رد: السنكسار اليومي (11 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(11 كانون الثاني)
* سيرة القديس البار ثيودوسيوس رئيس الأديار *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2011.jpg
(+529م)
ولادتُهُ ونشأتُهُ:
ولد ثيودوسيوس في قرية كبادوكية تدعى موغاريسوس لأبوين تقيين. اسم أمه أفلوغيا, ترهَّبت في كبرها وصار ثيودوسيوس أباها الروحي. نما ثيودوسيوس في النعمة والقامة وكان قوي البنية. قيل إنهُ منذُ أن كان فتىَ لم يسمح لنفسِهِ بأن تميل إلى محبة القنية والغنى والمال. أمرٌ واحدٌ كان يملأ جوارحَهُ:الرغبة في رؤية الأرض المقدَّسة. اعتاد أن يقرأ الكتاب المقدَّس باستمرار. قرأ في سفر التكوين أن الله دعا إبراهيم لأن يترك أهله وأصدقاءَهُ وعشيرتهُ وكُل شيء له إذا كان يرغب حقَّاً في أن يرث البركة الأبدية. هذه الدعوة اقتبلها قديسنا ثيودوسيوس كما لو كانت موجَّهة إليه، سلوكاً في الطريق الضيِّق المفضي إلى بركات الدهر الآتي.
خروجُهُ نحو أورشليم:
خرج ثيودوسيوس من كبادوكية متجهاً نحو أورشليم بنية التبرك من الأراضي المقدسة. وفي طريق رحلته بلغ أنطاكية ليتبرَّك من القديس سمعان العمودي، الذي التقاه وباركهُ وتنبأ له بما سيصير إليه كرجل الله .
بعد ذلك أسرع ثيودوسيوس إلى أورشليم, لمَّا وصل لم يدر أي طريق يأخذ وكيف يباشر ما عزم عليه. أيختار الحياة المشتركة كونه يرغب في الترهُّب,أم يلتمس حياة النسك من أول الطريق؟
وبعد أخذٍ ورد تكوَّنت لديه قناعة أنَّه خيرٌ لهُ أن يتمرَّس على الحياة النسكية على يد أحد الآباء المجرَّبين أولاً ثمَّ يخرج إلى العزلة والصحراء. وهكذا كان.
لقاؤهُ بالأنبا لونجينوس:
هدى الله ثيودوسيوس إلى أب شيخ مبارك يدعى لونجينوس كان هو أيضاً كبادوكيَّاً, فأقام معه زماناً طويلاً قرب برج داود سالكاً في الطاعة لهُ في كل الأمر. بارك الأب لونجينوس ثيودوسيوس سامحاً لهُ بأن يقيم متوحداً في قلايةٍ صغيرة على الطريق إلى بيت لحم. فانتقل ثيودوسيوس إلى تلك القلاية. لكن ما لبث أن ذاع صيتُهُ فأخذ الناس يُقبلون إليه من كُلِّ ناحيةٍ وصوب. هذا دفعَهُ لكي يترك قلاَّيته وينتقل إلى أعلى الجبل حيثُ استقرَّ في مغارة ما تزال رفاتُهُ إلى اليوم رابضةً فيها.
تنسُّكهُ في المغارة:
تنسَّك ثيودوسيوس في المغارة, كان بنية الانصراف الكلّي إلى إتمام عمل الرهبنة. لذلك كان القديس يعمل على ضبط جسده بكلِّ حكمة ودراية. لأن همَّه كان أن يفعل ما يرضي الله. كان دائماً ينظرُ إلى مكنونات قلبه، ويسلك بإمانة في حكمة ربه، عالماً باحتيالات العدو الذي يشاء أن يدفع المجدِّين إلى التطرف والنسك الزائدين لإلقائهم في الكبرياء والغرور. اعتاد اليقظة بنعمة ربّه وكان دائم الصلاة. كان يكفي جسدَهُ من الطعام بما هو ضروري اجتناباً للوقوع في الوهن والمرض. حياتُهُ النسكيَّة هذه جعلتهُ يضيء بالنعمة الإلهية. مما دفع الناس مجدداً إليه بنية الفضيلة والترقي في دروب الحياة الفضلىَ. ردَّةُ الفعل الأولى لديه كانت، أنَّهُ صدَّ الناس لئلا يتعكّر صمتُه.أخيراً ألحّ عليه طلاَّب الرهبنة وأعطاه الرَّب الإله اقتناعاً. كان عدد الذين قبلهم أولاً لا يتجاوز السبعة. هؤلاء استقروا في المغارة من حوله.
رجاؤهُ بالله:
رجاءُ قديسنا كان بالله قوياً، لأن الله كان يمدَّه ورهبانهُ بكلِّ ما يعوزون. كما حدث لمَّا أعطاهم خبزَ الذبيحة الإلهية يوم الفصح المجيد ليقيموا الذبيحة بوساطة رجلٍ بلغ الدير وهو يحمل الخبز والخمر وضرورات الحياة الأخرى, بعد أن اضطرب تلاميذه وقلقوا لأن الفصح كان ولم يكن لديهم لا خبز الذبيحة ولا قوتهم اليومي. وحوادث أخرى مثلُ هذه تكرَّرت مع القديس ورهبانه. لذلك كان القديس يعلّم رهبانَهُ أن لا يضطربوا متى نقصت مئونتهم, وأن يلقوا رجاءهم على الله الحي.
بناءُهُ ديراً لرهبانه:
زاد عدد تلاميذ القديس, حتَّى ضاقت بهم المغارة حيث يقيمون, فطلبوا من قديس الله أن يبارك بناء ديرٍ لهم, فرفض بادئ الأمر. وبعد إلحاحٍ أعطى الأمر بأن يُطاف بمبخرةٍ فيها فحمٌ غير متقد وبخور. قائلاً: في المكان الذي يشتعل فيه الفحم وتفوح رائحة البخور هناك يكون الدير. طاف هو ورهبانه كثيراً إلى أن بلغوا صحراء كوتيلا وبحيرة الأسفلت. ولمَّا لم يتَّقد الفحم ظنّوا أن الله لا يريدهم أن يقوموا ببناء الدير فغادروا في طريقهم إلى مغارتهم. لكن ويا للعجب هاهم في طريق عودتهم يمروَّن في مغارة تبعد سبعة كيلو مترات من بيت لحم, وهاهو الفحم يتقد ورائحة البخور تفوح.
عل هذا بنى الإخوة كنيسةً جميلة وديراً فسيحاً ومستوصفاً ومضافةً وكل ما يعين لا في قضاء حاجة الإخوة وحسب بل الحجاج والزوَّار والفقراء والمرضى من قصَّاد الدير أيضاً, وكذلك الرهبان الزائرين والنبلاء.
كنائس الدير:
بلغ عدد الرهبان في الدير 793 راهباً وقد ابتنى لهم القديس أربع كنائس. واحدة كانت التسابيح فيها باليونانية, وواحدة بالسريانية، وواحدة بالأرمينية, وواحدة للغرباء والممسوسين. سبع مرات في اليوم كانت الصلاة ترتفع إلى السماء. بعد قراءة الكتاب المقدس كان الجميع ينتقلون إلى كنيسة اليونانيين ليكمِّلوا القداس الإلهي. ثيودوسيوس كان أبا الجميع وكان, بمثالِه وتعاليمهِ, صورة حيَّة للمسيح.
تقديسُهُ لرهبانِهِ:
عناية ثيودوسيوس ومحبته لرهبانه, جعلت النعمة الإلهية تحفظهم وبالتالي جعلتهم يرتقون نحو القداسة فصاروا رجالاً شهوداً للكلمة الإلهية, فاختير البعض منهم أسقفاً والآخر رئيس دير, والآخر أباً مرشداً. وكلُّ هذا بفضل عناية ومحبة القديس ثيودوسيوس الذي عرف كيف ينقل لهم الكلمة الإلهية وبالتالي عرفوا بدورهم وتربَّوا على متابعة ما تعلموه من أبيهم ومرشدهم الروحي.
دفاعُهُ عن العقيدة الأرثوذكسية:
في زمن القديس ثيودوسيوس, ظهرت هرطقة أفتيشيوس التي كان يدين بها الإمبراطور البيزنطي أنسطاسيوس. هذا الإمبراطور طلب من القديس أن يعلن إيمانه وأن يعترف بأنهُ يدين بنفس ما يدين أفتيشيوس بشأن طبيعة المسيح الواحدة هذا رفضَهُ القديس ثيودوسيوس, بعد أن جمع آباء البريِّة وتداول معهم طلب الملك. حيثُ فضلوا الموت على القول بالطبيعة الواحدة. ولم يقف القديس عند هذا الحدِّ من الرفض, بل جمع جمهرة من الناس وأعلن: "كل من ناهض المجامع المسكونية الأربعة وأبى أن يكرمهم على غرار الأناجيل الأربعة فليكن أناثيماً". غضب الإمبراطور غضباً شديداً وأمر بنفي القديس. ولكن غيابه عن ديره ورهبانه لم يدم طويلاً لأن الإمبراطور مات بعد حين.
عجائب القديس:
اجترم القديس عجائب عديدة منها شفاء امرأة من سرطان الثدي, وإكثار القمح لدى راهب مُعدم من حبة قمح واحدة ونجَّى ولداً من الموت المحتَّم إثر سقوطه في بئر عميق, شفاء امرأة كادت تطرح قبل الولادة. وإيقاف زحف الجراد والحشرات الفتاكة عن أذية الأرض.
