رد: عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور
الأحد 1 شباط2009
باسم الأب والإبن والروح القدس،
أيها الإخوة والأبناء الأحباء،
كثيرون يظنون أن الكتاب المقدَّس عامة والإنجيل خاصة عبارة عن كتب تؤرخ لحوادث تخصُّ جماعات أو أشخاص وبناء عليه يستخلصون العبر والتعليم، وكثيرون أيضاً يعتبرون هذه الكتب عبارة عن كتب لاهوتية وبالتالي يفقدونها بعدها التجسدي ويغوصون في عالم الروح، وهناك البعض ممن يلقون نظرة سياسيّة على الكتب المقدَّسة غير عالمين أن النبؤات تأخذ أبعادها وحقيقتها بيسوع المسيح المسيح الذي قال لقد تمَّ، قالها وهو على الصليب عانياً بذلك أن النبؤات كلها قد تمت به. وهو القائل على لسان الرسول بولص لا ذكر ولا أنثى، لا عبد ولا حر، لا يهودي ولا يوناني الكل واحد في المسيح. وبدون فهم كامل للعقلية اليهوديَّة التلمودية في كل حين، ووعي كامل لكل الدعوة المسيحيّة من الصعب أن نفسِّر صعوبة الكلام الذي تفوَّه به ربنا يسوع المسيح وقاله للمرأة الكنعانية "ليس حسناً أن نأخذ خبز البنين ونعطيه للكلاب" ولا ندركه إلا إذا أخذنا نمط الحوار بين الرب وتلاميذه والمرأة الكنعانية على أساس حوار ذات نمط أدبي يستعمل في كثير من الأحيان لتبيان عظمة شيء مرفوض لأسباب نفسيّة، دينيّة أو إجتماعية. ذات الأسلوب إستعمله ربنا بمثل السامري الصالح. وأصلح فكرة اليهود عمّن هو القريب.
عقليّة الرسل عقليّة يهوديّة تستصعب التعامل مع غير اليهود وخاصة في مجالات الروح والدين والنعمة. وعلى نسق الهدف من إنجيل متى، تبيان كون المسيحيّة ديانة عالمية تحل مكان اليهوديّة وتأخذ بها الى أسمى مناحي الكمال. عمل ربنا يسوع المسيح في هذه الحادثة مبيناً كيف أنَّه جاء الى خاصته وخاصته لم تعرفه.
فعندما قال ليس حسناً أن يؤخذ خبز البنين ويلقى للكلاب لم يكن يقصد المرأة الكنعانية بل عقلية تلاميذه ليؤكد لهم أن الله يقيم من الحجارة أبناء لإبراهيم وأن له خرافاً بين الأمم سيأتي بها ويضمها الى بقية الخراف ولكي يريهم أن الروح يعطي نعمته حيث يشاء. ولا يوجد بين اليهود إيمان يوازي الإيمان الذي بين الأمم.
في النهاية أوضح لتلاميذه مقدار قبول الأمم لرسالته وعظمة الموهبة المعطاة لهم.
قد تساءل شخص ما، لقد طلب تلاميذه منه أن يصرفها فلماذا تأخر. لو عمل لها ما أرادت وهي تصيح في إثرهم أي من بعيد وقال لها ليكن لك ما تريدين لما استفاد التلاميذ شيئاً ولما أدركوا قوة النعمة الموجودة عند غير اليهود. ولما حصلوا على نعمة التأديب التي حصلوا عليها من تواضع المرأة وجوابها السامي للسيّد المسيح.
كم نسمع الذين تقدَّسوا والذي يعيشون الحياة الروحية يقولون أنهم يرضون بالعيش بالقرب من الله ونوال رضاه ولو بأقل المستويات ألا يقول النبي داود "خير لي أن أكون صعلوكاً في بيت إلهي من أن أكون من ساكني قصور الخطأة".
يحتج البعض أن الكلمة والتعبير هما يهوديان فكيف يهين الرب يسوع المرأة بمثل هذا الكلام. إن الرب يسوع إستعمل الكلام لغرض سامي وقد شرَّف نفسه هو بلقب إبن الإنسان فهل يحق لنا أن نفسَّر الكلام فقط بمساره التاريخي؟ هذا النص يفهم جيداً باستخدام المسار التاريخي والبشاري والمسياني الإصلاحي. وإذا فهمنا ذلك فهماً صحيحاً وملك علينا عواطفنا كالمرأة الكنعانية، ليكن لنا العلم اليقين أننا نشفى من كل أمراضنا الإجتماعية ولصار البلد الى حال الإتحاد الواحد.
