الأصح جغرافياً.
أنّى يكن الأمر، فإن أحدهما، يوحنا، ترهّب في أحد أديرة لبنان، فيما انتقل الثاني، أركاديوس، إلى الأرض المقدّسة حاجّاً، وهناك التقى شيخاً قدّيساً له موهبة التبصّر، فاحتضنه وطمأنه إلى أخيه ووالديه ووعده بأنه سيلتقيهم، بنعمة الله، في الوقت المناسب، ثم أخذه ورهبنه في دير القدّيس خاريطون، المدعو سوقا، جنوبي بيت لحم وغربي البحر الميت.
ومرّت سنتان لم يتلقّ كسينوفون خلالهما أية رسالة من ولديه فانشغل باله وأوفد أحد خدّامه يستطلع حالهما. بلغ الرسول بيروت وسأل عن الشابين فلم يجدهما ولا أخبره أحد عنهما شيئاً فترك إلى أثينة وهو يضرب أخماساً بأسداس. وإذ حدث، بتدبير الله، إن نزل خاناً، التقى أحد الخدّام السابقين للشابين وكان في حلّة رهبانية. فأخبره الراهب بأن المركب غرق وإنه هو صار راهباً ولا يعرف من أمر يوحنا وأركايوس شيئاً. أغلب الظن أنهما هلكا في البحر.
عاد الرسول إلى القسطنطينية وأطلع مريّا على ما اجتمع لديه من معلومات فاضطربت، لكنها أمسكت نفسها لأنها امرأة مؤمنة تعرف أن تلقي حملها على الله. فلما عاد كسينوفون، زوجها، عند المساء وعلم بعودة خادمه طلب أن يرى الرسالة التي لا بد أن يكون قد حملها معه. فانفجرت ماريّا بالبكاء وأخبرته بأن ولديها غرقا في طريق عودتهما إلى بيروت، منذ سنتين. فصمت كسينوفون من هول المفاجأة، ثم تنهّد وقال: "الرب أعطى والرب أخذ فليكن اسم الرب مباركاً!" (أيوب21:1).
في تلك الليلة لبس الزوجان المسوح وأقاما في الصلاة طول الليل.
في الصباح الباكر جاءهما حلم رأيا فيه ولديهما واقفين أمام المسيح ورأس كل منهما مزيّناً بالذهب والحجارة الكريمة. على الأثر قرّرا الحجّ إلى الأماكن المقدّسة في فلسطين.
بلغ كسينوفون ومريّا أورشليم فالتقاهما الشيخ القدّيس الذي التزم أركاديوس راهباً، وعرفهما بالروح، فقال لهما عن ابنيهما أنهما ما زالا على قيد الحياة وسوف يلتقيانهما بعد عودتهما من زيارة أديرة الأردن. وإذ لم يفصح الشيخ أكثر من ذلك ترك الأبوين بين مهابة ورجاء. الشيخ، فيما يبدو، كان معروفاً من الكثيرين.
في تلك الأثناء خرج يوحنا من ديره طالباً وجه الأرض المقدّسة حاجّاً، وكذا فعل أركاديوس، فالتقيا في الجلجثة عند الشيخ الذي جاءاه مستبرِكَين مسترشّدَين. ثم بعد يومين عاد كسينوفون ومريّا ورغبا في زيارة الشيخ. فلما وصلا إلى هناك لاحظا شابين، هما اللذان قاما بخدمة المائدة، وكان هذان الشابان لطيفين، هادئين، متماسكين، فلم يعرفاهما لأنهما كانا قد تغيّرا من النسك والسهر وأتعاب الرهبنة. فلما سأل الأبوان عن الشابين من يكونا ومن أين أتيا عرفا أنهما ولداهما فانفجرا فرحاً وشكرا الله جزيلاً على لطفه وتدبيره.
ثم إن الأخوين خرجا، برفقة الشيخ، بعد حين، إلى الصحراء ليتمِّما نذرهما، فيما وزّع الزوجان ثروتهما على الفقراء وترهّبا.
وقد أتمّ الأربعة سعيهم رهابين إلى أن تكمّلوا في الفضيلة وانضمّوا إلى معشر القدّيسين.
طروبارية باللحن الرابع
يا إِله آبائنا الصانع معنا دائماً بحسب وداعتك،لا تُبعد عنا رحمتك، بل بتوسلاتهم دبّر بالسلامة حياتنا.
قنداق باللحن الرابع
لقد سهرتَ في ديار السيّد أيها المغبوط، موزعاً ثروتكَ على الماسكين ببشاشةٍ، مع زوجتك وولديك، فلذلك قد ورثتم النعيم الإلهي.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (27 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(27 كانون الثاني)
* نقل جسد القديس يوحنا الذهبي الفم *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2027.jpg
تذكار نقل رفات أبينا الجليل في القدّ يسين يوحنا الذهبي الفم إلى القسطنطينية
(438م)
بعدما رقد القدّيس يوحنا الذهبي الفم في منفاه في كومانا الكبّادوكية، ووري الثرى بقرب القدّيسين الشهيدين باسيليسكوس ولوقيانوس هناك كما كانا قد كشفا له في الحلم قبل وفاته بقليل. ولم تمرّ سنة على ذلك، أي في العام 408م، حتى توفي الإمبراطور البيزنطي أركاديوس وزوجته أودكسيا واعتلى العرش ثيودوسيوس الصغير. الإمبراطورة أودكسيا هي التي كانت وراء نفي القدّيس يوحنا إلى تلك الأصقاع. إثر ذلك أخذ أتباع القدّيس وأنصاره يستعيدون كراسيهم واعتبارهم بصورة تدريجية. البطريرك الإسكندري ثيوفيلوس الإسكندري كان لهم بالمرصاد وأبقى، هو وأتباعه، الوضع مشدوداً، أولاً لمناهضته للقدّيس يوحنا، وبالتالي لمن ينتمي إليه، وثانياً محاولة منه للاستئثار بالكلمة الفصل في شؤون الكرسي القسطنطيني. حالة التضاد هذه دامت إلى أن تولّى سدة البطريركية البطريركية القسطنطينية بروكلس (20تشرين الثاني) الذي كان أحد تلامذة الذهبي الفم.
وقد تمكّن القدّيس بروكلس من إقناع الإمبراطور بصوابية استقدام رفات معلّمه إلى القسطنطينية من كومانا. فلما خرج المرسلون والجنود إلى هناك لنقل الرفات واجهتهم مشكلة لم يتمكّنوا من معالجتها. بدا كأن النعش ملتصق بالأرض. تعذّرت زحزحته رغم كل المحاولات. كأنما القدّيس أبى أن يغادر المكان. لماذا؟ كانت ثمة عقبة! ولم يلبث الإمبراطور ثيودوسيوس الصغير أن شعر إنه هو السبب وإن الذهبي الفم غير راض عنه لأنه لم يبد عن والديه لا توبة ولا اتضاعاً كافيين. لذا لجأ إلى أسلوب كان القدامى يتبعونه، فيما يبدو، تعبيراً عن توبتهم وحسن نواياهم حيال الراقدين.
فكتب رسالة إلى القدّيس يوحنا، كما لو كان حيّاً في الجسد، سأله فيها العفو والمسامحة لما اقترفه والداه حياله ورجاه أن يقبل العودة إلى المدينة المتملّكة لسرور وعزاء الكثيرين من الذين طال انتظارهم له بشوق كبير. فلما حمل الموفدون الرسالة ووضعوها على صدر القدّيس انحلّت المشكلة وتزحزح النعش فأمكن نقله إلى القسطنطينية بسهولة.
نقل النعش من كومانا بإكرام عظيم. فلما بلغ الموكب خلقيدونية، غطّى الشعب المياه الفاصلة بين خلقيدونية والمدينة المتملّكة في مراكب مزيّنة ومضاءة بالمشاعل حتى بدت كأنها اليابسة. فجأة هبّت عاصفة هوجاء اربكت السفن الملكية ومالت بالسفينة التي كانت تقلّ النعش إلى نقطة من البرّ استقرّت فيها وأبت أن تتزحزح. فلما استطلع المعنيّون الأمر تبيّن لهم أن هذه البقعة من الأرض تخصّ امرأة أرملة اسمها كاليتروبي فرغبت فيها الإمبراطورة أفدوكسيا ووضعت عليها اليد بالقوة. ولكن انتصر الذهبي الفم للأرملة فحقدت عليه الملكة، ولما سنحت لها الفرصة أبعدته إلى كومانا.
على الأثر صدر أمر بإعادة الأرض إلى الأرملة. إذ ذاك فقط هدأ عجيج البحر وتابعت السفينة الملكية سيرها بسلام.
أخيراً وصل النعش إلى القسطنطينية فأدخل أولاً كنيسة القديس الرسول توما في أمنتيوس. هناك كانت أودكسيا الإمبراطورة مدفونة وكان ضريحها عرضة للاهتزاز المتواصل لعشرين سنة خلت. فلما دخل نعش الذهبي الفم استكان ضريح أودكسيا.
بعد ذلك أُدخل النعش إلى كنيسة القديسة إيريني حيث أُجلس القدّيس على العرش وصرخ الشعب بفرح عظيم: "استعدْ عرشك يا قدّيس الله!".
أخيراً بلغ النعش كنيسة الرسل القدّيسين حيث مدافن الأباطرة والبطاركة. فلما أجلس القدّيس، هنا أيضاً، على العرش الأسقفي سُمع صوته يقول: "السلام لجميعكم!". وقد جُعلت الرفات تحت المائدة وأقيمت الذبيحة الإلهية فجرت بالرفات عجائب جمّة.
طروبارية باللحن الثامن
لقد أَشرقت النعمة من فمكَ مثل النار، فأنرتَ المسكونة، ووضعتَ للعالم كنوزَعدم محبة الفضة، وأَظهرتَ لنا سموَّ الاتضاع، فيا أيها الأب المؤدّب بأقوالك، يوحنا الذهبي الفم، تشفع إلى الكلمة المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.
قنداق باللحن الأول
إن الكنيسة الموقرة قد ابتهجت سرياً، بنقل جسدك الموقَّر، وأخفته كذهبٍ ابريزٍ كثير الثمن، إذ يمنح بغير فتورٍ المادحين لكَ, نعمة الأشفية، بشفاعاتكَ يا يوحنا الذهبي الفم.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (28 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(28 كانون الثاني)
* القديسان الباران أفرام وإسحق السوريين *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2028.jpg
القديس البار أفرم السرياني
(+373م)
شهدوا له:
كثيرون من القدامى تحدّثوا عن البار أفرام أو امتدحوه. أبرز هؤلاء القدّيس غريغوريوس النيصصي في مديحته الخاصة به. باسيليوس الكبير شهد له وكذلك الذهبي الفم. بلاديوس وثيودوريتوس وسوزومينوس امتدحوه. فوتيوس الكبير اعتبره معلّم المسكونة الإلهي والقدّيس سمعان المترجم كتب سيرة حياته. غريغوريوس النيصصي أسماه "القديس أفرام" ولقبه بـ "فرات الكنيسة الروحي" ودعاه "أبانا العظيم" و"قدّيسنا المشهور" و"النبي الفائق" و"المعلم أفرام"، وتجرّأ فجعله بجانب "أعظم المولودين في النساء" و"وسيط عهد الناموس والنعمة".
معلوماتنا بشأنه نستقيها، بصورة أساسية، من مؤلّفاته ومن كل ما قيل عنه، لاسيما من مديحة النيصصي
أوائله:
المعلومات الموثوقة عن حياته محدودة. اسمه معناه "الخصب". ولد في نصيبين على ضفاف نهر دجلة، أو ربما في جوارها، لعائلة فقيرة حوالي السنة 303م، زمن الإمبراطور ذيوكليسيانوس قيصر. أكثر من مقال ورد في شأن والديه. قيل إنهما كانا تقيّين ومعترفين بالمسيح، وقيل كانا من نسل الشهداء، وقيل أيضاّ بل كان أبوه كاهناً وثنياً. فلما مال الصبي إلى المسيحية طرده أبوه من المنزل العائلي فلجأ إلى يعقوب، أسقف نصيبين، الذي أنشأه على محبّة الفضيلة والتأمّل في الكتاب المقدّس.
جهالاته:
يُستدل من اعترافات القدّيس أنه سلك في شبابه نظير أقرانه. لم يكن يطمع في القداسة ولا كان له مثل يحتذي به. همّه كان أن يعمل ويأكل من عرق جبينه وأن يكون له صيت حسن بين الناس. كان يباهي بأنه من الشباب المفكّر ويجاهر برأيه في العناية الإلهية أن لا شأن لها في تدبير الكون، وكل ما يحدث لا يتعدّى كونه وليد الاتفاق وناتج الأقدار الطبيعية.
ولكن، حدث له، بتدبير الله، ما سفّه رأيه وفتح عيني قلبه على طرق القداسة وخدمة القريب.
فلقد طارد يوماً بقرة أحد المساكين لأنها دخلت حقله، ففرّت من أمامه فتبعها، فدخلت في الوعر، وقيل افترستها الوحوش. ونام أفرام عن البقرة ولم يعوِّض على صاحبها، ولا اعتبر نفسه مذنباً بشأنها. ولمّا يمضِ شهر على ذلك حتى جرى القبض عليه متّهماً بسرقة قطيع أضاعه الأجير المكلّف به الذي اتفق مرور أفرام بموضعه ساعة وصول الشُرط إليه. فألقي في السجن ريثما تجري محاكمته. هناك التقى عدداً من المساجين كلّهم متّهم بما لم تقترفه يداه. وإذ شعر بضيق عظيم لأنه ألفى نفسه والمساجين الآخرين متّهمين ظلماً بما هم منه براء، بات على وشك إصدار حكم على الله أنه لا عدالة في الأرض تُرتجى والأمور تجري اتفاقاً ولا علاقة لله بها. وغفا متكدِّراً. فجاءه في الحلم صوت يقول له: إذا كنتَ بريئاً من هذا الجرم، يا أفرام، أفأنت بريء من غيره من الذنوب؟ فتذكّر أفرام العجلة وعرف ذنبه فاستغفر ربّه. فلما صحا، في اليوم التالي، أخذ يسأل المساجين واحداً واحداً عما سلف من سيرتهم فتبيّن له أن على كل واحد منهم ذنباً وذنوباً لم يؤدّ عنها الحساب، فتيقّن إذ ذاك أن ما ظنّه يصيب الناس في حياتهم ظلماً هو تأديب عن معاص سبق لهم أن ارتكبوها ولمّا يُجازوا عنها. إذ ذاك أدرك أن ما يحدث للناس لا يحدث لهم اتفاقاً وليس الكون من دون مدبّر يرعى شؤونه ويسهر على كل صغيرة وكبيرة فيه وإن كان لله في أحكامه شؤون غير ما لأحكام الناس وما هم عنه غافلون. فأخذ، وهو بعد في السجن، يرجو الله بدموع أن يعفو عنه واعداً إيّاه بإصلاح سيرته لو نجّاه من هذا البلاء المبين. وكان أن أُطلق سراحه فخرج واعتمد لأنه لم يكن قد صار مسيحياً إلى ذلك الحين. وإذ انطبع الخوف من السجن والقضاة في نفسه كما بنار وبات واثقاً من عدالة ربّه وضعفه هو وفداحة خسارته إن لم يلحظ نفسه ويحرص على نقاوة سيرته، زهد وخرج فنسك في القفار وأضحى للتائبين معلّماً وللمتهاونين منخساً. وله تُنسب صلاة التوبة التي طالما ردّدها المؤمنون في الكنيسة على مدى الأيام: "أيها الرب وسيّد حياتي أعتقني من روح البطالة والفضول وحبّ الرئاسة والكلام البطّال. وأنعم عليّ أنا عبدك الخاطئ بروح العفّة واتّضاع الفكر والصبر والمحبّة. نعم يا ملكي وإلهي، هب لي أن أعرف ذنوبي وعيوبي وأن لا أدين إخوتي فإنك مبارك إلى الأبد آمين". كان قد بلغ من العمر، آنذاك، حدود الثامنة عشرة.
رهبنته:
هزّت رؤى الدينونة العتيدة أعماق أفرام فهرب من العالم وهموم العالم سالكاً في ما قاله مرنّم المزامير: "هاأنذا ابتعد هارباً و آوي إلى القفار" (المزمور54). همّه، على حدّ تعبير النيصصي، بات موجّهاً لنفسه والله. هكذا تقدّم في اكتساب الفضيلة. "كان يعلّم أن حياة البرّية تحرِّر الراغب فيها من صخب العالم الباطل، وتجعله كليم الملائكة عن طريق السكينة وترفع ذهنه باستمرار إلى الرؤى الإلهية".
لم تكن لحميّته في النسك حدود: نوم على الأرض وصوم لأيّام بكاملها وسهر في الصلاة أكثر الليل وعمل وتعب في النهار. كان قانوناً في كل أديرة مصر وبلاد ما بين النهرين أن يبذل النسّاك أتعاباً جزيلة جزاء توبتهم وتكفيراً عن معاصيهم السالفة. وكان عليهم أن يقدّموا عن ذلك حساباً في نهاية كل أسبوع. أفرام انضمّ إلى شيخ مبارك اسمه يوليانوس وتتلمذ عليه. ولكن كان العمل اليومي مقروناً بالصلاة. فكان على كل راهب أن يحفظ كتاب المزامير عن ظهر قلب. أما ما يحصّلونه فوق ما يحتاجون إليه فكانوا يوزّعونه على الفقراء. الفقر عندهم كان التزاماً. لما قربت ساعة رحيله إلى السماء قال: "لم تكن لأفرام محفظة ولا عصا ولا كيس مطلقاً. ولا امتلكت في حياتي شيئاً من الذهب أو الفضّة لأني سمعت الملك السماوي يقول لتلاميذه أن لا يقتنوا شيئاً على الأرض. لذا لم أرغب بشيء بل ازدريت المجد والمال ومِلت إلى العلويات...".