رُقادُهُ:
رقد القديس ثيودوسيوس عن عمر ناهز سن المئة وخمس سنوات. إثرَ مرضٍ أصابه قبل رقادِه بسنة. إذ تقرَّح جلد أردافه وتآكل حتى إلى العظم. آلام مرضِهِ تحمَّلها بكلِّ صبرٍ وشكرٍ وتسبيح. لما عرف أن ساعتَهُ دنت, جمع الإخوة وحثَّهم على الصبر في الملمَّات إلى المنتهى وأن يخضعوا لرئيسهم. ثمَّ بعد ثلاثة أيام ودَّع وصلىَّ صلاة عميقة وجعل يديه على صدره بشكل صليب وغادر إلى ربِّهِ بسلام.
طروبارية باللحن الثامن
للبرّية غير المثمرة بمجاري دموعك أمرعتَ، وبالتنهُّدات التي من الأعماق أثمرتَ بأتعابك إلى مئة ضعفٍ. فصرتَ كوكباً للمسكونة متلألئاً بالعجائب، يا أبانا البار ثاودوسيوس، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.
قنداق باللحن الثامن
لما غُرستَ في ديار ربك، أزهرتَ ببهاء فضائلك الباهرة، وكثَّرثَ أولادك في البرية، وبامطار عبراتكَ روَّيتهم، يا رئيس
[/FRAME]
رد: السنكسار اليومي (12 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(12 كانون الثاني)
* سيرة القديسة الشهيدة تتيانا *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2012.jpg
(القرن الثالث الميلادي)
زمن حياتها:
عاشت القديسة تتيانا في زمن الإمبراطور الروماني ألكسندروس ساويروس (225- 235م). كان والدها قنصلاً معروفاً في رومية، وقيل جُعل شماساً في الكنيسة هناك.
لم تُغوِ الرفعةُ تتيانا ولا مباهج الحياة الدنيا، فقد أمضت طفولتها في دياميس رومية حيثُ اعتاد المسيحيون أن يجتمعوا. وقد ورد أنَّها لما كبرت صارت شمَّاسة هي أيضاً. رغبةُ قلبها كانت أن تبذل نفسها لمسيحها حتى الموت، موت الشهادة.
تعذيبها واستشهادها:
وإذا كانت أمةُ الله تتيانا مُجدَّة في الكرازة بالرَّب يسوع دون مهابة، جرى القبض عليها وأوقفت أمام الإمبراطور. فبعدما كلَّمها الإمبراطور بكلامٍ مَلِقٍ في محاولة لاستردادها إلى هيكل الأوثان آملاً في أن يجعلها تضحّي لها هناك. أخذت تتيانا في الصلاة إلى ربِّها وإذ بالأوثان تهوي أرضاً وتتحطم. عَظُمَ الأمر لدى الإمبراطور وشعر بالمهانة فأمر بها جنده فنزعوا جِلدَ وجهها. وإن ملائكة الله جاءت فأعانتها. وقد ذُكر أن جلاديها الثمانية عاينوا الملائكة في نور الله فاختشوا وامتنعوا عن إنزال العذاب بأمة الله معترفين بالمسيح نظيرها، فتقدم الجنود وفتكوا بهم فأحصوا في عداد الشهداء القديسين.
أما تتيانا فاستمرِّ تعذيبها حيناً. حلقوا شعر رأسها ونزعوا ثدييها وألقوها في ألسنة اللهيب ثمِّ رموها للحيوانات، لكن لم تقضِ كل هذه التدابير عليها، وبدت الحيوانات المفترسة بإزائها هادئة مسالمة. مع ذلك أمعن الجلادون في تحطيم عظامها وتقطيع أوصالها. رغم كل شيء بقيت تتيانا راسخة في الإيمان لا تتزعزع. أخيراً عيل صبر الإمبراطور وبدا لهُ كأن محاولاته باءت بالفشل ولم يتمكن من استعادة الفتاة إلى ما كان يرغب فيه. فإنقاذاً لكرامتِهِ الجريحة, أمر بقطع رأسها، فتمَّ لهُ ذلك وانضمت تتيانا إلى موكب الشهداء المعظَّمين.
طروبارية باللحن الرابع
نعجتك يا يسوع تصرخ نحوك بصوتٍ عظيم قائلة: ياختني إني أشتاق إليك وأجاهد طالبةً إياك، وأُصلّب وأُدفَن معك بمعموديتك، وأتأَلم لأجلك حتى أملك معك، وأموتعنك لكي أحيا بك. لكن كذبيحة بلا عيب تقبَّل التي بشوقِ قد ذُبحت لك. فبشفاعاتها بما أنك رحيمٌ خلص نفوسنا.
[/FRAME]
رد: السنكسار اليومي (13 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(13 كانون الثاني)
*القديسون استراتونيكس الشهيد ومكسيموس الحراق البار وإرميلُس الشهيد*
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2013.jpg
حوالي 315م
القديس أرميلس:
هويَّتُهُ:
هو الشماس أرميلس المولود زمن الإمبراطور ليسينيوس، في سيغيدونم، القريبة من بلغراد. افتُضح أمرهُ أنهُ مسيحي فجاء إليه الجند فاستقبلهم على الرحب والسعة. استاقوه إلى حضرة الإمبراطور فأجاب بجرأة ورباطة جأش عن الأسئلة التي وجّهها إليه، ساخراً من فعل عبادة الأوثان، فمزَّقوا خدَّيه. ولما ألقي في السجن جاءَهُ ملاك الرب فعزّاه وقوّاه ودعاه إلى الثبات في الجهاد إلى المنتهى. أوقفوه من جديد أمام الطاغية فبدا متشدداً، ثابتاً في الإيمان بالمسيح يسوع، على غير ما كانوا يتوقَّعون. انهال عليه ستة من الجلادين ضرباً بالسياط فتكبد ما نزل به من دونِ تذمُّر. اكتفى بالصلاة إلى ربِّه أن يؤهله للمشاركة في آلامه الخلاصية، فجاءه صوت من السماء يعده بإكليل المجد في غضون ثلاثة أيام.
القديس استراتونيكس:
هويَّتُهُ واهتداؤه:
هو واحدٌ من الجلَّادين السَّتة الذين عذَّبوا أرميلس. هذا تحرَّك قلبه لمرأى أرميلس ونفذت نعمة الرَّب فيه فوجد نفسه مائلاً إلى الإيمان بمن يؤمن أرميلس به. ولكن كانت الشجاعة تنقصهُ ليجاهر بالمسيح ويخوض غمار الشهادة. فلما كان الغد، جيء بأرميلس مُجدَّداً وأنزل الجلّادون به عذابات مرهبة فلم يتمالك استراتونيكس نفسه أمام فظاظة المشهد وانفجر باكياً. كانوا قد مدَّدوا من أضحى صديقه على الأرض وانهالوا عليه بسياط لها في أطرافها مثلثات حديدية مسَّننة، وتمزَّق جلده حتى إلى الأحشاء بمخالب حادة. فلمّا رأى الجنود ما آلت إليه حال استراتونيكس استجوبوه. كانت ساعته قد دنت، فاعترف ولم ينكر أنه لا يحسب نفسه صديقاً وحسب بل مؤمناً بمن يؤمن هو به، وهو مستعد لأن يشترك وإياه في الموت من أجل محبة المسيح. للحال أوقف استراتونيكس وحُكمَ عليه بالجلد فتقوّى بنعمة الله ومرأى أرميلس وسأله الصلاة من أجله ليثبت إلى النهاية السعيدة. فلمَّا أعيد الصديقان إلى السجن جاءهما صوتٌ من السماء يقول لهما: "غداً تظفران بإكليل المجد".
استشهادهما:
فجر اليوم التالي، أخذوا أرميلس وعلّقوه على خشبة راغبين في تقطيعه وبعدما تبين لهم أنه لا فائدة من محاولة إعادة استراتونيكس إلى الوثنية لأنه كان ثابتاً في عزمه وإيمانه، أخذ الجلادون الاثنين معاً ووضعوهما في زنبيل وألقوهما في نهر الدانوب. هكذا أكمل شهيدا المسيح شوطهما وتكلّلا بالمجد. وقد تمكن المسيحيون من التقاط جسديهما فأخذوهما بفرح عظيم ودفنوهما بإكرام جزيل على مقربة من المدينة.
طروبارية باللحن الرابع
شهيداكَ يا رب بجهادهِما، نالاَ منكَ الأكاليل غير البالية يا إلهنا، لأنهما أحرزا قوَّتك فحطما المغتصبين، وسحقا بأسَ الشياطين التي لا قوَّة لها، فبتوسلاتهما أيها المسيح الإله خلص نفوسنا.
