بالتأكيد وكذلك حواء "رأت أن الشجرة طيبة للأكل ومتعة للعيون" لقد استغل الشيطان المشاعر السلبية الموجودة لدى الإنسان ( وهي ليست خاطئة بحد ذاتها ) ودفعه لتوجيهها بشكل خاطئ بعيدا عن الله مما أدى إلى سقوطه في الخطيئة.
صلواتكم
عرض للطباعة
أخي الحبيب في المسيح ساري،
هل المسيح مات أم لم يمت؟ هل الموت من صفات الطبيعة الساقطة أم لا؟ القديس غريغوريوس النيصصي يقول: "ما لم يتخذ لم يشف"، فإذا السيد المسيح لم يتخذ طبيعتنا الساقطة، فما الذي شفاه وأعطانا إمكانية الشفاء (بشكل كامن Potentially) عن طريق المعمودية والمشاركة في الأسرار المقدسة؟
أما لماذا يخرج الإنسان من جرن المعمودية وهو يبكي ويتألم، فلأن المعمودية تعطينا إمكانية الشفاء، والأمر يحتاج إلى إرادتنا ومشاركتنا الحرة في الخلاص، فيما تسميه الكنيسة التآزر بين نعمة الله وإرادتنا البشرية الحرة. فكما قال سيدنا إيرثيوس فلاخوس، إن لم نتألم فكيف سنتغلب على الألم، وإن لم نمت فكيف سنتغلب على الموت.
وكما قرأت مرة للقديس يوحنا الدمشقي، الذي لخص لاهوت الآباء تكلم بنفس لغة القديس غريغوريوس النيصصي، حيث قسم الأهواء إلى معابة (منابت الخطيئة) وغير معابة.
صلواتك
مع أنني لم أرغب بفتح هذا الموضوع لأنه ليس سهلاً، لكني سأسألك ما هو الموت، هل هو انتقال من حياة تجربة مؤقتة على الأرض إلى حياة أبدية بجوار الله خالية من التجربة، أم هو فساد الجسد وتحلله؟ أعتقد أن هناك معنيين للموت ويتم الخلط بينهما.
"ما لم يتخذ لم يشف" ما معنى هذا الكلام؟ هل كان على المسيح أن يقع بالخطيئة مثلاً حتى يشفي الخطيئة؟ حاشا، هل على الطبيب أن يمرض ليشفي المرض؟ بالخطيئة الأصلية أصبحت الطبيعة البشرية بعيدة عن الله وبالتجسد كانت متحدة مع الله، لذلك أجد أنه من غير الممكن القول أن المسيح قد اتخذ طبيعة ساقطة، فالسقوط هو فقدان الارتباط بالله، هو فقدان المآزرة بين نعمة الله وإرادتنا الحرة كما تقول، فكيف يمكن أن نطلق هذه الصفة على السيد المسيح؟
على حسب علمي أن تعليم الكنيسة هو أن المعمودية تغفر الخطايا الشخصية للمعتمد التي فعلها قبل المعمودية، وأنها تمحي آثار الخطيئة الأصلية، أي تعيد الارتباط بين الإنسان وخالقه، فهي بهذا المعنى "شفاء" وليس "إمكانية شفاء" ولكنها "إمكانية تأله" وكذلك آدم في الفردوس كان له "إمكانية التأله".اقتباس:
أما لماذا يخرج الإنسان من جرن المعمودية وهو يبكي ويتألم، فلأن المعمودية تعطينا إمكانية الشفاء، والأمر يحتاج إلى إرادتنا ومشاركتنا الحرة في الخلاص، فيما تسميه الكنيسة التآزر بين نعمة الله وإرادتنا البشرية الحرة. فكما قال سيدنا إيرثيوس فلاخوس، إن لم نتألم فكيف سنتغلب على الألم، وإن لم نمت فكيف سنتغلب على الموت.
بالتأكيد وهو أيضاً تعليم معظم آباء الكنيسة، الأهواء يمكن أن تكون معابة وغير معابة، ولكن القديس غريغوريوس النيصصي عندما يقول أن الإنسان في الفردوس لم يكن لديه أهواء البتة فهو يقول بهذا المعنى أنّ كل الأهواء معابة، لأنها نتيجة السقوطاقتباس:
وكما قرأت مرة للقديس يوحنا الدمشقي، الذي لخص لاهوت الآباء تكلم بنفس لغة القديس غريغوريوس النيصصي، حيث قسم الأهواء إلى معابة (منابت الخطيئة) وغير معابة.
صلواتك
اختي العزيزة شيم أنت ابتعدتي كثيراً، بحسب مافهمت، عن مقصد الأخ ساري.
فالأخ ساري أراد أن يقول أن هذه كلها وضعت من الله.. فهل تقولي لي أن الكبرياء وضعه الله في الإنسان؟ وهو الذي رأى كل شيء حسن.. وهو مبدأ كل الخيرات وأما الشرور فهي منّا ومن الشيطان.
وأكد الأخ ساري مرة أخرى عندما قال:
إلا أن الكبرياء خاطئ في ذاته... فهو أصل كل الشرور... والكبرياء دخل الإنسان عندما استمع لكلام الشيطان.
فلذلك الآباء يحذروننا من الدخول في حوار مع الشيطان، بل يجب علينا أن نترك ونهرب من هذا الحوار.
والآن نعود لمشاركة الأخ ساري، أخي أنت قلت في البداية:
فلذلك كان ردي في سياق ما ذكرت...
ولكن الآن تلغي موضوع الآلام وتبقي على مشاعر أخرى، وتحصرها بـ:
دعني أضيف مشاعر أخرى لم تكن موجودة قبل السقوط، وهي الشعور بالعري!
فقبل التجسد لم يكن آدم وحواء يعرفان أنهما عريانان، ولكن بعد السقوط عرفا ذلك وشعرا بأنهما عريانان.
فلماذا بعد المعمودية يبقى لدينا هذا الشعور، وإن رأينا المخالف لنا بالجنس (رجلاً أو امرأة) عرياناً إما أن نتقزز من هذا المنظر وإما أن تتحرك فينا الشهوة الجنسية الحيوانية!
منطقياً، بحسب تحليلك، يجب ألا أشعر بأني عريان وأذهب الآن وأتمشى في الشارع... فأنا لا يوجد عندي شعور العري كما هو واضح في الكتاب.
وأيضاً بما أنك قلتَ في البداية الألم، ومن ثم قلت بأنك تقصد فقط المشاعر السلبية، فهنا دعني أيضاً أن أسأل لماذا مانزال نتألم؟
فاعتمادنا على تحليلك يجب علينا ألا نتألم لأن الآلام دخلت بالسقوط! وأقله آلام الولادة!!!
أعتقد، غير جازمٍ، بالنسبة للشق الأول فهو نعم، أما بالنسبة للشق الثاني فهو لا.
نعم لم يكن الإنسان يخاف مخالفة الله، ولكنه كان في اشتياق دائم إلى الاتحاد به.. وهذا الشوق هو شعور ايجابي هنا وليس سلبي لأنو السعي نحو المثال.
ولكن لم يكن يخاف الله لأنه كان يعيش في ظل عناية ونعمة الله، ومن كان يعيش في هذه العناية لا يخاف.
فمثلاً، هنا أي قبل السقوط، لم يكن الإنسان بحاجة لكي يعبر عن إيمانه بالله، لأنه لم يكن قد تغرب عن الله وأصبح جاهلاً له. بل كان يعيش حياة البراءة والبساطة.
اخيراً سأترك الإجابة للشماس اسبيرو جبور، ومن ثم أضع قول القديس يوحنا الدمشقي:
![]()
قول لاهوتي أرثوذكسي: الشماس سبيرو جبور، سر التدبير الإلهي، ق 2، ف 9: ناسوت آدم وناسوت المسيح
في المقالات ورد ذكر مسألتين هامتين حشراً هنا وهناك بدون معالجة كاملة تستنفد الموضوع. فظروفي أثناء الكتابة كانت قاسية بسبب انهماكي في مشاغلي الخاصة الكنسية منها والحقوقية (1).
وقد رأيت أن أخصها بهذا الفصل ليتدارك المطالع ما قد يقع عليه من أخطاء لدى بعض المؤلفين.