وكان أفرام بطبعه غضوباً، لكنه عرف، بنعمة الله والانتباه والجهد المتواصل، أن يحصِّل الوداعة حتى سرى عليه لقب "رجل الله الوديع المسالم". نقل عنه النيصصي قوله قبل موته بقليل: "لم أُهن الله في حياتي كلّها ولم يصدر عن شفتيّ كلام طائش ولا أسأت مطلقاً لأي من المؤمنين ولا تشاجرت البتّة مع أيّ منهم". في تعاطيه مع الخطاة المعاندين كان لا يلجأ سوى للبكاء والاستعطاف. مرة أمضى في الصوم أيّاماً، فجاءه أحد الإخوة بقدر فيه خضار مطبوخة ليتشدّد. ولكن قبل أن يصل الأخ إليه بقليل تعثّر في مشيته ووقع القدر من يديه وانكسر فاضطرب ولم يدر ماذا يعمل. فبادره أفرام بمحبة ووداعة: "ما دام طعامنا لم يأتِ إلينا فلا بأس أن نذهب نحن إليه!" ولما قال هذا قام وانطرح على الأرض بجانب القدر المكسور والطعام المهدور وأخذ يلتقط منه ما تيسَّر ويأكل.
قال عنه النيصصي: إنه توصّل إلى اكتساب طهارة نفسية وجسدية إلى حدّ فائق لا يمكن للطبيعة البشريّة أن تصل إليه، ولم يسمح لنفسه أن تميل عن سيادة الأفكار القويمة الصافية. "كان كملك روحي يتحكّم بقواه النفسية ويشعّ ببهاء كليّ بحضوره الجسدي".
ومن أبرز ما اختصّه به ربّه لنقاوة طويّته وعمق توبته وحفظ نفسه بريئاً من الدنس موهبة الدموع. كان يبكي لخطاياه وخطايا العالمين باستمرار. لا جفّت دموعه لا في ليل ولا في نهار. وكما يبدو طبيعياً للناس أن يتنفّسوا، على حدّ تعبير النيصصي، كانت دموع أفرام لا تنقطع.
وكان أفرام يعتبر نفسه أشقى الناس ويودّ لو يعامله الجميع كالسِقط. لذا كان لكلمات المديح في أذنيه وقع موجع. وكلّما طرقت أذنيه كلمة مديح تألّم وتغيّرت سحنته وانحنى إلى الأرض وتصبّب عرقاً وصمت صمتاً رهيباً وقطع لسانه الحياء. ولما حانت ساعة رحيله قال موصياً: "لا ترنّموا لأفرام ترانيم الجنّاز ولا تمدحوه ولا تدفنوه بسبان فاخرة ولا تحفروا لجسده قبراً خاصاً لأني اتفقت مع الله أن أستريح في مقبرة الغرباء".
عاش أفرام في برّية نصيبين سنين عديدة كان خلالها كأنه خارج الجسد وخارج العالم، على حدّ تعبير القدّيس غريغوريوس اللاهوتي. وقد تعرّض لاضطهاد عدد من الرهابين الفاترين. لكنه استعان بمثال يوليانوس معلّمه ونصائحه. كان معلّمه إليه عزاء وكذلك يعقوب أسقف نصيبين الذي احتضنه ورعاه وقدّمه وجعله رأساً للمدرسة اللاهوتية التي أسسها هناك.
من نصيبين إلى الرها:
وتعرّضت نصيبين لهجوم الفرس ومحاصرتهم لها فحافظ أفرام ويعقوب الأسقف، بصلاتهما، على المدينة. وقد ورد في سيرة القدّيس يعقوب (13كانون الثاني) إنه أصلح بصلاته سور المدينة بعدما انعطب وإن الله أرسل غيمة هائلة من البعوض أزعجت المهاجمين واضطرتهم إلى الانكفاء. لكن المدينة انتقلت إلى الفرس، فيما بعد، إثر معاهدة سلام أُبرمت بين الفرس والبيزنطيين سنة 363م وقضت بتسليم المدينة بعدما فشل يوليانوس الجاحد في حملاته ضد الفرس في عمق بلادهم. على الأثر انتقل أفرام إلى الرها، على طريق أنطا كية الهند، وأقام فيها، أو بجوارها، إلى آخر حياته، أي بين العامين 363 و373م. هذا إذا صدق أنه توفي سنة 373، لا 378م كما ورد في غير مكان.
جعل أفرام في نفسه، في انتقاله إلى الرها، أمرين، أن يسجد لرفات القدّيسين فيها وأن يلتقي إنساناً ينتفع من كلامه وإرشاده. لذا صلّى قائلاً: "أيها الرب يسوع المسيح، سيّدي، أعطني أن أصادف في الرها من يحدّثني بما فيه منفعتي". فلما دخل المدينة طالعته امرأة هوى وقفت أمامه وحدّقت فيه. فقال لها أفرام ليصرفها عنه: "كيف تجرئين يا امرأة أن تنظري إليّ بمثل هذا الإصرار والوقاحة؟ ألا تخجلين من نفسك؟! فأجابته: لست بمذنبة إذا نظرت إليك لأني خرجت من جنبك. أما أنت فخليق بك أن تحدّق في الأرض التي منها خرجت، لاسيما وأنت راهب تعتبر نفسك ميتاً في الجسد. فعليك ألا تحدِّق مطلقاً في الوجوه!" فلما سمع البار مقالتها فطن إلى حكمة الله وشكر المرأة ومجّد الله وانصرف.
وقيل، لما دخل أفرام المدينة حلّ، بصورة مؤقتة، في أحد البيوت حيث أقامت بجواره امرأة ناقصة الحشمة عزمت، بإيعاز من الشيطان، على الإيقاع به. فعرضت نفسها عليه فوافقها شرط أن يكملا فعل النجاسة وسط المدينة، أمام الجميع. فقالت له: أما تخجل، يا هذا، من الناس الذين سيهزأون بنا؟! فأجابها: تخجلين من الناس، يا شقية، ولا تخافين الله الذي يرى ما نعمل، في الخفية والعلن، ويعاقبنا عقاباً أبدياً شديداً فيما نستسلم نحن لمتع الخطيئة؟! فنفذ خوف الله إلى قلبها وتابت، وقيل ترهّبت وأرضت الله بسيرة حميدة.
هذا وذُكر أن أفرام تردّد، في الرها، على النسّاك المنتشرين في قفارها وتعلّم منهم وأن صيته انتشر فجاءه الكثيرون يطلبون الانضمام إليه، وإنه أسّس ديراً بجوار الرها وجعل فيه مدرسة لاهوتية اشتهرت، وصار أباً لمئات من النسّاك والرهبان.
معلّم وشاعر:
تمتّع أفرام بمواهب طبيعية فذّة أنماها وصقلها بالدرس والتأمل في الكتاب المقدّس وكتابات الآباء. وقد حباه ربّه بموهبة التعليم فأضحى واعظاً ومعلّماً ممتازاً. أتقن الكتاب المقدّس إتقاناً عظيماً. الينصصي تحدّث عن اشتعال لهيب الكتاب المقدّس فيه وإنه بشوقه للدراسة والتأمل ارتفع كلهيب سماوي وطالع العهدين القديم والجديد فنفذ إلى المعاني الإلهية أكثر من أي شخص أخر.
شرح أفرام، بدقّة، الكتاب كلّه من سفر التكوين إلى آخر سفر من عهد النعمة، كما نقل إلى النور أعماق الحقائق الإلهية غير المدركة. لم يرتشف من الكأس الروحية وحسب بل اقتبل أيضاً ما كان مفيداً من كتابات الحكمة العالمية. طالع، بشهادة النيصصي، التراث الأدبي واطلع على أبعاد معانيه، لكنه طرح جانباً ما كان غير نافع منه.
عرف أفرام السريانية بامتياز. كان سيّد الكلمة بكل معنى الكلمة. كتب في السريانية برشاقة نفّاذة ولياقة أخّاذة. طواعية الكلمة لديه كانت خارقة. انسابت الكلمات منه كالجدول الرقراق. وكان، كذلك، كنبع دفّاق. لم تكن له صعوبة في اللغة بل في كثافة الأفكار والصور التي أغدق بها عليه ربّه. لذا توسّل أن يمسك عنه ربّه عطية الأفكار الغزيرة المختارة: "هدّئ عني يا رب أمواج نعمتك!" قال هذا، بكلام النيصصي: "لأن لسانه كان يحوي بحراً شاسعاً من التعليم لا يمكنه التعبير عن أمواجه المتراكمة". مفاهيمه كانت واضحة شفّافة. أداؤه صاف ممتع. تكلّم بيسر وغزارة عجيبين وبأسلوب رشيق جامع مانع لا تكلّف فيه، مطعّم بحلاوة جزيلة وقوّة مؤثّرة ونبرة طبيعية وإحساس مرهف وعاطفة جيّاشة حتى كانت الكلمات تخرج من فمه مشحونة بقوة لا تُقاوم. كل هذا حمل النيصصي على تأكيد نفاذ أقوال القدّيس إلى كل قلب بالتسأل: "من هو ذاك الإنسان المتصلّب والقاسي القلب الذي سمع كلامه ولم يلن ولا حزن لخطاياه تاركاً قساوة طبعه؟ أم أي نفس بربرية أو أي شخص وحشي التصرّف سمع تعليمه ولم يصر للتو صالحاً، وديعاً فاضلاً؟ مَن مِن الذين ينشدون فرح الملذّات المادية تاركين الدموع جانباً إذا أنصت لكلامه لا يحزن ويبكي متذكّراً الجزاء الآتي؟...
أفرام والهرطقات:
عكف القدّيس أفرام على دراسة عقائد الكنيسة بدّقة. بتعبير النيصصي "كان البار أفرام قويم الإيمان، لا يخطئ أبداً في أمور العقيدة، كما نستنتج من كتاباته ومن رأي الكنيسة فيه". وقد هدى العديد من الوثنيّين إلى الإيمان وأصلح جمّاً من الهراطقة. دحض بدعة آريوس بشأن الألوهة وبدعة صباليوس القائلة بالآب والابن والروح القدس مجرّد ظواهر لإله واحد. كما طعن، بقوة، بمعتقد أبوليناريوس الذي طعن بإنسانية الرب يسوع الكاملة، وتصدّى لأتباع أفنوميوس الآريوسي الذي أكدّ لا مساواة الآب والابن في الجوهر. القدّيس إيرونيموس يوصي بكتاب أفرام ضد بدعة مقدونيوس الذي طعن بألوهية الروح القدس. ولم يقف أفرام عند هذا الحد بل تصدّى، بقوّة، للمرقيونية والمانوية والبردسانية التي تنكّرت لقيامة الجسد. يذكر أن بردسان وضع أناشيد ضمّنها قوله ونشرها بين الناس في الرها. وقد واجه أفرام هذا الأسلوب بأسلوب مثله فجعل التعليم القويم في أناشيد بديعة جرت على ألسنة الناس بيسر. ويذهب النيصصي في حماسه لأفرام، الذي أسماه "ابن الحقيقة"، إلى حدّ القول عنه إنه "تصدى لما يمكن أن يبذره الشيطان الشرّير من هرطقات لاحقة بفضل رؤياه النبويّة. كل ذلك يظهر في كتاباته النثرية والشعرية".
سيامته:
سيم أفرام شمّاساً وعُرف بشمّاس كنيسة الرها. من سامه؟ قيل القدّيس يعقوب، أسقف نصيبين، وقيل القدّيس باسيليوس الكبير. أمّا كهنوته فغير مؤكّد. ورد أنه سيم كاهناً في أواخر حياته. أمفيلوخيوس القدّيس، أسقف إيقونية، وكبريانوس الراهب المرنّم يشهدان لذلك، وربما النيصصي نفسه الذي قال عنه إنه: "كاهن اقتدى بذبيحة هابيل البار الأوّل". كما ورد أنه اختير للأسقفية فارتاع، ولفرط تواضعه تظاهر بالجنون وأخذ يركض ويصيح ويأكل في الشارع فتركوه واختاروا سواه.
أفرام وباسيليوس وبيوس:
يُشار إلى أن ثمة من يقول إن القدّيسين أفرام وباسيليوس التقيا. ذهب أفرام إلى باسيليوس، إثر رؤيا، برفقة مترجم من اليونانية وإليها، وسمعه وانتفع منه، وقيل أعطاه باسيليوس، بنعمة الله، أن يتكلّم اليونانية بطلاقة وسامه كاهناً. النيصصي قال إن أفرام جاء إلى قيصرية الكبّادوك بإرشاد الروح القدس فالتقى باسيليوس الكبير، فم الكنيسة وعندليب العقائد الإلهية الذهبي، وشاهد، بعين نفسه الثاقبة، حمامة قائمة على كتف القدّيس باسيليوس الأيمن تملي عليه الأقوال التعليمية وهو بدوره ينقلها إلى الشعب".
من جهة أخرى ورد أن القدّيس أفرام ذهب إلى القدّيس الأنبا بيوس (بيشوي)، المعيّد له عندنا في 2تموز، وتبادل وإيّاه كلاماً روحياً جميلاً، ثم عاد إلى دياره على سحاب الهواء.
محبّته وخدمته:
اتصف القدّيس أفرام بفضيلة محبّة القريب فأخذ على عاتقه مهمّة توزيع القمح على الفقراء في الرها لما حلّت بها المجاعة، وقيل رتّب مستشفى بثلاثمائة سرير لمعاينة المصابين. كما عزّى الغرباء والمساكين بأقواله الخلاصية وحثّ الأغنياء على فتح خزائنهم لإعانة المعوزين. وفي رأي النيصصي إن المحبة، التي هي أعظم الفضائل، قد اكتسبها المغبوط أكثر من أي شخص آخر.
كتاباته:
إنتاج القدّيس أفرام كان ضخماً. كتب بلغة شاعرية لا مثيل لها. شملت تفا سيره الكتابية أكثر أسفار العهدي العتيق والجديد. كما وضع مقالات ضدّ الهرطقات وترك أناشيد عن الفردوس والبتولية والإيمان والأسرار الكبرى للمخلّص وأعياد السنة. قسم كبير من أناشيده دخل في الكتب الليتورجية السريانية. وقد شهد آباء كثيرون لأهمية مؤلفاته حتى إن شروحه كانت تُقرأ في الكنيسة بعد تلاوة الكتاب المقدّس. كل هذا جعل الكنيسة تدعوه "قيثارة الروح القدس" و"معلم المسكونة". لم يصلنا من مؤلفاته إلا جزء ضئيل، وهو عبارة عن ستة أجزاء، ثلاثة منها باليونانية واللاتينية وثلاثة بالسريانية واللاتينية. قيل إنه وضع بالسريانية ثلاثة ملايين بيت من الشعر. وقد عُرفت باكراً في اليونانية مؤلفاته النسكية التي هي بمثابة تعاليم روحية للرهبان الذين عرفهم وعاش بينهم. ويلاحظ ارتباط تعاليمه الروحية الوثيق بالكتاب المقدّس الذي كان يورد آياته بتصرّف وغزارة ويسر في سياق كلامه.
رقاده:
كثيراً ما كان القدّيس أفرام يشعر بالأسى والسخط والاضطراب متى أدرك أن الآخرين يعاملونه كقدّيس أو متى عبّروا عن إكرامهم وتقديرهم له. فلما دنت ساعته أوصى تلاميذه وأصدقاءه قائلاً: "لا ترتّلوا الأناشيد الجنائزية في دفن أفرام ولا تؤبّنوه. لا تلفّوا جثتي في كفن غالي الثمن. لا تقيموا النصب لتذكاري. فقط خصّصوا لي مكاناً كما لسائح لأني سائر وغريب كما كان آبائي على الأرض". وإذ لاحظ إن البعض كانوا قد هيّأوا أغطية ثمينة لدفنه حذّرهم من أن يفعلوا وأشار عليهم بضرورة صرف الأموال لا على الأكفان بل على الفقراء. أحد الأغنياء أبى أن يسمع وعزم، في قلبه، على تنفيذ مأربه فاستبدّ به الشيطان ولم يتركه إلاّ بعدما صلّى عليه القدّيس وكشف له فكر قلبه وصرفه عما كان مزمعاً أن يقوم به.
كذلك اعترف القدّيس بكونه رجلاً خاطئاً بطّالاً وطلب من الحاضرين ألا يجعلوا رماده الآثم تحت المذبح ولا يأخذ أحد شيئاً من أسماله للبركة ولا يعامله أحد بكرامة لأنه كان خاطئاً و آخر الجميع. "بل ألقوا جسدي بسرعة على أكتافكم وارموني في المقبرة كأني السقط. لا يمدحنّني أحد لأني أخسّ الناس. ولكي تعاملوني كما استأهل ابصقوا عليّ. لو قُيِّد لكم أن تشتموا نتانة أعمالي لفررتم مني وتركتموني بلا دفن". كل المدينة اجتمعت عند بابه. الكل بكى وسعى للدنو منه ليسمع ولو نصيحة أخيرة من فمه. ثم توقّف أفرام عن الكلام واستمر في صلاته بصمت إلى أن أسلم الروح.
وقد حفظت مدينة الرها ذكره وأخذت تعيّد له بعد موته مباشرة. هناك، في عيده، يبدو أن القدّيس غريغوريوس النيصصي ألقى مديحته بناء لطلب شخص يدعى أفرام أسره الإسماعيليون وقيّدوه فاستجار بالقدّيس أفرام فأجاره.