[/FRAME]
رد: السنكسار اليومي (14 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(14 كانون الثاني)
* القديس البار سابا رئيس أساقفة صربيا ومؤسس دير خيلندار الآثوسي *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2014.jpg
(1235م)
ولادتُهُ ونشأتُهُ:
ولد القديس سابا عام 1169. وهو الابن الثالث لأمير صربيا الأكبر، استيفانوس نامنجا التقي. اتخذ وقت المعمودية اسم رادكو أوراتسلاف الذي يعني هلالاً. ترعرع على مخافة الله. تسلم وهو بعد في الخامسة عشرة من عمره حكم مقاطعة هرزكوفينا. لم يغره مجد العالم ولا مباهجه. محبة الله تظللت فيه. عرض عليه ذووه الزواج وهو في السادسة عشرة فتهرب. في تلك الأثناء قدم رهبان صرب من جبل آثوس وعلى رأسهم شيخ روسي. جاؤوا يلتمسون العون من الأمير الأكبر. أصغى رادكو بشغف إلى كلام الشيخ بشأن الحياة الرهبانية الملائكية في جنة والدة الإله، أي جبل آثوس. استقرَّت في أذني رادكو خصوصاً كلمة تفوه بها الشيخ: "من أحبَّ أباً أو أماً أكثر مني فلا يستحقني" (متى10: 37). سقطت آخر تحفظات الشاب. أيقن أن تعلقه بذويه ليس سبباً وجيهاً للبقاء. قرَّر على الأثر أن يحمل هو أيضاً صليبه ويتبع المعلّم. لجأ، لتحقيق رغبته المباركة، إلى الحيلة. طلب من والده البركة ليذهب في رحلة صيد للغزلان. فلما حظي بما اشتهته نفسهُ انطلق في إثر الطريدة الإلهية التي هي المسيح.
ترهُّبُهُ:
اقتبل رادكو الثوب الرهباني في دير القديس بندلايمون الروسي, واتخذ سابا اسماً له. بعد ذلك صار سابا راهباً في دير فاتوبيذي تحت قيادة شيخ اسمه مكاريوس. هذا الأخير أنشأه على الصوم والصلاة والسير على درب النساك القديسين. فحرص على الطاعة وخدمة الإخوة بلا تردد. تسنىَّ له خلال هذه المرحلة من سيرته الرهبانية، أن يتقن اليونانية، الأمر الذي سمح له بنقل الكثير من كنوز التراث الآبائي والليتورجي والقانوني الكنسي إلى السلافية، لغة شعبه.
دورهُ في ترهُّبِ واِلِدهِ استفانوس، وبناء دير خليندار:
بتأثيرٍ من القديس سابا تخلىَّ والدُهُ استفانوس عن العرش وسلَّمهُ إلى ابنه الثاني، ليترهَّب في الدير الصربي المعروف باسم ستودينيتسا، ويتخذ اسم سمعان. ومن هناك انتقل إلى الجبل المقدس واتخذ من ابنه، سابا أباً روحياً له. وإذ لم يكن بمقدور سمعان أن يتمم الفروض النسكية المطلوبة من الرهبان المجرّبين، بسبب سنِّه، أخذ سابا على عاتقه أمر مضاعفة جهاداته الخاصة،عنه وعن أبيه. قائلاً لأبيه: "أنا صيامك وسجداتك. أنا نسكك. أنا مسؤول أمام الله عنك لأنك سمعت لي وأتيت إلى هنا". وبعد ما وزَّع الأمير حسناته على الأديرة، أسس الأميران الراهبان دير خيلندار الذي صار مركز الرهبانية والثقافة الكنسية الصربية. هناك أقام بصحبة رهبان صرب آخرين، كما انضم إليهم رهبان من جنسيات مختلفة سنة 1200م ورقد سمعان بالِّرب وهو أحد قديسي الكنيسة ويُعيد له في 13 شباط. للحال نضح طيباً وجرت برفاته عجائب جمة.
تنسُّكهُ:
بعد وفاة سمعان استلم سابا رئاسة دير خيلندار، وانصرف ليحقق رغبة قلبه التي كثيراً ما كان يتوق إليها، ورغبة قلبه هذه هي النسك. حيث نزل في قلايةٍ قرب كارياس، العاصمة الصغيرة للجبل المقدَّس. محبة المسيح كانت قد أسرتهُ. لم يعد ينظر إلَّا للسماء وخيرات العالم الآتي. كان يتضرع ليل نهار إلى الإله أن يتحنن عليه لأنَّهُ أسوأ الخطاة.
القديس سابا في صربيا:
إثر نزاعٍ وقع بين أخويِّ سابا في صربيا، عاد سابا إلى بلاده حاملاً معهُ رفاة أبيه، سمعان العجائبية. حيثُ عمل على إصلاح وإزالة النزاع بين أخويه أمام رفاة أبيهما. قبل سابا بناءً على طلبٍ من أخيه استيفانوس والشعب الصربي، أن يبقى في صربيا ويصير رئيساً لدير ستودينيتسا. لم يهمل شيئاً من سيرته النسكية. قام بعمل رسولي مهم. ثبَّت الشعب في الإيمان الأرثوذكسي. قاوم الهرطقات، بنى الكنائس والأديرة ونظمها على النمط الآثوسي. أسس دير زيخا الكبير وهو ما أضحى، فيما بعد، مركز رئاسة الأساقفة الصربية ومركز الحياة النسكية في البلاد.
عودتُهُ إلى جبل آثوس:
عاد سابا إلى جبل آثوس سنة 1216 منصرفاً إلى الصلاة بحرارة إلى الله من أجل الشعب الصربي.
زيارتُهُ الإمبراطور البيزنطي ثيودوروس وأسقفيته على صربيا:
زار سابا الإمبراطور البيزنطي ثيودوروس الأول لاسكاريس في مدينة نيقية سنة 1219. أبدى الإمبراطور استعداده أن يمنح الكنيسة الصربية استقلالها الداخلي الكامل شرط أن يكون سابا أول رئيس أساقفة لها. رضي سابا فسامه البطريرك القسطنطيني أسقفاً. للحال باشر سابا بتنظيم الكنيسة الصربية. سام خيرة تلاميذه أساقفة وتوَّج أخاه ملكاً. جاد في البلاد كارزاً بالإيمان القويم. سام الكهنة وبنى الكنائس وأسس الأديرة، ونقل القوانين الكنسية إلى السلافية.
استجابة الله لصلاته:
بعد حين رقد أخوه الأمير استيفانوس ولم يحقق رغبته الأخيرة في أن يصير راهباً. فما كان من سابا سوى أن ردَّ إليه نسمة الحياة، بنعمة الله، ورهبنه وأعطاه اسم سمعان وناوله الذخيرة المقدَّسة. وما أن تم له ما رغب فيه حتى أسلم الروح بسلام.
حجُّهُ إلى الأراضي المقدَّسة:
سنة 1230م خرج سابا في حجّ إلى الأراضي المقدسة فنزل في دير القديس سابا القريب من أورشليم إلى القدس. ثمَّ في السنة 1233 تنازل عن رئاسة الأساقفة وجال على الأرض المقدسة وسيناء وإنطاكية.
رُقادُهُ:
رقد القديس سابا في الرب في 14 كانون الثاني 1235 أو ربما 1236 في تيرنوفو البلغارية. بقي جسده في كنيسة الأربعين شهيداً هناك إلى أن جاء الأمير الصربي فلاديسلاف واستعاده. استقر في دير ميلاسيفو الصربي الذي أضحى مركز حجّ مهم. بقي كذلك إلى أن أحرق سنان باشا التركي الرفاة في بلغراد في 27 نيسان 1594م.
طروبارية باللحن الثاني
يا إله آبائنا الصانع معنا دائماً، بحسب وداعتك لا تُبعد عنا رحمتك، بل بتوسلاتهم دبّر بالسلامة حياتنا.
قنداق باللحن الثاني
لقد فررتم من التشويش العالمي، فانتقلتم إلى حال الهدوء، مكلَّلين بدم الاستشهاد ومشاق النسك، فلذلكَ ظهرتم مساكنين للشهداء والأبرار.
[/FRAME]
رد: السنكسار اليومي (15 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(15 كانون الثاني)
* سيرة أبويَنا البارًّين بولس الثيبي ويوحنا الكوخي *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2015.jpg
القديس البار بولس الصعيدي الناسك الأول
(324م)
هويَّتُهُ:
هو بولس المولود في صعيد مصر أيام الإمبراطور الروماني ألكسندروس ساويروس، قرابة العام 228م. كان أبواه غنيَّين، فثقَّفاه باللسانيين اليوناني والقبطي وربَّياه تربيةً مسيحية صالحةً لأنهما كانا مسيحيَّين تقيَّين.
هروبهُ إلى الصحراء:
إثر الاضطهاد الذي حرَّكهُ داكيوس وفاليريانوس ضد الكنيسة، وبعد وفاة والديِّ بولس وزواج أخته، وجد بولس نفسهُ وحيداً، فهرب إلى الصحراء خوفاً من الرومانيين خاصةً بعد أن سمع أن صهرهُ عازمٌ على إخبار الرومانيين بأن بولس مختبئ بين الحقول، ليتمكن من وضع يَدُهُ على ميراثِهِ.
وجد بولس نفسه أليفَ الصحراء، فطاب لهُ التوغل فيها. وقد استمر كذلك إلى أن بلغ جبلاً استبان فيه ما يشبه الكهف، فشقَّ طريقه عبر جرائد نخلة كانت على تشابك وكثافة سدّا المكان. فإذ به أمام صحن واسع، وقرب النخلة مياه رقراقة تجري قليلاً ثم تغور في الأرض.
نظر بولس المكان ورأى فيه أن العناية الإلهية هيَّأتهُ ليكون منزِلاً لهُ. فتخلىَّ عن العالميات وأقام في الكهف بقية أيام حياته. لقد وفرَّ لهُ المكان الطعام والشراب والمسكن. حتىَّ ثوبه صنعه من جرائد النخل. ما خلا ذلك انصرف بولس للصلاة والتسبيح.