فلوسكي عرض الموضوع بصورة مشوشة (الصفحة 144 من اللاهوت الصوفي) وغير سليمة. استند إلى مكسيموس المعترف فقط (2). وهو مولع بنهج ديونيسيوس المنحول أي اللاهوت السلبي فيطبقه باستمرار في كل مكان. أما يوحنا الدمشقي فقد فهم مكسيموس كما هو، مستعملاً الاعتدال وموفِّقاً بين أقوال الآباء ليختار أفضل الآراء. لوسكي يسير غالباً في خط الآباء الفلاسفة أي النيصصي، ديونيسيوس المنحول، مكسيموس. وبولغاكوف لاهوتي يفلسف الأمور فيشتط (الكلمة المتجسد، ص 220 و... فرنسي مترجم عن الروسية). ولكن من المعلوم أن أكابر آباء الكنيسة كانوا حقوقيين فاستعملوا لغة حقوقية على مايرى دي رينيون.
1 - المسألة الأولى
تتعلق المسألة الأولى بحالة آدم في الفردوس قبل الخطيئة وبعدها.
ففي الفردوس كان آدم يعيش حالة غبطة بدون أن يعرف الأمراض والأسقام أو الأهواء والشهوات المرفوضة. وكان مُعداً للخلود الأبدي. خلقه الله حرّاً صاحب سلطان في اختيار الخير أو الجنوح إلى الشر. حريته مجال حيوي لاختياره طاقته في الخير والاستفادة من نعمة الروح القدس ليصير إلهاً بالنعمة لا على أسلوب الشيطان الذي تكبّر إذ سعى نحو التأله بقدرته الذاتية، بل على أسلوب شفافيته لفعل الروح القدس.
ولكن آدم اختار المعصية. حريته عاكست حرية الله ومشيئته. ارتكب الخطيئة فدخل الفساد ارادته وطبيعته، فوقع فريسة للأهواء المرفوضة، خاضعاً للآلام وسائر الأعراض والتقلبات. ومات روحياً، فنتج عن موته الروحي موته الجسدي وانحلال الجسد بعد الموت وصيرورته تراباً. ودخلت الخطيئة إلى العالم وصار جميع الناس يرثون طبيعة آدم الساقطة فخضعوا مثله لشريعة الموت والانحلال (3).
وصرنا بعد ذلك لابسين الجلود فاقدين شفافيتنا الأولى. وفي رأي النيصصي ومكسيموس، بعد أن كان الجنس إمكانية إذ أن الله توقع [ليس كما يتوقع الإنسان] سقوطنا، صار ضرورة. فهو وسيلة للإبقاء على البشر بعد السقوط. لم يكن الجنس سبب القابلية للموت ولكن ترياقاً نسبياً ضدها (4).
وفي خدمة الجناز فردد مع غريغوريوس اللاهوتي أن الله شرع لنا الموت لكيلا يبقى الشر عادم الزوال. فالموت يقضي على الشر (5). والآباء الشرقيون لم يقولوا مقالة أوغسطين أننا مسؤولون عن خطيئة آدم الشخصية. لقد ضلّلته الترجمة اللاتينية لرومية 5: 12 (6). فنحن مسؤولون عن خطايانا الشخصية. ولكننا ورثنا عنه الطبيعة فقاسينا ما يقاسيه حامل الفساد. فكان الموت لجنس البشر (7). سقطت الطبيعة البشرية فكان سقوطها غير قابل للجبر. يد القدير وحدها كانت قادرة على أن تقيمها (8).
2 - المسألة الثانية
تتعلق بناسوت ربنا يسوع المسيح. الرسالة إلى العبرانيين تقول أنه صار مثلنا في كل شيء ما عدا الخطيئة (9). الروح القدس حلّ على مريم العذراء قبل الحبل، فطهرها، فحبلت بالابن الحبيب وأعطته طبيعة بشرية. مادامت مريم طاهرة مثل آدم وحواء قبل الخطيئة فمن المفروض نظرياً أن تكون طبيعة المسيح البشرية مثل طبيعة آدم وحواء في الفردوس. هذا نظرياً. أما في الواقع فمريم قاست في الجلجلة آلاماً مرة وماتت. ويسوع نفسه عرف الجوع والعطش والنوم والقلق والاضطراب أمام الموت، ونزاع الموت حتى صار عرقه قطرات دم. وذاق كأس الآلام المرّة. وثقب جسده بالمسامير والحربة وإكليل الشوك. وقاسى كل ما جلبته علينا خطيئة آدم وحواء من شقاء ما عدا الخطيئة. لم يكن فيه ميل إلى الخطيئة. لقد حمل وقرنا كله ما عدا الخطيئة. أثناسيوس الكبير وسواه من الآباء وترانيمنا الأرثوذكسية في أسبوع الآلام على الخصوص يروون ما قاساه يسوع ويجعلون ذلك أدوات لانقاذنا، أي أن يسوع قاساها عنا لننجو نحن منها ونتقدس بها.
ما الأمر إذاً؟ يسوع تحمل عنا كل شيء لننجو من العواقب جميعاً. ولكن، من المستحيل أن يكون فيه ميل إلى الخطيئة وإلا احتاج هو إلى من يفتديه. فهو معدن الطهارة. ولذلك صار قادراً أن يكون فادياً لنا ما زال ناسوته متحداً بلاهوته. فآلامه آلام إله متجسد قادرة على أن تمحو آلامنا وأوجاعنا. ولم يساونا فقط في كل ما ذكرت بل تجاوز ذلك فقبل أن يجربه الشيطان. ولكنه لم يسقط كما أن خوفه أمام الموت لم يكن خوف جبان بل كردة فعل الإنسان التام الإنسانية أمام الموت.
يسوع من أم بتول كآدم من طينة بتول. إلا أنه من أجلنا ومن أجل خلاصنا قد ارتضى متنازلاً لأن تكون طبيعته قابلة للأعراض التي نتعرض نحن لها ما عدا الميل إلى الخطيئة والأهواء الفاسدة. هذا لطف منه فأقبل إلى الآلام طوعاً وقاسى كل شيء طوعاً لا عن اضطرار أبداً (10). أليس هو -جل جلاله- القائل: "وإنما أنا أبذلها باختياري. فلي سلطان أن أبذلها، ولي سلطان أن أسترجعها أيضاً، تلك هي الوصية التي تقلقيتها من أبي"؟ (11).
ولكن تبقى لدينا مسألتان فرعيتان: 1- هل كان جسده في القبر قابلاً للانحلال؟ الدمشقي يقول أن الآباء الملهمين ذهبوا إلى أن جسد يسوع كان غير قابل للتلاشي في القبر. المرمور 16 الذي استشهد به بطرس الرسول (أعمال 2: 31) يتكلم صراحة عن أن الله لن يترك جسد يسوع يرى فساداً. أثناسيوس الكبير يتكلم عن لاهوته الذي أقام ناسوته. لأجلنا أخذ جسداً قابلاً للموت، ولكن اللاهوت قائم لكي يلبس الجسد، بعد الموت، عدم البلى. والدمشقي من بعد أنسطاسيوس السينائي وسواه يقيم تفريقاً بين نوعين من الفساد، فيجعل التلاشي في القبر توعاً منهما، لم يكن جسد يسوع قابلاً له (12). واستبعد الدمشقي الجنس والتناسل من ناسوت يسوع إذ لا جدوى منه (13).
وتبقى قضية أخيرة هي ولادة يسوع بدون آلام المخاض. فترانيم الكنيسة التي تذكر ذلك عديدة. فيقول ثيوطوكيون صلاة الغروب للحن السادس: "... من ذا لا يسبح ممجداً ولادتك البريئة من الطلق والنفاس..." وهكذا محا الله آلام الولادة التي قضى بها على حواء (14).
ملاحظة: بالنسبة للهوامش، فسيتم وضعها عندما يتم وضع الكتاب على الشبكة قريباً جداً!!!
![]()
قول آبائي: القديس يوحنا الدمشقي، المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، المقالة 64
في الآلام الطبيعية والبريئة
لقد اتخذ المسيح آلامنا البريئة - ما هي الآلام البشريّة الطبيعيّة التي لا ملامة فيها: ونعترف أنّ المسيح قد اتخذ كل آلام الإنسان الطبيعية والبريئة، لأنه قد اتخذ الإنسان كلّه، وكل ما يختصّ بالإنسان، ما عدا الخطيئة. فإنّ هذه ليست طبيعيّة والخالق لم يزرعها فينا، لكنها من زرع الشيطان. وهي مثبّتة فينا باختيارنا طوعاً، لا اقتحاماً بالقوة. أمّا الآلام الطبيعية والبريئة فهي تلك التي ليست منوطة بنا وهي كلها قد دخلت في الحياة البشرية من جرّاء الحكم بالمخالفة وهي الجوع والعطش والتعب والوجع والبكاء والانحلال والاستغاثة من الموت والفزع والنزاع حتى تصبّب العرق وقطرات الدم والاستعانة بالملائكة بسبب ضعف الطبيعة وما شاكل ذلك ممّا هو موجود طبعاً في كل البشر.