باسيليوس
مطران عكار
رد: عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور
الأحد 8 شباط2009
أحد الفريسي والعشار
قبل الدخول في الصوم الكبير تهيئنا الكنيسة المقدسة وتذكرنا بأهم الفضائل التي علينا أن نكتنزها في فترة الجهاد المقدس، جهاد الروح والجسد في مشروع إكتساب القداسة وتجميعها في كل ناحية من نواحي حياتنا وقلوبنا ومشاعرنا وأجسادنا.
والفضيلة الأهم والتي اعتبرها الآباء القديسون حافظة لكلِّ الفضائل الأخرى ومانعة لها من الضياع هي فضيلة التواضع التي إن حفظها إنسان وامتلكها في حياته وصارت بالنسبة له واقعاً معاشاً أصبح أقوى من جميع الشرور فالله هو الذي يحفظ المتواضعين ويرفعهم. والمتواضعون هم وحدهم الذين يقرون مائة بالمائة بقوة الله ووجوده. ويصبح تواضعهم ميناءً أميناً يقيهم جميع الشرور ومؤثراتها "القلب المتخشع والمتواضع لا يرذله الله" يقول النبي داود.
يقول ربنا يسوع المسيح: "تعلموا مني فإني وديع ومتواضع" وبالفعل كل العمل الخلاصي لولا التواضع الإلهي أو التنازل الإلهي لما حدث. وربنا لم يفتخر علينا ولم يمننّا بعمله هذا، وهذه هي حالة المتواضعين الذين يعملون بصمت وفرح وعند إنتهاء العمل أو إكتمال الواجب ينسحبون ولا يظهرون ويعطون دائماً مجداً لله وفرحهم أنهم أتموا إرادته.
المتواضعون مكانتهم دائماً في صدارة الحياة والمجتمع، لا يعرف المتواضعون الخوف وفي ذلك يقول الرسول بولص "إحذر أيها الواقف ألا تسقط".
يجاهد الرهبان والنساك في أديارهم ومناسكهم للقضاء على الخطيئة واقتلاع جذورها من حياتهم وإذا حققوا شيئاً ينسبون ذلك لفضل الله الذي أراد، فاستطاعوا أن يتقدموا في سبل الحياة الروحية. وكلما تقدم الإنسان في فضيلة التواضع والتي هي على درجات كلما بلغ أو صعد مرحلة في القداسة والإستنارة والتأله وكلما أوغل في غياضها ومفازاتها صار أصلب عوداً وأشد متانة في قول كلمة الحق وعيشها والدفاع عنها. المتواضعون لا يُفهمون، أعمالهم وتصرفاتهم تصبح غريبة بالنسبة للجميع، أما هم فيعيشون في السلام لأن غايتهم الله ولا شيء آخر. كل الفضائل تعيش تحت جناح فضيلة التواضع وتحتمي بها.
لم ينتفع الفريسي شيئاً بالرغم من كل ما طبقه وعاشه من ناموس وفرائض وشرائع ناموسية التي قادته بمعرفة منه أو بغير معرفة الى الكبرياء وتأليه ذاته ومخاصمة الله وفرز شخصه عن حياة الناس والمجتمع في كلمات مليئة بالتعالي. إذا لم يكن عنده ذلك السد المنيع الذي يقيه من الضياع ولا يحفظ له أعماله الناموسية. لأنه لم يمتلك الروح الذي يتميز فيه إذ لم يكن الله غايته بل إرضاء ذاته لكي ينال أجراً ومن يعمل لأجل الأجر لا يجد السلام طريقاً الى قلبه بل يكون دائماً في حال الإستعداد للخصام بل ويبادر إليه.
إن حاجة الناس لفضيلة التواضع كبيرة جداً ولا شيء يحررهم من كل عبودية إلا هذه الفضيلة. بدءاً من التحرر من عبودية الأنا الى عبودية المال الى عبودية الموضة الى الوجاهة والسلطة والأثرة.