لا يعرف أحد كيف عاش ولا التجارب التي تعرَّض لها. فقط نعرف أن حياته كانت أدنى إلى سيرة الملائكة منها إلى سيرة البشر، وأنه بقي كذلك إلى سن الثالثة عشرة بعد المائة حين كشف الله أمره للقديس أنطونيوس الكبير.
العناية الإلهية وكشف أمره للقديس أنطونيوس:
كان القديس أنطونيوس قد بلغ يومذاك التسعين. ويبدو أن فكراً قد خطر بباله أنه لم يُقم أحد قبله في الصحراء سار في الحياة الكاملة نظيره. فجاءَهُ, في رؤى الليل، من قال لهُ أن في فكره وهماً لأنَّ ثمَّةَ في الصحراء من هو خيرٌ منهَ وأعرف وأن عليه أن يسرع الخطا إليه، فلمَّا انبلج الفجر، قام فأخذ عصاه وسار غير عابئ بثقل الأيام عليه والنسك. همُّه كان أن يتَّبع الصوت الإلهي إلى حيثُ يهديه.
شاءت العناية الإلهيَّة أن يهتدي القديس أنطونيوس بعد مسيرة يومين في الصحراء إلى كهف القديس بولس. فتطلَّع إلى داخل الكهف, فبدا لهُ مظلماً، فتلمَّس طريقه تلمَّساً فعاين نوراً ضئيلاً يلتمعُ من بعيد فتيقَّن أن هذا هو مسكن الرّجل الذي أعلن لهُ الله عنهُ.
أسرع القديس أنطونيوس الخطا جذلاً فاصطدمت رجلاه ببعض الحجارة فترددَّت في المكان أصواتٌ منكرة، فلما فطن لها بولس من الداخل قام فأقفل الباب. كانت هذه أول مرَّة اخترق فيها أحد هدوءه منذُ أن وصل إلى المكان. وإذ رأى القديس أنطونيوس أن الباب قد رُدَّ في وجهه، ارتمى أرضاً، عند العتبة، ورجا بولس أن لا يحرمه من التعزية التي جاء يلتمسها من بعيد بمشقة كبيرة، مؤكداً أنه لن يغادر الموضع البتة قبل أن يحظىَ ببركة القديس أو يموت عند الباب. فما كان من بولس سوى أن فتح لهُ وطالعهُ بابتسامة رقيقة. وإذ تعانقا سمىَّ كُلٌ منهما الآخر باسمِهِ.
الغراب ورغيف الخبز:
بعد لقاء بولس وأنطونيوس وجلوسهما لتبادل الحديث، إذ بغراب يأتيهما برغيف خبز ويلقيه أمامهما. فشكر الرجلان الله على عظيم رحمته. قال بولس: "أترى كم صالحٌ هو الله الذي يُرسل إليَّ نصف خبزة كل يوم. واليوم، وقد أتيتني زائِراً، ضاعف الحصَّة لأنَّهُ يهتم بالذين يخدمونَهُ.
ثم قام الإثنان للأكل. فبعدما صليا انتظر كل منهما الآخر أن يكسر الخبز ويعطيه، بولس احتراماً لحق أنطونيوس كضيف عليه وأنطونيوس توقيراً لمشيئة بولس. فلما أصر الإثنان على نحو طفولي بديع اتفقا على أن يمسكا الرغيف معاً ويكسراه، كلاً من ناحيته.
معرفة القديس بولس بقرب رُقادِه:
بعد أن أمضىَ بولس وأنطونيوس ليلهما في الصلاة، رغبا في اليوم التالي بمتابعة الكلام، فقال بولس لأنطونيوس: "من زمان، يا أخي، وأنا عارف بإقامتك في هذه البريَّة. من زمان كشف لي الله أنك تبذل نفسك في خدمته. ها إنَّ ساعتي الأخيرة قد دنت، ولطالما اشتاقت نفسي إلى الإتّحاد بالرّب يسوع فإنهُ لم يبقَ لي سوى أن أتلقىَ من يده إكليل البرّ. وقد أرسلك المعلَم الإلهي لتدفن جسدي. أو بكلام أوفق، لتردَّ التراب إلى التراب".
فلمَّا سمع أنطونيوس بولس يتكلم عن قرب مفارقته أجهش بالبكاء ورجاه ألا يتركه وحيداً أو أن يتبعه. فأجاب بولس: "ليس لك أن ترغب بما فيه خيرك، في الوقت الحاضر. لا شك أنهُ سرور لك أن تنعتق من ثقل هذا الجسد المائت، لكن أخوتك بحاجة إلى مثالك. لذلك أسألك، إن كنتُ لا أُثقل عليك كثيراً، أن تذهب وتأتيني بالرداء الذي سبق فأعطاك إياه أثناسيوس الأسقف لتلفَّني به وتدفئني". طلب منهُ بولس ذلك لا لأنَّهُ كان يهتم كثيراً بأمر دفنه، ملفوفاً في رداءٍ أو غير ملفوف، بل لأنه شاء أن يبعد أنطونيوس عنه بضعة أيام ليوفر عليه ألم معاينته يموت، علاوة على أنَّهُ كان راغباً في إعلان أنه يموت على شركة والقديس أثناسيوس، المدافع الصلب عن الإيمان الأرثوذكسي في وجه الهرطقة الآريوسية.
دُهِشَ أنطونيوس لنعمة الله الساكنة في هذا الشيخ الجليل وأَكْبَرَ من كشف له أمر الرداء. وبعد ما ذرف الدمع وقَبَّل عيني الشيخ ويديه عاد إلى ديره.
عودة القديس أنطونيوس إلى منسك القديس بولس ودفنه إيَّاه:
سار أنطونيوس في طريق العودة بهمَّة. الشوق إلى بولس جدَّد كالنسر شبابه. ولماَّ بلغ ديرَهُ قبض على الرداء وأسرع خارجاً، دون أن يفكر في طعامٍ يأخذه معه. لأنَّ همَّهُ كان أن يُدرك بولس قبل موته.
مشىَ أنطونيوس مقدار ثلاث ساعات وفجأة رأى بولس صَاعِداً إلى السماء في نور وضَّاء وسط الأرواح المغبوطة، فوقع على الأرض وغطىَّ رأسه بالرمل وصاح: "آه، يا بولس، لماذا تركتني؟ لماذا لا تسمح لي بتوديعك؟ أكان يجب أن أضيِّعك هكذا سريعاً بعدما التقيتك متأخرَّاً؟
ثمَّ قام وأسرع الخطا من جديد. فلما وصل إلى المغارة, وجد جسد القديس في حال الركوع فظنَّ أنه مازال حياً فركع بقربه وأخذ يصلي. وإذ أنتبه إلى أن بولس لا يتنفَّس بصوت مسموع كما ألفاه في المرَّة الأولى, عرف أنَّهُ قد مات, فقام وألقىَ بنفسِهِ على عنقِهِ وقبَّله قبلة حزينة وبكىَ عليه طويلاً.
أخيراً قام أنطونيوس وسحب جسد بولس خارج المغارة ليدفنه وهو يردِّد التسابيح والمزامير ولكنه لما رغب في نبش حفرة يواري فيها الجسد لم يجد ما يستعين به فارتبك. وإذا بأسدين يظهران من عمق الصحراء ويتقدمان ليربضا عند جسد بولس ويداعبانه بذيليهما وهما يزأران وكأنهما في حال النحيب عليه. ثمَّ أنهما أخذا يحفران الأرض بمخالبهما ويلقيان الرَّمل من هنا ومن هنا، إلى أن أحدثا حفرة تكفي لضم جسد بولس. فلما انتهيا من عملهما تقدما من أنطونيوس مطأطئي الرأس ولعقا يديه ورجليه، فأدرك أنطونيوس أنهما يتودَّدان إليه ليسألاه البركة فباركهما على هذا النحو: "أيها السيد، يا من بغير مشيئته لا تسقط ورقة واحدة من الشجر على الأرض ولا يهلك أقل طيور السماء، أنت أعطِ هذين الأسدين ما تعرف أنَّهُ ضروريٌ لهما". فلما قال هذا أشار إلى الأسدين بالانصراف، فانصرفا. وقام هو إلى الجسد فجعله في الحفرة وردّ عليه التراب وعاد إلى ديره. شيءٌ واحدٌ حملهُ معه من المكان، رداء بولس المصنوع من جريد النخيل، الذي أخذ مذ ذاك، يلبسه في أعياد الفصح والعنصرة.
طروبارية للقديس بولس باللحن الثامن وللقديس يوحنا باللحن الرابع
للبرّية غير المثمرة بمجاري دموعك أمرعتَ، وبالتنهُّدات التي من الأعماق أثمرتَ بأتعابك إلى مئة ضعفٍ. فصرتَ كوكباً للمسكونة متلألئاً بالعجائب، يا أبانا البار بولس، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.
لما صبوتَ إلى الرب منذ الطفولية بحرارة، تركتَ العالم والمطربات التي في العالم، ونسكتَ نسكاً فاضلاً، ونصبتَ الكوخ عند أبواب والديك، فسحقتَ مكامن الأبالسة، يا يوحنا الكلي الغبطة، فلذلك قد شرَّفكَ المسيح باستحقاق.
قنداق للقديس بولس باللحن الرابع وللقديس يوحنا باللحن الثاني
لنمدح جميعنا أيها المؤمنون، الكوكب الشارق في سمّو الفضائل، بولس الشريف هاتفين: أنتَ بهجة الأبرار أيها المسيح.