يصور طويل القامة، محدودباً من ثقل الأيام، عذباً، جميل المحيّا، ذا عينين سابحتين بالدمع وفي نظرته وهيئته سمات القداسة.
طروبارية باللحن الثامن
للبرّية غير المثمرة بمجاري دموعك أمرعتَ، وبالتنهُّدات التي من الأعماق أثمرتَ بأتعابك إلى مئة ضعفٍ. فصرتَ كوكباً للمسكونة متلألئاً بالعجائب، يا أبانا البار أفرام، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.
قنداق باللحن الثاني
لما كنتَ قد سبقتَ فنظرتَ على الدوام ساعة الدينونة، فكنتَ تنوح بدموع التخشع، أيها البار أفرام، فأصبحتَ بأعمالكَ معلماً عاملاً، فلذلكَ أيها الأب الفائق العالم، أنت تُنهض المتوانين إلى التوبة.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (29 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(29 كانون الثاني)
* القديسون وديمتريوس الجديد الشهداء *
* نقل بقايا القديس إغناطيوس وأكيبسيماس *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2029.jpg
القديس الجديد في الشهداء ديمتريوس خيوس (+1802م)
ولد عام 1780م لعائلة تقية من خيوس. خرج شاباً إلى القسطنطينية ليعمل عند أخيه الأكبر فيها. خطب إحدى الفتيات هناك دون أن يقف على رأي أخيه. اغتاظ أخوه وطرده. هام على وجهه لا يعرف كيف يتدبّر. عضّه الجوع فتذكّر أن لأخيه ديناً على أحد زبائنه الأتراك الأغنياء. ذهب إليه وفي نيّته أن يأخذ المال لنفسه. لم يكن التركي في البيت. لاحظت الفتى ابنة الرجل فعرفته. وإذ كان قد أعجبها لأنه كان وسيم الطلعة استبقته وسعت إلى إغوائه فانغوى ووعدها بالتنكّر لدينه وإشهار إسلامه ليتزوّجها. بقي في القصر معها شهرين بمثابة سجين. لم يدعه الأتراك يذهب لأنهم كانوا يرونه حزيناَ فخافوا أن يعود عن قراره. أخيراً صحا ضميره وعرف عِظَم ذنبه فهرب في إحدى ليالي رمضان ولجأ إلى أحد المسيحيين من معارفه.
بكى وانتحب واعترف بخطيئته. جيء بأخيه ومعرّفه فاعترف بالخيانة لديهما. أعلن أنه يرغب في التكفير بدم الشهادة. دخل في صوم وصلاة بإشراف الكاهن المعرّف. أمضى عشرين يوماً بالكاد أكل خلالها شيئاً، ولم يعرف النوم وهو يبكي ويصلّي. أخيراً تلقّى في رؤيا تأكيداً أن الله قبله للشهادة فأخذ بركة معرّفه وتناول القدسات وخرج إلى القاضي التركي. جاهر بأنه يترك الإسلام ويتبع المسيح. ألقى عمامته الإسلامية أرضاً وأعلن أنه مستعد أن يتحمّل كل النتائج المترتبة على فعلته. جُعل في سجن مظلم رطب. كان يصلّي بتواتر. استجوبوه مرّات وضربوه بالسياط. لم تنفع محاولات استعادته. ثبت على إيمانه بعزم أكيد. جاءت المرأة التي أغوته وحاولت استعمال سلاحها معه من جديد، ولكن من دون طائل. خشي عليه المسيحيون في المدينة أن يكفر بالمسيح تحت التعذيب فجمعوا مالاً وكانوا مستعدين لافتدائه فعرف ووبّخهم وطلب أن يُوزّع المال على كنائس المدينة وأن يُصلّى له ليثبت في المواجهة إلى المنتهى. جاهد جهاد الأبطال. كان كالماس لا ينثلم. صمد أمام التعذيب وإغراءات الأتراك وغواية المرأة.
أخيراً لفظوا في حقّه حكم الموت. فلما حانت الساعة أبى أن تُعصم عيناه. ركع بهدوء ومدّ عنقه للسيف وهو يردّد: "أذكرني يا رب متى أتيت في ملكوتك!" قطعوا رأسه على مرأى من الناس، فتهافت عليه المسيحيون ليتبرّكوا منه رغم السياط التي نزلت بهم. هكذا انضمّ إلى ركب القدّيسين شهيد جديد.
طروبارية باللحن الرابع
شهيدكَ يا رب بجهادهِ، نال منكَ الإكليل غير البالي يا إلهنا، لأنهُ أحرز قوَّتك فحطم المغتصبين وسحق بأس الشياطين التي لا قوَّة لها، فبتوسلاتهِ أيها المسيح الإله خلص نفوسنا.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (30 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(30 كانون الثاني)
* الأقمار الثلاثة باسيليوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم وغريغوريوس اللاهوتي *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2030.jpg
تذكار جامع لآبائنا القدّيسين ومعلمي المسكونة
باسليوس الكبير وغريغوريوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي ويوحنا الذهبي الفم
يعود تاريخ هذا العيد إلى زمن الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس الأوّل كومنينوس (1081- 1118م). في تلك الأيام برز خلاف حاد في كنيسة المسيح في القسطنطينية بين المعلّمين بشأن آبائنا القدّيسين ومعلّمي المسكونة العظام باسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي ويوحنا الذهبي الفم.
تمحور الخلاف حول من هو الأبرز فيهم.
الفريق الأوّل أعطى الأسبقية لباسيليوس الكبير لأنه اعتبره أكثر الخطباء رفعة، متفوّقاً في الكلمة والعمل، ورأى فيه إنساناً ينقص قليلاً عن الملائكة، سويّ المزاج، لا يغفر الخطايا بيسر، وهو غريب عن كل ما هو أرضي. وقد عرف كيف يفسِّر أسرار الطبيعة كما لم يفسِّرها آخر. وهو منظّم الرهبانية وقائد الكنيسة برمّتها في صراعها ضدّ الهرطقة، وراع متنسّك متطلّب في شأن نقاوة السيرة. الذهبي الفم، في نظر هذا الفريق، يأتي دون باسيليوس لأنه رخو مع الخطأة وهو مستعد لأن يسامح بسهولة ويسر.
الفريق الثاني رفع شأن الذهبي الفم فوق سواه لأنه اعتبره أكثر الناس محبة، وأكثرهم فهماً لضعف الطبيعة البشريّة. وكخطيب مفوّه أرشد الجميع إلى التوبة عبر مواعظه الفيّاضة المحلاّة بالعسل. شرح الكلمة الإلهية وبيّن كيفية تجسيدها في الحياة اليومية بمهارة لا يدانيه فيها أي من الأبوين الباقيين. وهو متفوق في البلاغة. حسبه أنه "الذهبي الفم"!
أما الفريق الثالث فاعتبر القدّيس غريغوريوس اللاهوتي أرفع من سواه لعظمة لغته وصفائها وعمقها. وهو إذ ملك حكمة اليونان وبلاغتهم بلغ درجة من التأمّل في الله لم يعرفها أحد سواه ولا عبّر أحد غيره، بمثل هذا السمو، عن عقيدة الثالوث القدّوس.
ولم يبق الخلاف في مستوى المعلّمين والمفكّرين بل انتقل إلى عامة الشعب. برز ما يشبه الأحزاب. هذا باسيلي وذاك يوحنائي وذلك غريغوري. ونتجت عن الخلاف اضطرابات ومشاحنات أقلقت الكنيسة. إثر ذلك ظهر القدّيسون الثلاثة للأسقف يوحنا موروبوس، متروبوليت أوخاييطا. ظهروا لا في الحلم بل في رؤيا، أولاً كلاً على حدة ثم مجتمعين. قالوا له: "نحن متساوون أمام الله كما ترى. لا انقسام بيننا ولا تعارض. كل منا تعلّم، في زمانه، من الروح القدس، ثم كتب وتكلّم بما يوافق خلاص الناس. ما تعلّمناه سرِّاً أفضينا به للناس جهراً. ليس أول ولا ثان بيننا. فلو جئت على ذكر أي منا فإن الآخرين يتّفقان معه. لذلك مرْ المستغرقين في الجدل بشأننا أن يضعوا حداً للخلاف فيما بينهم فإننا كما كنا في الحياة نبقى بعد الرقاد مهتمّين بإحقاق السلام والاتفاق في كل أطراف المسكونة. لهذا السبب اجعل التعييد لنا في يوم واحد... وأعلم الناس إن لنا مكانة واحدة عند الله".
ولما قال الآباء الثلاثة هذا أخذوا يصعدون إلى السماء وهم يتلألأون بنور لا يوصف وينادون أحدهم الآخر بالاسم.
للحال عمل يوحنا الأسقف على جمع المتخاصمين وسعى، بطرقه الخاصة، وبما لديه من رصيد طيّب وصيت حسن، إلى وضع حدّ للخلاف فيما بينهم. وقد عيّن للقدّيسين الثلاثة عيداً واحداً جامعاً، كما طلبوا، في الثلاثين من كانون الثاني، بعدما جرى التعييد لباسيليوس الكبير في أول كانون الثاني ولغريغوريوس اللاهوتي في الخامس والعشرين منه وليوحنا الذهبي الفم في السابع والعشرين.
على هذا النحو فُضّ الخلاف ووضعت للمناسبة خدمة جليلة دونك منها هذا البيت: "من ذا الذي هو أهلٌ لأن يفتح شفتيه ويحرّك لسانه. نحو النافثين ناراً بقوة الكلمة والروح. لكني أتجاسر مقتصراً على وصفهم هكذا. إن هؤلاء الثلاثة قد فاقوا الطبيعة البشريّة بجملتها. بالنعم الغزيرة العظيمة وبالعمل والنظر. فتساموا بهاءً في كلا الأمرين. فلذلك قد أهّلتهم لمواهب عظيمة بما أنهم خدّام لك أمناء. أيها الممجَّد قدّيسيه وحدك".
طروبارية باللحن الأول
هلمّوا بنا لنلتئم جميعناً، ونكرّم بالمدائح الثلاثة الكواكب العظيمة، للاَّهوت المثلَّث الشموس، الذين أناروا المسكونة بأشعة العقائد الإلهية، أنهار الحكمة الجارية عسلاً، الذين روَّوا الخليقة كلها بمجاري المعرفة الإلهية، أعني بهم باسيليوس العظيم، وغريغوريوس المتكلم بالإلهيات، مع يوحنا المجيد الذهبي اللسان، لأنهم يتشفعون إلى الثالوث على الدوام من أجلنا نحن المحبين أقوالهم.
قنداق باللحن الثاني
لقد نقلتَ لراحتك يا رب والتمتع بخيراتك، الكارزينَ الأطهار، والناطقين بالإلهيات، وهامَ المعلمين، لأنكَ تقبَّلتَ أتعابهم ومشاقهم أفضل من كل محرقةٍ، أيها الممِجّد قديسيه وحدك.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (31 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(31 كانون الثاني)
* القديسون كيرُس ويوحنا وذيوذوروس وكلوديوس *
* وأثناسيّا وبناتها (ثيوذوتي وأفدوكسية وثيوكتيستي) الشهداء *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2031.jpg
القديسان الصانعا العجائب والعادما الفضّة كيرُس ويوحنا
(القرن 4م)
كان كيرُس مسيحياً تقياً في الإسكندرية يزاول مهنة الطب ويشفي النفوس موجّهاً إيّاها صوب المسيح. اعتاد أن يقول لمرضاه: "إذا أردتم اجتناب المرض فتحفّظوا من الخطيئة لأنه غالباً ما يكون المرض ثمرة الخطيئة". لم يكن كيرُس ليركن لعلم الطب والأدوية بقدر ما كان يهتم بشفاء الأجساد بوساطة الصلاة وإحياء النفوس التائهة في غياهب الوثنية بكلمة الله. وإذ حقّق نجاحات بارزة، وشى به وثنيّون لدى حاكم المدينة، وكان رجلاً قاسياً عنيفاً جعله ذيوكليسيانوس قيصر في منصبه ليلاحق المسيحيّين ويقضي عليهم. ولكن تمكّن كيرُس من الفرار واللجوء إلى أطراف العربية حيث اشتهر بأشفيته بمجرّد رسم إشارة الصليب على المرضى.
بلغ صيت كيرُس بلاد الرها فسمع بخبره جندي يدعى يوحنا فتحرّك قلبه وترك الجندية وخرج لينظمّ إليه. بحث عنه فعلم أنه عاد إلى مصر فسافر إلى هناك والتصق به وصار له تلميذاً ومساعداً. وقد سلك الاثنان كأخوين في الفضيلة وصنع العجائب.
وإذ اتسع نطاق الحملة على المسيحيّين علم الرفيقان أن سيريانوس الحاكم قبض، في كانوبي، على امرأة تدعى أثناسية وبناتها الثلاث ثيوكتيسته وثيودوته وأفدوكسيه اللواتي تراوحت أعمارهن بين الحادية عشرة والخامسة عشرة. فخاف القدّيسان، صانعا العجائب، على النساء الأربع أن يخُرن تحت التعذيب فقرّرا التوجّه إلى كانوبي لتشديدهن وتثبيتهن. وإذ تمكّنا من اختراق السجن حيث كن موقوفات افتضح أمرهما وقُبض عليهما واستيقا إلى أمام سيريانوس. فقرّر الحاكم، بعد الاستجواب، إخضاع الرفيقين للتعذيب أملاً في حمل النسوة الأربع على التراجع أمام المنظر. فلما أخذ في فعلته أبديا من الشجاعة والصمود ما ثبّت النسوة. إذ ذاك أخضعهن الحاكم للتعذيب، هنّ أيضاً، فتبيّن له إنه أخطأ التقدير لأن الأربعة كنّ راسخات وثبتن على الإيمان ككيرُس ويوحنا، فخاب ظنّه وأعطى الأمر بقطع رؤوس الجميع فنفّذ الحكم. أما أجساد الشهداء الستة فجمعها مسيحيّون أتقياء وأودعوها كنيسة القديس مرقص في الإسكندرية.
ولما أراد القديس كيرللس الإسكندري، في القرن الخامس الميلادي، القضاء على العبادة الوثنية في معبد إيزيس في كانوبي، التي دعيت فيما بعد أنباكير ثم أبوقير تيمّناً بالقديس، نقل إلى هناك رفات كيرّس ويوحنا اللذين جرى بهما جمّ من العجائب والأشفية. وقد تحوّل المكان، مع الأيام، إلى محجّة يقصدها المؤمنون من كل أقطار المسكونة. كما ورد أن عيني القديس صفرونيوس الأورشليمي شفيتا من داء ألمّ بهما إثر تدخّل القدّيسين. كيرُس رسم على الواحدة إشارة الصليب ويوحنا قبّل الثانية. وكعربون امتنان لهما اهتمّ القدّيس صفرونيوس بتسجيل أخبار عجائبهما في رسالة طويلة.
طروبارية باللحن الخامس
لقد منحتَنا عجائب قديسيك الشهداء، سوراً لا يُحاربَ أيها المسيح الإله، فبتوسُّلاتهم شتّت مشورات الأمم، وأيّد صوالج المملكة، بما أنك صالحٌ ومحبٌ للبشر وحدك.
قنداق باللحن الثالث
بما أنكما قد أحرزتما موهبة العجائب من لدن النعمة الإلهية أيها القديسان، فأنتما تصنعان المعجزات بغيرِ فتور، مزيلَينَ أمراضنا كلها بفعلِ قوَّة يدٍ غير منظورة، يا كيرُس المتألِّه العزم مع يوحنا الإلهي، فإنكما لا تزالان طبيبَين إلهيّين.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (1 شباط)
[FRAME="11 70"]
(1 شباط)
* القديس الشهيد تريفُن *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...ruary%2001.jpg
القديس العظيم في الشهداء إيليا الجديد
(+779م)
أصلَهُ:
أصلَهُ من بعلبك.كان حِرَفياً، ترك مسقط رأسه مع أمِّهِِ الأرملةالفقيرة وأخويه وقصد الشام.
عملُهُ:
عَمِلَ إيليا أجيراً لدى شخص سرياني، اعتنق الإسلام طمعاًبالسلطة والمال، حاول هذا السرياني المسلم أن يقنع إيليا بدخول الدين الإسلامي، لكي يبقيه معه لِما شهد فيه من الإخلاص والتضحية في العمل، ووعده بأن يعتقه ويجعله كابنٍ لهُ، لكنَّ إيليا رفض أن يكفر بمسيحِهِ.