وقد اتخذ إذاً المسيح كل هذا لكي يقدّسه كله؛ إنّه جُرِّبَ وانتصر لكي يحقق لنا الانتصار ويُعطي طبيعتنا قوةً بأن تغلِبَ العدوّ، حتى إنّ الطبيعة المغلوبة قديماً، تغلب المنتصر قديماً بواسطة الرشقات نفسها التي كان قد غلبها بها.
كانت تجربة المسيح بدون نزعة داخلية: إذاً فإنّ الشرير قد جرَّب المسيح تجربةً خارجية بدون إيحاءات، ذلك كما فعل بآدم، لأنّ آدم قد جُرِّبَ ليس بإيحاءات، بل بالحيّة. لكنّ الرب قد صدَّ الهجوم وبدَّده كالدخان، حتى إنّ الانفعالات، وقد صدّها هو وهزمها، تصبح هي تحت سيطرتنا، وبذلك يُنقِذُ آدمُ الجديد آدمَ القديم.
إن آلامنا هي في المسيح طبيعية وفوق الطبيعة: لا شكّ في أنّ الآلام التي هي فينا بحسب الطبيعة، كانت أيضاً في المسيح فوق الطبيعة. فقد كانت بحسب الطبيعة لمَّا أطلق لجسده أن يتألم في ما هو من اختصاصه، وكانت فوق الطبيعة، لأنّ الآلام الطبيعية في المسيح لم تسبق قط مشيئته، فلم يوجد قط إكراه في تصرّفاته، بل كانت كلها طواعية. فقد أراد فجاع وأراد فعطش وأراد فخاف وأراد فمات.
وأيضاً:
![]()
قول آبائي: القديس يوحنا الدمشقي، المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، المقالة 64
خوف المسيح
الخوف نوعان: الخوف الطبيعي، كما هو في المسيح: لكلمة خوف مفهومان. أولهما الخوف الطبيعي وهو يكون عندما لا تشاء النفس الانفصال عن الجسد، لأنّ الخالق قد وضع بينهما وبينه منذُ البدء تعلّقاً ودالّة طبيعيتين. لذلك فهي تخشى الموت خشيةً طبيعيةً وتأباه بجزع. وإليك تحديد الخوف: إنه قوّة في الطبيعة ترمي إلى المحافظة على سلامة الكائن. ولمّا كان الخالق قد أوجد الكلّ من العدم إلى الوجود، فإنّ في الكل ميلٌ طبيعي إلى الوجود وليس إلى العدم. ونزعة الجميع إلى البقاء هي بموجب الطبيعة الخاصة لكل منهم. فإنّ الله الكلمة إذاً، لمّا صار إنساناً، كان له هذا الميل وكان يظهر الرغبة في بقاء طبيعته بالأكل والشرب والاستسلام للنوم، وكانت له طبيعيّاً خبرة هذه الأمور. ومن جهة أخرى، كان له النفور من المهلكات، كما حدث من مقاومته الموت في وقت آلامه الطوعيّة. وإذا كانت الأمور قد أخذت مجراها بموجب الناموس الطبيعي، لكنها لم تجرِ جرياً حتمياً على مثالنا. فإن المسيح قد تقبّل بإرادته الأمور الطبيعية تقبّلاً طوعياً. حتى إن الخوف نفسه والجزع والنزاع هي أيضاً كانت لديه انفعالات بريئة لا يتخلّلها خطأ.
الخوف غير الطبيعي الذي لم يرتضِ به المسيح: وهناك أيضاً خوفٌ ناتجٌ من تصوّرات خيانة وخداع وتوقع ساعة الموت، على نحو ما نشعر ليلاً بخوف من مداهمة أحد. وهذا ضدّ الطبيعة ونقول في تحديده: الخوف ضدّ الطبيعة هو الفزع الخارج عن سيطرة العقل. وإن الربّ لم يشعر بهذا الفزع. لذلك فهو لم يفزع قط سوى في حين آلامه، ولو كان قد تجنّبها مرّات كثيرة، كما كان يقتضيه تدبير خلاصنا. لأنه لم يكن يجهل الوقت المحدّد لذلك.
أما أن يكون المسيح قد خاف حقاً، فاسمع ما يقوله القديس أثناثيوس ضدّ أبوليناريوس: "لذلك يقول الرب: الآن نفسي قد اضطربت (يوحنا12: 27). فإنّ كلمة الآن تعني عندما كان يريد (الموت)، كما لو كان يدلّ على وجوده. فإنه لم يتكلم عن غير الموجود كأنه حاضرٌ، على نحو ما يحدث أن يُظَنّ بالمقولات أنها وقائع، لأن كل شيء كان يتمُّ طبعاً وحقيقةً". ويقول في مقطع آخر: "لم يرتضِ اللاهوت قط بالآلام دون أن يكون التألّم للجسد، ولم يظهر الاضطراب والحزن دون أن تحزن النفس وتضطرب، ولم يقلق ويصلِّ، دون أن يقلق التفكير ويصلِّي. ولكن على الأقلّ إن هذه الأمور لم تحدث لضعف في الطبيعة، إنما كانت لإثبات وجود". فيتّضح أن الأمور لم تحدث لضعف في الطبيعة لكونها لم تكن قسريّة.
وأخيراً:
![]()
قول لاهوتي أرثوذكسي: الأب د. جورج عطية، مادة العقائد واللاهوت المقارن/البلمند
لكن على الرغم من كل ما ذكرناه فهناك ميزتان أساسيتان تختلف بهما طبيعة المسيح البشرية عن طبيعتنا بعد السقوط وهما :
الولادة الفائقة الطبيعة :كلمة الله الوحيد الذي ولد بحسب الجسد من عذراء أي بدون زرع بشري وبواسطة الروح القدس. أهمية هذه الولادة لا تنحصر في الدلالة على إلوهية السيد وإعفاء المسيح من وراثة ذنب -مسؤولية- الخطيئة الجدية كما هي الحال بالنسبة للاهوت الغربي بل ترجح بالدرجة الأولى إلى توقف السيادة الجهنمية للشيطان على الخليقة، وذلك لأول مرة بسبب ولادة يسوع الفائقة الطبيعة. لأن كل ولادة لذرية آدم وحواء بطريق التناسل الطبيعي تعني بالدرجة الأولى وراثتهم لضعف الموت وبالتالي وجودهم بمستويات مختلفة تحت سلطان الشيطان والخطيئة والموت.
هذا هو الموقف العام للاهوت الآبائي والذي يعبر عنه ايريناوس، بعد أن يتحدث عن ولادة يسوع المختلفة عن ولادة البشر فيضيف : "لأنه كما بالولادة السابقة كنا نرث الموت هكذا بالولادة الجديدة هذه نستطيع أن نرث الحياة"
ويتابع في مكان آخر من مؤلفه ذاته الحديث عن تأثير هذه الولادة في حياة الإنسان فيقول : "لأنه كيف يمكن أن يتجنب -الإنسان- الولادة الخاضعة للموت إلا بولادة جديدة تعطى من الله بطريقة عجيبة وغير متوقعة أي بإعادة تلك الولادة التي تأتي من العذراء بواسطة الإيمان؟ وكيف سيحصل هؤلاء -البشر- على التبن إذا كانوا سيبقون في تلك الولادة التي يحصل عليها الإنسان بحسب طبيعته في هذا العالم؟"
إن عدم وجود طبيعة السيد البشرية تحت سلطان الخطيئة والموت والشيطان بسبب ولادته الفائقة الطبيعة، لا تعني بأنها كانت منذ ولادته، كما علم يوليانوس الاليكارنسي غير قابلة للفساد والموت، بل فقط لم تكن بصورة حتمية تحت سلطانها إذ كان بإمكانها أن تقبلها وبإمكانها أن تتغلب عليهما كما كانت طبيعة آدم قبل السقوط لأجل هذا فالمسيح هو آدم الثاني الذي خضع طوعياً وفعلياً للألم والموت لكي يبيدهم، وبدون أن يسيطر عليه الشيطان والخطيئة. القديس يوحنا الدمشقي يوضح لنا هذه النقطة أكثر فيميز بين نوعين من الفساد الأول يتعلق بالأهواء غير المعابة كالجوع والعطش والتعب والألم الجسدي والنفسي والموت أي افتراق النفس عن الجسد وما شابه........، والثاني يتعلق بانحلال الجسد إلى عناصره الأصلية التي أُخذ منها. واضح أن جسد السيد تعرض طوعياً للفساد من النوع الأول لكي يبطله، ولم يتعرض البتة إلى الفساد من النوع الثاني كما أشار النبي داود
أعمال2: 31 سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ رَأَى جَسَدُهُ فَسَاداً.