لما رغبتَ أيها الحكيم يوحنا، في المسكنة المماثلة مسكنة المسيح، تركتَ ثروة والديك، وتبعتَ المسيح الإله حاملاً الإنجيل بيدك، متشفعاً على الدوام من أجل جميعنا.
[/FRAME]
رد: السنكسار اليومي (16 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(16 كانون الثاني)
* سيرة القديس بطرس الرسول *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2016.jpg
أساس العيد:
يستند العيد الذي نحتفل به اليوم إلى ما ورد في الإصحاح الثاني عشر من سفر أعمال الرسل بشأن القبض على بطرس الرسول وسجنه وتقييده بسلاسل ثمَّ إطلاقه من قبل ملاك الرَّب.
ففي تلك الأيام أساء هيرودوس الملك، وهو هيرودوس أغريباس الأول، حفيد هيرودس الكبير، الذي حكم اليهودية والسامرة ما بين العامين 41و 44م، أقول أساء إلى عدد من رجال الكنيسة إرضاء لليهود. فألقى القبض على يعقوب، أخي يوحنا الحبيب، وقتله بحد السيف. كما أمسك بطرس الرسول وألقاه في السجن مزمعاً أن يقدمه بعد الفصح إلى الشعب لأن الزمن كان الفطير. وقد سلمه إلى أربعة أرابع من العسكر ليحرسوه.
في تلك الأثناء كانت الكنيسة تصلي بلجاجة إلى الله من أجله. وقبل أن يمثل بطرس للمحاكمة، في الليلة التي سبقت وقوفه أمام الحكَّام، والمفترض أن تكون الأخيرة قبل لفظ الإعدام بحقه على غرار يعقوب، كان مقيداً بسلسلتين إلى عسكريين، واحداً عن اليمين والآخر عن اليسار. وكان قدام الباب حراس يحرسون السجن، فحلّت بالعسكر والحراس غفوة عميقة ونزل ملاك الرب بنور بهي أضاء السجن، وضرب جنب بطرس وأيقظه قائلا له: "قم عاجلاً!" للحال سقطت السلستان من يديه. ثم قال له: "تمنطق والبس نعليك!". ثم قال له: "البس رداءك واتبعني!". فلبس رداءه وتبعه وهو لا يعلم أن ما جرى له كان في اليقظة لا في الحلم كما ظن. ثم اجتاز الملاك وبطرس المحرس الأول والثاني إلى أن وصلا إلى الباب الخارجي المؤدي إلى المدينة فانفتح لهما من ذاته. فخرجا وابتعدا قليلاً مسافة زقاق واحد. وإذ أضحى بطرس في مأمن فارقه الملاك، فعاد الرسول إلى نفسه وتيقن من تدبير الله فسبح وشكر.
ثم أنه جاء إلى بيت مريم، وهي أم يوحنا الملقب مرقص، حيث كان كثيرون مجتمعين وهم يصلون. فلما قرع الباب جاءت جارية اسمها رودا، التي معنى اسمها وردة، لتسمع. وإذ عرفت أنه بطرس ارتبكت من الفرح، وبدل أن تفتح له تركته يخبط على الباب. فقالوا لها أنت تهذين! فأصرت أنه هو إياه وأنها سمعت صوته. فقالوا إنّه ملاكه! وفيما استغرق من في الداخل في الأخذ والرد لبث بطرس يقرع. فلما فتحوا له ورأوه اندهشوا، فأخبرهم بما جرى له وكيف أخرجه الرب من السجن. ثم غادرهم إلى موضع آخر.
أما السلاسل التي جرى تقييد الرسول بها فقد حصل عليها، فيما بعد، مسيحيون أتقياء وحفظوها فتنوقلت من جيل إلى جيل إلى أن استقرت في كنيسة على اسم سلسلة الرسول بطرس في القسطنطينية، بقرب كنيسة الحكمة المقدسة، حيث جرت بواساطتها، وعلى مدى أجيال أعداد من العجائب والأشفية. الكنيسة التي ضمت سلسلته تم تكريسها في السادس عشر من كانون الثاني، كما يبدو، فحُسب العيد في مثل هذا اليوم. هذا فيما درج الغرب على التعييد لها في الأول من آب، وهو ذكرى إنشاء كنيسة تحمل الإسم نفسه في رومية، الكنيسة عريقة في قدمها، ولكن لا نعرف ما إذا كانت السلسلة التي وصلت إلى رومية هي إيَّاها التي كابدها الرسول في أورشليم. بعض الآراء تقول بأن التي في رومية كابدها الرسول هناك لا في أورشليم. والله أعلم!
يُذكر أن بعضاً من سلسلة الرسول بطرس موجود اليوم في دير ديونيسيوس وبعضها في دير ايفيرون ودير القديس بندلايمون في جبل آثوس.
طروبارية باللحن الثاني
لقد حضرت إلينا أيها المتقدم على كراسي الرسل، ولم تترك أهل رومية الذينَ منهم لبستَ السلاسل المكرمة، التي إذ نسجد لها بإيمانٍ، نطلب إليك أن تمنحنا بشفاعاتك إلى الله الرحمة العظمى.
قنداق باللحن الثاني
إن المسيح الصخرةَ الحقيقية، يُمجد ببهاء صخرة الإيمان، المتقدم في كراسي التلاميذ، لأنه يستدعي جميعنا إلى التعييد لتذكار عجائب سلسلة بطرس المكرمة، ويجود علينا بغفران الزلاَّت.
[/FRAME]
رد: السنكسار اليومي (17 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(17 كانون الثاني)
* القديسون جاورجيوس يوانينا الشهيد وأنطونيوس الكبير وأنطونيوس الجديد *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2017.jpg
(356م)
ولادته ونشأته:
ولد القديس أنطونيوس في قرية صغيرة في صعيد مصر تدعى كوما قرابة العام 250م. كان أهله من أعيان البلد، ذوي ثروة يعتدَّ بها، مسيحيين فنشأ على التقوى. وكانت له أخت أصغر منه سنَّاً. اعتاد ملازمة البيت إلا للضرورة أو للخروج إلى الكنيسة. ولم يشأ أن يحصِّل العلم الدنيوي تجنّباً للخلطة بالناس. لكنه كان يصغي جيداً لما يُقرأ عليه ويحفظه في قلبه. سلك في بساطة وامتاز بكونه رضياً وعفَّ عن الملذات.
ترهَّبُهُ:
لما توفي والده تأمل فيه وقال: "تبارك الله! أليست هذه الجثّة كاملة ولم يتغير منها شيء البتة سوى توقف هذا النفس الضعيف؟! فأين هي همتك وعزيمتك وسطوتك العظيمة وجمعك للمال؟! ثم أردف: إن كنت أنت قد خرجت بغير اختيارك فلا أعجبنّ من ذلك بل أعجب أنا من نفسي إن عملت مثل ما عملت أنت". وقد ذكر القديس أثناسيوس الكبير أنه قد ترك العالم بعد وفاة أبيه بستة أشهر. فيما ذكرت مصادر أخرى أنه ترك والده بغير دفن وخرج يهيم على وجهه مخلفاً وراءه ما كان له من مال وأراضٍ وخدم. لسان حاله كان: "ها أنا أخرج من الدنيا بإرادتي كيلا يخرجوني مثل أبي رغماً عني". عمره ، يومذاك، كان ثمانية عشرة أو ربما عشرين ربيعاً.
انصرف أنطونيوس إلى النسك متأملاً في ذاته، متدرباً على الصبر. لم يكن في بلاد مصر يومذاك أديار. فقط بعض الشيوخ كان يتنسك، هنا وهناك، في مكان قريب من بيته أو قريته. فتش أنطونيوس عن مثل هؤلاء في جواره فوجد بعضاً. كان منهم، على حد تعبير القديس أثناسيوس "كالنحلة الحكيمة" لا يرجع إلى مكانه إلا بعد أن يراهم ويتزود لديهم بما ينفعه في طريق الفضيلة. يتعلم من الواحد الفرح ومن الآخر الصلوات الطويلة. من هذا التحرر من الغضب ومن ذاك الإحسان. يأخذ عن فلان السهر وعن فلان الصبر وعن فلان النوم على الأرض. لاحظ وداعة هذا وطول أناة ذاك، وتشدد بإيمان هذا ومحبة ذاك.
اتخاذه الزي الرهباني:
كان أنطونيوس جالساً في قلاَّيتِهِ، يوماً، فاستبدَّ به روح ملل وصغر نفس وحيرة فضاق صدره وأخذ يشكو إلى الله حالهُ قائِلاً: "أُحب يا رب أن أخلص، لكن الأفكار لا تتركني، فماذا أعمل؟" فجأَة رأى إنساناً جالساً أمَامه يلبس رداء طويلاً، وهو متشح بزنار طويل كالإسكيم الرهباني، وعلى رأسه قلنسوة. وأخذ الرجل يضفر الخوص. ثم قام للصلاة. ثم جلس من جديد وأخذ يعمل في ضفر الخوص وهكذا دواليك. كان هذا ملاكاً من عند الله جاء يعزي القديس ويقويه ويعلمه. لذلك قال له: "إعمل هكذا تسترح!". من ذلك الوقت اتخذ أنطونيوس الزيّ الذي رأى الملاك متشحاً به وصار يصلي ويعمل على الوتيرة التي رآه يعمل بها، فاستراح بقوة الرب يسوع.