وفوق هذه كلها المتواضعون، توابون، إذ يدركون أن حياتهم معاشة بمحبة الله الذي يصبح دستوراً لحياتهم، والمتواضعون لا يتشتتون، ينظرون دائماً لحياتهم وأعمالهم أنها لا شيء ويصرخون مع الرسول: "ويلي من يخلصني من جسد الموت هذا" أو مع النبي داود: "أنا دود ورماد". وإذا رأوا خليقة الله وتأملوا بها يدركون أكثر من غيرهم عظمة ومجد الخليقة التي صنعها الله ويكون لسان حالهم "ما أعظم أعمالك يا رب كلها بحكمة صنعت". فلنسارع أيها الإخوة والأبناء الأحباء لإمتلاك هذه الفضيلة في بدء إستعدادنا للجهاد المقدس، لتكون البداية صحيحة، ومن كانت بدايته صحيحة لا يخشى عليه من الضياع فقد عاهد الله سيد المتواضعين ومقدسهم.
باسيليوس
مطران عكار
رد: أحد الأبن الشاطر (عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور)
الأحد 15شباط2009
أحد الأبن الشاطر
يتميز تأريخ القديس لوقا الإنجيلي للبشارة الخلاصية عن باقي الإنجيليين بإراده لهذا المثل إضافة الى أشياء أخرى. كثيرون من المفسرين والشراح يعطون هذا النص طابع "سرّ التوبة" الذي هو من الأسرار الكنسية المحددة ويستندون في ذلك على صرخة الابن الضال أمام أبيه "لقد أخطأت الى السماء وإليك ولا أستحق بعد أن أدعى لك إبناً فعاملني كأحد أجرائك". ولكن النص هنا هو نص ليتورجي أيضاً يتكلم عن أسرار عديدة: عن سرّ التوبة أولاً، ثانياً عن سرّ المعمودية، ثالثاً عن سرّ الميرون، رابعاً عن سرّ الشكر، خامساً سرّ الكهنوت (أوامر الأب). وفي الكنيسة أيضاً القراءة الإنجيلية في صلاة الزواج إنما هي قراءة ليتورجية تخص سرّ الشكر. وفي الكنيسة قديماً فهم المؤمنون إرتباط سرّ الزواج بسرّ الشكر فاختاروا هذا النص وكانت الأعراس تتم في القداس الإلهي وليس كما في أيامنا هذه إذ يقيم المؤمنون زواجاتهم في غير رعاياهم.
النص إذاً مليء بغنى روحي وإنساني يمكن للإنسان الملتجئ الى كنف الله وحمايته أن يحافظ عليه فوجب التنبيه الى ذلك قبل الصوم الكبير ويخسر الإنسان هذا الغنى الروحي والهدوء النفسي والنعم المؤلِهة إذا ابتعد عن الله ومحبته وسماع كلمته. العيش مع الله وبحسب إرادته ورضاه يجعل هذه النعم والغنى في حال ازدياد مضطرد. وخاصة الحرية الشخصية التي هي هبة لنا من الله. وهذه الحريَّة كما تبيّن لنا من حالة الإبن الضال لها ثوابت وضوابط وليست مجرّدة فالله هو حريّتنا وحياتنا وطريقنا وقيامتنا والحق الذي ننشده دائماً.
العيش في كنف الله وعلى حسب دعة قلب الله يسمو بالإنسان الى عالم المحبّة ومنعطفاتها ويصبح رحيماً تواباً عطوفاً كسيده.
في تفاسير وترجمات عديدة يسمى هذا النص "إنجيل الإبن الشاطر" أي الذي شطر مال والده الى نصفين أو الذي شطر حياته عن حياة عائلته وغايرها نهائياً. وليس بالذكي الذي إستغلَّ طيبة قلب والده ومبادئه ليعيش على هواه حتى وصل الى درجة إشتهاء طعام الخنازير.
من لا يعيش مع الله لا يشطر فقط حياته عنه بل يشطر ذاته أيضاً ويقوي الصراع بين روحه الذي يطلب ما لله وجسده الذي يحارب روح
الله. ومع إمتداد مسيرة الخطيئة تتخلى الخطيئة عن الإنسان وتشمئزُّ منه وينزوي الروح جانباً ويقوى الجسد بشهواته وتقوى هذه عليه حتى تستهلكه إستهلاكاً شديداً ويخسر الإنسان كلَّ فرح حقيقي والمصيبة الكبرى إذا كان الإنسان عديم الإيمان ولا علاقة له بعالم الروح والوجود الإلهي وهنا الجحيم.