أما الميزة الثانية لطبيعة المسيح البشرية على طبيعتنا وهي خلوه الدائم من الخطيئة فلا تتعلق فقط بولادته الفائقة الطبيعة من العذراء، بل خصوصاً بالوحدة الأقنومية لطبيعته الإلهية والبشرية ولذلك سوف نشرحها لاحقاً عندما سنتكلم عن نتائج هذه الوحدة.... تابع القراءة: التجسد
أخي الحبيب، أكاد أجزم، أن الشماس اسبيرو من أشد المعارضين للشخص الذي تتكلم عنه. فلذلك لا يمكن أن يكون قد تأثر به، فضلاً عن الأب جورج عطية وفضلاً عن الجميع القديس يوحنا الدمشقي.
هذا كان بالنسبة للنقطة الأولى، وهي طبيعة المسيح البشرية.
ولكن تبقى النقطة الثانية، وهي طبيعتنا نحن بعد المعمودية...
وأعتقد من حق الأخ ساري أن يطرح هذا التساؤل لأن الموضوع ليس بهذه السهولة التي قد يعتقدها البعض.
فالكنيسة تعلم أن الإنسان بعد المعمودية، يشلح الإنسان إنسانه العتيق ويلبس الإنسان الجديد.
![]()
قول لاهوتي أرثوذكسي: الأب ألكسندر شميمن، بالمَاء والرّوح - دراسة ليتورجية عن المعمُوديَّة، ف 3: سر الروح القدس، أ- الحلّة البيضاء
عرفنا أنّ نزع الثياب عن الموعوظ قبل المعمودية هو إشارة إلى رفضه (الإنسان العتيق) و(الحياة العتيقة)، حياةَ الخطيئة والفساد. وبالفعل، فهذه الخطيئة هي التي كشفتْ لآدم وحواء عريهما، وجعلتهما يسترانه باللباس. ولكن، لماذا لم يخجلا من عريهما قبل الخطيئة؟ لأنهما كانا يرتديان طبيعة الإنسان الحقيقية، أي المجدَ والنورَ الإلهيين، و(الجمالَ الذي لا يوصف). وهذه هي الحلَّة الأولى التي خسراها، فـ(عرفا أنهما عاريان) (تك 7:3). ولكنّ ارتداءَ (السربال المنير) بعد المعمودية يدلُّ على أنّ الإنسان قد عاد إلى كماله وبراءَته الفردوسيين، واستعادَ الطبيعة الحقيقية التي أخْفَتْها الخطيئة وشوّهتها. وقد قارن القديسُ أمبروسيوس حلَّةَ المعمودية برداء المسيح على جبل ثابور، ذاكراً أنّ المسيح المتجلّي يَكْشِفُ أنّ الإنسانية الكاملة، البريئةَ من الخطيئة، ليس (عاريةً)، بل مرتديةً حلَّةً (بيضاءَ كالثلج) في نور المجد الإلهي غير المخلوق. فالفردوس، لا الخطيئة، هو الذي يكشف طبيعة الإنسان الحقيقية. والإنسان يعود في المعمودية إلى الفردوس، وإلى طبيعته الحقيقية، وإلى رداء المجد الذي كان في البدء.
وهكذا يكون طقس الحلّة البيضاء تحقيقاً للمعمودية التي سبقتْه، وتدشيناً للعمل الليتورجي الذي يليه. فنحن نلبس (السربال المنير) لكي نُمْسَح.
وجاء في كتاب زاد الأرثوذكسية:
![]()
قول لاهوتي أرثوذكسي: الأب أنطونيوس آليفيزوبولوس، زاد الأرثوذكسية، الفصل الرابع عشر: إنضمام الإنسان إلى الكنيسة
ولو كنّا قادرين على أن نرى الإنسان الخارج من جرن المعمودية بعين روحية صافيّة، لأدركنا التحوّل والتبدّل الحاصلين بواسطة هذا السرّ، وتأكدنا أنه قد خلع بالمعمودية الإنسان القديم ولبس جسد المسيح الناهض والمتبدّل، أي أنه وُلد مجدّداً بطريقة روحية (يو 3: 4-7، 1: 12-13). ويصف بولس الرسول هذا الحدث في قوله: "أوَتجهلون أننا، وقد اعتمدنا في يسوع المسيح، إنما اعتمدنا في موته فدُفنا معه بالمعمودية لنموت فنحيا حياة جديدة كما أقيم المسيح من بين الأموات بمجد الآب؟ فإذا اتَّحدنا به في موت يشبه موته، فكذلك تكون حالنا في قيامته. وإننا نعلم أن إنساننا القديم قد صُلب معه ليزول هذا الجسد الخاطئ، فلا نظل عبيداً للخطيئة، لأن الذي مات تحرَّر من الخطيئة. فإذا كنّا قد متنا مع المسيح، فإننا نؤمن بأننا سنحيا معه (رو 6-8).
فالولادة أو التجديد أو الاستنارة (الاسماء كثيرة بحسب غريغوريوس اللاهوتي) هو عمل روحي، ولذلك لا يمكن لنا أن نلمسه بالعيان ولكن نختبره حقيقةً بالإيمان، ونستطيع أن نتعرف عليها في حياة القديسين.
أسف على الإطالة...
صلواتكم
أخي الحبيب في الرب ساري،
أحب أن أؤكد أن الكنيسة الأرثوذكسية تعتمد تسمية "الخطيئة الجدية" وليس "الخطيئة الأصلية"، لأن هذه الأخيرة استعملها المغبوط أغسطينوس للدلالة على وراثة الخطيئة وأننا مذنبين مع آدم وحواء في الفردوس.
أخي العزيز، يجب أن نعلم أن طبيعتنا البشرية الضعيفة الساقطة هي التي تسبب الخطيئة، والخطيئة تسبب الموت والموت يسبب الخوف والخوف من الموت يسبب الخطيئة ... وهكذا دواليك. فالسيد المسيح اتخذ الطبيعة الساقطة، ولكنه غلب بها الخطيئة والموت، وأعطانا هذه الغلبة عن طريق الأسرار الكنسية. انظر مذا يقول القديس بولس الرسول:
![]()
نصّ كتابي: عب 2: 14-15
إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم، اشترك هو أيضاً كذلك فيهما، لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت، أي إبليس، لكي يعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل أيام حياتهم تحت العبودية
لاحظ أن الخوف من الموت هو جعلهم عبيد لإبليس، أي فاعلين للخطيئة، فالإنسان عندما يخاف من الموت ( والذي يخاف من الموت لا يؤمن بالحياة الأبدية وقيامة الأموات) يتخذ كل التدابير اللازمة للخلود على الأرض بكل الوسائل المتاحة والأفعال المستساغة لهم، وبولس الرسول عبر على لسانهم بقوله:
![]()
نصّ كتابي: 1كور 15: 32
... إن كان الأموات لا يقومون فلنأكل ونشرب لأننا غداً نموت
السيد المسيح كسر حلقة الخوف من الموت، بغلبته للموت، وبالتالي أعطى الإنسان القوة أن يغلب الخطيئة.
الطبيب عندما يطبب يعطي الدواء (إمكانية الشفاء) ولا يعطي الشفاء، لأن الشفاء يحتاج إلى تعاون المريض وثقته بالطبيب حتى يشفى.
المعمودية عندنا هي اتحاد في جسد المسيح القائم من بين الأموات، وبالتالي الغلبة التي حققها المسيح بحسب الطبيعة (طبيعة الإتحاد الإقنومي) تسري فينا ونحصل عليها بحسب النعمة. هكذا يجب أن ننظر إلى المعمودية حسب رأيي الشخصي.