محاولةُ أسلمة إيليا عنوةً:
لما فشِلَ السرياني بإقناع إيليا باعتناق الإسلام، حاول أصحاب هذا الأخير، أن يجعلوهُ مسلماً بالحيلةِ. ففي إحدى المسايا كان إيليا يتناول العشاء عند السرياني، وكان حاضراً أصحاب هذا الأخير فشرعوا يمرحون ويرقصون وإذ بهم يمسكون بيدي إيليا للرقص ويدورون، فحلَّ أحدهم زنَّارهُ وألقاه على ظهره فيما حلَّ إيليا الطرف الآخر من الزنار لكي لا يتعثر به من أجل الرقص. وانقضى الليل وأطلَّ الصباح فنهض إيليا باكراً وتزنَّر كعادتِه، ثمَّ غسل وجهه وهمَّ بالخروج إلى الصلاة. ولما سأله أحد المتآمرين عليه: إلى أين أنت ذاهب؟ أجابَ: للصلاة! إلاَّ أن إيليا سمع من محدِّثه كلاماً غريباً فَهِمَ منهُ أن حادث الزنَّار أثناء الليل كان معناه أنهُ أنكر المسيح، فلم يعرْ الموضوع اهتماماً جدياً، لأنَّهُ ظنَّ أن محدِّثه كان يمازحُهُ. فخرج إيليا من المنزل فصلَّى ثمَّ توجه إلى عمله كعادتِهِ، وإذ به يفاجأ بالسرياني يقول لهُ بأنَّهُ منع أصحابَهُ من أذيَّتِهِ لأنهُ - أي إيليا - بعد أن رفض المسيح استمرَّ على مسيحيَّتِهِ. إذ ذاك أدرك إيليا خطورة الحادث فاستشار أمَّه وأخويه فارتأوا أن يخرج على الأثر إلى السرياني ليأخذ ما لَهُ من أجرة عنده ثمَّ يعود إلى بعلبك. لكن السرياني أبى أن يسدِدَ ما عليه وأنذر إيليا، في المقابل، بأنه لن يسمح لهُ بمغادرة دمشق لأنهُ لم يعد مسيَّحياً. واحتدم الجدال بين الاثنين. وإذ كان السرياني جشعاً وكان همَّه الأول أن يبخس إيليا حقَّهُ تركهُ يذهب بعد أن تنازل هذا الأخير عمَّا له في ذمَّتِهِ.
وعاد إيليا إلى مسقط رأسه، بعلبك، فعمل في صناعة المحاريث وسواها. بقي فيها ثماني سنوات عنَّ بعدها على بالِهِ أن يعود إلى دمشق من جديد لأن فرص العمل والترقي فيها كانت خيراً من بعلبك. فانتقل إلى الشام لا يلوي على شيء واستأجر دكاناً وبدأ يعمل لحسابِهِ الخاص. حادثة الزنَّار بدت لناظِرَيه كأنما سقطت بمرور الزمان. وزاده يقيناً أن الأمر مضى وانقضى أن صاحبه السرياني الجاحد صادف أخويه بضع مرات ولم يأتِ على ذكرها البتَّة. على هذا باشر إيليا عملَهُ مطمئِن البال وأخذ يصنع الرحال للجمال والبرادع للدواب. ولم يمضِ وقتٌ طويل حتَّى شعر السرياني بإيليا مزاحماً له في صناعته، لاسيَّما وأنَّ دكانَهُ غير بعيد عن دكان إيليا كثيراً. فجاءهُ عارضاً عليه العودة إلى العمل عنده من جديد لقاء أجر فلم يوافقه, فذهب إلى ابن أحد المتآمرين على إيليا في حادثة الزنار، وكان عارفاً بما جرى، فأخذ شهادته لدى رجل من المتنفذين يُدعى "الليثي"، مدعياً أن إيليا سبق لهُ أن أنكر المسيح وقَبِلَ الإسلام ثمَّ عاد إلى نصرانيَّتِهِ. فأمر الليثي بإلقاء القبض على المتَّهم وإحضاره إليه. فلما وقف إيليا أمام الرجل سأله هذا الأخير أن كان قد سبق له أن جَحَدَ مسيحيَّتِهِ فأنكر. فقال لهُ: لنفرض أنك لم تكفر بدينك ولا جحدت مسيحَكَ، وأنا أدعوك إلى ذلك أفلا تفعل وتأتي إلى ديننا لتنعم بالكرامات والشرف الكثير؟ فأجاب إيليا: "لا سمح الله أن أفعل هذا ما حييت لأني أنا مسيحي ابن أبوين مسيحيين، وأنا مستعد أن أموت في سبيل إيماني" إذ ذاك أعلن الوالي أنه يقبل الشكاية عليه بناء لشهود الحال.
فشهد من شهد أن إيليا فعل ذلك حقاً، فأمر به الليثي فعرّي وأعمل الجلاَّد فيه جلداً لا هوادة فيه حتَّى سال دمه. كان الفتى يومذاك في العشرين من العمر، وكان الليثي يقول لهُ: "لا يخطرن ببالك أني سأطلقك قبل أن ترفض المسيح!". فأجاب إيليا بعزمٍ ثابتٍ أكيد: "إذن عليك بالضرب وعليَّ بالصبر والاحتمال!".
وبعدما أشبع الليثي إيليا جلداً أمر بإلقائِهِ في السجن فسُحِبَ برجليه مضرجاً بدمائِه. وقد تمكَّن أخواه من الوصول إليه فناشداه باكيين ألاَّ يكفر بمسيحِه مهما كلَّف الأمر، فزادهُ ذلك عزماً وتصميماً.
عرض الليثي أمر إيليا على محمد، رئيس الشرط، فتولىَّ هذا الأخير محاولة إقناع إيليا بالحسنى والمواعيد إن رفض المسيح. ولما فعل وجد إيليا صامداً لا يلين. وإذ أخبره أن الخليفة المهدي أمر بإنزال عقوبة الموت بكل من صار مسلماً فارتد، لم يلق لديه إذعاناً ولا ترداد بل عزماً وثباتاً على الإيمان.
واستمر الأمر على هذا الحال ردحاً, وكان جلاَّدو إيليا يأخذونه إلى غوطة دمشق ويعذبونه عارياً قي البرد والصقيع. وقد عرضوا عليه أن يقول ولو كلمة واحدة في الكفر بالمسيح فيُخلى سبيله فلم يذعن.
استشهادُهُ:
أخيراً حلَّ أول أيام شهر شباط وهو اليوم السابق لدخول السيِّد إلى لهيكل، فأمر الليثي جنديَّاً بالتظاهر بأنه سيقطع رأسَهُ. فركع إيليا منتظراً تنفيذ الحكم، فأثار الأمر غيظ الليثي فأمر بقطع رأسه بالفعل فأبى الجنود، فأحضر رجل فارسي أُعطي مالاً، عشرين من الفضَّة فقطع رأسَهُ. "هكذا سقط الشاب القديس ذبيحاً كالخروف". وبقي وجهُهُ محتفظاً بحيويَّةٍ مذهلة فهِمَ سِرَّها أحد الشيوخ الواقفين هناك وكان جاهلاً ما هو من أمر استشهاده فأخذ ينتف شعر رأسِه.
وأمر الليثي بأن يعلَّق جسد إيليا على صليب في البستان خارج "أبواب المدينة", وأقام عليه حُراساً لئلا يأتي المسيحيون فيسرقونه. وقد بقي الجسد معلقاً أربعة عشر يوماً كان المسيحيون والمسلمون يشتمّون رائحة طيب عجيبة تفوح من الجسد المعلق المفترض أن يكون قد أنتن. ولما علم الليثي بذلك أمر بإحراقِهِ حتى لا يأخذه المسيحيون ويبنوا على اسمه كنائس ويحتفلون بأعياد. ولكن إذ لم يكن الجسد ليُحرق قطَّعوه تقطيعاً وطرحوه في النهر. أما الشهيد فظهر لبعض المسيحيين ودلَّهم على مكان القطع فالتقطوا بعضها واحتفظوا بها، وكانت تصير بواسطتها عجائب جمَّة.
طروبارية باللحن الرابع
شهيدك يا رب بجهادهِ، نال منكَ الإكليل غير البالي يا إلهنا، لأنهُ أحرز قوَّتك فحطم المغتصبين، وسحق بأسَ الشياطينَ التي لا قوَّة لها. فبتوسلاتهِ أيها المسيح الإله خلصْ نفوسنا.
قنداق باللحن الثامن
أيها الدائم الذكر، لقد لاشيتَ بقوَّة الثالوث كثرة الآلهة من الأقطار، فصرتَ كريماً لدى الرب. وإذ قد غلبتَ المغتصبين بالمسيح المخلص، نلتَ إكليل استشهادكَ ومواهب الأشفية الإلهية، بما أنكَ غير منهزم.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (2 شباط)
[FRAME="11 70"]
(2 شباط)
* دخول ربَنا وإلهنا يسوع المسيح إلى الهيكل *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...ruary%2002.jpg
دخول ربَنا وإلهنا يسوع المسيح إلى الهيكل
اعتماد العيد:
الاحتفال بالعيد كان معروفاً في أورشليم منذ القرن الرابع الميلادي. أما ناشِرُهُ في كل العالم البيزنطي فكان الإمبراطور يوستنيانوس الأول حوالي العام 542م. في ذلك الحين على ما ورد، تفشَّى الطاعون في القسطنطينية والجوار وأخذ يحصد، كل يوم ما معدله خمسة آلاف ضحيَّة. كما ضرب زلزال رهيب مدينة أنطاكية. وإذا بدا أنَّه لا حول ولا قوَّة للعباد إلا بالله نادى الإمبراطور والبطريرك القسطنطيني بالصوم والصلاة في كل الإمبراطورية. فلما كان الثاني من شباط خرجت مسيرات في المدن والقرى تسأل عفو الله ورضاه، فانلجم الطاعون واستكانت الأرض. فشاع العيد على الأثر، وجرى تبنّيه في كل أرجاء الإمبراطورية. وكان ليوستنيانوس قيصر الفضل الأكبر في تعميمه.
عناصر تشكُّل العيد:
1-تطهير مريم لوضعها مولوداً ذكراً.
2-تقديم المولود الجديد للرَّب.
3- لقاء سمعان وحنَّة النبيين.
1- تطهير مريم لوضعها مولوداً ذكراً:
تطهير مريم هو واجبٌ اقتضتهُ الشريعةُ اليهودية، كون أن مريم هي يهوديَّةالديانة. والكلام على طهر المرأة إثر الوضع ورَدَ في سفر اللاويين (2:12- 8)، "أيَّة امرأة حبلت فولدت ذكراً تكون نجسة سبعة أيام، كأيام طمثها تكون أيام نجاستها، وفي اليوم الثامن تختن قلفة المولود، وثلاثة وثلاثين يوماً تظلّ في تطهير دمها لا تمسُّ شيئاً من الأقداس ولا تدخل المقدس حتَّى تتم أيامُ طُهرها....". وتأتي المرأة عند اكتمال أيامها إلى باب خيمة الموعد، إلى الكاهن بحَمَلٍ حولي في سنته الأولى، وكذا بفرخ حمام أو يمام. أما الحَمَلُ فللمِحرقة وأما فرخ الحمام أو اليمام فلذبيحة الخطيئة. "فيقربهما الكاهن أمام الرب ويكفرّ عن المرأة فتطهر من سيلان دمها". فإذا حدث أن كانت المرأة فقيرة ولم يكن في يدها ثمن الحمل، "فلتأخذ زَوجي يمام أو فرخي حمام، أحدهما محرقة والآخر ذبيحة خطيئة، فيكفرّ عنها الكاهن فتطهُر".
2- تقديم المولود الجديد للرَّب:
تقديم الوالدين بكرهما من الذكور للرَّب كان واجباً شرعياً."كُلٌُّ فاتحِ رحمٍ من كل جسد، من البشر. البهائم، يقدِّمونهُ للرَّب..." (العدد18: 15).
3- لقاء سمعان وحنَّة النبيين:
عند الحديث عن سمعان وحنَّة، لا بدَّ لنا إلاَّ أن نَصِفَهُم بنبيَّين, وذلكلأنهما تنبأ كلاماً نبويَّاً فذَّاً، وكانا شاهدين للرَّب يسوع بالرُّوح. بالرُّغم من أن موهبة النبوءةكفَّت في إسرائيل منذ زمن أنبياء العهد القديم وأنها لا تعود إلاَّ متى حلَّ زمن مجيء المسيح. والآن وقد أضحى المسيح فيما بيننا بشخص الرَّب يسوع المسيح، فنبوءة سمعان وحنَّة تبدو شهادة لهُ أنهُ هو المنتظر.
سمعان وحنَّة عيِّنة من تلك الفئة المدعوة "المنتظرين فداءً في أورشليم". الذين يعبدون بأصوام وطلبات ولا يفارقون الهيكل.
هكذا بهذه العناصر الثلاثة تكتمل صورة عيد دخول السيد إلى الهيكل، بكل معانيها التي تُظهر أن هذا الطفل المولود هو ابن الله المنتظر الذي سيُقدَّم فديةً وذبيحةً عن البشر للرَّب الإله وبه سيشرق النور لكلّ الجنس البشري. كذلك به تكتمل الشريعة القديمة, وتسمو بحلَّة جديدة تظهر كاملةً في الرَّب يسوع المتجسّد.
طروبارية باللحن الأول
إفرحي يا والدة الإله العذراء الممتلئة نعمةً، لأنه منك أَشرقَ شمسُ العدل المسيح إلهنا، منيراً الذينَ في الظلام، سرَّ وابتهج أنت أيها الشيخ الصديق، حاملاً على ذراعيكَ المعتق نفوسنا، والمانح إيانا القيامة.
قنداق باللحن الأول
يا مَن بمولدكَ أيها المسيح الإله للمستودع البتولي قدَّستَ وليدَي سمعان كما لاقَ باركتَ، ولنا الآن أَدركتَ وخلَّصتَ، احفظ رعيتَك بسلامٍ في الحروب، وأَيّد الملوكَ الذينَ أَحببتْتَهم، بما أنكَ وحدك محبٌ للبشر.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (3 شباط)
[FRAME="11 70"]
(3 شباط)
* القديسون ستاماثيوس الشهيد الجديد وحّنة النبية وسمعان الشيخ الصدّيق *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...ruary%2003.jpg
تذكار القديس سمعان الصدّيق القابل الإله وحّنة النبية
وكان رجل في أورشليم اسمه سمعان وهذا الرجل كان بارا تقيا ينتظر تعزية إسرائيل والروح القدس كان عليه. وكان قد أوحي إليه بالروح القدس انه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب. فأتى بالروح إلى الهيكل وعندما دخل بالصبي يسوع أبواه ليصنعا له حسب عادة الناموس. أخذه على ذراعيه وبارك الله وقال: الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام. لان عيني قد أبصرتا خلاصك. الذي أعددته قدام وجه جميع الشعوب. نور إعلان للأمم ومجدا لشعبك إسرائيل. وكان يوسف وأمه يتعجبان مما قيل فيه. وباركهما سمعان وقال لمريم أمه: ها إن هذا قد وضع لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل ولعلامة تقاوم. وأنت أيضا يجوز في نفسك سيف لتعلن أفكار من قلوب كثيرة. وكانت نبية حنة بنت فنوئيل من سبط أشير وهي متقدمة في أيام كثيرة قد عاشت مع زوج سبع سنين بعد بكوريتها. وهي أرملة نحو أربع وثمانين سنة لا تفارق الهيكل عابدة بأصوام وطلبات ليلا ونهارا. فهي في تلك الساعة وقفت تسبح الرب وتكلمت عنه مع جميع المنتظرين فداء في أورشليم. (لو25:2-38).
أما سمعان فالنص يوحي بأنه شيخاً مثله حنة النبية, وأيضاً التقليد الكنسي يؤكد أنه كان طاعناً في السن عندما حمل المسيح الإله على ساعديه بالرغم من أنه لم يكن كاهناً ولا فريسيّاً بل رجلاً باراً تقياً. يتوقع أنه رقد بعد فترة قصيرة من معاينة مسيح الرب، وقد ورد أن رفاته كانت تكرم في القسطنطينية في كنيسة القديس يعقوب في القرن السادس أيام الإمبراطور يوستينوس.
أما حنة فنموذج للأرامل والعذارى والرهبان الذين يلازمون العفة ويداومون على الصوم والصلاة ولا يفارقون العبادة ليلاً ونهاراً.
ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــ ـ
القديس نيقولاوس رئيس أساقفة اليابان (+1912م) مبشر اليابان
هويَّتُهُ:
هو نيقولاوس المولود عام 1836م في إحدى قرى مقاطعة سمولنسك الروسيَّة. كان والدهُ شماساً. رقدت أمهُ وهو في الخامسة. كِلا والديه كان تقياً. مال أول أمره للحياة العسكرية، لكنَّهُ ما لبث أن اتجه إلى خدمة كنسيَّة خاصة: العمل ضمن الإرساليات التبشيرية. فكر أن يذهب إلى الصين ثمَّ استقر رأيه على اليابان بعد ما قرأ عن هذه البلاد المقفلة التي تكتنفها الأسرار.
مسيرتُهُ نحو الكهنوت:
بعد أن أنهى نيقولاوس دراسته في أكاديميَّة بطرسبرج اللاهوتيَّة، صُيِّر راهباً باسم نيقولاوس، ثمَّ سيم شماساً فكاهناً وانطلق إلى الشرق الأقصى. عبر بسيبريا وبلغ خاكوندات بعد عشرة أشهر. وكان اختياره لخاكوندات إثرَ قراءَتِهِ رسالة مجمعية طلب فيها المجمع الروسي المقدَّس متطوعاً يرغب في أن يصبح كاهناً لدى القنصلية الروسية في خاكوندات في اليابان.
بّدءُ بشارته في اليابان:
بعد أن تلقن نيقولاوس اليابانيَّة على نفسه. وبعد سنوات من العمل الدؤوب الذي تعرض خلاله لأخطار جمَّة من جانب السلطة المحليَّة، تمكن من هداية كاهن وثني يدعى ساوابي وطبيب يُدعى ساكايا. ومن خلال هذين المهتديين وبمعاونتهما تمكن نيقولاوس من تأسيس رعيَّة صغيرة ضمَّت خمسة عشر شخصاً. عملت الجماعة بكثير من الحيطة، دونما ضجَّة، فترة من الزمان. همُ نيقولاوس كان تنشئة الجماعة تنشئةً حقَّانيَّة متينة.
