رد: عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور
عظة الأحد 30 تشرين الثاني 2008
أمن الناصرة يخرج شيء صالح
كلمة تعارف عليها الناس أخذاً عن الإنجيل المقدَّس. قالها نثنائيل المشبع بالتقليد اليهودي والقائم بكل ما يقتضيه الناموس وبالنسبة له هذا العمل كان كل شيء والغاية والهدف.
وكان اليهود يعتبرون منطقة الناصرة في الجليل مركزاً للعصابات التي تعيث في البلاد فساداً حتى صارت مضرباً للأمثال في كل بلاد فلسطين والجنوب اللبناني والسوري وكذلك بلاد الأردن وكانت عصاباتها شديدة البأس فذهب شرُّها مثلاً تؤلَّف حوله الروايات.
وما يستوقفنا هنا هذا الإصرار الإجتماعي على تصنيف الناس وعدم رؤية أو الإقرار بالإمكانيات الكامنة في نفوسهم. ونعمة الله القادرة أن تحوّلهم من أناس موغلين في الشرّ والرذيلة الى رهبان ونساك. ما يريده منا الله بسرّ التوبة ليس أن يتوب الخاطئ بل أن نكون نحن قادرين على تغيير أنفسنا ونظرتنا الى الناس ورؤيتهم كخلائق على صورته ومثاله. وفي النص دعوة أيضاً الى تجاوز القيم الإجتماعية التي يصنِّف الناس بعضهم بعضاً بحسبها وتجاوزها الى معرفة الإنسان معرفة عميقة لعله يظهر عكس ما يبطن كما في روايات عديدة عن الآباء القديسين. ولنا في سيرة القديس دانيال الناسك والبارّة مريم المصرية خير مثال على التحول الذي من الممكن أن يصيبنا أو يصيب كل إنسان ساع الى التوبة والتجدّد.
ونسأل الله أن ينير بصيرتنا لكي نعرف الإنسان الحقيقي وننظر الى نقائه وطهارته ومحبته للناس ورحمته ووداعته لا أن ننظر الى مجتمعه وثيابه وتأنقه الخارجي فهذه قد تخفي آلاماً لا عدد ولا حصر لها.
ألا يقول الرسول بولص: نحن فقراء ونغني كثيرين... ولكنه عندما يتكلم عن نفسه يدعو نفسه بالسقط. ولكن هل كان السقط؟
ألم يتعب أكثر من جميع الرسل.
لقد صدق قول الشاعر هنا:
لا تقل أصلي وفصلي إنما أصل الفتى ما قد حصل
لقد سمَّى اليهود ربنا يسوع المسيح بعلزبول ورئيس الشياطين وما أدركوا أنه هو الذي وضع الناموس وهو القادر وحده أن يغيّر الناموس نحو الأفضل وأن يوصله الى أسمى غاياته.
لأنهم كانوا محكومين بعقلية جامدة لا تتحوّل جعلتهم عبيد الناموس والحرف الذي يقتل. ومن كانت هذه حالهُ لا يمكن أن يتسامى الى نور المسيح وحرية أبناء الله.
جعل الله لنا رسوله أندراوس شفيعاً حاراً في حياتنا.
باسيليوس
مطران عكار
رد: عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور
الأحد 7 كانون الأول2008
الإخوة والأبناء الأحباء،
تعلمنا الكنيسة أن إيماننا لا ينطلق من فكرة مجرَّدة بل من الكلمة المتجّسدة التي قال عنها يوحنا الإنجيلي "والكلمة صار جسداً وخيَّم بيننا". وإنطلاقاً من هذا الإيمان وغيره من الآيات الواردة في الإنجيل تسقط الكنيسة دائماً الأحوال الإجتماعية على مقاسات هذا الإيمان التجسدي والخلاصي. كالزواج – الحياة الإجتماعية – العلاقات بين الناس ومنها القضاء والمحاكم في الكنيسة.
لقد قال السيّد له المجد في إنجيل متى "كن مراضياً لخصمك سريعاً ما دمت معه في الطريق لئلا يسلمك الخصم الى القاضي ويسلمك القاضي الى الشرطي فتلقى في السجن. الحق أقول لك لا تخرج من هناك حتى توفي الفلس الأخير. "إن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. إن سمع منك فقد ربحت أخاك وإن لم يسمع فخذ معك أيضاً واحداً أو إثنين لكي تقوم كل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشار".
وقد أعطى ربنا يسوع المسيح سلطة القضاء في الكنيسة للرسل وبواستطهم لتلامذتهم "الحق الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء" وقد تكلم السيد كثيراً عن القاضي العادل والقاضي الظالم. وأعطى بعض الأحكام الجاهزة في هذا المجال فهو يمنع الطلاق إلا لعلّة الزنى ولكن هنا بعض الذين يقولون "إلا لعلّة فقد زنى".
ويرد عند بولص الرسول ذكر القضاء في الكنيسة واضحاً وضوحاً لا لبس فيه ولا يحتمل التأويل ولا التفسير 1كو6 "أيتجاسر منكم أحد له دعوى على آخر أن يحاكم عند الظالمين وليس عند القديسين. ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم فإن كان العالم يدان بكم أفأنتم غير مستأهلين للمحاكم الصغرى. ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة فكم بالأحرى أمور هذه الحياة. فإن كان لكم محاكم في أمور هذه الحياة فأجلسوا المحتقرين في الكنيسة قضاة لتخجيلكم أقول، أهكذا ليس بينكم حكيم ولا واحد يقدر أن يقضي بين إخوته. لكن الأخ يحاكم الأخ وذلك عند غير المؤمنين. فالآن فيكم عيب مطلقاً لأن عندكم محاكمات بعضكم مع بعض".