إن هذه القراءة تقودنا الى الحياة الكنسية وتقودنا الى التوبة بخطى ثابتة وتظهر لنا عظمة مفاعيلها، وتحررنا من قيود الهوان والعبوديّة وتطلقنا من جديد في عالم الفرح والسرور وقوّة الشخصيّة. تكلّم القديسون كثيراً عن التوبة ومفاعيلها وشروطها وعلومها. ليس هنا المجال أن نعدد ذلك. لكنها لازمة للجهاد الروحي. إذ للتوبة في الكنيسة الأرثوذكسية وجهان. وجه إيجابي يدفعنا دائماً لاكتساب المزيد ووجه سلبي يجعلنا نقرُّ بخطايانا وضعفاتنا. وبدون سرِّ التوبة والاعتراف لا يصحُّ الجهاد الروحي فلنخض أيها الإخوة بحارها فهي التي تبقي في ضمائرنا على الصوت النقي الطاهر.
والله القادر على كلِّ شيء يغفر لنا سيِّئاتنا ويقوي عزائمنا فلنصرخ نحوه مع بدء الصوم الكبير وخلاله قد أخطأنا إليك يا الله فاقبل توبتنا يا من قبلت توبة الإبن الضال. آمين.
باسيليوس
مطران عكار
رد: عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور
ابت جان الكلي القداسة
الرجاء من قدسكم الموقر
وضع عنوان لكل عظة :" احد زكا العشار او الفريسي والعشار
تسهيلا للقارئ
ولك كل المحبة والشكر
سلامي ومحبتي واشواقي لسيادة المطران نصور ولك
رد: عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور
على راسي ابونا الحبيب
وشكرا على ملاحظتك
بس ارجو التصحيح المطران منصور
مش نصور....
واذكرني بصلاتك
رد: عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور
بركاتكم آبائي،
تم تعديل العنوان
صلواتكم
رد: عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور
الأحد 22 شباط 2009
أحد مرفع اللحم - الدينونة
أيها الإخوة والأبناء الأحباء
بعد هذا الأسبوع ندخل في المرحلة الأولى من الصوم. ويبدأ صومنا المدعو بالكبير من يوم الاثنين الذي يلي مرفع اللحم. وندعوه بالكبير لطول مدّته. أسبوع البياض وأسابيع الصوم العاديّة ثم الأسبوع العظيم أي ما يعادل 56 يوماً من الصوم المتواصل التي تبدأها الكنيسة بالتدريج وتنهيها بعيد القيامة ويعتبر بعض الآباء أن هذا الصوم هو ما نكرِّسه لله من حياتنا أو من عامنا. فهذه المدّة هي ضريبة عامنا. فإذا اعتبرنا أن العام يساوي 365 يوماً وحذفنا من كل أسبوع يومي السبت والأحد، إذ في يومي السبت والأحد يُتناول الزيت طيلة أيام هذا الصوم وفي ما تبقى منه لا نتناول أي نوع من أنواع الدسم وذلك بحسب النظم الرهبانية. فأيام الصوم الكاملة تساوي تقريباً عشر أيام السنة.
العلاقة الأولى في عملية الصوم هي العلاقة مع الله. أما العلاقة الثانية بالنسبة لعملية الصوم هي العلاقة مع الناس. سمعنا ربنا يسوع المسيح يقول للذين عن يمينه وعن يساره "مهما فعلتم بأحد إخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتم" والصوم تعبير عن محبتنا لله واستعدادنا أن نضحي بكل شيء، المصالح – الملذات – العادات والمسرات لأجل الله الذي بادر بالمحبة أولاً فصومنا هو عمل محبة رداً على محبة الله. والله يطالبنا رداً على محبته أن نحب الآخر الذي يدعوه الرسول يوحنا بالأخ "كل من قال أنه يحب الله وهو يبغض أخاه فهو كاذب فكيف يحب الله الذي لا يراه ويبغض أخاه الذي يراه".