صلواتك
أخ أليكسيوس الحبيب بالرب
أشكرك على الجهد الذي بذلته في هذا الموضوع.
أحب أولا أن تكون بعض الأمور واضحة في ما أقوله لإزالة الالتباس
المشاعر السلبية أقصد بها المشاعر الحزينة بشكل عام وقد لخصتها بمشاعر ثمانية نتيجة بحث علمي خاص أقوم به بتعلق بالموسيقى. وهي تشمل الألم الذي هو أحدها، وبالمقابل هناك مشاعر ثمانية إيجابية ( فرحة )، مثلا الشوق يقابله فرح العيش مع الحبيب، الخوف يقابله الأمان، الغضب يقابله السلام ...الخ، كما أعتقد أن كون هذه المشاعر ثمانية، وكون الأهواء حسب الآباء هي ثمانية، وعدد الألحان الموسيقية الكنسية هو ثمانية ليس صدفة بالمرة لكن لندع هذا الأمر جانبا قليلا لأنه ليس موضوعنا.
ما أريد قوله أن المسيح على الصليب لم يعانى الألم الجسدي فحسب لكنه أيضاً عانى من الاحتقار والبصاق والضرب وهجر تلاميذه ومحبيه له ومشاهدة أمه تبكيه وسرقة ما كان كان يملكه ( ثوبه ) أي عانى الخوف والغضب والقرف والحاجة والحزن والشوق ..الخ ولذلك هو عانى جميع المشاعر السلبية وليس الألم الجسدي فقط ( بما يشمله من جوع وعطش ).
ما نلاحظه حول هذه المشاعر أنه لها مفهوم واحد وتختلف بالوصف فقط، لذلك من غير المنطقي أن نقول أن طبيعة آدم قبل السقوط كانت قابلة للشوق ولكنها لم تكن قابلة للخوف أو للألم أو بقية المشاعر.
إذا الموضوع المطروح الآن هو:
هل كان طبيعة آدم قبل السقوط قابلة لكل هذه المشاعر أو لا؟
والسؤال الثاني، هل اتخذ المسيح الطبيعة قبل السقوط أو بعد السقوط
( بفرض وجود اختلاف في الطبيعة الجسدية )؟
والسؤال الثالث هل نقوم من جرن المعمودية على مثال آدم الأول بكل معنى الكلمة أو لا؟
إن الجواب على السؤال الأول بلا ( جدلاً ) يعني أن الطبيعة الجسدية قد اختلفت بالسقوط ويجيب على السؤال الثاني بأن المسيح سيكون وقتها بالتأكيد قد أخذ الطبيعة الساقطة لأنه بالتأكيد عانى من كل المشاعر السلبية على الصليب، وسيكون عندها جواب السؤال الثالث هو لا لأننا نعاني جميع المشاعر السلبية بعد الخروج من جرن المعمودية.
لنعد الآن إلى ردك تقول
الشعور بالعري تقصد به طبعا الشعور بالخجل، والذي هو الخوف وربما الحزن أيضاً ولذلك أنا لم أستبعده من قائمتي، وطبعاً آدم وحواء قبل السقوط لم يكونا يخجلان ولم يكن العري عندهما أمرا مهما لدرجة لم يشعرا بأنهما عريانيين، أما عنا فالجواب طبعاً لا يجب أن نشعر بالخجل أو القلق من العري، فالخجل دليل وجود شهوة معابة، فلماذا يخجل المرء؟ أليس لأنه يفكر أو يعمل بالسر بأمور لا يريدها أن تفضح علناً ( ولا أقصد بها طبعاً العلاقة الطبيعية بين الزوج وزوجته )؟ أما كوننا لا نخرج إلى الشارع عريانيين فهذا حتى لا نتسبب بعثرة، ولذلك نجد أن الرب بعد السقوط هو الذي خاط ثيابا وأبسها لآدم وحواء، وذلك من أجل الحشمة مع أنه في الفردوس لم يعطهما ثيابا وذلك لأنه في عالم ساقط تصبح الحشمة وصية حتى لا نعثر الآخرين، وهذا اللباس يختلف عن لباس الخجل الذي خاطاه لنفسيهما ( ورق التوت ) ولم يكن من قبل الرب ( قبل أن يسن علي البعض سيوفهم أعلم أن الأقمصة الجلدية موضوع لاهوتي طويل وأنا لا أنكره ولا مانع من وجود تفسير مباشر وتفسير لاهوتي عميق لنفس النص وأعتقد أن التفسير المباشر للأقمصة الجلدية هو فرض الحشمة من قبل الرب بعد السقوط ).اقتباس:
دعني أضيف مشاعر أخرى لم تكن موجودة قبل السقوط، وهي الشعور بالعري!
فقبل التجسد لم يكن آدم وحواء يعرفان أنهما عريانان، ولكن بعد السقوط عرفا ذلك وشعرا بأنهما عريانان.
فلماذا بعد المعمودية يبقى لدينا هذا الشعور، وإن رأينا المخالف لنا بالجنس (رجلاً أو امرأة) عرياناً إما أن نتقزز من هذا المنظر وإما أن تتحرك فينا الشهوة الجنسية الحيوانية!
منطقياً، بحسب تحليلك، يجب ألا أشعر بأني عريان وأذهب الآن وأتمشى في الشارع... فأنا لا يوجد عندي شعور العري كما هو واضح في الكتاب.
أما النظر إلى شخص عريان بشهوة فهذا ليس من طبيعتنا بل بسبب الخطيئة، ولاحظ هنا أننا لسنا بالضرورة على المثال الذي خرجنا فيه من جرن المعمودية، فخطايانا الشخصية التي نرتكبها بعد المعمودية تبعدنا عن الله وتجعلنا عبيد للأهواء ولها نتائج الخطيئة الجدية نفسها لكن الفرق أنها تغسل بسر الاعتراف وليس بالمعمودية وأننا نحاسب عليها.
أيضا يقول الشماس اسبير جبور
ألاحظ من الكلام أعلاه أن الشماس اسبيرو جبور يقول أن المسيح يماثل طبيعة آدم قبل السقوط في أنه لم يكن هناك ميل إلى الخطيئة ، ومن ناحية ثانية أنه لم يكن معرضا لفساد الجسد. وهنا ملاحظة بسيطة قد تصدم البعض، إن آدم في الفردوس لم يكن معرضا للموت بمعنى فساد الجسد وانحلاله وهذا أمر غير مختلف عليه، ولكنه كان معرضا للموت بمعنى الانتقال إلى الحياة الأبدية إذا كان لو لم يقع في خطيئة في وقت ما يجب أن ينتقل من حياة التجربة على الأرض إلى حياة أبدية في حضرة الله. لذلك هناك تطابق بين طبيعة آدم في الفردوس والطبيعة البشرية للمسيح في هذه الناحية أيضاً.اقتباس:
يسوع نفسه عرف الجوع والعطش والنوم والقلق والاضطراب أمام الموت، ونزاع الموت حتى صار عرقه قطرات دم. وذاق كأس الآلام المرّة. وثقب جسده بالمسامير والحربة وإكليل الشوك. وقاسى كل ما جلبته علينا خطيئة آدم وحواء من شقاء ما عدا الخطيئة. لم يكن فيه ميل إلى الخطيئة.
...