وبناءً على هذه التعليمات الواردة في الإنجيل أقامت الكنيسة المحاكم الروحية يقودها أناس مشهود لهم بحسن السيرة والتقوى بالرغم من بعض الأخطاء. كان الوصول للوقوف أمام المحاكم يعتبر نقيصة. كان الناس يسارعون لحل النزاعات والخلافات عند أناس حكماء، كما يعلمنا الرسول بولص وعندما يتكلّم الإنسان الكبير كان الناس يسمعون كلمته ويعتبرون عدم سماع كلمة الكبير بمثابة سوء تصرُّف أو قلَّة تهذيب وخروج على عادات المجتمع واعتباراته. وبالرغم من إنشغال المحاكم الروحية برئاسة الأسقف أو من ينيبه، بكل القضايا الداخلية للجماعة المسيحية إلا أنَّ الأحوال الشخصية مثل الزواج الطلاق الهجر - النفقة – حضانة الأولاد – التعويض كانت العمل الأهم بالنسبة لهذه المحاكم.
ولا يزال حتى يومنا أناس كثيرون يلتجؤون الى الكنيسة لإيجاد حلّ لمشاكل قائمة تخصّهم قد تكون شخصيّة وقد تكون قائمة بالعلاقة مع آخرين وحسناً يفعل من يلتجىء الى الكنيسة ولكن توجد بعض الملاحظات التي يجب تداركها في الحالات التي نلتجىء الى الكنيسة لحلِّ مشاكلنا وهي:
يجب أن نعرض المشكلة واضحة كل الوضوح لمساعدة الكاهن أو المطران على فهم المشكلة فهماً صحيحاً وكافياً.
الصدق في عرض المشكلة وكأننا نتكلم أمام الله في يوم الدينونة.
عدم إلقاء اللوم على الطرف الآخر وترك المجال متاحاً أمام عملية المصالحة.
يجب أن لا نعرِّض بالآخرين بكلام مهين مهما كان الخلاف بيننا.
ألا نعرض الحلول على الأب الروحي كاهناً كان أم أسقفاً لنفرضها عليهم وتجنّب القول إفعل هذا وقل له ذاك وعليك أن تفعل الأمر بالطريقة الفلانية.
كل ما في الأمر علينا أن نقول كلمة الحق والصدق أمام القضاء الكنسي ونقبل حكم الكنيسة الصادر على مقاسات الحق وأن نكون
شديدي التهذيب في قبوله. لأن المحاكم الكنسية تبغي دائماً خير الناس ومصلحتهم ونزع الشر من بين الناس. والضرب على يد المسيء وإنصاف المظلوم.
وإذا لم نكن صادقين مع القاضي الكنسي وغيره من القضاة فكيف يستطيع إخراج الحكم الحق وإعطاء كل شخص ما يخصُّه أو كيف سيفصل بين المتخاصمين من غير أن يظلم أحداً.
ورجائي الى كل الإخوة والأحباء أصحاب العائلات أن يفكروا دائماً تفكيراً صحيحاً مؤسساً على تعليم الإنجيل والإيمان والعلاقة مع الرب يسوع المسيح وبهذا لن يصلوا في يوم من الأيام الى خلاف أو صدام بل سيحفظ الرب بيتهم وحياتهم من كلِّ أمر شرير وهدام.
ونصيحة الى والدي الزوجين أو المتزوجين الجدد أن لا يتدخلوا في حياة أبنائهم الزوجية وأغلب الخلافات تنشأ من تدخل إما أهل العريس أو أهل العروس أو كلاهما معاً.
ولكي يحافظ الزوجان الجديدان على بيوتهم ولكي يبنوا عائلات صحيحة عليهم المثابرة على الصلاة وحضور القداس الإلهي وقراءة الإنجيل قراءة صلاة. لأنه إن لم يبن الرب البيت باطلاً يتعب البناؤون وإن لم يحرس الرب المدينة باطلاً يتعب الحراس. ونرى أن أكثر حالات الخلافات الزوجية تقع في البيوت التي لا مكان لله فيها أو ليس لله مكان في شخص أحد الطرفين.
هذه الملاحظات البسيطة التي رأيت من الضروري أن أكتبها إليكم أيها الأحباء. لكي ننتبه لأنفسنا وبيوتنا وعلاقاتنا مع بعضنا البعض ولا ننجر مع هذا العالم وطرق تفكيره وفلسفته في المعاملة والعيش فهي متغيِّرة وصائرة الى الفساد كالمصدر الذي صدرت عنه. إن الرسول بولص يقول عن الحياة بحسب الإنجيل. أي الفضائل الواردة في الإنجيل أن هذه ليس من ناموس ضدها. ونطلب الى الله أن يعيننا جميعاً على بناء مجتمع خالٍ من المشاكل قدر الامكان.
حفظكم الله وحفظ أبناءَكم وعائلاتكم من كل سوء ومكروه.
باسيليوس
مطران عكار
رد: عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور
الأحد 14 كانون الأول2008
أيها الإخوة والأبناء والأحباء،
في تذكار الأجداد الذي تقيمه الكنيسة اليوم قبل عيد الميلاد المجيد تتلو علينا هذا الفصل الإنجيلي الذي فيه الله يدعونا الى عشاء محبته. وفيه تأكيد على أن الخلاص الآتي بالمولود الجديد هو لجميع الناس الذين يعرفون أن يسمعوا كلمة الله ويعيشوها ولا فرق بين شخص وآخر مهما إختلفت أحوال الناس الإجتماعية والإقتصادية والخلقية ألا يقول الرسول بولص في رسائله "لا عبد ولا حرّ لا يهودي ولا يوناني لا ذكر ولا أنثى الكل واحد في المسيح" كل ما في الأمر أن هؤلاء المدعوين بعد أن لبوا دعوة المسيح ما عاد لهم إنتماء الى غيره كما قال الرسول أيضاً في رسالته الى أهل رومية "أنتم الذين بالمسيح إعتمدتم المسيح قد لبستم هللويا".