غلبته على الشيطان:
لمَّا تقدم أنطونيوس في حياة النسك والصلاة والفضيلة، لم يرقّ ذلك للشيطان عدو الله. فأخذ يهاجمَهُ بروح المجد الباطل. وأفكار الزنى ومختلف أنواع الشهوات. فاعتصم أنطونيوس بالله وواجهه بشجاعة قائلاً: "أنت تستحق كل احتقار! أنت مظلم العقل وعديم القوة! مثلك مثل ولد صغير! لن أهتمّ لك بعد اليوم لأن معيني الرب". فلم يعد الشيطان يجسر على الدنو منه. غادره بأصوات مخنوقة من الخوف.
غلبة أنطونيوس على الشيطان لم تدعه يتكاسل أو يتراخى. لأنه كان يعرف أن الشيطان لا بد له أن يعيد الكرَّة مرة أخرى. لأن الشيطان ربيب الخطيئة. لهذا كان مثابراً على الدوام ومستعداً للسلوك في مشيئة الله بكل قواه، مادام همُّه أن يظهر أمام الله طاهر القلب.
لم يتوقف أنطونيوس عن محاربته للشيطان يوماً في حياته. حتى عندما سكن إحدى المقابر، واهتاجت عليه الأبالسة وضربته وتركته مرمياً طريح الأرض إلى أن جاءه في اليوم التالي صاحبه حاملاً له الخبز. ولما رآه معدم الحركة نقله إلى كنيسة القرية. لكن ما لبث أن استرد عافيته في منتصف الليل وعاد إلى المقبرة ثانية ليدخل في أشد معركة له مع الشيطان. حيث جمع الشيطان كلابه وهاجمه من جديد. ووسط هذه المعركة الضارية مع الشيطان كان أنطونيوس ساهراً، صاحياً، ساكن القلب. قال وهو يهزأ بالشياطين: "لو كنتم تملكون القوة لكفاكم أن يأتي علي حيوان واحد منكم، لكن الرب جعلكم عديمي القوة!". وبقوة صلاة أنطونيوس وصموده في وجه التجربة تمكن بنعمة الله التي نزلت عليه على شكل شعاع من نور من غلبة الشيطان وقهره.
حصوله على النعمة الإلهية:
صمود أنطونيوس في وجه التجارب الشيطانية، وشدة نسكه وتقشفه، وصلاته، جعلته يغتصب ملكوت الله اغتصاباً، حتى أهطل عليه الله بركاته السماوية. فاستطاع بهذه النعمة أن يشفي المرضى ويطهر العديد من الشياطين، ويهدي كثيرين إلى الإيمان بالمسيح لأن حياته كانت تشع بالنور الإلهي ومنطقه كان ينبع من الروح القدس المتكلم بوساطته، فاقتنع الكثيرون بحياة التوحد. وهكذا نِشأت الأديار على الجبال واستحالت الصحراء مدينة.
دحضه للهرطقات والمنشقين:
كان للقديس أنطونيوس دورٌ هامٌ في دحض العديد من الهرطقات التي شاعت في زمنه. فعلّم أن مصادقة المانويين، القائلين بإلهي الخير والشر، دمار للنفس. وأوصى بعدم الإقتراب من الآريوسيين أو مشاركتهم معتقدهم الوخيم. وقد طرد الآريوسيين الذين أتوا إليه في الجبل ليكلموه. قال أن كلامهم أخطر من سُمِّ الأفاعي.
لقاؤه بعض الفلاسفة:
مرة، حاول بعض الفلاسفة استعمال القياس المنطقي في كلامهم على الصليب الإلهي، فحدثهم طويلاً ثم ختم حديثه قائلاً: "أنتم لا تؤمنون بالله لأنكم تطلبون مقاييس منطقية.نحن لا نعتمد مقاييس الحكمة الهلينية في الإقناع بل نُقنع بالإيمان الذي يسبق الصناعة المنطقية. وكان هناك، قريباً منه، مرضى بهم شياطين فأقامهم في الوسط قائلاً: "أبرئوا هؤلاء بقياسكم المنطقي أو بأي فن آخر أو بالسحر وادعوا أصنامكم! فإذا كنتم لا تقدرون على إخراج الشياطين فأوقفوا حربكم ضدنا فتروا قوة صليب المسيح".
ولما قال هذا دعا باسم يسوع ورسم إشارة الصليب ثلاث مرات على المرضى فنهضوا للحين كاملي العقل يسبحون الله. فتعجبوا وانصرفوا بعدما قبَّلوه واعترفوا بالفائدة التي نالوها منهُ.
من أهم أقواله عن الرهبان:
"إذا بقي السمك على اليابسة طويلاً مات، وإذا أقام الرهبان بين الناس طويلاً أصيبوا بالتراخي".
رقاده:
عرَّفَت العناية الإلهية القديس أنطونيوس بقرب موعد رحيله من العالم الأرضي. فأعلم رهبان الجبل الخارجي بأنهُ لن يأتيهم بعد هذا اليوم الذي هو عندهم. وأوصاهم بحفظ أنفسهم من الأفكار الدنسة، والسلوك في غيرة القديسين وحفظ تقليدات الآباء ثم غادرهم.
بعد أشهر قليلة مرض فدعا الناسكين اللذين كانا معه خمسة عشرة عاماً وخدماه في شيخوخته. قال لهما: "ها أنا أسير على طريق الآباء والرب يدعوني. فكونا صاحيين. اهتما بالحفاظ على غيرتكما كما لو كنتما في البداءة. تنفسا المسيح دائماً وآمنا به. تذكرا نصائحي. اتحدا أولاً بالمسيح ثم بالقديسين الذين ستلتقيانهم بعد الموت في المساكن الأبدية. لا تفسحا المجال للآخرين بنقل جسدي إلى مصر كي لا يضعوه في بيوتهم. ادفنا جسدي تحت التراب ولا يعرف أحد غيركما المكان لأني سأحصل عليه بلا فساد في قيامة الأموات. وزعا ثيابي. أعطيا أثناسيوس ثوبي الذي كان كفراش لي. والأسقف سرابيون ثوبي المفرّى الآخر، واحتفظا أنتما بكسائي المكسو بالشعر.
وحالما قال هذا عانقاه فمد رجليه ونظر إليهما كصديقين قادمين إليه، وفرح جداً والتمع وجهه بهاءً. ثم مات وانضم إلى الآباء.
ملاحظة: كتب سيرة أبينا أنطونيوس الكبير رئيس أساقفة الإسكندرية القديس أثناسيوس الكبير. ووجهها لمنفعة الرهبان بناء لطلبهم.
طروبارية باللحن الرابع
لقد ماثلتَ إيليا الغيور في أحواله، وتبعتَ المعمدان في مناهجه القويمة، فحصلتَ في البرية ساكناً، وللمسكونة بصلواتك أيها الأب أنطونيوس، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.
قنداق باللحن الثاني
لقد أقصيتَ الاضطرابات العالمية، قضيتَ حياتكَ بالهدوء والسكينة، مماثلاً المعمدان في جميع الأحوال يا كلي البرّ، فمعه إذاً نكرمك يا أبا الآباء أنطونيوس.
[/FRAME]
رد: السنكسار اليومي (18 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(18 كانون الثاني)
*القديسان كيرلّس وأثناسيوس بطريركا الإسكندرية *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2018.jpg
القديس أثناسيوس الكبير معلم المسكونة
(+373م)
ولادته ونشأته:
كانت ولادة القديس أثناسيوس في حدود العام 295 م. ربما في مكان ما بقرب مدينة الإسكندرية، مما يفسر إلفته بآباء البرية وتعلقه بهم.
علمُهُ وثقافتُهُ لا نعرف الكثير عنهما, يبدو أنه لم يتثقف ثقافة اليونانيين نظير كبار القديسين كباسيليوس الكبير والذهبي الفم وغريغوريوس اللاهوتي.الكنيسة تعلمها بشكل خاص من الكنائس المقدسة, من المعلمين المسيحيين وأوساط المؤمنين والدوائر الأسقفية في الإسكندرية حيث يبدو أنه انضم حدثاً إلى حاشية القديس ألكسندروس أسقف المدينة.
بعض ملامحه:
كان نحيف البنية، قصير القامة. أعداؤهُ دعوه قزماً. وكان معقوف الأنف، صغير الفم، ذا لحية قصيرة محمرة تميل إلى السواد وعينين صغيرتين.... وقد اعتاد أن يمشي بانحناءة بسيطة إلى الأمام ولكن برشاقة وكأنه أحد أمراء الكنيسة.
اشتراكه في مجمع نيقية:
دعي القديس أثناسيوس في مجمع نيقية المنعقد عام 325م, بدعوة من الملك قسطنطين الكبير, لتحديد موقف الكنيسة الجامعة من بعض الهرطقات. والأفكار الجديدة التي دخلت إلى المسيحية, ومن أهمها تعليم آريوس حول الابن الكلمة يسوع المسيح. وقد مثَّل أثناسيوس في هذا الاجتماع أسقف الإسكندرية ألكسندروس وكان وقتئذٍ رئيس شمامسة. كان الأبرز في الرَّد على آراء آريوس والتصدي لحججه وتبيان عطبها. حيث بيَّن أن كلمة الله مولود ولكنه غير مخلوق لأنه نابع من جوهر الآب لا من مشيئته.