الدمشقي يقول أن الآباء الملهمين ذهبوا إلى أن جسد يسوع كان غير قابل للتلاشي في القبر. المرمور 16 الذي استشهد به بطرس الرسول (أعمال 2: 31) يتكلم صراحة عن أن الله لن يترك جسد يسوع يرى فساداً. أثناسيوس الكبير يتكلم عن لاهوته الذي أقام ناسوته. لأجلنا أخذ جسداً قابلاً للموت، ولكن اللاهوت قائم لكي يلبس الجسد، بعد الموت، عدم البلى. والدمشقي من بعد أنسطاسيوس السينائي وسواه يقيم تفريقاً بين نوعين من الفساد، فيجعل التلاشي في القبر توعاً منهما، لم يكن جسد يسوع قابلاً له
ولكن الشماس اسبيرو مع ذلك يقول أن وجود الألم والمشاعر السلبية في طبيعة المسيح يطابق الطبيعة الساقطة وليس طبيعة آدم قبل السقوط وهنا أرى بعض التناقض إذ من غير المنطقي أن نقول أن طبيعة المسيح البشرية في بعض النواحي تماثل طبيعة آدم في الفردوس وتخالف الطبيعة بعد السقوط وفي نواحي آخر تماثل طبيعة آدم بعد السقوط ( وهذا كله مع افتراض وجود اختلاف في الطبيعة ). أعتقد أن هذا التناقض يحله الاستشهاد الذي أوردته من القديس يوحنا الدمشقي
![]()
قول آبائي: القديس يوحنا الدمشقي، المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، المقالة 64
في الآلام الطبيعية والبريئة
لقد اتخذ المسيح آلامنا البريئة - ما هي الآلام البشريّة الطبيعيّة التي لا ملامة فيها: ونعترف أنّ المسيح قد اتخذ كل آلام الإنسان الطبيعية والبريئة، لأنه قد اتخذ الإنسان كلّه، وكل ما يختصّ بالإنسان، ما عدا الخطيئة. فإنّ هذه ليست طبيعيّة والخالق لم يزرعها فينا، لكنها من زرع الشيطان. وهي مثبّتة فينا باختيارنا طوعاً، لا اقتحاماً بالقوة. أمّا الآلام الطبيعية والبريئة فهي تلك التي ليست منوطة بنا وهي كلها قد دخلت في الحياة البشرية من جرّاء الحكم بالمخالفة وهي الجوع والعطش والتعب والوجع والبكاء والانحلال والاستغاثة من الموت والفزع والنزاع حتى تصبّب العرق وقطرات الدم والاستعانة بالملائكة بسبب ضعف الطبيعة وما شاكل ذلك ممّا هو موجود طبعاً في كل البشر.
وقد اتخذ إذاً المسيح كل هذا لكي يقدّسه كله؛ إنّه جُرِّبَ وانتصر لكي يحقق لنا الانتصار ويُعطي طبيعتنا قوةً بأن تغلِبَ العدوّ، حتى إنّ الطبيعة المغلوبة قديماً، تغلب المنتصر قديماً بواسطة الرشقات نفسها التي كان قد غلبها بها.
إن آلامنا هي في المسيح طبيعية وفوق الطبيعة: لا شكّ في أنّ الآلام التي هي فينا بحسب الطبيعة، كانت أيضاً في المسيح فوق الطبيعة. فقد كانت بحسب الطبيعة لمَّا أطلق لجسده أن يتألم في ما هو من اختصاصه، وكانت فوق الطبيعة، لأنّ الآلام الطبيعية في المسيح لم تسبق قط مشيئته، فلم يوجد قط إكراه في تصرّفاته، بل كانت كلها طواعية. فقد أراد فجاع وأراد فعطش وأراد فخاف وأراد فمات.
يقول القديس يوحنا الدمشقي أن المسيح قد اتخذ كل الآلام الطبيعية والبريئة البشرية الطبيعية، وهنا أحب التركيز على ما يقوله حرفيا، فهو لا يقول أنها دخلت الطبيعة البشرية نتيجة السقوط، ولا يتحدث أبداً عن اختلاف بالطبيعة قبل وبعد السقوط، بل يقول "هي كلها قد دخلت في الحياة البشرية من جرّاء الحكم بالمخالفة" هناك فرق كبير أن نقول أنها دخلت في الطبيعة البشرية وأن نقول أنها دخلت في الحياة البشرية.
فحسب رأيي ( الذي أيضاً حاولت تبينه من خلال قراءتي لتعاليم الكنيسة وكتب آبائها ) أن كل المشاعر والآلام كانت موجودة في طبيعة آدم قبل السقوط، ولا يوجد أي اختلاف بالطبيعة الجسدية قبل وبعد السقوط ( وأذكر أيضاً أني توجهات بهذا السؤال حرفياً إلى سيادة المطران افرام كرياكوس في محاضرة له وأكد أنه لا يوجد اختلاف بالطبيعة )، لكن قبل السقوط كان الإنسان يعيش في حالة وئام مع المشيئة الإلهية، فهو يعمل ما يأمره به الرب والرب يتمم له كل احتياجاته، ولذلك لم يكن يعاني الألم والخوف ( الناتج عن قلة إيمان ) والغضب والشوق والحاجة ..الخ
أما السيد المسيح فإن الآلام والمشاعر السلبية موجودة أيضاً بطيعته الجسدية وإذا كان قد عانى منها كلها فعلاً فليس لأنه كان بدون وئام مع المشيئة الإلهية ( حاشا ) بل من أجل تحقيق خلاصنا، فكان يجب أن يعاني فعلاً من هذه الآلام والمشاعر السلبية كلها طوعاً لكي يقدس آلامنا.
مثلاً قبل السقوط كان آدم يعمل في الفردوس بحسب الكتاب مع أنه كان لديه كل ثمار الأشجار الجاهزة للأكل، أما بعد السقوط فأصبح بعرق جبينه يأكل خبزأ، قبل كان يعمل لأن ذلك من طبيعته ولأن له دوراً في الفردوس ( ليحرسها ويعمل بها ) والرب كان يعطيه ما يحتاج إليه مجاناً، أما بعد السقوط فصار الأكل مرتبطاً بالجهد والعمل، لأنه لولا ذلك كان الإنسان ليميل إلى الكسل والتراخي وعدم الشعور بالمسؤولية وكذلك إلى الشراهة. كذلك الإنسان المسيحي المعمد يجب أن يكون على مثال آدم قبل السقوط، يعمل لأن العمل من طبيعته ولأنه يشعر بواجب تجاه الطبيعة والمجتمع المحيط به وما يحصل عليه من راتب أو طعام هو منحة إلهية ( كما يقال الرزق على الله )، أما الإنسان الساقط فيعمل لكي يحصل على راتب فحسب، ومع أن الحالتين تبدوان من الخارج متشابهتين، فكلاهما يعمل وكلاهما يأخذ أجراً، ولكن شتان ما بين الفرح والحرية الذين يشعر بهما الأول، والضيق والعبودية الذين يشعر بهما الثاني.
الأمر نفسه بالنسبة للزواج ( والجنس ) وهو أساس هذا الموضوع، فقبل السقوط كان الجنس موجوداً ولكنه كان علامة شركة ولإنجاب الأولاد وتربيتهم ( انموا واكثروا واملأوا الأرض ) أما بعد السقوط فأصبح عملاً أنانياً نتيجة عبودية الشهوة ( عرف آدم امرأته ) أما إذا كان آدم وجواء لم يمارسا الجنس في الفردوس فليس لأن طبيعتهما الجسدية لم تكن تسمح لهما بذلك.
باختصار الإنسان المسيحي الخارج من جرن المعمودية قادر على عيش حياة الفردوس، وذلك عندما يكون في حالة وئام مع المشيئة الإلهية ويشعر بعناية الله ومحبته له، لذلك هو لا يختلف بشيء عن حالة آدم في الفردوس نهائياً، وأعتقد أن هذا ما يقوله الأب شميمن
![]()
قول لاهوتي أرثوذكسي: الأب ألكسندر شميمن، بالمَاء والرّوح - دراسة ليتورجية عن المعمُوديَّة، ف 3: سر الروح القدس، أ- الحلّة البيضاء
عرفنا أنّ نزع الثياب عن الموعوظ قبل المعمودية هو إشارة إلى رفضه (الإنسان العتيق) و(الحياة العتيقة)، حياةَ الخطيئة والفساد. وبالفعل، فهذه الخطيئة هي التي كشفتْ لآدم وحواء عريهما، وجعلتهما يسترانه باللباس. ولكن، لماذا لم يخجلا من عريهما قبل الخطيئة؟ لأنهما كانا يرتديان طبيعة الإنسان الحقيقية، أي المجدَ والنورَ الإلهيين، و(الجمالَ الذي لا يوصف). وهذه هي الحلَّة الأولى التي خسراها، فـ(عرفا أنهما عاريان) (تك 7:3). ولكنّ ارتداءَ (السربال المنير) بعد المعمودية يدلُّ على أنّ الإنسان قد عاد إلى كماله وبراءَته الفردوسيين، واستعادَ الطبيعة الحقيقية التي أخْفَتْها الخطيئة وشوّهتها. وقد قارن القديسُ أمبروسيوس حلَّةَ المعمودية برداء المسيح على جبل ثابور، ذاكراً أنّ المسيح المتجلّي يَكْشِفُ أنّ الإنسانية الكاملة، البريئةَ من الخطيئة، ليس (عاريةً)، بل مرتديةً حلَّةً (بيضاءَ كالثلج) في نور المجد الإلهي غير المخلوق. فالفردوس، لا الخطيئة، هو الذي يكشف طبيعة الإنسان الحقيقية. والإنسان يعود في المعمودية إلى الفردوس، وإلى طبيعته الحقيقية، وإلى رداء المجد الذي كان في البدء.