واجهت الجماعة المؤمنة صعوبات جمَّة وخاصة ما تعلق في موضوع الترجمات من الروسية إلى اليابانية. لكنَّ نيقولاوس حاول والجماعة ترجمة بعض النصوص من الكتاب المقدس وبعض النصوص الليتورجية قليلاً قليلاً. أيضاً كان نيقولاوس مثالاً حيَّاً عن الإنجيل.
انتظرت الجماعة خمسة عشر عاماً، إلى السنة 1873، لتأذن السلطات بإنشاء إرسالية روسية أرثوذكسية رسمية بإدارة الأرشمندريت نيقولاوس. وانتقل المركز البشاري إلى طوكيو، العاصمة الجديدة للإمبراطورية. وبفضل حميَّة القديس ونشاطه الدؤوب بلغ عدد المؤمنين الألف.
نيقولاوس أسقفاً:
في 1885 صُيِّر نيقولاوس أسقفاً على اليابان بعد أن جرت سيامة كاهن ياباني عام 1775. ثم عمل نيقولاوس رغم كل الصعوبات المالية على بناء كاتدرائية بديعة في قلب طوكيو عُرفت "ببيت نيقولاوس".
بعض إنجازاته:
أسس القديس مدارس لتعليم الموعوظين والمؤمنين. وعام 1878 أنشأ مدرسة لاهوتية لإعداد الكهنة الناطقين باليابانية. كانت تُدرس في هذه المدرسة اليابانية والصينية والروسية. القصد كان لإعداد الأشخاص المناسبين لنقل النصوص المقدَّسة اللازمة للحياة المسيحية إلى اليابانية. رغم أن نيقولاوس نقل إلى اليابانية العادات الليتورجية المتبعة في الكنيسة الروسية فإنَّ همه الأساسي إنشاء كنيسة محليَّة ناطقة باليابانية تنبع من الشعب المهتدي ولا تنفصل عنه.
رُقادُهُ:
رقد القديس نيقولاوس الجديد في 3 شباط 1912م بعد خمسين سنة من العمل الدؤوب. للحال أكرمه أبناء كنيسته معادلاً للرسل وتحوَّل ضريحه إلى محجَّة وإلى مصدر للبركة للكنيسة الأرثوذكسية لاسيما في اليابان.
طروبارية للبار باللحن الخامس
أيّها الشَّيخُ المجيدُ سمعانُ القابلُ الإله، إنَّ الكلمةَ الإلهَ الفائقَ صارَ جسداً فاحتضَنْتَهُ على الساعِدَين في هيكل الله. ويا حنَّةُ المُكرَمة إحْمَدِيْهِ كنبيَةٍ ملهَمة. ونحن المخلَّصِيْنَ فَلْنَمْدَحْ مَعَهُما لاهوتَ المسيح.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (4 شباط)
[FRAME="11 70"]
(4 شباط)
* سيرة القديس البار إيسيذوروس الفرمي *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...ruary%2004.jpg
القديس البار إيسيذوروس الفرمي +435م
ولادَتُهُ:
وُلد القديس إيسيدورس الفرمي في مدينة الإسكندرية، فيما يبدو قرابة العام 360م. وهو نسيب البطريرك ثيوفيلوس وابن أخته القديس كيرللس الإسكندريين.
علومُهُ:
تلقَّى تعليماً ممتازاً في الإلهيات والفلسفة وذاع صيتُهُ لتقواه ومعرفته العميقة للكتاب المقدَّس نصَّاً وتفسيراً. وصلنا منه عدد كبير من الرسائل يزيد عن الألفين يُستفاد منها أنه خبز الحياة الرهبانية وكان مشهوراً في الأوساط النسكية.
ترهُّبُهُ:
عزم أهل الإسكندرية والأساقفة على تقدمة إيسيدورس بطريركاً للكرسي المرقسي في الإسكندرية فهرب ليلاً إلى جبل الفرما وترهَّب في دير هناك، ثمَّ انتقل إلى مغارة صغيرة أقام فيها ناسكاً بضع سنوات. كذلك قيل أنهُ ارتدى ثوباً من الشعر الخشن واكتفى بالأعشاب قوتاً. دعاه القُدامى "كاهناً صحيح الإيمان، ممتلِئاً حكمةً إلهية ومعرفة كتابيَّة". واعتبره آخرون "هيكلاً للمسيح وإناء لخدمة الكنائس وخزانة للكتاب المقدَّس".
مؤلفاتِهِ:
إن أشهر ما كتب القديس إيسيدورس هو الرسائل التفسيرية التعليمية حول ملء اللاهوت المسيح، وما ورد في الكتاب المقدس. وقد تراوح عدد هذه الرسائل على حَسبِ ما وصلنا ألفين واثنتي عشرة. بعض القدامى تحدَّث عن ثلاثة آلاف والأقباط يذكرون ثمانية عشرة ألفاً. تغطي رسائل القديس مرحلة تمتد أربعين سنة من عمره، من السنة 393م إلى 433م.
ميزة رسائِلهِ أنها مقتضبة ذات أسلوب سلس أنيقة ممتعة ممتلئة ناراً إلهيَّة. تنفذ إلى العقل والقلب بيسر.
أكثر رسائله يعالج موضوعات كتابية، يتبع القديس في ذلك أسلوب المدرسة الأنطاكية ويرفض الإدعاء المبالغ فيه أن صورة المسيح هي عبر كل العهد العتيق.
إلى ذلك بين رسائِله، عدد من المباحث النسكية الأخلاقية. يتناول أبسط القواعد الأخلاقية ويمتد إلى أسمى مبادئ الكمال الإنجيلي. وكلها تشهد لعمق حكمة الرجل واستقامته.
رُقادُهُ:
رقد القديس إيسيدورس في الرَّب في العام 435م وقيل في العام 449م.
طروبارية باللحن الثامن
بكَ حفظت الصورة باحتراس وثيق أيها الأب ايسيدرُس. لأنكَ قد حملتَ الصليب فتبعتَ المسيح، وعملتَ وعلَّمتَ أن يُتغاضى عن الجسد لأنهُ يزول، ويهتمَّ بأمور النفس غير المائتة. فلذلك أيها البار تبتهج روحكَ مع الملائكة.
قنداق باللحن الرابع
إن الكنيسة إذ قد وجدتكَ كوكباً آخر أيها المجيد، متلالئةً بأشعة أقوالكَ، فهي تَصرخَ إليكَ: السلام عليكَ يا ايسيدرُس الشريف الكلي الغبطة.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (5 شباط)
[FRAME="11 70"]
(5 شباط)
* سيرة القديسة الشهيدة أغاثي *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...ruary%2005.jpg
القديسة الشهيد أغاثي +251م
هويَّتُها:
قيل أنها من بالرمو الإيطالية وقيل لا بل من قطاني في صقلية، لكن ثمَّة تسليماً أنها استشهدت في قطاني عام 251م، أيام داكيوس قيصر.
صفاتها:
كانت نبيلة غنيَّة العائلة، جميلة، بهيَّة الطلعة وعفيفة في سلوكها، نذرت نفسها للرَّب منذُ نعومة أظافرها.
تعذيبُها واستشهادها:
إن جمال وطلعة أغاثي، جعل الكثير من الشباب يرغبون بها زوجةً لهم، ومن بين أولئك كان كوانتيانوس، وهو رجل ذو منصب قنصلي. أغاثي كانت بالنسبة إليه صيداً ممتازاً من ناحيتين: لجمالها ولوفرة أموالها. وبدا وكأنه يتحيل الفرصة للانقضاض على فريسته لما صدر مرسوم إمبراطوري بملاحقة المسيحيين وإرغامهم على نكران أمانتهم أو تعذيبهم وتصفيتهم. فسعى كوانتيانوس إلى القبض على نعجة المسيح وإيقافها أمامه في قطاني. وأملاً في ترويضها وإخضاعها لمراميه أسلمها إلى امرأة تُدعى أفروديسية كانت قيّمة على بيت من بيوت الدعارة هناك، على مدى شهر، واجهت أغاثي حجماً هائلاً من الضغط والاحتيال تهجماً على عفتها وكرامتها. وحده الله وإرادتها الفولاذية صاناها منهُ. أخيراً عيّل صبر أفروديسية فرَدَّت أغاثي لتقف من جديد أمام كوانتيانوس الذي أسلمها للجلد وألقاها في السجن.
في اليوم التالي مثلت أمام المحكمة وأحيلت للتعذيب فمزَّق الجلادون جنبيها وكووها بالمشاعل فيما دخلت أغاثي إلى داخل قلبها وجعلت نفسها أمام ربِّها تصلِّي إليه وتسأل عونه وعفوه. كل ذلك أغاظ القنصل بالأكثر لأنه بدا له كأن تدابيره ذهبت أدراج الرياح وأمَة الله ثابتة في عزمها وإيمانها لا تتزحزح. ثمَّ إن الجلادين قطعوا أحد ثدييها وألقوها في السجن ومنعوا عنها الطعام والشراب. وقد ورد أن الرسول بطرس جاء فعزاها وأبرأها. وبعد أربعة أيام استدعاها كوانتيانوس من جديد فوجدها عند تصميمها فأمر بتعريتها ودحرجتها على الجمر وكِسر الفخَّار. فلما أُعيدت إلى السجن أسلمت الروح.
طروبارية باللحن الرابع
نعجتك يا يسوع تصرخ نحوك بصوتٍ عظيم قائلة: يا ختني إني أشتاق إليك وأجاهد طالبةً إياك، وأُصلب وأُدفَن معك بمعموديتك، وأتأَلم لأجلك حتى أملك معك، وأموت عنك لكي أحيا بك. لكن كذبيحة بلا عيب تقبَّل التي بشوقِ قد ذُبحت لك. فبشفاعاتها بما أنك رحيمٌ خلص نفوسنا.
قنداق باللحن الرابع
لتتزين اليوم الكنيسة ببرفيرة مجيدة، مصبوغةً من دماءِ أغاثي الشهيدة النقية، وتهتفُ صارخةً: السلامُ عليك يا شرف قطاني وفخرها.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (6 شباط)
[FRAME="11 70"]
(6 شباط)
* القديسون برصنوفيوس الكبيروفاوستا وفوتيوس البطريرك *
* وإيليان الحمصي وبوكْلُس الأسقف *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...ruary%2006.jpg
القديس الشهيد إيليان الحمصي القرن3/4م
ولادتُهُ:
وُلد القديس إيليان في مدينة حمص، في عائلة تدين بالوثنية، وتُعدُّ من أشراف السكان القاطنين في حمص. زمن ولادته كان في القرن الثالث الميلادي. وليس معروفاً بالتحديد.
نشأَتُهُ:
نشأ إيليان على إيمان قويم، وعبادة حسنة. كان صواّماً قوَّماً، متصدِّقاً ورؤوفاً، راحماً للمساكين. وكان جميلاً في خلقته وزيِّه. هذه النشأة في الإيمان للقديس إيليان كانت سرَّاً عن أبيه، فهو قد تلقّنها سِرَّاً من أمِّهِ. كان يوزِّع على الفقراء ما تصل إلى يده من عطايا والده ويعالج المرضى بالمجان. يشفيهم باسم يسوع علانيةً. وإذ جاهر إيليان بمسيحيَّتِهِ ذاع صيتُهُ في حمص وسواها حتى صار الناس يأتونَهُ من أمكنة بعيدة. اقترن طبُّ إيليان بالبركة السماوية للرَّب يسوع طبيب النفوس والأجساد، وهذا ما جعل من إيليان الطبيب البشري طبيباً معروفاً لا للجسد فقط وإنَّما للأرواح أيضاً، وخاصَّةً أن الله منَّ عليه بنعمة طرد الأرواح الشريرة.
افتضاحُ أمرهِ كمسيحي:
هذه الضجة التي أثارها إيليان بلغت أسماع الأطباء وأثارت حفيظتهم. وإذ امتلأوا حسداً، قام بعضهم إلى أبيه واشين منذرين. وقالوا لهُ ابنك يكرز باسم إله المسيحيين ويهزأ بالآلهة، وأنت رجل شريف ولك عند الملك صوت مسموع وكذلك عند أهل المدينة. وقد أتتك وصية من الملك أن تساعد والي المدينة بملاحقة المسيحيين. أما نحنُ فقد ثبت لدينا أن ابنك ساحر وقد ضلَّل أكثر أهل المدينة.
ساء والد إيليان أن يسمع ما قيل له عن ابنه. كان لا بدَّ له أن يقوم بعمل ما يثبت من خلاله ولاءه للملك وغيرته على الآلهة. أول ردّ فعل كان لديه، الغضب الشديد على ابنه، بل على الذين يمكن أن يكونوا قد أفسدوا عقله. لذلك اتجه ذهنه شطر رئيس المسيحيين في حمص، أسقفها، سلوان، الذي استطلع خبره فعرف أنه يكرز بالمسيح علانيةً في المدينة، هو واثنان من تلاميذه، لوقا الشماس وموكيوس القارئ (أو مكسمس). فأرسل عمَّالهُ وألقوا القبض عليهم وشقوا ثيابهم وأوثقوهم وضربوهم، وجرّوهم في المدينة جزاءً لهم ليكونوا عبرةً لكل من يدين بالمسيحية. ثمَّ سلموهم للوالي ليضعهم في السجن. بقوا في السجن أربعين يوماً، ثمَّ أخرجوا للعذاب من جديد.
تعذَّب الثلاثة بالرَّجم والضرب والتجريح فيما أخذوا يسبحون الله ويسألونه القوة والصبر، وقد ذُكِر أنَّ الرَّب أيَّدهم بآيات من عنده جعلت الحاضرين يضجون تعجباً واستغراباً. وإذ بلغ إيليان خبرهم أسرع إليهم وقبَّل رباطاتهم وتوجَّع لهم. فقبض عليه عسكر الوالي وأخذوه إلى أبيه وأخبروه بما فعل.
وكان خسطارس أبيه في حضرة جلساء عديدين فخشي على نفسه وسمعته وأمر بسوق ابنه إلى الوالي بعد ما زوَّد الجند برسالة إليه قال فيها: وجَّهتُ إليك ابني بكري ووحيدي إيليان وقد لحق بالمسيح المصلوب ورفض أمر الملك. وقد أطلتُ روحي عليه ليرتدَّ فعاند وكفر فاحكم عليه بما يستوجب. فلّما قرأ الوالي الرسالة ردَّ إيليان إلى أبيه قائلاً: ابنك عزيز عندي فاحكم أنت عليه بما تشتهي. وقد وجَّهتُ لك صحبته سلوان الأسقف وتلميذيه، فأظهر فيهم حدَّ الشريعة لتنال من الآلهة الجزاء والسلام.
عامل خسطارس سلوان ورفيقيه كسحرة فيما أودع ابنه السجن. وبعدما عرَّضهم للضرب أمر أن يُلقوا للسباع، شرقي المدينة. هناك وقبل أن يتمِّم الآثمون فعلهم، رفع القديسون الصلاة لله. فلما فتح الجلادون الباب للسباع حدث ما لم يكن في الحسبان ظلَّلت الموضع سحابة من نار وعجَّ الهواء وسقط البرد فهربت السباع وسرى الفزع بين الناس. وقد قيل أنَّ عدداً كبيراً منهم آمنوا بالمسيح على الأثر. أما إيليان فتمكن من الخروج من السجن وانضمَّ إلى القديسين عساه يحظى معهم بنصيب من الشهادة. فلما حصل اضطراب ليس بقليل جاء الوالي بجند كثير وفتك بكل الذين جاهروا بإيمانهم إلا إيليان وهو واقف يصلي.
اسشهادُهُ:
عيل صبر خسطارس في هداية ابنه إيليان إلى عبادة الآلهة الوثنية. فأمر بعد تعذيبه وسجنه وضربه، وإنزال أقسى أنواع العذاب فيه بصنع مسامير أراد أن يغرسها في رأسه. وهذا ما فعله عندما أتاه الحداد بالمسامير. حيث غرزها في رأسه، ثم أمر الجند أن يطلقوا سراحه ليموت موتاً بطيئاً عبرةً لمن اعتبر. فخرج إيليان بالجهد، إلى مغارة شرقي المدينة يُصنع فيها الفخار. هناك صلَّى وأسلم الروح.
فلما كان الغد حضر الفاخوري، صاحب المكان، وكان مسيحياً في السر، فطالعه منظر إيليان ففرح لكنّه خشي أن يكون الوثنيّون قد نصبوا فخاً للمؤمنين بوضعهم الجسد هناك. فانتظر إلى اليوم التالي. فجاءه إيليان في الحلم ليلاً وطلب منهُ أن يحمله إلى كنيسة الأرشايا حيثُ يجتمع خراف المسيح بالسر. والأرشايا هي أول كنيسة تُعزى إلى الرسولين يوحنا وبطرس. والكنيسة أيضاً على اسم القديسة بربارة، وقد جُعلت في قصر امرأة آمنت بالمسيح بعد ما شُفي ابنها بيد الأسقف جراسيموس الذي أقامه الرسولان متلمِذاً لمدينة حمص وأعمالها أولاً. إلى هذه الكنيسة جاء الفاخوري حاملاً جسد القديس إيليان، فاستقبله المؤمنون بفرح، ولما أخذوا الجسد جعلوه "شرقي المذبح على سرير وصاروا يتبَّركون به".
كذلك ورد أنه كان في زمن ثيودوسيوس الكبير (379- 395م) أسقف على مدينة حمص اسمُهُ بولس. هذا بنى كنيسة للقديس كانت عبارة عن هيكل واسع جميل مزيَّن مكمَّل بالرخام والأعمدة والفضَّة وفي داخله كنيسة صغيرة فيها قبر القديس وتحت المذبح ناووس مليح وله مدخلان من اليمين واليسار. فلمَّا اكتمل البناء نُقل جسد القديس بالقراءات والصلوات والكرامات وقد أظهر الله بجسده قوات وأشفية جرت بيد الأسقف المذكور بينها حادثة شفاء ابنة رجل يهودي من السرطان.