ولا يسأل الديان العظيم الناس عن أفكارهم ولا عن عقائدهم ولا شيء من حياتهم الخاصة بل يسألهم عن صلاتهم بالآخر والإنسان يتقدم بعلاقته مع الناس بقدر صدق إيمانه ويصدق إيمانه وينمو بقدر نمو علاقته الخيّرة مع الناس. ويقول بعض المفسرين أن الله لا يسأل الناس فقط عن أعمالهم بل ويسألهم عن تقاعسهم في الخير الذي كان من الممكن أن يعملوه وأهملوه. فكل عمل صالح وخيّر يقوم به الإنسان هو استجابة لمبادرة من الله نحونا وما نجده اليوم من إيثار المسألة الشخصية في كل شيء وسيادة الأنانية سوى إنعكاس لبعد الناس عن الله وتغييبهم له عن حياتهم.
وكما أن العلاقة الإنسانية الصالحة تكون في حالة خطر الإنكفاء إذا كانت بعيدة عن الله هكذا العلاقة مع الله تصبح في حالة خطر إذا كانت المحبة أي محبة الآخر غائبة عنها.
جعل الله أيامكم مباركة مليئة بالتوفيق والنعمة وأصلي إليه أن يهبنا وإياكم صوماً مباركاً وجهاداً صالحاً وإيماناً ثابتاً وتوبة خالصة لتزداد المحبة في العالم. آمين.
رد: عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور
الأحد 4/10/2009
الإخوة والأبناء الأحباء
كلام ربنا يسوع المسيح في هذا اليوم صعبٌ جداً ولا يمكن احتماله أو تطبيقه إذا صحَّ القول. والرب في كلامه هنا يخاطب الجموع التي رأت عجائبه وأعماله وأمامها ظهرت قوة الشرِّ والمرض الواهية. وعمل هو كل ما عمل من غير أن يستعمل مادَّة ومن غير أن يتناول أجرة على ما كان يفعله. شفى المرضى وأنهض المخلَّع وعمل أعمالاً جعلت الناس يقولون أن هذا يتكلّم بسلطان وليس كالفريسييين والكتبة. وكان الناس يمجدون الله على ما يعمله. وكل ما كان يفعله ويريح به الناس كان يقدِّمه مجاناً وهكذا استطاع أن يتكلَّم بهذا الكلام المدعوم بالفعل والواقع.
هنا يطرق ذهننا سؤال الرسول بطرس للرب يسوع. "من يستطيع أن يفعل هذا".
عندما سمعه يقول "أصعب على الجمل الدخول من ثقب إبرة من أن يدخل غنيٌّ ملكوت السماوات". فقال له الرب: ما لا يستطاع عند الناس مستطاع عند الله. إذاً وبالنسبة للكلام هنا ضروري هو وجود الرب الذي يعمل من خلالنا كلَّ الفضائل. ألا يقول الرسول بولس: "أستطيع كلَّ شيء بالرب الذي يقويني" إذاً وهندما نسامح الذين أساؤوا إلينا أو نحب الذين يبغضونا أو نبارك الذين يلعنوننا فلا نتكبَّر فالعمل هو عمل الرب ونحن عبارة عن أداة طيِّعة بين يدي باريها.
وكما سأل الرسول بطرس ذاك السؤال الطبيعي هكذا يواجه الكلام اليوم بالسؤال المماثل من يستطيع أن يحقق هذا القول أو أن يعيشه أو أن هذا الكلام للناس السماويين أو المتقدِّمين في الحياة الروحيَّة وصلوا إلى مرحلة متقدِّمة في القداسة. هذا الكلام يحتاج لأناس تخلوا نهائياً عن العالم. كل هذا صحيح فأهم شيء يسهل طريق الربِّ وتطبيق أقواله أمامنا هو أن نبتغي حياة القداسة التي تفوق حلاوتها كلَّ شيء آخر. هذا ما يبرِّر الحوادث التاريخيَّة التي تؤرخ للفضيلة التي عاشها ربنا يسوع المسيح وقد طبَّقها وهو في خضمِّ حوادث الفداء أي عندما كان على الصليب " يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون". فلم يسمح لفكره أن يتهمهم بصلبه عمداً أو نتيجة فكر شرير بل برَّر لهم موقفهم بقوله " لا يدرون ما يفعلون" كيف يمكننا أن نفهم ما تحمَّلهُ القديسون الشهداء المعترفون والنساك في القيافي والقفار لو لم يكونوا قد ألقوا رجاءَهم على الله. كيف يستطيع شخص مثل يعقوب الفارسي المقطَّع أن يتحمّل آلاماً تعجز عنها الجبال لو لم يكن فكره وعقله قد امتلأ من حضور الله الذي " قوته في الضعف تكمل". أيها الإخوة الأحباء نجاتنا وخلاصنا وسلام المجتمعات عامَّة هي بحفظ كلمة الله والعيش معه كما يريدنا أن نعيش لا كما نريد نحن. عند ذلك يصبح كل شيء مستطاع بالله الذي يقوينا.