وهكذا يكون طقس الحلّة البيضاء تحقيقاً للمعمودية التي سبقتْه، وتدشيناً للعمل الليتورجي الذي يليه. فنحن نلبس (السربال المنير) لكي نُمْسَح.
صلواتكم
أخي ساري، وضعت هذه النصوص المطولة لكي أقول أني لست معارضاً للذي تقوله على طول الخط.
فأنا كنت أرى فيها أنها تصل مابين أود قوله وماتود قوله.
وأعتقد أن هذا قد تجلى في مشاركتك السابقة، إذ قلت:
فأنت الآن تقول إذاً أن هذه المشاعر لم يختبرها آدم قبل السقوط. ولكنك في نفس الوقت تنسبها إلى الله عندما تقول أنها موجودة أساساً في طبيعتنا.
ولكن دعني أسأل حول الشطر الأول، فإن كان آدم لم يختبرهذه المشاعر قبل السقوط، فإذاً، ألم يكن أيضاً يتوجب على السيد -بحسب تحليلك وتفسيرك- ألا يختبرها أيضاً؟
وأخي أنت تقول أن القديس يوحنا الدمشقي قال أن هذه الامور دخلت الحياة البشرية وليس الطبيعة البشرية.
لكن لا أعلم لماذا قفزت عن الجملة السابقة التي تقول:
ومثال على هذا: الموت أصلاً ليس غريباً عن الإنسان، لأن الإنسان جاء من العدم وبدون نعمة الرب والاتحاد به مصيره أن يموت (أثناسيوس الكبير، تجسد الكلمة).اقتباس:
ونعترف أنّ المسيح قد اتخذ كل آلام الإنسان الطبيعية والبريئة، لأنه قد اتخذ الإنسان كلّه، وكل ما يختصّ بالإنسان، ما عدا الخطيئة. فإنّ هذه ليست طبيعيّة والخالق لم يزرعها فينا، لكنها من زرع الشيطان. وهي مثبّتة فينا باختيارنا طوعاً، لا اقتحاماً بالقوة. أمّا الآلام الطبيعية والبريئة فهي تلك التي ليست منوطة بنا وهي كلها قد دخلت في الحياة البشرية من جرّاء الحكم بالمخالفة وهي الجوع والعطش والتعب والوجع والبكاء والانحلال والاستغاثة من الموت والفزع والنزاع حتى تصبّب العرق وقطرات الدم والاستعانة بالملائكة بسبب ضعف الطبيعة وما شاكل ذلك ممّا هو موجود طبعاً في كل البشر.
لكن الخوف من الموت، هو شعور غير معاب أو بريء، لم يعرف آدم هذا الشعور ولم يختبره إلا بعد أن سقط.
فهذا الشعور المؤلم (فهو في النهاية الم) تجاه المصير، زرعه الشيطان فينا عندما سقط آدم.
أعتقد الآن وصلنا إلى نقطة قريبة من بعضنا البعض، فالقولان يقولان بأن هذه المشاعر لم يختبرها آدم قبل السقوط. إلا أنك تقول بأن هذه المشاعر كانت موجودة في الإنسان أصلاً، وأنا اقول بأنها لم تكن موجودة أصلاً في الإنسان. ولكن بعد التغرب عن الله والتمزق الداخلي النفسي في الإنسان والمصير المجهول الذي ينتظره بعد الموت أصبح عنده مشاعر سلبية.
إلا أني لا أستطيع أن أقول أن آدم كان بلا مشاعر قبل السقوط، لأن هذا يعني أنه لم يكن موجوداً أو على الأقل أن الله لم يكن موجوداً في حياته. إذ بالضرورة أن يكون وجود الله في حياة آدم وتنعمه بالنعمة الإلهية، يولِّد عنده الشعور بالفرح والغبطة، كما يشعر الطفل الذي بين أحضان أمه.
إلا أن هذا الطفل لا يبدأ بالشعور بالنقص إلا لو تركته أمه. وهذا الذي ترمي إليه بكلامك... فالشعور بالخوف، مثلاً، شعر به آدم متى ترك الحضن الأبوي. وهذا يعني عندك أن هذا الشعور موجود سلفاً فيه لكنه غير مفعّل.
معتمداً في هذا التحليل على المنطق والعلم.. إلا أن العلم يقول عن اللاموجود بأنه لا موجود.. فإن لم يكن آدم يشعر بهذه المشاعر فعلمياً هي ليست موجودة.
بكل الأحوال اخي الحبيب بالنسبة لهذا الراي حتى الآن تعرض لنا تحليللك ومنطقك، ولكني كنت أتمنى أن تعطينا بعض النصوص الكتابية والآبائية التي صادفتها أثناء دراستك لهذا الموضوع. وإن كان هناك إمكانية لنصوص ليتورجية أيضاً، فهذا سيكون شيء جيد وسيغني الموضوع اكثر.
صلواتك أخي الحبيب
الربّ يسوع ووالدة الإلهثمّة مَن لا يقيمون فرقاً، في الاستعمال، بعامة، بين الخطيئة الجدّية والخطيئة الأصلية. لذلك يوردون هذه وتلك وكأنّهما يعنيان شيئاً واحداً بعينه. هذا بحاجة إلى شرح وتوضيح. وما يحتاج إلى توضيح أيضاً هو الفرق، في شأن هذا الموضوع، بين الربّ يسوع ووالدة الإله وبينهما وبيننا.
والخطيئة الجدّية
نشير، بدءاً، إلى أنّ تعبير "الخطيئة الأصلية" أول ما ورد كان لدى المغبوط أوغسطينوس، أسقف هيبو، المتوفّى سنة 430 م. المقابل اللاتيني الذي عبّر فيه عن "الخطيئة الأصلية" كان "Peccato Originali ". هذا التعبير أخذ يسري، في الغرب، مذ ذاك. التعبير الذي كان سارياً، منذ القرون الأولى، وبقي كذلك، لدى الآباء الشرقيّين، هو "الخطيئة الجدّية". المقابل اليوناني لهذا التعبير هو (Propatorikon amartema ). ثمّة فرق بين لفظتَين يونانيّتَين تُنْقَلان، في لغة الضاد، بلفظة "خطيئة": "amartema " و "amartia ". اللفظتان اليونانيتان، في الحقيقة، لا تعبِّران عن المعنى عينه بل عن معنيَين مختلفَين. فلفظة "amartema " تشير إلى تعدٍّ فردي، إلى فعلٍ آثم محدَّد ومحسوس، فيما لفظة "amartia " تشير إلى الخطيئة من حيث هي الحال العامة للوجود البشري وفشلُ الإنسان، بعامة، في إصابة الهدف، لجهة تحقيق مصيره.
إذاً الكلام على "الخطيئة الجدّية" يتناول، بصورة محدّدة، الخطيئة التي ارتكبها جدّانا، آدم وحوّاء، بصفة شخصية. هذه، من حيث هي خطيئة آدم وحوّاء الخاصةُ بهما، لا شركة لأحد من ذرّيتهما فيها. هذا واضح تماماً لدى آبائنا. من ذلك قول القدّيس كيرلّس الإسكندري، في تفسيره للرسالة إلى أهل رومية: "كلّنا جُعِلْنا خطأة، لا لكوننا شركاء آدم في التعدّي، وهو ما لم يكن البتّة، بل لكوننا من طبيعته وتحت ناموس الخطيئة". في هذه الخلفيّة يُفهَم قولُ الرسول بولس إلى أهل رومية: "كأنما بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة دخل الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع" (5: 12). بآدم وحوّاء دخلت الخطيئة إلى العالم والخطيئة أنتجت موتاً شمل الناس أجمعين، وهذا، أي الموت، جعل الناس يخطئون وفق الكلام على الربّ يسوع أنّه اشترك في اللحم والدم لكي "يُعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً، كل حياتهم، تحت العبودية" (عب 2: 15).