الشخصيات الواردة في النص هم:
1- الملك، يمثل الله.
2- خدم الملك، يمثلون الأنبياء والمبشرين وكل من دعا صادقاً لسماع كلمة الله وطاعته.
3- المدعوون، هم البشر الذين ينقسمون لفئتين: فئة الذين إنشغلوا عبر العصور بما لهذا العالم، والقسم الثاني اليهود الذي ن قتلوا الأنبياء ورجموا المرسلين. الا يقول الرب يسوع "يا اورشليم يا اورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم من مرّة أردت أن أجمع بنيكِ كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها فلم تريدوا" كم مرّة وبخ اليهود على انهم بنو قتلة الأنبياء. إن الله منذ بدء الخليقة يهتم بالبشر وخلاصهم وإستقامة حياتهم. يذكر ذلك الرسول بولس في كتابه الى العبرانيين "قديماً كلّم الله الآباء بالأنبياء بطرق مختلفة حتى أنه كلمنا في الأيام الأخيرة في إبنه الذي جعله وارثاً لكل شيء وبه خلق العالم".
المائدة، في هذا النص المقروء قبل عيد الميلاد تشير الى أن الآتي هو المائدة بذبيحة الصليب. فربنا يسوع المسيح هو المائدة الحقيقية التي إن أكلنا منها نحيا ولا نموت مثل آدم. يقول داود النبي "هيأت أمامي مائدة تجاه الذين يحزنوني" إن الأيقونة البيزنطية تظهر المسيح ملفوفاً بالأقمطة البيضاء كرمز للكفن وتنويه بسبب حضوره للفداء.
ونحن مدعوون للإقتداء به وبأعماله وحياته: فقد أطاع حتى الموت
موت الصليب وكذلك أطاعت العذراء الله وقالت: "ها أنذا أمة للرب".
الدعوة لنا جميعاً وموجهة في كل وقت فما هو موقفنا من دعوته تلبية أم رفض. يتساءل أحدنا كيف يدعونا الله ونحن لا نجيب يا ليته يدعونا، ذات الجواب والحالة واجه بها ربنا يسوع المسيح الشعب اليهودي عندما قال لهم: "تقولون يا ليتنا كنا في أيام الأنبياء لما كنّا قتلناهم" وينبههم الى انهم سيقتلون ويعذبون ويطردون الأنبياء والمرسلين من قِبَلِه.
في كثير من الأوقات نسمع دعوته لحضور الصلاة فنحتجّ بأن أشغالنا الكثيرة لا تمكننا من الحضور إذ لا وقت لدينا. ألا يتساءل الإنسان عن الوقت الذي عليه أن يستخدمه في محبة الله والعلاقة معه. هل نعطي لله أتفَهَ أوقاتنا أو التي لا نعرف ماذا نفعل بها وكيف نقضيها. يجب أن نجعل الله على رأس اهتماماتنا وقبلها جميعها لأنه هو ملح حياتنا ونورها. بهذه المشاعر وصدق العزيمة نستجيب لدعوته ولا نتردد. هذا ما قصده الرب يسوع بالانسان الغير المستعد استعداداً صحيحاً للمائدة الملكية فطرده الملك من الحضرة بسبب تهاونه.
يدعونا الله في كثير من الأحيان لعمل الخير فنحتجّ بقلة ذات اليد ونحجم عن العطاء أيضاً بأننا نحن محتاجون أكثر. وكثيراً ما نتعلل أمام الدعوة الصالحة والفكر الخيّر بعلل الخطايا كما يقول النبي داود. ألا يقول المثل الشعبي إن الطريق الى جهنم مفروشة بالأعذار الحسنة.
بشأن المناولة: نعرف جميعاً أنها التي تورثنا الحياة الأبدية والتي تجعلنا ثابتين فيها. أليس هو القائل: "من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه" ألا يقول أيضاً: "أنا أقيمه في اليوم الأخير وأعطيه الحياة الأبدية" ولكننا بحجج تظهر تواضعاً نبتعد عن أهم عمل في حياتنا الروحية. نسمع الكثيرين من الناس يقولون: لي سنوات لم أتناول أو سنوات لم أذهب الى الكنيسة. مع أن الدعوة الإلهية لنا أن يكون اهتمامنا بخلاصنا وكل ما عدا ذلك يعطى لنا ويزاد. ولنا في عصافير السماء وزنابق الحقل أمثلة وعبراً.
في الحياة الاجتماعية، كم نبرز مواقفنا بكبرياء بدلاً من التوبة والتواضع. ألا نحتجّ بأمثلة عديدة ومقولات مختلفة مستعملين في بعض الأحيان كلام الكتاب المقدس.
أيها الأحباء دعوة الله إلينا واضحة كل الوضوح ولا لُبس فيها.
الاستجابة لدعوة الله تتطلب جهاداً لأنها تجعلنا في مواجهة مقولات العالم ومطالبه فهل نحن مستعدون للإستجابة لدعوة الرب بدون أن نجادله ونمرمره. هل نحن طائعون له كالسيدة العذراء وكالسيد المسيح الذي قال: "يا أبتِ إن كان من الممكن أن تعبر عني هذه الكأس ولكن لا كمشيئتي بل لتكن مشيئتك" لنقل أيها الأحباء أمام الله من كل عقولنا وأذهاننا ونياتنا لتكن مشيئتك يا رب ومستعدّ دائماً قلبي يا الله. وسنجد في النهاية أننا قد حققنا الهدف من حياتنا في دنيا زائلة فنجلس معه في ملكوته متمتعين بكل نعمة وسعادة وغبطة مبتدئين ذلك الملكوت من أرضنا هذه التي بطاعتنا لله وسماع كلمته نصيّرها ملكوتاً آخر ومائدة سعادة وبركة لا تنضب.