وطالما أننا نجاوب في كل وقت. هذا غير مستطاع بالنسبة للبشر هذا يعني أنَّ الخوف مسيطر على حياتنا ومن سيطر عليه الخوف منذ البداية لا يمكنه أن يفكِّر صحيحاً وبالتالي لا يتصرَّف تصرُّفاً لائقاً فيه شجاعة وتقدُّم. الإنسان الجبان يخسر كل شيء. وطالما أن الإنسان متمسكٌ بالأرض وما عليها حتى العبادة لا بد وأنَّه صائر إلى ما صار إليه الرومانيون بحسب وصف رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية في (1) و (2).
الناس يغبِّطون الإنسان الذي يتفوَّق أخلاقياً على القليلي الأخلاق والسفهاء.
نحن نعيِّد للقديسين ليس لأنهم أصحاب قوَّة جسديَّة بل لأنهم تكللوا بالنعمة الإلهية وعاشوا كما جاء في الإنجيل. عاشوا بالجسد وعلى هذه الأرض التي صارت بهم سماءً أو هم صيّروها سماءً. "إن من يستطيع لجم غضبه أعظم ممن يفتح مدينة".
الخوف يرمينا أمام أولادنا. الخوف يرعبنا ويخضعنا لشهوات أجسادنا. الخوف يرعبنا من المستقبل الذي قد لا ندخله. لا يعيش كلمة الله بالتمام والكمال إلا الذين صاروا أبطالاً بين يدي الله وبه وحده يفتخرون. كيف سيتخلى محب المال عن ماله للمحتاج. كيف سيتخلى المتكبِّر عن كبريائه إذ أهين من إنسان ضعيف. كيف سيشارك البخيل الفقراءَ بطعامه وهو مقتّرٌ على نفسه. المطلوب أولاً التحرر من كلِّ العبوديات الداخليّة والخارجية.
ما قصده أيضاً ربنا يسوع المسيح هنا هو أن يريح المحتاجين والفقراء والضعفاء الذين لا نصير لهم غير الله. يذكِّرُ المؤمنين وسامعيه بأن العمل الصحيح الذي يقوم به الإنسان هو محبة الإنسان الآخر والمحبة تطرد الخوف خارجاً. لنتأمل يا إخوتي بما سمعنا اليوم وسنجد أن واقعنا يتطلَّب منا هذا النوع من الحياة. لأنّهُ لو طبقنا مبدأ العين بالعين والسن بالسن. لما بقي كثيرون في العالم أصحاء وكاملين 100% ولامتلأ العالم من المبتروي الأيدي والمقطوعي الأرجل والمفقوئي العيون.
هل يوجد إنسان أكثر هماً ممن يقرض بالربا. نعم هذا همه كثير وفي كثير من الأحيان يصبح هزءاً للناس وسخرية. يعيش في الخوف الدائم. نجانا الله من كلّ خوف وسهَّلَ أمامنا أن نعيش بحسب وصاياه. آمين.
باسيليوس
مطران عكار
رد: عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور
الأحد 10/10/2009
الإخوة والأبناء الأحباء
هوذا مثل مأخوذ من واقع بلادنا الاقتصادي. وكل من يعرف في شؤون الزراعة والتربة وتحضيرها للعمل بها وإيداعها الثمار يعرف ما الذي عناه ربنا في كلامه وخاصة أنه يوضح في نهاية المثل قصده مما قاله.
الشخص البشري هو المقصود به أنواع الأماكن المتنوعة
التي تلقت الحبوب والحبوب مقصود بها الإيمان.