وإذا كان تعبير "الخطيئة الجدّية" يحدّث عن خطيئة الجدَّين الأوّلَين وتداعياتها، لجهة الإعتلال الذي أصاب الطبيعة البشرية، وهو ما أضحى إرثَ ذرّية آدم وحوّاء قاطبة، فإنّ تعبير "الخطيئة الأصلية" كان في خلفية أخرى واقترن بمعنى آخر بالكلّية. "الخطيئة الأصلية" جرى تناولُها في خلفية الجرم القانوني، وعَنَتْ الخطيئةَ الأولى التي ليس آدم وحده المذنبَ فيها بل كل البشرية، بصورة حتمية لا علاقة لها بالإرادة الشخصية لدى أيّ كان، من حيث إنّ البشرية متضامنة وهي ذرّية آدم وحوّاء اللذَين ارتكبا هذه الخطيئة أولاً وأصلاً.
إذاً مضامين "الخطيئة الجدّية" و "الخطيئة الأصلية" مختلفة تماماً الواحدة عن الأخرى.
فأما "الخطيئة الجدّية" فقد تفتّقت عنها حالةٌ آلت بالعالَمين إلى العبودية للخطيئة والموت، إذ "الجميع أخطأوا وأعوزهم مجدُ الله" (رو 3: 23). هذه "الخطيئة الجدّية" شمل تأثيرها البشرية جمعاء، بمَن فيهم والدة الإله. مريم، والدة الإله، واحدة منّا وتنتمي إلى الطبيعة البشرية المعطوبة التي ننتمي نحن إليها. لذا قال القدّيس أثناسيوس الإسكندري: "مريم هي أختنا لأننا كلّنا من آدم". وقال القدّيس أفرام السوري: "لقد وُلد المسيح من طبيعة كانت بحاجة لأن تتنقّى بالحضور الإلهي". إذا لم تكن مريم شريكة لنا في معطوبيتنا لا يكون ما اتّخذه الربّ يسوع، من جسد مريم، منّا. وإذا لم يكن الربّ يسوع قد اتّخذ جسدنا، في مريم، لا يكون لنا نصيب فيه ولا في ما حقّقه. بكلام القدّيس غريغوريوس اللاهوتي: "ما لم يُتّخذ لا نصيب له في الخلاص". نحن، بعد، في خطايانا. لذا لا نقول كما يقول قوم بأنّ مريم براء من "الخطيئة الأصلية". أوّلاً لأنّنا لا نقول بـ "الخطيئة الأصلية" لا من جهة مريم ولا، حتى، من جهة البشريّة جمعاء، و"الخطيئة الجدّية"، كما أبنّا، شأن آخر. وثانياً لأنّ التضامن ما بين مريم، والدة الإله، وبيننا، في الخلاص المحقَّق بالربّ يسوع المسيح له المجد، يَفرض التضامن، فيما بيننا، في الطبيعة البشريّة المكسورة.
على أنّ اشتراك والدة الإله في الطبيعة البشرية المعطوبة لا يعني أبداً أنّها خَبِرتْ الخطيئة. والدة الإله لم تعرف الخطيئة على صعيدها الشخصي. نعمة الله حفظتها، منذ الطفولية، وحفظتْ هي نفسَها أيضاً. هذا ما يعبِّر عنه، خيرَ تعبير، عيد دخول والدة الإله إلى الهيكل، عندنا، حيث القول إنّ مريم أقامتْ هناك، في عهدة ملاك الربّ، من سن الثالثة إلى الثانية عشرة. فلمّا أتاها جبرائيل بالبشارة كانت بلا خطيئة. التمييز بين حالِها قبلما حلّ الروح القدس عليها وظلّلتها قوّة العليّ (لو 1: 25) وحالِها بعد ذلك عبّر عنه، حسناً، القدّيسُ أفرام السوري لمّا قال: "الله طهَّر العذراء التي سبق للروح القدس أن أعدّها... فإنّه طهّر العذراء التي كانت، قبلاً، بلا دنس. لهذا السبب بعدما ولدتْ بقيتْ عذراء... صارت مريمُ، بالنعمة، لا امرأة بل عذراء. لست أقول إنّ مريم صارت خالدة بل إنّ الأهواء الخاطئة لم تعذّبها لأنّها كانت قد استنارت بالنعمة" (الحديث إلى الهراطقة).
هذا من جهة مريم، والدة الإله. أما من جهة الربّ يسوع فإنّه الوحيد الذي كان براءً من تداعيات "الخطيئة الجدّية". صحيح أنّ جسده كان من جسد مريم ذي الطبيعة المعطوبة لكنّه، على صعيده الشخصي، كان حرّاً من الأهواء والخطيئة والألم والموت لأنّ الحبَل به كان لا من رجل وامرأة، كما هو حال العباد قاطبة، بل من الروح القدس ومريم البتول. هذا جعل عَطَب الطبيعة المكسورة، الموروثة بالتناسل، يرتحل تماماً. هذا جعل الربّ يسوع، من جهة الطبيعة البشرية، في موقع آدم قبل السقوط. صحيح أنّ الربّ يسوع ذاق الألم والموت ولكنْ كان هذا تدبيراً، عن إرادة منه، لا عن حتميّة ولا عن ضرورة لأنّه قال: "لهذا يحبّني الآب لأنّي أضع نفسي لآخذها أيضاً. ليس أحد يأخذها منّي بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضاً. هذه الوصيّة قبلتها من أبي" (يو 10: 17 – 18). اشتراكُه، نظيرَنا، في الألم والموت كان عن تضامن، عن محبّة "لكي يُبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس" (عب 2: 14). والقول أيضاً هو إنّه "كان ينبغي أن يشبه إخوته في كل شيء لكي يكون رحيماً ورئيس كهنة أميناً في ما لله حتى يكفِّر خطايا الشعب، لأنّه في ما هو قد تألّم مجرَّباً يقدر أن يُعين المجرَّبين" (عب 2: 17 – 18). فقط في الخطيئة لم يشبه إخوته، في معطوبيتهم، لأنّ الخطيئة نكران لله وما الربّ يسوع بمنكرٍ نفسَه. هذا حصل للربّ يسوع بإفراغ الذات والصيرورة عبداً في شبه الناس (في 2: 7). بلى، بالمحبّة، بالروح القدس، بالتوحّد بالناس، لا بالمظهر ولا بالتمثيل بل بالتمثُّل، كابد الربّ يسوع الألم والموت معنا وعنّا "لأنّه لاق بذاك الذي من أجله الكلّ وبه الكلّ وهو آتٍ بأبناء كثيرين إلى المجد أن يكمِّل رئيس خلاصهم بالآلام... فلهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم إخوة قائلاً أُخبر باسمك إخوتي وفي وسط البيعة أُسبِّحك" (عب 2: 10 – 12).
هكذا غلب الربّ يسوع الخطيئة في الجسد لمّا غلب الموت والشيطان حتى، لما مدّ نفسه لنا بالروح القدس وجعل في متناولنا ما حقّقه لنا، بات بإمكاننا، نحن أيضاً، بالإيمان به، أن نعرف الحقّ ونسلك فيه ونتحرَّر من خوف الموت وربقة الخطيئة واستبداد الشيطان إلى الخلاص، إلى العافية، إلى سيرة الكمال على شبه الله، إلى التألّه، إلى ملكوت الله والحياة الأبدية.
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما
الرجاء أيضاً قراءة الأجزاء التالية:
البشريّة المريضة، بيت الداء وحقيقة الدواء (1)
البشريّة المريضة، بيت الداء وحقيقة الدواء (2)
البشريّة المريضة، بيت الداء وحقيقة الدواء (3)
البشريّة المريضة، بيت الداء وحقيقة الدواء (4)
البشريّة المريضة، بيت الداء وحقيقة الدواء (5)
أخت مايدة بالحقيقة لا أعرف، لكن الذي أعرفه أن تعبير الملكوت السماوي يختلف عن تعبير الحياة الأبدية وذلك بحسب كلام السيد المسيح نفسه، فالملكوت السماوي الذي هو فرح العيش مع الله والتمتع بنعمه يختبره الإنسان المسيحي المؤمن من هذه الحياة، وكذلك وضع آدم في الفردوس هو نفسه العيش في الملكوت السماوي ويختلف أيضاً عن الوضع في الحياة الأبدية ( الأخروية ).
صلواتك