باسيليوس
مطران عكار
رد: عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور
الأحد 21 كانون الأول2008
الإخوة والأبناء الأحباء،
بداية إنجيل متى عبارة عن سرد وترداد لأسماء غريبة اللغة كتبت بحروف عربية واعتبرها القديس متى الإنجيلي سلالة نسب المسيح إبتداءً من إبراهيم الى مريم العذراء. والعارف المدقق بهذه السلسلة يجدها بعيدة عن الواقع الوارد في أسفار العهد القديم إذ تغيب أسماء هامة وتظهر أسماء. وللآباء رأي بهذه السلسلة ومثيلتها في إنجيل لوقا. فبعضهم يقول أن لوقا كتب لائحة لنسب الرب يسوع بالجسد، بشرية، أو مادية. بينما الإنجيلي متى فقد كتب سلسلة النسب بترتيب روحي يعتمد على قراءته الخاصة لشخص يسوع المسيح، وقراءته هذه مدعمة بمعرفة دقيقة للعهد القديم.
إن هدف الإنجيلي متى من كتابة البشارة كان إظهار أفضلية الأمم على اليهود في كثير من الظروف التي رافقت حوادث الخلاص. وكذلك يؤكد الإنجيلي متى على الأمم كافة لها شركة في سرِّ صيرورة يسوع المسيح، والترجمة الحقيقية للآية الأولى هي "كتاب صيرورة يسوع المسيح" وليس كتاب ميلاد. يستعمل الإنجيلي كلمات بكل تدقيق ويعطيها معانيها اللاهوتية المتطابقة مع كل ما كتبه ومتوافقة مع نظرته الشاملة للموقف اليهودي الرافض لحمل الرسالة وتأدية المهمة ليس في العهد الجديد بل وفي العهد القديم مرّات عديدة. وقد أظهر في عرضه لهذه الأسماء أن الأمم كانت في مواقف الشرف والعرفان أفضل من كثيرين من رجالات اليهود ويقتصر موقف الرسول متى على تعداد النساء من الأمم لكي يضرب المفاهيم اليهودية الذكورية. يورد أيضاً عدداً من الملوك بعد الملك سليمان، كثير من هؤلاء الملوك كانت أمهاتهم من الأمم. ولكن الرسول متى المعروف بعرضه الأمور بروحانية مميزة لا يورد هنا إلا الأسماء الذين الملوك والنساء ارتبطت أسماؤهم بعلاقة طيبة مع الله برغم بعض الضعفات.
وأهم ثلاث شخصيات يورد ذكرهم في هذا الترتيب وهم يسوع وداود وابراهيم ليؤكد أن هذا الآتي هو النسل الذي تتبارك به جميع الأمم وهو الذي حقق المواعيد المعطاة بداود أو هو الذي حقق صورة داود المنتصر على أعدائه والتائب الى الله والوديع. ولكن الرب يسوع من جهته يرفض أن يكون ابن داود حصرياً بالجسد إذ يقول عن نفسه "كيف يكون
ابن داود وداود يدعوه ربه" الا يقول في المزامير "قال الرب لربي إجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك". وكيف يكون ابنه طالما داود يدعوه ربه.
ما يريد الرسول متى أن يؤكد هو أنه بالمسيح قد تحققت كل النبؤات وليس عند اليهود ولا الأمم من حاجة للبحث عن مسيح آخر.
يوفق الإنجيلي بهذه الرمزية التي كتب بها إنجيله إذ يعطي المسيح بعده الكوني ويبين كيف أن جميع الشعوب اشتركت في الإعداد لمجيئه.
فأسأل المخلص الآتي على سحاب بهاءات الوحي الإلهي والمنير ليل الأمم بإعلانات شتى أن يجعلنا من المشاركين بإظهار محبته وعظمة تجسده لكل العالم، لعل الملائكة تعود ثانية لترتل في السماء وفي القلوب المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة.
باسيليوس
مطران عكار
رد: عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور
الأحد 28 كانون الأول2008
الإخوة والأبناء الأحباء،
بداية إنجيل متى عبارة عن سرد وترداد لأسماء غريبة اللغة كتبت بحروف عربية واعتبرها القديس متى الإنجيلي سلالة نسب المسيح إبتداءً من إبراهيم الى مريم العذراء. والعارف المدقق بهذه السلسلة يجدها بعيدة عن الواقع الوارد في أسفار العهد القديم إذ تغيب أسماء هامة وتظهر أسماء. وللآباء رأي بهذه السلسلة ومثيلتها في إنجيل لوقا. فبعضهم يقول أن لوقا كتب لائحة لنسب الرب يسوع بالجسد، بشرية، أو مادية. بينما الإنجيلي متى فقد كتب سلسلة النسب بترتيب روحي يعتمد على قراءته الخاصة لشخص يسوع المسيح، وقراءته هذه مدعمة بمعرفة دقيقة للعهد القديم.