هو منهُ كشعاع من الشمس. ليس فقط أن كل ما للابن هو للآب بل كل ما للآب هو للابن أيضا. كل ملء اللاهوت في الابن كما في الآب.الواحد لا ينفصل عن الآخر. من رأى الابن فقد رأى الآب . ليس الآب من دون الابن ولا الابن من دون الآب. كما الضوء و الشعاع واحد, الآب والابن واحد لذلك لم يكن هناك وقت لم يكن فيه الابن موجودا. وإذا كان الآب والابن واحداً فالآب مميز عن الابن والابن مميز عن الآب. هكذا وبهذه التعابير استطاع أثناسيوس أن يدحض إدعاء آريوس بأنه لأنَّ الابن مولود, هذا يعني أنه مخلوق من نتاج مشيئة الآب السماوي.
الموضوع بالنسبة للقديس أثناسيوس كان موضوع الخلاص برمَّتِهِ. قول آريوس يتعدى كونه مجرَّد رأي لأن قبوله معناه ضرب المسيحية في الصميم. فلا مجال للمساكنة أو المهادنة. أثناسيوس وعى دقَّة المسألة وخطورتها حتّى العظم, فأتت حياتُهُ, في كلِّ ما عانى على مدى ست وأربعين سنة, تعبيراً عن تمسُّك لا يلين بكلمة حق الإنجيل و الإيمان القويم.
أثناسيوس بطريرك:
بعد مجمع نيقية سام ألكسندروس أسقف الاسكندرية أثناسيوس كاهنا وسلَّمه مقاليد الإرشاد والوعظ وشرح تعاليم المجمع النيقاوي. ثمَّ بعد ثلاث سنوات رقد ألكسندروس (328م) فاختير أثناسيوس ليحلّ محلّه كان في الثلاثين يوم ذاك. رفض أثناسيوس منصبه كأسقف وهرب إلى أحد الأديرة لكنه رضخ فيما بعد للأمر الواقع.
أولى مهام أثناسيوس كرئيس أساقفة على الإسكندرية وتوابعها, كانت استعادة الوحدة والنظام في أبرشيته الواسعة التي عانت لا من الهرطقة الآريوسية وحسب بل من جماعة ملاتيوس المنشقة أيضا. وكذلك من الانحلال الخلقي وانحلال الانضباط الكنسي. وعلى مدى سنوات جال أثناسيوس في كل الأنحاء المصرية حتى الحدود الحبشية, يسيم الأساقفة ويختلط بالمؤمنين الذي اعتبروه إلى النهاية أباً لهم. كما تفقد الأديرة حتى التي في برية الصعيد وأقام لبعض الوقت في دير القديس باخوميوس.
نفي القديس أثناسيوس:
النفي الأول
انفجر الصراع مع الآريوسية من جديد وعلى أخطر مما كان قبل مجمع نيقية. وأخذ الآريوسيون يحيكون المكائد ضد البطريرك أثناسيوس إلى أن استطاعوا نقل الصراع من المستوى اللاهوتي إلى السياسي وهكذا استطاعوا أن يقنعوا قسطنطين الملك أن أثناسيوس يسيء إلى سياسة وأمن الدولة. فبان موقف أثناسيوس ضعيفاً أمام الملك قسطنطين الذي لم يرد أن يبتَّ في أمر أثناسيوس بصورة نهائية فأبقى عليه أسقفا للإسكندرية لكنَّه حكم بنفيه إلى (تريف) عاصمة بلاد الغال (فرنسا) حيث بقي إلى أن رقد قسطنطين في أيار 337م .
في غضون سنة وفاة قسطنطين عاد أثناسيوس إلى كرسيه. القديس غريغوريوس اللاهوتي كان حاضرا ووصف ما جرى. كل الإسكندرية استقبلتهُ مشى على السجّاد اشتعلت أمام البيوت قناديل الزيت وصدحت المدينة بالعيد والتمجيد (لا شيء يفصلنا عن المسيح) هكذا علَّق أثناسيوس. الصلاة والعبادة اجتاحت مدن مصر في حركة عفوية جامعة شاملة, وفي طفرة الحماس مئات وآلاف الإسكندرانيين خرجوا ليترهبوا. الجياع أُطعموا, اليتامى احتضنوا. واستحال كل بيت ودير كنيسة. ومع ذلك وفي اقل من ثلاث سنوات 340م عاد أثناسيوس إلى المنفى من جديد بعد أن تسلم قسطندينوس ملك على آسيا وسوريا ومصر نتيجة لتقسيم الإمبراطورية البيزنطية إلى ثلاث ولايات توزعت على أولاد قسطنطين بعد وفاته. قسطنديوس كان يميل إلى الآريوسية لذلك عمد إلى نفي أثناسيوس من جديد.
النفي الثاني:
بقي أثناسيوس في المنفى ست سنوات تلك كانت سنوات مخصبة أخذ يتنقل في الغرب بحرية كان محترماً ومقدراً من الجميع وعظ, خاطب الأساقفة, علَّم عن نيقية. وقيل كتب آنذاك سيرة القديس أنطونيوس الكبير التي كان لها أثر بارز على الغرب وعلى شيوع الرهبنة فيه. وفي 342م عقد مجمع في الغرب بدعوة من يوليوس, زكى فيه الإيمان النيقاوي ودعم أثناسيوس معترفا فيه أسقفا على الإسكندرية دون غيره مما دفع الآريوسيين إلى عقد مجمع ضد المجمع المنعقد في رومية ووضعوا دستور إيمان جديد ووضعوا تدابير وقوانين تحول دون عودة أثناسيوس إلى كرسيه. على هذا بدا العالم المسيحي مقسما إلى غرب أرثوذكسي وشرق يرزح تحت نير الآريوسية. أخيرا سنة 345م اندلعت الثورة في الإسكندرية وقُتل غريغوريوس المغتصب. وإذ تنبه قسطنديوس إلى خطر اندلاع حرب أهلية هناك تراجع وسمح لأثناسيوس بالعودة, فعاد خلال عام 346م وقيل 348م.
النفي الثالث:
بعد وفاة قسطنديوس تولى يوليانوس الوثني الجاحد ولاية آسيا وسوريا ومصر ، هذا عمد على إرجاع الأساقفة الأرثوذكسيين الذين كانوا في النفي بعد أن أبعدهم قسطنديوس بعد أن رفضوا الخضوع لآرائه الآريوسية. إلى ديارهم أملا في تأجيج الصراع بين الأرثوذكسيين والآريوسيين ومن ثم إضعافهما معا لتقوية الوثنية على حسابهما وتعود إلى الواجهة من جديد. ومن بين الذين عادوا في 21 شباط عام 362م كان أثناسيوس الذي اختبأ متخفيا لمدة 6 سنوات بعد أن هرب من وجه الجنرال سريانوس الذي حاول قتله وهو يرأس قداس إلهي في كنيسة القديس ثيوناس في الإسكندرية بعد أن رفض تسليم سلطاته إليه. ولكن لما رأى يوليانوس أن خطته في إضعاف الأرثوذكسية باتت خاسرة عمد إلى نفي أثناسيوس مرة أخرى.
النفي الرابع:
بين شباط وخريف عام 362م حقق القديس أثناسيوس نجاحات مختلفة حتى أنه بدا لناظريه كلولب لتوحيد الكنيسة. هذا أقلق يوليانوس الجاحد, وحتّى لا يفسح لأثناسيوس بالمزيد من المجال لإفساد خططه عليه اتخذ في حقه تدابير احترازية, ثم أنذره بمغادرة الإسكندرية حال تسلمه إشعارا بذلك وإلا فإن عقاباً صارماً سوف يتخذ بحقه. لم يجد قديسنا أمامه خياراً غير الإنسحاب من الإسكندرية فتركها في تشرين الأول 362م.
النفي الخامس:
بعد يوليانوس الجاحد تولى الحكم الإمبراطور جوفيانوس الذي كان أرثوذكسياً. هذا ثبَّت أثناسيوس على كرسيه في الإسكندرية وعامله بإجلال كبير. لكنَّ عُمر جوفيانوس كان قصيرا حيث توفي في أوائل عام 364م وتولى الحكم بعده والنس الآريوسي الذي بادر في عام 367م إلى نفي الأساقفة الأرثوذكس ومن بينهم أثناسيوس.
وفاة القديس أثناسيوس :
بعد أن نفى والنس أثناسيوس مع غيره من الأساقفة سنة 367م اهتاجت مصر فتوجّس والنس خيفة وأمر باستعادة أثناسيوس. فعاد هذه المرّة ليبقى. ساس قديسنا رعيَّته بسلام إلى أن رقد في الرب في 2 أيار علم 373م. جملة سنواته أسقفاً كانت 46 سنة قضى عشرين منها في المنفى.
بعض ما قيل في القديس أثناسيوس:
قال عنه القديس غريغوريوس اللاهوتي:
"إن الله به حمى الإيمان الأرثوذكسي وحفظه في حقبة من أشد الحقب التاريخية".
" إذا كنت أثني على القديس أثناسيوس فإنما أثني على الفضيلة ذاتها لأنه حوي كل أنواع الفضائل كان عمود الكنيسة ولا يزال مثال الأساقفة, ليس إيمان أحد صادقا إلا بمقدار ما يستنير بإيمان أثناسيوس".
وعن كتاباته قال يوحنا موخوس في القرن 6 م "إذا وجدت مقطعا للقديس أثناسيوس ولم يكن لديك ورق لتنقله فاكتبه على ثيابك".
طروبارية باللحن الثالث
لقد تلألأتما بأفعال استقامة الرأي، وأخمدتما كل رأي وخيم، فصرتما منتصرين لابسَي الظفر، وإذ قد أغنيتما الكل بحسن العبادة، وزينتما الكنيسة بزينة عظيمة، وجدتما باستحقاق المسيح الإله مانحاً الجميع بصلواتكما الرحمة العظمى.