ربنا لا يمنع كلمته عن أحد بل يعطيها لجميع الناس بلا تمييز. فالناس كلهم مخلوقون على صورته ومثاله ومدعوون أن يحوزوا الإيمان بلا تفريق. اذهبوا إلى جميع الناس وتلمذوهم معمدين إياهم باسم الآب والابن والروح القدس وعلموهم جميع ما أوصيتكم به. إذاً الكلام موجه إلى الناس كافة وطالما أن شخصاً ما استطاع أن يعيش الإيمان كما علمه ربنا يسوع المسيح وأن يقتدي بتواضعه ويتمثل بطيبته يمكن لكل إنسان أن يعيش هذا الإيمان ويثمر به أثماراً مضاعفة ثلاثين وستين ومائة. نعم أعطى الله تعالى لكل إنسان وزناته ومواهبه والمسيحية بناء على تعليم الإنجيل تعتبر بالفروقات الشخصيّة بين إنسان وآخر وتعترف بأن إمكانيات الناس مختلفة. وهذا الاختلاف بالإمكانيات هو المقصود به اختلاف أنواع الأرض التي وقع البذار بها.
نعرف من عمل الفلاحين أنهم لا يقولون بأرض غير صالحة للزراعة لأن الفلاح إذا وًجدت أرض فيها ملوحة كثيرة إما أن يبحث عن نوع من المزروعات يناسب الأرض أو يبدل التربة. ناهيك عن حرث الأرض وقلع الأعشاب وتطهير الأرض من أنواع الأمراض المتعددة ومتى صارت الأرض صالحة للزراعة يرمي فيها البذار أو يغرس فيها الأشجار.
اسألوا آباءكم وأجدادكم كم تعبوا بهذه الأرض كم نقبوا ترابها وأخرجوا حجارتها وطهروا تربتها كم سقوها بعرق أتعابهم، كم اتحد ترابها بنور عيونهم ، كم غنّوا لها وتغنوا بها، كم مرةًّ داعبوا ترابها بأناملهم ومشطوه كما تداعب الأم رأس طفلها. وبرغم الصخور والأعشاب والأرض المجدبة أصرّوا على تصييرها جنائن أو قطعة سما. إذاً بكدهم وتعبهم فعلوا ذلك وبرغم الصعوبات ما تخاذلوا. إلى جانب ذلك وبرغم الفقر اهتموا بالتعبير عن محبتهم لله فبنوا الكنائس والأديار وكان إيمانهم بالأرض على مقدار إيمانهم بالله. من رحل منهم في أجيال سابقة رحل وهو دامع العين يشده الحنين للعودة حتى قبل السفر.
الآباء القديسون الذين نعيد لهم اليوم هم الأرض الصالحة التي تقبلت الثمر وأعطت غلالاً وافرةً على مر السنين. لم يكونوا معلمين بالقول فقط بل وبالعمل فأثمرت أتعابهم الحفاظ على استقامة الإيمان وجذب ملايين البشر للإيمان بيسوع المسيح. لم يعطوا فكراً لاهوتياً فقط بل وأعطوا حضارات قلدتها الشعوب كلها وأخذت منها. ولما طغت المحدوديّة على الفكر الكنسي وصار فكراً تكرارياً وتقليدياً تقلص تأثيرهم وصارت الثمار قليلة جداً.
في الحياة الروحية يحدثنا الآباء القديسون عن الإثمار الروحي والمخاطر المحيطة به. الرب يسوع المسيح ينبهنا إلى أنه حتى ولو كانت الأرض صالحة إلا أنه من الممكن أن يأتي عدو ويلقي مع الحنطة زوءان. إذاً ليس فقط نوع الأرض هو المهم بل ومهم جداً المتابعة والحراسة فنكون بطمأنينة وخلاصنا من كلّ مباغتة أو مفاجأة.
رجاؤنا إلى الله أيها الإخوة والأبناء الأحباء أن يلهمنا الاقتداء بهؤلاء الآباء لكي نكون أحبته الساهرين المستيقظين على خلاص نفوسنا وطالبين رضاه دائماً وبرضاه نثمر أثماراً تليق بمحبته في هذا العالم ونهيئ لجواب حسن في الدهر الآتي آمين.
باسيليوس
مطران عكار
رد: عظات سيادة المتروبوليت باسيليوس منصور
وإنشاء الله رح ينزل الباقي هون