إن هدف الإنجيلي متى من كتابة البشارة كان إظهار أفضلية الأمم على اليهود في كثير من الظروف التي رافقت حوادث الخلاص. وكذلك يؤكد الإنجيلي متى على الأمم كافة لها شركة في سرِّ صيرورة يسوع المسيح، والترجمة الحقيقية للآية الأولى هي "كتاب صيرورة يسوع المسيح" وليس كتاب ميلاد. يستعمل الإنجيلي كلمات بكل تدقيق ويعطيها معانيها اللاهوتية المتطابقة مع كل ما كتبه ومتوافقة مع نظرته الشاملة للموقف اليهودي الرافض لحمل الرسالة وتأدية المهمة ليس في العهد الجديد بل وفي العهد القديم مرّات عديدة. وقد أظهر في عرضه لهذه الأسماء أن الأمم كانت في مواقف الشرف والعرفان أفضل من كثيرين من رجالات اليهود ويقتصر موقف الرسول متى على تعداد النساء من الأمم لكي يضرب المفاهيم اليهودية الذكورية. يورد أيضاً عدداً من الملوك بعد الملك سليمان، كثير من هؤلاء الملوك كانت أمهاتهم من الأمم. ولكن الرسول متى المعروف بعرضه الأمور بروحانية مميزة لا يورد هنا إلا الأسماء الذين الملوك والنساء ارتبطت أسماؤهم بعلاقة طيبة مع الله برغم بعض الضعفات.
وأهم ثلاث شخصيات يورد ذكرهم في هذا الترتيب وهم يسوع وداود وابراهيم ليؤكد أن هذا الآتي هو النسل الذي تتبارك به جميع الأمم وهو الذي حقق المواعيد المعطاة بداود أو هو الذي حقق صورة داود المنتصر على أعدائه والتائب الى الله والوديع. ولكن الرب يسوع من جهته يرفض أن يكون ابن داود حصرياً بالجسد إذ يقول عن نفسه "كيف يكون
ابن داود وداود يدعوه ربه" الا يقول في المزامير "قال الرب لربي إجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك". وكيف يكون ابنه طالما داود يدعوه ربه.
ما يريد الرسول متى أن يؤكد هو أنه بالمسيح قد تحققت كل النبؤات وليس عند اليهود ولا الأمم من حاجة للبحث عن مسيح آخر.
يوفق الإنجيلي بهذه الرمزية التي كتب بها إنجيله إذ يعطي المسيح بعده الكوني ويبين كيف أن جميع الشعوب اشتركت في الإعداد لمجيئه.
فأسأل المخلص الآتي على سحاب بهاءات الوحي الإلهي والمنير ليل الأمم بإعلانات شتى أن يجعلنا من المشاركين بإظهار محبته وعظمة تجسده لكل العالم، لعل الملائكة تعود ثانية لترتل في السماء وفي القلوب المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة.
باسيليوس
مطران عكار
رد: عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور
الأحد 25 كانون الأول2008
تأمـــــــل
يا سيّد السلام، كيف أحدّثك في عيد ميلادك وكيف أتوجه إليك في مجيئك. هل أستطيع أن أنظر إليك في تواضعك الأقصى إن نفسي في اضطراب عظيم يفوق جيشان البحر. فهل تسمع من لا يسمع ذاته، هل تميل مسمعك الى الصوت الأقوى إننا نعرف أنك تسكن في القلوب الوديعة والمتخشعة التي اعلنت لنبيّك أنك لا ترذلها.
أتيت لتعطينا سلامك فهل استطعنا أن نفهم سينه الأولى؟ إن العالم لا يجعلنا نسمع مقولتنا إليك لأنك تسمع للمنصتين إليك في صمت ومهابة بعواطف صادقة ومشاعر نقيّة وأنت آتٍ في سكون وهدوء الهواء العليل عند كلِّ صباح الى مساكنك لتهدء عاصفة إضطراب آلامنا لعلنا في هدوء حضورك نستطيع أن ندرك ما لا يدرك بكل آلات العالم والدنيا.
لقد صرت مثلنا يوم إمتلأت كؤوس يأسنا ومرارتنا وما بخلت علينا بكل نعمتك نحن الجاحدين محبتك والذين قست قلوبنا أمام رأفتك وغلظت رقابنا أمام لطفك ووداعتك. أتيت لتلقي سلاماً ولكنَّ السلام طار من نفوسنا ومن بيئاتنا وبدلاً من أن نبحث عنه عندك تهنا في توجهاتنا وطالما نحن في درب غير دربك ونطلب أن نجد المفقود في ظلال نورٍ غير نورك باطلاً نتعب ونكدُّ.
يا سيّد السلام علمنا كيف نقتني المقدرة على الإستجابة لصوتك لا تترك لنا الحريَّة أن نختار بينك وبين غيرك. أنت تعرف أن عقولنا ما تجاوزت مرحلة الطفولة وبعضنا لم تولد عقولهم بعد. هل تخاطب أنت البصر أم البصيرة، والبصيرة الفاقدة العقل قلب أعمى، عميت قلوبنا عن معرفتك فتعال الى هياكلك التي اخترتها لك في قلوبنا واطرد منها التجار والصيارفة وباعة الحمام الذين تاجروا بما وهبتني إياه ولم يشفقوا عليَّ أنا المسكين اليائس في غيابك.
بعثر مال الصيارفة الذين به استبدوا بي وتمكنوا بفكري. لقد حوّلوا سلامي الى خداع حتى بت بلا جناحين لأطير كالحمام.