زمن استشهاده:
ليس واضحاً تماماً متى كانت شهادة القديس. البعضيقول في القرن الثالث، أيام الإمبراطور داكيوس قيصر، والبعض يقول لا بل في زمن مكسيمينوس قيصر في القرن الرابع.
إن كنيسة القديس إيليان قائمة إلى اليوم، وكذلك ضريحه الرخامي. الكنيسة قديمة العهد جداً وفيها بقية أيقونات حائطية ماثلة للعيان بوضوح والكنيسة الكبرى التي تحتضن الكنيسة الصغرى والضريح مرسومة بالأيقونات الحائطية منذ السبعينات من هذا القرن.
طروبارية للشهيد باللحن الثالث
أيها القديس اللابس الجهاد والطبيب الشافي إيليان، تشفع إلى الإله الرحيم أن ينعم بغفران الزلاَّت لنفوسنا.
قنداق له باللحن الخامس
لقد ظهرت شبيهاً بالرحوم يا لابس الجهاد وشاهد المسيح الإله, فقبلت منه نعمة الأشفية, فبوسائلك أشفي أمراضنا النفسانية, وأقصي دائماً شكوك المحارب من الهاتفين بإيمان: نجينا يا رب وخلصنا.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (7 شباط)
[FRAME="11 70"]
(7 شباط)
* القديسان لوقا البار وبرثينيوس أسقف لمبساكون*
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...ruary%2007.jpg
القديس برثينيوس أسقف لمبساكونالقرن 4م
زمن حياته:
عاش القديس برثينيوس في زمن الإمبراطور قسطنطين الكبير (337م)، وهو ابن شماس في مليتوبوليس البيزنطية اسمه خريستوذولوس.
عملُهُ:
كان عملُهُ صيد السمك، ولم يتعلم سوى ما كان يلتقطه في الكنيسة من قراءات الكتاب المقدَّس، لكنه اهتم بالسلوك حسب الكلمة التي اعتاد سماعها. لذا برز كرجل فاضل أولاً. وكان يواظب خلال حياته على عمل كُلِّ برٍّ وفضيلة.
قصَّةُ كهنوتهِ:
لمّا كان برثينيوس يبيع ما يصطاد من السمك ويوزِّعه على الفقراء، زادت محبَّة الناس له، وذاع صيتُهُ إلى أن وصل إلى أذني فيليتس، أسقف مليتوبوليس الذي استدعاه وسامه شمَّاساً ثم كاهناً رغم تمنّعه. ثم أوكل إليه مهمة استفقاد المؤمنين في الأبرشية.
بركةُ الله عليه:
أثمرت جهود الكاهن الشاب حسناً حتّى جرت نعمة الروح القدس على يديه آيات وأشفية سخيَّة. مثل ذلك أنه التقى رجلاً، مرَّة وقد انقلعت عينه من نطحة ثور فأعادها القديس بنعمة الله إلى موضعها سالمةً. مرَّة أخرى شفى امرأة من السرطان برسم إشارة الصليب. ومرَّة انقضّ عليه كلب مسعور فردَّه بنفخة فمه.
برثانيوس كأسقف:
إزاء علامات النعمة البادية على القديس جعله متروبوليت كيزيكوس أسقفاً على مدينة لمبساكون الغارقة في الوثنية. فلم يمضِ وقت طويل على تسلّمه مهامه الجديدة حتَّى تمكَّن من هداية المدينة برمَّتها. كيف لا وكلُّ عناصر النجاح كانت موفورة لديه! صام وصلّى ولقَّن الكلمة وسلك وفق ما تمليه بعزيمة وثبات وثقةٍ وإصرار.
نشاطاته كأسقف:
رغب الأسقف برثينيوس في دكّ الهياكل الوثنية في المدينة، فحصل على إذن بذلك من الملك قسطنطين بالذَّات، ومنه أيضاً حظي بأموال لبناء كنيسة. فلما انتهى البناء جيء بحجر كبير للمذبح. وإن إبليس الحسود الذي ألفى نفسه مغلوباً ولم يعد يستطيع شيئاً ضد عبيد الله، حرَّك الثيران التي كانت تنقل الحجر فجفلت واندفعت خارج خط سيرها فاضطرب توازن السائس وسقط أرضاً فداسته عجلات العربة وسحقته. للحال رفع قديس الله صلاة إلى الرَّب الإله فعاد الضحيَّة حيَّاً يُرزق.
غلبتهُ للشيطان:
أضحى برثينيوس لمدينة لمبساكون أباً يعتني بها بعناية الله. كان قادراً، بنعمة ربِّهِ، على شفاء كل الأمراض، حتى لم تعد للأطباء في المدينة حاجة. وكما يتبدَّد الظلام من تدفّق النور، كذلك كانت الأبالسة تفرّ من أمام رجل الله. مرة قيل إنه أخرج شيطاناً من أحد المساكين فتوسَّل إليه الشيطان أن يرسله إلى موضع آخر، أقلّه إلى الخنازير. فأجابه القديس لا أسمح لك باسم يسوع إلاَّ أن تقيم في رَجُل واحد. فقال: ومن يكون؟ فأجابه: أنا، تعال واسكن فيَّ! للحال خاف الشيطان وهرب كمِنَ النار! كيف يقيم في هيكل الله؟!
موتُهُ:
مرّة جاء برثينيوس إلى هرقلية، فوجد أسقفها هيباسيانوس مريضاً مرضاً عُضالاً. وإذ كشف الروح القدس لقديس الله علَّّة الرجل أنها من بخله، قال له: قم ولا تخف! ليس مرضك جسدياً بل روحياً. ردّ للفقراء ما حبسته عنهم تشفى. في تلك اللحظة فتح الروح أذن الأسقف الداخلية فعاد إلى نفسه وعرف علَّة قلبه. فلمَّا فتح خزائنه للفقراء عادت إليه صحَّته بعد ثلاثة أيام.
في هرقلية أيضاً، أبرأ قديس الله العديد من المرضى وبارك الحقول وأخبر بمقدار المحاصيل. ولمَّا شاء أن يغادر المدينة أطلع الأسقف على موته العتيد وسمَّى من سيكون خلفه. فلمَّا عاد إلى لمبساكون رقد بالرَّب كما أنبأ.
طروبارية باللحن الرابع
يا إله آبائنا الصانع معنا دائماً بحسب وداعتك، لا تبعد عنا رحمتك، بل بتوسلاتهم دبر بالسلامة حياتنا.
قنداق باللحن الثالث
لقد نلتَ النعمة الإلهي نعمة العجائب، أيها الأب برثينيوس الشريف المتوشح بالله، المتأله العزم والصانع العجائب، مزيلاً أوجاع المؤمنين كلها ومقصياً أرواح الخبث الشريرة. فلذلك نكرمكَ بما أنك مسار عظيم لنعمة الله.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (8 شباط)
[FRAME="11 70"]
(8 شباط)
* القديسان زخريا النبي وثيوذوروس قائد الجيش *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...ruary%2008.jpg
القديس الشهيد ثيوذورس قائد الجيش القرن 4م
أصلُهُ وصفاتُهُ:
إنَّ أصل القديس ثيوذوروس بحسب ما ورد عند القديس سمعان المترجم، هو من أوخاييطا. كان شجاعاً وخطيباً مفوَّهاًً. حاز على تقدير الإمبراطور ليسينيوس حوالي العام 320م. سُميَّ قائداً وحاكماً لمدينة هرقلية. كان مسيحياً وجاهر بمسيحيته. اجتذب أكثر المدينة إلى الإيمان الحقيقي.
إلقاء القبض عليه وتعذيبه:
عَلِمَ الإمبراطور بأمر ثيوذوروس فتوجَّس خيفةً. دعا القديس الإمبراطور إلى هرقلية. أوهمه أنه عازم في الغد على تقديم الإكرام للآلهة. استعار أصنام الذهب والفضّة بحجَّة التبرك منها ليلاً. حطَّمها ووزعها على الفقراء المحتاجين. وصل الخبر إلى الإمبراطور، فقبض على ثيوذوروس. عرَّضه للضرب المبرِّح والسلخ ولدغ المشاعل. ألقاه في السجن سبعة أيام دون طعام. صَلبَهُ، بعد ذلك، خارج المدينة. مزَّق الجند أحشاءهُ. تسلّى الأولاد بإلقاء السهام عليه. جاءه ملاكٌ في الليل. فكَّ رباطه وشفاه من كل جراحه. في الصباح أتاه جنديَّان ليحلاّه ويلقيا بجثَّته في حفرة فوجداه سليماً معافى فاهتديا إلى المسيح واهتدت معهما الفرقة برمَّتها.
اسشهاده:
شفاء ثيوذوروس، واهتداء الجنديَين. جعل اضطراباً في المدينة، واهتدى أناس كثر إلى المسيحية. فبعث ليسينيوس بجنود إضافيين قطعوا رأسه. حمل المسيحيون جسده إلى منزله العائلي في أوخاييطا. جرت برفاته عجائب جمَّة. وسميَّت المدينة ثيودوروبوليس، على اسمه.
طروبارية باللحن الرابع
لقد صرت جنديّاً ذائع الشهرة في الجندية الحقيقية، جندية الملك السماوي، يا لابس الجهاد ثيوذورس، لأنكَ تقلَّدت بسلاح الإيمان بحصافة، فاستأصلتَ مواكبَ الأبالسة، وظهرتَ مجاهداًَ لابس الظفر. فلذلك نغبطكَ بإيمان على الدوام.
قنداق باللحن الثاني
لقد تسلحتَ بالإيمان ببسالة نفسك، وتناولتَ كلام الله بمثابة حربة، فجرحتَ العدوّ يا فخر الشهداء ثيوذورس، فمعهم لا تزال متشفعاً إلى المسيح الإله من أجل جميعنا.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (9 شباط)
[FRAME="11 70"]
(9 شباط)
* القديسون الشهداء مركلس الأسقف ورومانوس العجائبي *
* وفيلاغريوس وبنكراتيوس الأساقفة ونيكيفورُس *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...ruary%2009.jpg
القديس الشهيد نيكيفورُس
أن هذا القديس جاهد على عهد والريانوس وجاليينس الملكين سنة 260م.
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـ
القديس الشهيد نقفر الإنطاكي+260م
زمنُ حياته:
عاش نقفر الإنطاكي في زمن الإمبراطورين الرومانيَّين فاليريانوس وغاليريانوس. أواخر القرن الثالث ميلادي. كان رجلاً بسيطاً، ربطتهُ بأحد كهنة المدينة سابريكيوس، صداقة حميمة حتَّى بدا الإثنان روحاً واحداً وقلباً واحداً وإرادةً واحدةً. ولكن من حسد إبليس وبمكيدته اختلفا فيما بينهما فاستحالت صداقتهما عداوةً. وبقدر ما كانت صداقتهما متينة عميقة صارت العداوة بينهما شديدة عنيفة.
طيب ومحبَّة نقفر:
ومرت الأيام والعداوة تتلظَّى في قلب نقفر وسابريكيوس حتَّى كان أحدهما يجتنب الآخر بالكليَّة. ولكن برحمة الله وإستجابة نقفر بسبب طيبة قلبه، عاد إلى نفسه فأدرك فظاعة الكراهية وأنه سقط في فخ إبليس فتاب إلى ربِّه، ولكي يقرن نقفر توبته بالمصالحة بعث إلى سابريكيوس بوسطاء يستسمح على ما بدر منه محبَّة بيسوع. فلم يلقَ لدى سابريكيوس سوى أذن صمَّاء وقلب قاسٍ قسوة الحجر.
أرسل نقفر آخرين يتوسطون من أجله فلم يكن نصيبهم خيراً من نصيب من سبقوهم. فأوفد آخرين ثلاثةًَ فلم يلقَ غير الخيبة. أخيراً ذهب وألقى بنفسه عند قدميه واعترف بخطيئته وطلب منه الصفح بتوسل. ولكن من دون ِ فائدة. بقي سابريكيوس قابعاً في جبِّ حقدِهِ وعناده. عبر بنقفر المطروح على الأرض قبالته بإعراض مطبق.
مسيرتُهُ نحو الشهادة:
فجأة اندلعت شرارة الحرب ضد المسيحيين من جديد سنة 260م. فقبض على سابريكيوس واستيق إلى حضرة الوالي. فاعترف بإيمانه بالمسيح يسوع. ونال التعذيب بأشدِّ حالاته. ولمَّا لم يكن للتعذيب فائدة في إرجاعه إلى الوثنية، حُكم عليه بالموت. فاستيق إلى موضع الإعدام وبدا كأنه اقتبل الموت بغبطة قلب وأضحى على عجلة من أمره ليحظى بإكليل الغلبة. كل ذلك ونقفر حاضر. نقفر كان ملتاعاً. فرحَ بسابريكيوس وخاف عليه معاً. أحبَّه أن يكون في هذه اللحظات الحرجة دونما شائِبة. فدنا منه وارتمى عند قدميه قائلاً: يا شهيد المسيح، سامحني على إساءتي إليك" فلم يتفوَّه سابريكيوس بكلمة. وإذ سار الجند بالمحكوم نحو ساحة الإعدام، أسرع نقفر وانتظره في الزقاق الذي كان على الجند أن يسلكوه.
فلمَّا قرب العسكر والجنود محتشدة، شقَّ نقفر طريقه بينهما وواجه سابريكيوس وجهاً لوجه وارتمى عند قدميه سائِلاً صفحه من جديد بدموع. ومن جديد لزم سابريكيوس صمت القبور وبقي قلبه متصلّباً. حتَّى أنه لم يشأ أن ينظر إلى نقفر بالوجه. أمَّا جنود المواكبة فسخروا من رجل الله ونزلوا عليه بالسياط وهم يقولون: هذا الرَّجل في منتهى الغباء لأنه يطلب الصفح من رجل على أهبة الموت.
أخيراً وصل الموكب إلى محل الإعدام فخاطب الجلاد سابريكيوس قائِلاً:"اركع لأقطع رأسك!". كانت النعمة الإلهية قد ارتفعت عن سابريكيوس فخرج عن صمته وقال: "لماذا تقطعون رأسي؟". فأجابوه: لأنك ترفض أن تضحيَّ للآلهة وتتنكَّر لأوامر الأباطرة حبَّاً بذاك الإنسان الذي اسمه يسوع! فصرخ سابريكيوس: انتظروا يا إخوتي! لا تقتلوني فأنا مستعد لأن أفعل ما تريدون! أنا مستعد للتضحية للأوثان! كل هذا على مسمع من الجموع الذين كان نقفر وسطهم. فنزل كلام سابريكيوس في صدر نقفر كالحربة! سقط سابريكيوس! يا للهول! فصرخ إليه: ماذا تفعل يا أخي؟! تتنكَر ليسوع المسيح، معلِّمنا الصالح! لا تضيَّع الإكليل الذي سبق لك أن ربحته بعذاباتك وآلامك! فلم يشأ سابريكيوس أن يسمع! إذ ذاك تقدَّم نقفر بشهامة وبدموع وقال للجَّلاد: أنا مسيحي وأؤمن بيسوع المسيح الذي أنكره هذا الشقي، وأنا مستعد لأن أموت عوضاً عنه! فتعجَّب الحاضرون واضطرب الجند فأرسلوا يسألون الوالي في أمره. فأمر الوالي بإطلاق سراح سابريكيوس وإعدام نقفر. فتمَّ كما أمر واستكمل رجل الله الشهادة.
طروبارية للقديس باللحن الرابع
شهيداكَ يا رب بجهادهِما، نالَا منكَ الأكاليل غير البالية يا إلهنا، لأنهما أحرزا قوَّتك فحطمَا المغتصبين وسحقا بأسَ الشياطين التي لا قوَّة لها، فبتوسلاتهما أيها المسيح الإله خلص نفوسنا.
قنداق باللحن الأول
لما ارتبطتَ بزمام المحبة يا نيكيفورُس، حللتَ رذيلة البغضة، ولما قُطعتْ هامتكَ بالسيف حصلتَ شهيداً إلهياً للمخلص المتجسد، فاليه ابتهل من أجلنا نحن المادحين تذكارك المجيد.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (10 شباط)
[FRAME="11 70"]
(10 شباط)
* سيرة القديس الشهيد في الكهنة خرالمبُس *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...ruary%2010.jpg
القديس الشهيد في الكهنة خرالمبُسالقرن 3 م
زمن حياته:
عاش القديس خرالمبُس في زمن الإمبراطور الروماني سبتيموس ساويروس (194- 211م) وحاكمية لقيانسٍ لمدينة مغنيزية القريبة من أفسس حيث عاش خرالمبُس. كان خرالمبُس كاهناً للمسيحيين في مغنيزية.
استشهاده:
إندلعت على المسيحيين في زمن خرالمبُس موجة من الإضطهادات، اتُّهم خلالها خرالمبُس بإثارة الشغب واعتُبِرَ خطراً على أمن الدولة فتمَّ القبض عليه واستياقه إلى لقيانس. كان بثوبه الكهنوتي فيما يبدو. فهدَّده الوالي بأشد العقوبات. فأجاب: أنت لا تعرف ما هو نافع لي. لذا أقول لك، ليسَ أطيب إلى قلبي من مكابدات العذابات لأجل المسيح. فأنزل بجسدي الهرم هذا، وبأسرع ما يكون، أيَّاً تشاء من العذابات التي تحسبها مستحيلة الحمل لتعلم قدرة مسيحي التي لا تُقهر. فجرَّدوه من ثيابه ومزَّقوا جسده بمخالب من حديد فلم تخرج منهُ أنَّة واحدة بل قال: "أشكركم يا إخوتي لأنكم بتمزيقكم جسدي الهرم تُجدِّدون روحي وتعدّونها للطوبى".
أذاقوه من التعذيب ألواناً شتَّى فكانت كأنها تنزل بغير جسده. وقد ورد أنه جرت به آيات عِدَّة وأنَّ لقيانس اهتدى لمرآه وقوة نفسه ونعمة الرَّب الإله عليه. كذلك اهتدى اثنان من جلاَّديه، برفيريوس وبابتوس، وثلاثة نساء وغالينة ابنة الإمبراطور. أيضاً ورد أنه مثل أمام الإمبراطور في أنطاكية بيسيدية وأنه أخرج شيطاناً من أحد الممسوسين لديه.
أخيراً بعدما نفذ صبر الإمبراطور أمر بخرالمبُس فجرى قطع رأسه. وقد وارته غالينة، ابنة الإمبراطور الثرى، جمجمته محفوظة اليوم في دير القديس إستفانوس في الميثورة في اليونان، فيما بقية أعضاءه موزَّعة في أمكنة عدَّة بينها جبل آثوس وفلسطين وقبرص والجزر اليونانية وكريت وتركيا. وله في بلاد اليونان إكرام جزيل وتنسب إليه عجائب كثيرة.
طروبارية باللحن الرابع
لقد ظهرتَ أيها الحكيم خارالمبُس مثل عمود لكنيسة المسيح غير متزعزع، ومصباح للمسكونة دائِم الإنارة، وتلأْلأْت في العالم بواسطة الاستشهاد، فأزلتَ ظلمة العبادة الوثنية أيها المغبوط، فلذلكَ تشفع بدالةٍ إلى المسيح في خلاصنا.
قنداق باللحن الرابع
لقد بزغتَ من المشرق مثل كوكب، وأنرتَ المؤمنين بأشعة عجائبك، أيها الشهيد في الكهنة خارالمبُس، فلذلك نكرم جهادك الإلهي.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (11 شباط)
[FRAME="11 70"]
(11 شباط)
* القديس القديسة ثيودورة الملكة وفلاسيوس الأسقف الشهيد *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...ruary%2011.jpg
القديسة البارة ثيودورة الملكة +867م
هويَّتُها:
هي ثيوذورة الملكة التي من بفلاغونيا. من طبقة الأشراف. تمتَّعت بجمال آخاذ وذكاء نافذ أخذت التقوى والإيمان عن أمها ثيوكتيستا.
ثيوذورة الملكة:
اختيرت ثيوذورة زوجة للإمبراطور ثيوفيلوس (829- 842م). بقيت أمينة للإيمان القويم مكرمة الإيقونات رغم الحملة الشعواء التي شنَّها الملك في طول البلاد وعرضها. اعتصمت ثيوذورة بالصبر والوداعة في مواجهة تعنُّت زوجها إلى أن نجحت، في نهاية المطاف، في وضع حد لحملتِهِ. وقد ورد أن زوجها أذعن إثر مرض استبدَّ به اثنتي عشرة سنة وأنه قبَّل إيقونة عرضتها عليه ثيوذورة قبل أن يلفظَ أنفاسه بقليل. بعد ذلك حكمت ثيوذورة البلاد بصفة وصية لابنها القاصر، ميخائيل الثالث، ذي الأربع سنين. وقد دعت إلى مجمع 843م الذي ثبَّت قرار المجمع المسكوني السابع (787م). ما يعرف اليوم عندنا بأحد الأرثوذكسية الذي يُصار فيه إلى تزيح الأيقونات وتأكيد الإيمان القويم له بدايته في أول أحد من آحاد الصوم من السنة843. يومذاك التقى المؤمنون في القسطنطينية فساروا بالأيقونات وأدخلوها الكنائس من جديد. في أيام ثيوذورة أيضاً أُوفِد مرسَلون لنقل البشارة إلى مورافيا وبلغاريا. ولكن شاءت الظروف السياسية أن تخرج قديستنا وبناتها الأربع إلى دير غاستريا، سنة850م. هناك انصرفت إلى الصوم والصلاة إلى أن رقدت بالرَّب في 11 شباط سنة 867م. رفاتها عبر الزمان لم تنحل. ربضت في القسطنطينية إلى أن انتقلت، إثر سقوط المدينة، إلى كورفو اليونانية حيث رفات القديس سبيريدون أيضاً.
يعود الفضل في إعادة الاعتبار للأيقونات سنة 843م إلى القديسة ثيوذورة.
طروبارية باللحن الثامن
بكِ حُفظت الصورة باحتراس وثيق أيتها الأم ثيوذورة. لأنكِ قد حملتِ الصليب فتبعتِ المسيح، وعملتِ وعلَّمتِ أن يُتغاضى عن الجسد لأنهُ يزول، ويُهتمَّ بأمور النفس غير المائتة. فلذلك أيها البارة تبتهج روحكِ مع الملائكة.
قنداق باللحن الثاني
يا غصناً إلهيّاً وزهرةً عادمة الذبول، وقضيباً كثير الحملْ لكرم المسيح، أيها المتوشح بالله فلاسيوس، املأ الذينَ يكرمونَ تذكارك بإيمانٍ سروراً وابتهاجاً، متشفعاً بغير فتور من أجلنا كافةً.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (12 شباط)
[FRAME="11 70"]
(12 شباط)
* القديس ملاتيوس بطريرك أنطاكية *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...ruary%2012.jpg
تذكار أبينا الجليل في القديسين ملاتيوس رئيس أساقفة أنطاكية 381م
ولادتُهُ ونشأتُهُ:
وُلد القديس ملاتيوس الإنطاكي في ملاطية، عاصمة أرمينية الصغرى، لعائلة مرموقة يبدو أنه ترعرع في كنفها على محبَّة الله والعادات الكنسية الطيَّبة. ومع أن أسباب الحياة الرغيدة كانت ميسورة لديه فإنه اتخذ الإمساك والصلاة سبيلاً سلك فيه منذُ الشبابيَّة. في هذا الإطار حصَّل قسطاً وافراً من العلوم المتاحة لأمثاله في ذلك الزمان. ويظهر كما شهد معاصروه قيما بعد، أنه كان مبرِّزاً وتمتع بمزايا شخصية باهرة كالدماثة والدفء وطيب المعشر والوداعة والبساطة والصدق والأمانة وحب السلام. هذه لفتت الأنظار إليه وأكسبته ثقة العارفين وتقديرهم له. كان صاحب شخصية جامعة إلى حد بعيد. الآخرون يفارقونه ويعادونه أمَّا هو فلا يفارق أحداً ولا يعاديه.
ملاتيوس أسقفاً على سبسطية الأرمنية:
سنة 358م أُطيحَ بأفستاتيوس أسقف سبسطية الأرمنية، لأنَّه كان آريوسياً. واختيِرَ ملاتيوس ليشغل الأسقفية عوضاً عنهُ. مختاروه كانوا من أتباع آريوس مع أنَّه لم يكن ما يشير إلى أنَّه كان قد إقتبل الآريوسية مذهباً. غير أنَّ الاضطراب الحاصل في سبسطية وتصلُّب سكّانها حال دون بقاء ملاتيوس فيها طويلاً فغادرها، كما قيل إلى الصحراء التماساً لحياة الهدوء والصلاة. ثمَّ ما لبث أن انتقل إلى مدينة حلب السوريَّة.
ملاتيوس أسقفاً على أنطاكية:
كانت أنطاكية العظمى مستأسَرة لشتى الفرق الآريوسية. فلما أطاح فريق منها بأفدوكسيوس الأسقف الآريوسي، فرغت الساحة فبحث القوم عن بديل فلم يجدوا خيراً من ملاتيوس. معظم الفرقاء فيما يبدو أرثوذكساً وآريوسيين، قبلوا به هؤلاء لظنّهم أنه حليف لهم - أليس أن فريقاً منهم أوصله إلى الأسقفية في سبسطية؟!- وأولئك لأنهم كانوا عارفين بأخلاقه ومناقبيته واستقامته.
منذُ اليوم الأول لتبوء ملاتيوس سدة أنطاكية في شتاء 360/ 361م واجه استحقاقاً صعباً. ولم يكف لحظة عن إيمانه القويم. مما خيَّب آمال الآريوسيين، وثبَّت إيمان الأرثوذكسيين لما عاينوا أفعال ملاتيوس على أنها أفعال رجل الله الحقيقي الأرثوذكسي الإيمان، وسمعوا أقواله المقترنة بأفعاله.
نفيهُ الأول:
لما خابت آمال الآريوسيين في ملاتيوس الأسقف عمدوا إلى قسطنديوس، مطالبين بعزله وأبعاده فكان لهم ذلك. وجرى نفيه إلى أرمينية.
لم يطُل الزمن حتى أخذت رياح التغيير تنفخ. في 3 تشرين الثاني سنة361 مات قسطنديوس الملك. وحلَّ محلّه يوليانوس الجاحد الذي اهتمّ بضرب الكنيسة واستعادة الوثنية. وتحقيقاً لرغبته سمح بعودة جميع الأساقفة المنفيّين إلى كراسيهم مبقياً على الآريوسيّين. كان يأمل في تأجيج الصراعات داخل الكنيسة بالأكثر لإيهانها.
نفيه الثاني:
حكم والنس إمبراطوراً على الشرق ما بين (364- 378م) وكان يدين بالآريوسية كما زوجته التي كان لها الفضل الكبير في محاربة زوجها للأرثوذكسية. هذا ما سمح للآريوسية بالعودة من جديد إلى الواجهة. فبوشر بإخراج الأساقفة الأرثوذكسيين من كراسيهم. ملاتيوس كان في عداد هؤلاء. حيث أوصى أفظويوس الأنطاكي الآريوسي بإبعاده فتمَّ لهُ ذلك خلال العام 365م وانتُزِعَت الكنائس من المؤمنين المسَّمين عليه. لكن يبدو أن ملاتيوس تمكن من العودة إلى كرسيه سنة 367م مستفيداً من انشغال والنس بحربه ضد القوط ومحاولة انقلاب بروكوبيوس عليه. لكن والنس ما لبث أن تخلّص من أعدائه فجرى إبعاد ملاتيوس من جديد سنة 371م، وقد بقي مبعَداً في أرمينية إلى ما بعد وفاة والنس في 9 أب 378م.
العودة من المنفى:
عاد ملاتيوس إلى كرسيه مظفراً في أواخر العام 378م. فعلى أثر تولي غراتيانوس الحكم تمَّ استدعاء المبعَدين من منافيهم. بعد قليل من ذلك أوفد الإمبراطور أحد جنرالاته شابور، لتسليم الفريق الأرثوذكسي ما سبق واغتصبه الأفرقاء الآريوسين من كنائس. سلمَّ شابور ملاتيوس مجمل الكنائس المُستردَّة. ولمَّا توفي القديس باسيليوس الكبير في أول كانون الثاني 379م أضحى ملاتيوس وريث قيادة كنيسة المشرق ورمز الكنيسة الصامدة وأب الآباء.
ملاتيوس رئيساً للمجمع المسكوني الثاني:
في خريف 379م دعا ملاتيوس إلى مجمع أنطاكي ضمَّ مئة وخمسين من الأساقفة. همُّهم كان لملمة الكنيسة وتأكيد الإيمان القويم، والامتداد صوب روما وسواها من مراكز الثقل تثبيتاً لوحدة الكنيسة، وإزالة اللغط السابق حصوله خلال مرحلة الهيمنة الآريوسية.
هكذا صار هذا المجمع الذي دعا إليه ملاتيوس تمهيداً للمجمع المسكوني الثاني الذي دعا إليه ثيودوسيوس الملك المعيَّن إمبراطوراً للشرق بدءاً من السنة 379م وامتداداً إلى السنة 395م. فانعقد المجمع المسكوني الثاني في ربيع العام 381م. وكان ملاتيوس الأب والشيخ الأبرز. وكان المجمع برئاسته.
وفاتُهُ:
ما إن تقدم المجمع المقدَّس في أبحاثه قليلاً حتى مرض ملاتيوس ومات. كان ذلك حوالي منتصف شهر أيار من ذلك العام381م، فبكاه آباء المجمع. حضر الإمبراطور مراسم الدفن ورثاه عدد من الآباء البارزين بينهم القديس غريغوريوس النيصصي والقديس امفيلوخيوس الأيقوني. ثمَّ جرى بعد ذلك نقله إلى أنطاكية.سوزومينوس المؤرخ ذكر أنَّه: "في ذلك الوقت نُقِل جثمان ملاتيوس إلى أنطاكية ودُفِن بجوار ضريح الشهيد بابيلا. ويُقال أيضاً أنه بموجب أمر ملكي وجب تزيح الجثمان في الجادات الرئيسية داخل الأسوار في كل المدن التي مرَّ بها بالصلوات والتراتيل إلى أن وصل إلى أنطاكية". بعض من رفاته اليوم موجود في كنيسة القيامة في القدس، وبعضها في المعهد اللاهوتي في خالكي، اسطنبول.
طروبارية للبار باللحن الرابع
لقد أظهرتْكَ أفعال الحق لرعيتك قانوناً للإيمان، وصورةً للوداعة، ومعلماً للامساك، أيها الأب رئيس الكهنة ملاتيوس، فلذلك أحرزتَ بالتواضع الرفعة وبالمسكنة الغنى ، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلّص نفوسنا.
قنداق باللحن السادس
إن مكدونيوس العاصي جزعَ هارباَ من مجاهرتكَ الروحية، يا مماثل الملائكة ملاتيوس، أيها الحربة النارية للمسيح إلهنا، الذابحة جميع الكفرَة الملحدين، لأجل ذلك نمدحكَ نحن عبيدكَ بشوقٍ، ونسارع متممين الخدمة الاستشفاعية التي لكَ، أيها الكوكب المنير الأشياء كلها.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (13 شباط)
[FRAME="11 70"]
(13 شباط)
* القديسون سمعان الخلنداري وبريسكيلا الرسولة وأفلوجيوس الأسقف وأكيلا الرسول ومرتنيانوس *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...ruary%2013.jpg
القديسان الرسولان الشهيدان أكيلا وبريسكيلا
القرن الأول
من هُما؟
أكيلا رجل يهودي اهتدى وغار غيرة للمسيح، وبريسكيلا زوجتُهُ. نبطي الجنس. أول خبره في سفر أعمال الرسل، الإصحاح 18. كان وزوجته في إيطاليا. فلما صدر أمر من كلوديوس قيصر بمضي جميع اليهود عن رومية آتيا إلى كورنثوس وأقاما فيها. كورنثوس كانت يومذاك مركزاً تجارياً مهماً بين إيطاليا وآسيا. هناك التقاهما بولس الرسول أول مرَّة. وإذ كان من صناعتهما، لأنهما كانا خيَّاميين، أقام عندهما. ويبدو أنه هو الذي بشَّرهما بالمسيح وهداهما. ولما سافر إلى سورية كانا أكيلا وبريسكيلا معه. وبعد ما حطّ في أفسس تركهما هناك. في أفسس التقى الرسولان رجلاً يهودياً اسمه أبلّوس الأسكندري هذا كان فصيحاً مقتدراً في الكتب، خبيراً في طريق الرب، حاراً بالروح، لكنه لا يعرف غير معمودية يوحنّا. وإذ ابتدأ يجاهر في المجمع، سمعه أكيلا وبريسكيلا فأخذاه إلى بيتهما، "وشرحا له طريق الرب بأكثر تدقيق" (أع18: 26). هذا ويبدو أن الرسولين عادا إلى رومية في وقت لاحق وفتحا بيتهما كنيسة. وقد أرسل الرسول بولس سلامه إليهما فيما كتبه إلى رومية من كورنثوس. في هذه الرسالة (رو16) قال عنهما إنهما عاملان معه في المسيح يسوع وأنهما وضعا عنقيهما من أجل حياته. وأضاف: "لست أنا وحدي أشكرهما أيضاً جميع كنائس الأمم". وفي التُراث إنهما استشهدا بقطع الهامة.
طروبارية باللحن الثالث
أيها الرسولان القديسان أكيلا وبرسكيلا، تشفعْا إلى الإله الرحيم أن ينعم بغفران الزلاَّت لنفوسنا.
قنداق باللحن الثاني
لنمدح بالتسابيح كما يليق، مرتنيانوس الدائم الوقار، بما أنه ناسكٌ لحسن العبادة مختَبرٌ، ومجاهدٌ بالنية مكرَّمٌ، ومستوطنٌ في البرّية ثابت العزم، لأنه قد توطأ الحية دائساً.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (14 شباط)
[FRAME="11 70"]
(14 شباط)
* القديسون أبراميوس الأسقف ونيقولاوس وداميانوس ومارون الناسك وأفكسنديوس *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...ruary%2014.jpg
القديس البار إفكسنديوس السوري
القرن 5م
أصلُهُ ونشأتُهُ:
أصل القديس أفكسنديوس فارسي. وُلد في مكان ما من البلاد السورية لا نعرفه.
نشأ أفكسنديوس على محبة الفضيلة والعلوم. فلمَّا بلغ الأشدّ خرج إلى القسطنطينية في زمن الإمبراطور ثيودوسيوس الصغير (401- 450م). وإذ رغب في الانضمام إلى العسكرية أُلحِق بفرقة الحرس الملكية الرابعة لما تمتع به من مزايا. وقد لاحظه الإمبراطور وأحبَّه. وقد كان متين البنية، قوي الشكيمة، صلب التركيب، تقياً، مقبلاً على زملائه، غيوراً لهم، حميد الخلاق، فهيماً، عليماً بما هو عالمي وكنسي معاً، مهذباً، وديعاً.