والى من أطير أو أهرب أو التجيء إلا إليك أنت الآتي لتطلبني كخروف ضلَّ عن باقي القطيع. وماذا أقول في أيامنا هذه قد ضلَّ القطيع كله لأنّه يظن أنك ساكن في العلو أعلى من سحاب السماء ونجومها ولا يعرفون أنك تسكن في قلوبنا. ألم تنبهنا الى ذلك إذ قلت ملكوت الله في داخلكم ولكنهم لن يسمعوا لأنك ما أتيت على لعب الأطفال، أحصنة وطائرات ودبابات وسياط قاهرة بل أتيت متنكباً جناح الرحمة والعطف واللين واللطف والمحبة، أتيت لتعطي كلَّ شيء، يا سيِّدي ألم يقل لك أحد قبل أن تأتي الى العالم أن الذي يأتي الى العالم ويعطي كلَّ شيء يفرح به الناس ولكنهم لا يسمعون له كلهم، ألم يخبرك أحد عن الظلام الذي سرّ به الناس أكثر من نورك لأن نورك يفضح أعمالهم. بكل تأكيد كنت تعرف أن سلامك اقوى من نارهم وأن سيفك أكثر رأفةً من حنان العالم، وأن نارك التي اشتهيت إضطرامها أبرد واكثر سلاماً من هوائهم العليل. ماذا أقول لك، سامحني، على أن أقول علمني كيف أسمع ما تقوله لي. أنت المسامح الناس عن هفوات ألسنتهم. سامحني إن كنت تجرأت وتأملت بمجيئك ووصفت قمم سلامك وتجرأت عليك بالأسئلة يا من جعلتنا نتجرأ عليك لأجل خلاصنا. سامحني إن كلمتك بصيغة الأمر أنا الذي خطيئتي أمامي في كل حين. قال لنا قديسك أنك أتيت لنتبادل الأدوار. نعم هكذا يفعل المحبون دائماً لا يقتنعون بأن محبوبهم يفعل السوء أو فيه سوء لأن المحبة تلقي بالمحبين على الرجاء. لقد جربتنا في فردوسك ولكن لعلنا بعد غربتنا ومرارتنا في
هذه الدار نعود الى رشدنا لنرى رؤية لا سقوط فيها ولا موت ونطمئن في دار لا غربة بعدها لأنك أنت الوطن الذي نجد فيه مجداً وسلاماً ومسرّة.
باسيليوس
مطران عكار
رد: عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور
الأحد 1كانون الثاني2009
يا مسيحي: تقيم كنيستك التي لا عيب فيها عيداً للأطفال الذين قتلهم هيرودوس في بيت لحم وما كانوا قلة. وفي كلِّ سنة عندما تتعمّق الأمهات في هذه الذكرى، تفيض عيونهنَّ بالدمع أسفاً وألماً على الجريمة الكبرى.
ألا تذرف عيوننا الدمع إذا ذكرناك وأنت على الصليب تقاسي ما قاسيت من شعب اليهود. إننا نتألم ويأكل الحزن نفوسنا ولكنه الألم الممزوج بالفرح لأنك جاهدت وغلبت وظفرت ظفراً ولا أعظم.
أرضك ومهدك وبلدك يشهدون كلَّ يوم بلية وفي كلِّ ساعة جريمة آباء يموتون وأطفال إذا لم يصيروا أشلاء ييتمون وإذا لم تقضِ النسوة بين ألسنة اللهب النازل من السماء أو الآتي (أرض أرض) يصبحن أرامل ونحن بين ذكرى ميلادك وعبور سنة حضورك يموت الناس بالمئات، وبالآلاف يجرحون ويشوَّهون.
في هذه الذكرى يذبح في مدينة قديسك بورفيريوس (غزّة)، المناظر أقوى من أن تتحملها قلوبنا وأبشع مما اعتادت عليه أبصارنا وأوسع من أن يتسع لها فكرنا. أما حان لصالبيك وقاتليك وملاحقيك حيثما حللت أن يدركوا قولك أن من يأخذ بالسيف بالسيف يؤخذ. ألا يستحق أبناء فلسطين زمناً يلبسه السلام جلبابه ويطرح الأمان عليهم عباءته. الحمد لله أنهم ثبتوا وجوههم للتحرير كما ثبت وجهك لتحريرنا من نير الموت عدونا الأكبر وكسرت قيوده. وبالرغم من أننا والألم يسود على نفوسنا نصلي أن يرفع الله عن أبناء بلدك هذا الظلم والقهر والدمار. وكما نهضت من تحت ركام القبر وجدران الموت هكذا هم على الرجاء ناهضون من بين الركام والحطام وواصلون الى حريتهم.
فاعنهم في شدَّتهم وقوِّ قلوبهم على مصيبتهم وفهِّم العرب أنَّه آن لزمن القبيلة والعشيرة والتشرذم أن يرحل بكَلْكَلِهِ عن قلوبنا وينمحي من تاريخنا وجغرافيتنا لعلنا ندرك أن المظلومين في العراق والمقهورين والمهجرين في الموصل خاصة هم إخوة لهؤلاء الذين يموتون في غزّة.
وفرح قلوبنا بأن نرى سلامك يعمُّ على كلِّ العالم يا سيّد العالم أجمع.
باسيليوس
مطران عكار
رد: عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور
الأحد11 كانون الثاني2009
أيها الإخوة والأبناء الأحباء،
في الأحد الذي يقع قبل عيد الظهور الإلهي تأتي القراءة الإنجيلية عن النبي يوحنا المعمدان الذي عمَّد الربَّ يسوع المسيح وله اللقب الثاني (السابق) لأنه سبق وبشر بالسيّد المخلص وعنه قال ملاخي النبي "هاأنذا أرسل ملاكي قدامك ليهيئ طريقك أمامك". ونعيِّد للقديس يوحنا ثاني يوم عيد الظهور الإلهي إذ أنه هو الشخصية الثانية في الحدث فشخصية النبي يوحنا تحيط بالعيد وأحداثه وتأخذ دوراً رئيساً. وببشارته أو تعليمه ووعظه حدّد الكيفيّة التي يستطيع بها الإنسان أن يهيئ طريق الرب. والكلمة الرئيسية في بشارته عن التوبة هي "توبوا" ويقولها بلهجة الأمر لأنه يعرف أنه لا طريق يصلح هذه الدنيا ومساوئها ويقوِّم حياتها الى التي هي الأسلم غير التوبة والطلاق من عبودية العالم وملذاته.