تنسُّكُهُ:
سيرة أفكسنديوس ، حتى في العالم، كانت وفق الشهادات، بلا شائبة حتَّى منَّ الله عليه بموهبة صنع العجائب. وقد حرص على الالتصاق بذوي التُقى. وإذ زاد التفات الناس إلى أفكسنديوس لفرادته وأزعجته مدائحهم قرَّر الخروج من العالم. كان ذلك قرابة العام 446م.
اعتزل قديسنا جبل أوكسيا في بيثينيا، على بعد حوالي خمسة عشر كيلومتراً عن خلقيدونية. لبس شعر الماعز والتحف السماء وكان يعتلي، لصلاته، صخرة ويرفع ذراعيه وعينيه إلى فوق بحريّة ورحابة صدر.
شاءت العناية الإلهية أن يُفتضح أمر ناسكنا، فكان الناس يأتونه من كل جهة وصوب. حتى أنهم ابتنوا له قلاية صغيرة لها شباك صغير يطل منهُ على نور الشمس وعلى قاصديه.
عجائبُهُ:
نعمة الله كانت على قديسنا، فكان يشفي المرضى ويطرد الشياطين ويشفي كُلَّ من مسَّه شيطان أو سكن فيه، وكل ذلك كان يفعله باسم الرَّب يسوع. فمرَّة أبرأ أبرصين، وشفى العمياء، ومرَّة أخرى طرد روحاً شريراً من ابنة رجل مخادع افترى على قديس الله انَّهُ يوهم الناس بأن فيهم أرواح شريرة ويدعي أنه يطردها منهم. إلى أن عاين بأم عينه رجل الله يشفي ابنته فتاب وعاد إلى رشده.
أخذه نعمة الكهنوت:
في أيام انعقاد المجمع المسكوني الرابع في خلقيدونية (451م) لإدانة أفتيشيس القائل بالطبيعة الواحدة للرَّب. رغب الإمبراطور مرقيانوس والآباء في حشد الدعم لقرارات المجمع فاهتموا في نيل بركة آباء البرية في ذلك الزمان. ومن بين أولائك الرهبان كان أفكسنديوس الذي أُرسِل من قبل الملك مرقيانوس قيصر بعد أن التقاه لمواجهة البطريرك القسطنطيني الذي تلا عليه ما أقرّه الآباء فاستصوبه وبارك لأنه في خط المجمع النيقاوي ولا بدعة فيه. وقد ورد أنه صار كاهناً إثر ذلك ولمّ يعد إلى أوكسيا بل تحول إلى جبل سيوبي القريب من خلقيدونية. وهذا هو الجبل الذي عرف فيما بعد باسم القديس وشعَّت منه فضائله وعجائبه.
ابتناءه الأديرة:
أنشأ قديسُنا ديراً للرهبان بعد أن صار أرشمندريتاً، حوَّل مكان تنسكه. كما أنه بنى ديراً للراهبات اللواتي رغبنَ في حياة التوحد والنسك. وقد بلغ عدد الراهبات في الدير نحو الستين. ألبسهن قديسُنا لباساً خاصاً بهنَّ. وكان يقيم لهنَّ القداس الإلهي كُلَّ يوم أحد.
رُقادُهُ:
مرض ورقد قديسُنا في الرابع عشر من شهر شباط من سنة لا نعرفها بالتحديد. ويبدو أن وفاته كانت بين سنة وفاة القديس سمعان العمودي في 459م وسنة وفاة لاون الإمبراطور في 474م.
طروبارية باللحن الأول
ظهرتَ في البرية مستوطناً وبالجسم ملاكاً، وللعجائب صانعاً، وبالأصوام والأسهار والصلوات، تقبَّلت المواهب السماوية، فأنت تشفي السقماء ونفوس المبادرين إليك بإيمان، يا أبانا المتوشح بالله إفكسنديوس، فالمجد لمن وهبك القوَّة، المجد للذي توَّجك، المجد للفاعل بك الأشفية للجميع.
قنداق باللحن الثاني
لما تنعَّمت أيها المتوشح بالله بالإمساك وألجمت شهوات الجسد, ظهرت مخصباً بإيمانك, فأزهرت كغرسٍ في وسط الفردوس, أيها الأب إفكسنديوس الكلي الطهر.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (15 شباط)
[FRAME="11 70"]
(15 شباط)
* القديس أُنيسيمُس الرسول *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...ruary%2015.jpg
القديس أُنيسيمُس الرسول
القرن الأول م
هويّتُهُ:
كان أُنيسيمُس عبداً لأحد مسيحيّ كولوسي، المدعو فيلمون، فهرب لشائنة ارتكبها في حق مولاه.
لقاءُهُ بالرسول بولس:
بعد أن هرب أُنيسيمُس من وجه مولاه، فيلمون، توَّجه إلى رومية، وهناك، التقى الرسول بولس وسمع منه كلاماً حرَّك قلبه وحمله على الإيمان بالرَّب يسوع المسيح. ولما كان بولس في القيود فقد قام أُنيسيمُس بخدمته، ثمَّ أن بولس كتب، في شأنه، رسالة إلى فيلمون، هي الثالثة عشرة ترتيباً في سلسلة رسائله. قال، موجِّهاً كلامه إلى فيلمون: "أطلب إليك لأجل ابني أُنيسيمُس الذي ولدته في قيودي، الذي كان قبلاً غير نافع لك ولكنه الآن نافع لك ولي، الذي رددتُه، فاقبله الذي هو أحشائي، الذي كنتُ أشاء أن أمسكه عندي لكي يخدمني عوضاً عنك في قيود الإنجيل ولكن بدون رأيك لم أُرد أن أفعل شيئاً لكي لا يكون خيرك كأنه على سبيل الاضطرار بل على سبيل الاختيار"(فيلمون 10- 14). ويقدِّم بولس أُنيسيمُس إلى فيلمون لا باعتباره عبداً فيما بعد بل: "أخاً محبوباً"، على حدِّ تعبيره، لأنه عرف المسيح. كذلك يأخذ الرسول بولس الأخ الجديد على عاتقه، فيخاطب فيلمون بقوله: "إن كنت تحسبني شريكاً فاقبله نظيري... وإن كان قد ظلمك بشيء أو لك عليه دين فاحسب ذلك عليّ. أنا بولس كتبت بيدي. انا أوفي. حتى لا أقول لك إنك مديون لي بنفسك أيضاً".
كُتبت الرسالة من رومية بيد أُنيسيمُس. ويظهر أن هذا الأخير أتى إلى كولوسي برفقة تيخيكس. هذا حسبما ورد في رسالة بولس إلى أهل (كولوسي4: 9). رسول الأمم، في هذه الرسالة يدعو أُنيسيمُس "الأخ الأمين الحبيب".
وثمة من يقول أن أُنيسيمُس أضحى، فيما بعد، أسقف لبيريا وأنه مات شهيداً تحت الضرب.
طروبارية باللحن الثالث
أيها الرسول القديس أُنيسيمُس، تشفع إلى الإله الرحيم، أن يُنعم بغفران الزلاَّت لنفوسنا.
قنداق باللحن الرابع
لقد أشرقتً للمسكونة مثل الشعاع، مستنيراً بأشعة الشمس الكلية الضياء، أعني به بولس المنير العالم، فلذلكَ نكرمك جميعنا يا أُنيسيمُس المغبوط.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (16 شباط)
[FRAME="11 70"]
(16 شباط)
* القديسان فلافيانوس المعترف رئيس أساقفة القسطنطينية *
* وبمفيلُس الشهيد *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...ruary%2016.jpg
القديس الشهيد بمفيلُس
إن هذا القديس جاهد في قيصارية على عهد مكسيميانوس سنة 290
ــــــــــــــــ
القديسة مريم الجديدة القرن 10م
هويَّتُها وسيرتُها:
هي فتاةٌ من أصل أرمني. تزوَّجت فكانت نموذجاً للفضيلة والطهر. رقيقة، رحيمة، نقيَّة. اهتمت ببيوت الله والمحتاجين اهتماماً غير عادي. امتُحِنت بفقد ولدها ذي السنوات الخمس فكان موقفها كموقف أيوب الصدّيق: "الرب أعطى والرب أخذ فليكن اسم الرَّب مباركاً". اعتادت أن تعامل خُدّامها والفقراء كأفراد أُسَرِها. بيتُها كان مشرَّعاً للغرباء، لاسيما الكهنة والرهبان الذين كانت تستقبلهم كملائكة الله. أما صلاتها فكانت تملأ كل أوقات فراغها من العمل والخدمة. توفي لها صبي ثانٍ فصبرت على فقده صبراً جميلاً. منَّ عليها الرب الإله، في المقابل، بتوأمين، صار أحدهما ضابطاً في الجيش والآخر راهباً. حَسَدها الشيطان حسداً كبيراً فأثار عليها ذوي زوجها. قالوا إنها تبدّدُ ثروة العائلة ولها مع أحد الخدّام علاقة مريبة. ضربت الغيرة عيني زوجها بالعمى فأشبعها ضرباً. ماتت متأثرة بجراحها. فيما كان القوم يعدّونها للدّفن كشف الرَّب الإله براءتها عبر طيبٍ عبِقَ في المكان. بعد أيام قليلة من ذلك جرت على قبرها أشفية جمَّة وخرج الروح النجس من احد القوم. تاب زوجها وبنى كنيسة احتضنت رفاتها. لما استولى البلغار على بيزيا في تراقيا حيث كانت، وحدها كنيستها انحفظت. السبب كان أنه لمّا أعطى سمعان البلغاري أمراً بفتح ضريحا للحال خرج لهيب نار أبعده ومن معه فاختشى.
طروبارية باللحن الرابع
شهيدك يا رب بجهادهِ، نال منكَ الأكليل غير البالي يا إلهنا، لأنهُ أحرز قوَّتك فحطم المغتصبين، وسحق بأسَ الشياطينَ التي لا قوَّة لها. فبتوسلاتهِ أيها المسيح الإله خلصْ نفوسنا.
نعجتك يا يسوع تصرخ نحوك بصوتٍ عظيم قائلة: يا ختني إني أشتاق إليك وأجاهد طالبةً إياك، وأُصلب وأُدفَن معك بمعموديتك، وأتأَلم لأجلك حتى أملك معك، وأموت عنك لكي أحيا بك. لكن كذبيحة بلا عيب تقبَّل التي بشوقِ قد ذُبحت لك. فبشفاعاتها بما أنك رحيمٌ خلص نفوسنا.
قنداق باللحن الرابع
إن مجاهدي الرب الشجعان كابدوا العقوبات المخوفة المعدَّة لهم، بعزم غير جبان، وهم فرحون متهاونون بأجسادهم، لأجلِ ذلكَ ورثوا المجد السرمدي متشفعين على الدوام من أجلنا نحن المادحين جهاداتهم.
[/FRAME]
-
رد: السنكسار اليومي (17 شباط)
[FRAME="11 70"]
(17 شباط)
* القديسون ثيوذورس ومرقيانوس وبلخاريا الملكين *
*وأفكسيفيوس الأسقف وثيوذورس التيروني *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...ruary%2017.jpg
القديس العظيم في الشهداء ثيوذوروس التيروني المجند القرن 3/4م
هويتُهُ:
هو المعروف في التراث الروحي بالقديس ثيوذورس التيروني أي المجنَّد أو المجنَّد حديثاً، أو وفق بعض التفاسير، المنتمي إلى الفيلق الترياني الذي كان فريقاً عسكرياً نخبوياً عُرِفَ المجنّدون فيه بالاستقامة والجرأة. أما نسبتُهُ بالأوخاييطي فهي بسبب وجود رفاته فيها.
ليس موطن الشهيد معروفاً. نعرف فقط أنه كان مجنَّداً في الجيش الروماني وأن الفرقة التي انتمى إليها جاءت إلى أماسيا، في البنطس، لقضاء فصل الشتاء فيها.
زمانُهُ:
زمان القديس أيضاً، غير معروف تماماً. شهادة القديس غريغوريوس النيصصي في شأنه تفيد بأنه استشهد منذ ما يقرب المائة عام من زمانه هو. وهذا ما يتراوح, بحسب التقدير بين العامين م275 وأوائل القرن الرابع الميلادي باعتبار أنه ليس واضحاً متى ألقى القديس غريغوريوس عظته التي ذكر فيها الشهيد. إضافة إلى أن بعض المولعين بلغة الأرقام يجعل التاريخ السابع عشر من شباط 306م.
سيرتُهُ:
ترافق ورود ثيوذوروس إلى أماسيا و"حرب دموية اندلعت، فجأة، في الإمبراطورية على المسيحيين". ولما كان ثيوذوروس قد نشأ على التقوى وامتلأ من الرب يسوع المسيح، وكان دستور إيمانه مطبوعاً على جبينه "رغم قلَّة خبرته في فن الحرب"، فبات رجلاً كاملاً في علم القديسين وممارسة الفضائل. ولم يستسلم للخوف ولا شحُبَ لونهُ من مرأى المخاطر، ولا صمت جبناً ولا حيطةً ولا حذراً.
فاجتمع حاكم أماسيا والمحكمة العسكرية على ثيوذوروس. فلما أوقفوه أمامهم سألوه: "من أين أتتك هذه الجسارة... لتجرؤ على رفض الإنصياع لأوامر الإمبراطور، فيما كان عليك أن تقبلها بمخافة ووقار وأنت على ركبتيك! لم لا تُكرِّم الآلهة التي سُرَّ الأباطرة أن يُكرمها خُدَّامهم؟ فأجاب ثيوذوروس بصوت واثق دون أن تتغير مسحةُ وجهِهِ: لستُ أعرف البتّة لآلهة كثراً، ولم يكن هناك أبداً غير إله واحد. فأنتم في الضلال إذ تطلقون على الشياطين اسم الله، وهي أرواح خبيثة محتالة. أما أنا فإلهي يسوع المسيح، ابن الله الوحيد. فمن رغب في الضغط عليَّ لحملي على هجر إيماني، فليعلم أنه إن سعى إلى إجباري على ذلك بالسياط فله، بالأكثر، أن يمزّقني بمخالب من حديد وأن يزيد على أدواته جمر النار، فلن ينتفع شيئاً. وإذا ما نفر من كلامي فله لساني، ليقطّعه، لأن جسدي سوف ينعم بالغبطة إن توجع، في كل أعضائه، من أجل من خلقه.
تظاهر سامعوا ثيوذوروس بالطيبة قائلين: خير لنا أن نعطي هذا الأحمق وقتاً ليفكر عساه إذا ما أمعن النظر في ما هو فيه من ضلال يعود إلى جادة الصواب.
على هذا الرأي ترك القضاة ثيوذوروس حُراً لبعض الوقت وانصرفوا. وكان في أماسيا هيكل لأم الآلهة أقامه الوثنيون على ضفَّة النهر. هذا دخل القديس إليه وأشعل فيه ناراً، فأتت على المكان برمَّتِهِ، في ساعات قليلة، واستحال رماداً. وضجَّت المدينة! ماذا جرى؟ من الفاعل؟
كان هذا جواب القديس لمحاكميه!
رفع ثيوذوروس صوته عالياً: "أنا أحرقته!"، متباهياً بعمل يديه كمن يستأهل عليه مجداً مخلّداً. وأخذ يسخر من الوثنيين علناً مستهزئاً بما كانوا يبدونه من أسف على خسارة هيكلهم وإلهتهم.
ثمَّ أن القضاة أرسلوا فقبضوا عليه وأوقفوه أمامهم. فخاطبهم بثقة كاملة وحريّة ضمير ملفتة. بدا كأنه لا في موقع المجرم بل من له سلطان فأفحمهم بكلامه. ولما لم يفقد شيئاً من صلابته ولا بانت عليه علامات الخوف من التعذيب، عدَّل الحكام من لهجتهم وحاولوا استمالته بالوعود والإطراء، عارضين عليه رتبة رئيس كهنة لديهم. لكنه رفض وعاد يستهزئ بهم وبالآلهة قائلاً: إن الكهنة للآلهة الوثنية هم أشقى من في الأرض. وأردف أنه خيراً لمن يريد أن يحيا في التقوى والبراءة أن يقضي زمانه مجهولاً وأن يكون صعلوكاً في بيت إلهه من أن يقيم في قصور الخطأة.
موته استشهاداً:
لما رأى القضاة أن جهودهم لاستعادة ثيوذوروس ذهبت هباءً وأن الوقت يزيده صلابةً وثباتاً ويزيدهم بإزائه إحباطاً حكموا عليه بالموت حرقاً. ولما تمت شهادتُهُ جاءت سيدة اسمها أفسافيا أخذت رفاته وابتنت لها ضريحاً. ولعلَّ موضع هذا الضريح كان، مذاك، أوخاييطا.
طروبارية باللحن الثاني
عظيمةٌ هي تقويمات الإيمان، لأن القديس ثيوذورس، قد أبتهج في ينبوع اللهيب كأنه على ماء الراحة، لأنه لما أُحرقَ بالنار قُدّم للثالوث كخبز لذيذ، فبتوسلاته أيها المسيح الإله خلص نفوسنا.
قنداق باللحن الثامن
لقد اتخذتَ إيمان المسيح داخل قلبكَ بمنزلة الترس، فوطئتَ قوَّة المعاندين يا جزيل الجهاد، فتتوَّجتَ بالاكليل السماوي إلى الأبد، بما أنكَ عادم الانهزام.
[/FRAME]