في تعليم النبي يوحنا عن التوبة يركز على مظاهرها الخارجية. وهو يعترف بأنه لم يأتِ إلا ليهيئ الطريق أمام المسيّا الآتي. يوحنا عمّد بالماء أما المسيح فسيعمِّد بالروح القدس والنار. في تعليم يوحنا الوصايا تقتصر على إصلاح السلبيات من الأعمال كقول النبي لمن أتى إليه طالباً النصح والإرشاد. فقال للجموع معلماً عن أهمية التعاون وشعور الإنسان مع غيره من أصحاب الحاجات الماديّة. "من له ثوبان فليعط من ليس له ومن له طعام فليصنع كذلك". وعلّم العشارين قائلاً: "لا تستوفوا أكثر مما فرض لكم" وللجند قال: "لا تظلموا أحداً ولا تفتروا عليه واقنعوا براتبكم".
رسالة يوحنا رسالة إجتماعية تدعو لرفع لظلم من بين الناس. وكان في ذلك شخصية عظيمة لا يعرف المهادنة ولا يخشى سطوة متسلط، فتعرّض لهيرودس الملك في أخطائه كما تعرّض لجنوده والعشارين في زلاتهم.
قبل أن نتكلم عن الروح والتوبة الداخلية يجب أن نرفع الصلاة الى الله لكي يعطي العالم رجالاً أمثال القديس يوحنا المعمدان ليحقق هزَّة ضميريّة تعيد الناس الى رشدهم وتعيد إليهم صوابهم حتى نقول بالحقيقة قد صار التاريخ جديداً بما استجدَّ فيه من الخير. وبحرصنا على الحياة الخارجية
الصحيحة نثبت بالخير ونصبح مستعدين لاستقبال الروح في المساكن التي طالبنا الرب بأن نهيئها لسكناه.
أرجو الله وأرفع الصلاة إليه أن يعطي في الزمن الآتي لبنان سلاماً وقوة ومنعة وقبل كل شيء الوحدة على محبته. وكل عام وأنتم بخير.
باسيليوس
مطران عكار
رد: عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور
الأحد18 كانون الثاني2009
الإخوة والأبناء الأحباء،
البرص مرضٌ وصف في العهد القديم واعتبر من بين الأمراض الأشد فتكاً. وللوقاية من هذا المرض كانت السلطات الدينيّة بالتعاون مع السلطة العسكريّة يقيمون للمرضى أماكن إقامة بعيدة عن الناس ولا يسمح للناس بمخالتطهم. وكانت تعليمات الكتاب المقدَّس في هذا المجال دقيقة جداً في مجال الوقاية منه وكذلك التأكد من السلامة والعودة ثانية بعد الشفاء واعتبر الشفاء منة من الله كبقية النعم على الإنسان فصار من الواجب تقديم الشكر لله والعودة عن طريق الهيكل الى المجتمعات.
في هذا النص الذي تلي على مسامعنا اليوم يورد حادثة العشرة البرص بكل مقتضيات الناموس وتعليماته فيقول: "إستقبله عشرة رجال برص ووقفوا من بعيد". وكذلك في قول الرب يسوع للعشرة "أمضوا وأروا أنفسكم للكهنة" وقد أراد الإنجيلي بإيراد الحادثة على هذا النمط أن يؤكد أن الرب يسوع لم يرد أن يقطع أية علاقة بين الإنسان والله طالما العلاقة إما لخير الفرد أو لخير المجتمع.
ولكنه في المجالات التي كان فيها الكتبة والمسؤولون الدينيون يستغلون الناس أفرد لهم السيِّد أشدَّ التعابير إيلاماً وقال: "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون إنكم تعشرون النعنع والشبث والكمون وتبلعون الجمل وتصفون البعوضة ولعلة تطيلون صلواتكم".
في القسم الثاني من النص يتحدَّث الإنجيلي لوقا عن ردة فعل الذين نجوا من المرض فالتسعة الذين من اليهود ذهبوا في طريقهم غير شاكرين الذي قدَّم لهم الشفاء واعتبروا أن في الطقوس الكفاية. ولكن السامري الذي وحّدَ المرض حاله مع اليهود التسعة فقد عاد ليشكر الذي نال منه الشفاء فقد تغيَّرَ ووجد أنَّهُ من الواجب أن يتجه نحو الذي شفاه واكتشف أن لا حاجة لأي شيء آخر.
من هذا النص ومن الأقوال الواردة فيه ومن ردات الفعل الصادرة عن الأشخاص المذكورين في سياق سرد الحادثة نجد أن الرب يسوع يريدنا أن تكون علاقتنا بالله سليمة وبعيدة عن كلِّ تحجر. وأن الله ينظر الى الأعماق
ولهذا سأل هو مباشرة وبمرارة "أين التسعة" ألم ينالوا الشفاء كهذا الأجنبي أي السامري. والسؤال هنا يكشف لنا نفسية الإنسان الطقوسيَّة الجاحدة. فنال المديح السامري الذي أدرك واجبه الإنساني الى جانب الديني.
في سؤال الرب يسوع هجوم على قساوة قلب اليهود ومديح للإنسانية التي من الممكن أن توجد بين الأمم.
أيها الإخوة الأحباء إنها دعوة الإنجيل للإنسان لكي يقدم لله قلباً رحوماً ومليئاً بالإنسانية "يا بني أعطني قلبك" وقال في العهد القديم كلاماً رائعاً في الرحمة والعطف فقال: "أريد رحمة لا ذبيحة" ولكن اليهود عبر مسيرتهم عبر الزمن ما أدركوا قوة الكلام لأنهم ما استطاعوا الخروج عن تأليه أنفسهم. وأراد الرب يسوع أن تظهر الرحمة والإنسانية بين الناس ودعاهم ليدركوا حقيقة اللقاء مع الله وليس مع الطقوس التي ليست هي الغاية. وفي النص تعليم إجتماعي زيادة على التعليم الروحي وهو أن نعرف أن نقول كلاماً طيباً لمن يعمل الخير. في مجتماعاتنا في هذه الإيام والتي قبلها ولا نتمنى أن تكون الآتية مثلها لا تعرف ولا تدرك أهمية الكلام الطيب والمديح النابع من القلب وصار يتخفى وراء حجج واهية. ولا يعوِّل على الكلام الحسن في بناء شخصية الفرد أو الجماعة. إن كلمة طيبة لإنسان يعمل الصلاح تحفزه لمواصلة مسيرته وأعماله الحسنة لهذا يقول لنا الرسول بولص: "لا تطفئوا الروح"، وكم لنا من السير الإجتماعية التي فيها الكلام الحسن أصلحَ سيراً فاسدة. ولكن من فضلة القلب يتكلم اللسان. فإذا عودنا ذاتنا على قول الخيِّر يصبح ذلك فضيلة فينا ولن نرتاح فيما بعد لغيره وسنترك الدينونة لمن له الدينونة والحكم لمن له الحكم وسنكون لله شاكرين على كلَّ شيء وفي كلِّ حين.
باسيليوس
مطران عكار
رد: عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور
الأحد25 كانون الثاني2009
كلمة الراعي
الإخوة والأبناء الأعزاء،
في هذه الرواية المعروفة لكلِّ مهتم بالحياة الروحية من ناحية والتاريخية والإقتصادية من ناحية ثانية يورد الإنجيلي لوقا في النص آية يصف بها حالة رئيس العشارين زكا فيقول: "وكان يلتمس أن يرى يسوع من هو فلم يكن يستطيع من الجمع لأنه كان قصير القامة". في هذه الآية توصف الرغبة التي امتلكت ذلك الإنسان ليعرف يسوع المسيح الذي يسمع عنه أشياء كثيرة، من هو الذي يقول ويعلِّم، ويستعمل الكتاب لا كالكتبة والفريسيين بل كمن له سلطان. فأولئك لم يستطيعوا أن يحركوا الروح فيه ولا روح التغيير، فقد تجمَّدَت التعاليم الإلهية عندهم الى قوالب وصارت مقاييس ومعايير لإستعباد الإنسان وقد صارت منفرة، وبسبب رغبته إمتلك العزيمة وبالعزيمة الإرادة فأخرج شهوته هذه أو أمنيته الى حيِّز الوجود من غير أن يمنعه أحد الوضعين اللذين كان بهما:
نظرة المجتمع إليه كعشار وتجنب الشعب من مخالطته.
والشيء الثاني وضعه كان انه قصير القامة وله من العمر سنوات ليست قليلة.
كل هذه الأشياء لم تمنعه لأنه سمع أنَّ هذا المعلم قد تجاوز كل سدود الناموس وحواجز المجتمع وها هو كمعلم للشريعة يخالط العشارين ويأكل مع الخطأة غامراً إياهم بمحبة تفوق كلّ محبة ويفضلهم على الكتبة والفريسيين. فتجاوز زكا ذاته ووضعه وبحث عن إمكانية الوصول الى السيد الذي إشتاقت إليه نفسه كما تشتاق الأيائل الى موارد المياه. ونسيَ الجموع وكطفل بريء صعد الى الجميزة لينال مبتغاه. والرب يسوع يقول: "إن لم تعودوا وتصيروا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت السموات". إذا بالآية الأولى التي تصف وضع زكا الروحي مع فعل الصعود الى الشجرة نال الكرامة بأن يصبح الرب ضيفه ويفضله على كل الذين كانوا ينتظرون منه أن يطلب هو منهم أن يستضيفوه ولم يحصلوا على كل شيء. ألا يقول الآباء إن خاطئ تائب أفضل من صديق متكبّر. علينا إذاً أن نمتلك فضيلة
التواضع والبراءة ولا تمتلك الواحدة دون الأخرى. المتواضع وحده يستطيع أن يتغلّب على كل شيء كما يقول القديس أنطونيوس.
يمرُّ الرب يسوع أمامنا وفي حياتنا مرّات كثيرة وبطرق مختلفة فهل نتمتع نحن بالمرونة الروحية والتواضع لكي نراه هو هو ولا نرى غيره. هل نستطيع أن نتجاوز الصعاب التي تفصلنا عنه ونزللها لأجل اللقاء به ليصبح بالنسبة لنا الألف والياء. هل نستطيع أن نرافقه متجاوزين كل رفقة وصحبة. عند ذلك نستطيع لا أن نصعد الى الجميزة فقط بل سنستطيع أن نصعد الى السموات. فالله هو الذي يقوِّينا ويدعوننا لا ليمكث فقط في بيوتنا بل ليمكث في قلوبنا ومشاعرنا ويمتلك علينا وجودنا. ولن يترك فينا أثراً لأي خطيئة وليس فقط نترك ونصلح ما قد تجاوزناه في حياتنا. ليكن أيها الإخوة لنا الرغبة بأن يكون الرب يسوع رفيق حياتنا لا شيء غيره ولنكن أقوى من كلّ مطربات العالم ومغرياته فكله يزول ويعسو وييبس وتذريه الريح. وليكن لنا زكاً مثالاً في القوة الروحية والعزم والتصميم وتحقيق صوت الضمير الذي يصرخ فينا في كلّ حين لنكمل مسيرة السيد التي تبنيناها في المعمودية ولا نعود نستعبد للخطيئة ولا للخوف ولا للوجل من أي شيء بل كما يقول الرسول بولس: "من يفصلنا عن محبة المسيح". هكذا ليكن لنا التحدي ضد أي شيء يلهينا عن تبني الفضيلة وطريقها ليصبح لنا قول الرسول فعلاً صادقاً وحقيقة واقعة.
باسيليوس
مطران عكار