قنداق باللحن الرابع
يا رئيسَي كهنة حسن العبادة المعظمين، والمناضلين عن كنيسة المسيح الشجاعين، أحرسا جميع المرتلين: خلص أيها الرؤوف جميعَ الذين يكرمونك بإيمانٍ.
[/FRAME]
رد: السنكسار اليومي (19 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(19 كانون الثاني)
* القديسان مرقس المعترف أسقف أفسس ومكاريوس المصري البار *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2019.jpg
* القديس البار مكاريوس الكبير المدعو المصري *
(+391م)
ألقابه واسمه:
ألقاب عديدة أسبغها المهتمّون على القديس مكاريوس. قالوا إنه "اللابس الروح" وقالوا إنه "المصباح المضيء" وقالوا إنه "الشاب الحكيم". اعتبروه بمثابة نبي ومخيف للأرواح المضلّة ورفيق للشاروبيم من البداية إلى النياحة. تسربل التواضع كالثوب وكان وجهه يلمع كالشمس أحياناً وكان رسول زمانه كبطرس وبولس. اسمه، مكاريوس، يعني المطوّب، وأصله قبطي هو مقار (بكسر الراء) ويفيد الصدق والأمانة. جعل العرب اسمه مقاره.
نشأته:
ولد القديس مكاريوس المصري في قرية تدعى شبشير في مركز المنوفية في مصر قرابة العام 300م. دعي بالمصري لأنه من إقليم مصر الذي هو منف أو الجيزة الحالية. نشأ على التقوى واقتنى إحساساً مرهفاً بالخطيئة. يحكى عنه أنه سرق هو وبعض الصبية من وفاقه أكوازاً من التين وأكل واحداً منها. فلما عاد إلى نفسه ندم ندماً شديداً، وقيل ذكر فعلته وبكى عليها بمرارة إلى آخر حياته. عمل راعي بقر وقيل جمّالاً. استهوته الرهبنة فاعتزل في قلاّية في قريته. انصرف إلى النسك والصلاة. وإذ رغب مواطنوه في جعله كاهناً لهم فرّ إلى قرية أخرى.
إلى الإسقيط:
فيما كان مكاريوس جاداً في سعيه الرهباني، في موطنه الجديد، إذا بتجربة تحلّ به. فتاة سقطت في زنى. فلما بان حبلّها سألوها عن الذي عرفها فقالت: المتوحّد! فخرجوا إليه واستهزأوا به ولفّوا به القرية بعدما علّقوا في عنقه قدوراً قذرة وآذان أجرار مسودّة وهم يضربونه ويقولون: هذا الراهب أفسد عفّة ابنتنا! وبعدما بالغوا في شتمه وضربه جعلوه يتعهّد بالإنفاق عليها وعلى مولودها. كل هذا وهو لا ينطق بكلمة واحدة يدافع بها عن نفسه. فلما عاد، بالجهد، إلى قلاّيته قال في سرّه: "كدّ يا مكاريوس لأنه قد صارت لك امرأة وبنون. فينبغي لك أن تعمل ليلاً نهاراً لتطعمهم وتطعم نفسك".
فلما أقام ردحاً من الزمان يكد ويتعب، حان وقت وضع الفتاة فتعسّر. وبعدما مكثت معذّبة أياماً لا تلد شعرت بأن ما حدث لها كان لافترائها على المتوحّد، فاعترفت أنه بريء وأن فلاناً الرجل هو الذي خدعها. فخرج سكان القرية ليستسمحوا القدّيس. وقبل أن يصلوا إليه أطلعه خادمه على ما جرى وأن أهل القرية في طريقهم إليه. فقام لتوّه وهرب إلى برية الإسقيط، فكان أول ساكن لها. عمره، يومذاك، كان ثلاثين سنة.
أب لرهبان كثيرين:
بنى مكاريوس لنفسه قلاّية غربي الملاّحات. هناك قسى على نفسه وعبّد الله بكل قوّته. أخذ يضفر الخوص ويعيش من عمل يديه. فلما سمع به قوم حضروا إليه فاستهوتهم عيشته وسألوه أن يكونوا معه فأذن لهم وصار لهم أباً مرشداً يلبسهم الزيّ ويرشدهم إلى طريق العبادة.
لم يصر راهباً بعد:
سأله بعض الشيوخ مرة في جبل نيتريا أن يقول للإخوة كلمة تنفعهم فأجاب: أنا لم أصر بعد راهباً، لكني رأيت رهباناً. ثم أخبرهم أنه فيما كان يوماً في الإسقيط جاءه فكر يدعوه للذهاب إلى البرّية الداخلية. فلما ألحّ الفكر عليه مضى إلى هناك فصادف بحيرة ماء وفي وسطها جزيرة عليها وحوش وبين الوحوش رجلان عاريان فجزع منهما ظاناً أنهما روحان. فلما لاحظاه طمأناه وأخبراه عن نفسيهما. وإذ سألهما كيف يصير راهباً، أجاباه: ما لم يزهد الإنسان في كل أمور العالم فلن يستطيع أن يصير راهباً. فقال لهما: أنا إنسان ضعيف ولا أستطيع أن أكون مثلكما فأجاباه: إن لم تستطع أن تكون مثلنا فاجلس في قلاّيتك وابكِ على خطاياك!
تواضعه:
وحدث أن كان مكاريوس، مرة، عابراً في الطريق وهو يحمل الخوص وفي يده منجل. فالتقاه الشيطان وانتزع المنجل من يده وأراد قطعه به، فلمّا يفزع، بل قال: إن كان السيّد المسيح قد أعطاك سلطاناً عليّ فها أنامستعد لأن تقتلني. فلم يستطع الشيطان أن يفعل ضدّه شيئاً، فقال له: "يا مكاريوس! أنت تطرحني أرضاً بقوة عظيمة ولا أتمكّن منك. كل ما تعمله أعمله أنا أيضاً. أنت تصوم وأنا لا آكل أبداً. أنت تسهر وأنا لا أنام أبداً. شيء واحد تغلبني به: تواضعك! من أجل هذا لا أقدر عليك". فرفع مكاريوس يديه للصلاة فتوارى الشيطان للحال.
وذكروا أن تلاميذه كانوا يدنون منه بخوف لأن توقيرهم له كان كبيراً. وإذ كان يراهم على هذه الحال كان يمتنع عن محادثتهم. أما إن أتاه إنسان وكلّمه بكلام قاس أو سخر منه أو غضب عليه فإنه كان، إذ ذاك، يجد للكلام جدوى فيجيب عن كل سؤال يُوجَّه إليه.
كذلك كثيراً ما كان مكاريوس يسترشد لدى من هم أصغر منه. قابل صبياً، مرة، يرعى البقر، فسأله: قل لي يا صبي ماذا أعمل، فأنا جائع؟ فقال له: كلْ! فقال: أكلت وما زلت جائعاً! فقال له: كل من جديد! فقال: أكلت وما زلت جائعاً! فأجاب الصبي: لا شك إنك حمار يا راهب لأنك تأكل كما يأكل الحمار. فانصرف مكاريوس منتفعاً.
انكفاءه وتقشفه:
كان مكاريوس معروفاً جداً. لذلك كثيرون كانوا يقصدونه ليتبرّكوا منه. ولكي يحفظ نفسه في هدوء، حفر في قلاّيته سرداباً امتد نصف ميل هيّأ في نهايته، لنفسه، مغارة صغيرة اعتاد الخلود إليها كلّما زحمه الناس وثقّلوا عليه. ومن حبّه للصمت وحرصه عليه، قال لتلاميذه: فرّوا يا إخوة! فأجابوه: إلى أين؟ إلى أبعد من البرّية؟ فوضع يده على فمه وقال: من هذا فرّوا! وقال لهم: متى رأيتم الأشجار تُغرس بجوار الأبواب والشبّان يقيمون في الإسقيط فاحملوا أمتعتكم وارحلوا.
وذكروا أن مكاريوس كان لا يمتنع عن شرب النبيذ متى قدّم له أحد الإخوة بعضاً. لكنه أخذ على عاتقه أن يصوم عن شرب الماء يوماً مقابل كل كأس خمر يشربها. فلما عرف الإخوة بقانونه امتنعوا عن تقديم النبيذ له لئلا يعذّب نفسه بالعطش.
وقيل إنه بينما كان القديس سائراً في البريّة، مرة، وجد بقعة جميلة كفردوس الله وفيها ينابيع ماء ونخيل وأشجار متنوعة الأثمار. فلما أخبر تلاميذه عنها طلبوا الإقامة فيها فأجابهم: إن وجدتم لذّة وراحة في ذلك المكان وعشتم من دون تعب وضيق، فكيف تتوقّعون الراحة واللذّة من الله؟ أما نحن، معشر الرهبان، فيليق بنا أن نحتمل الآلام من أجل المسيح، في هذا الدهر، لنتمتّع بالسرور في الدهر الآتي. ولما قال هذا سكت الإخوة وامتنعوا.
حكمته:
توّجه القديس مكاريوس، مرة، برفقة تلميذ له إلى جبل نيتريا. فلما اقتربا من أحد الأمكنة، قال لتلميذه أن يتقدّمه قليلاً. فما أن ابتعد التلميذ عن معلّمه قليلاً حتى التقى كاهناً وثنياً يحمل بعض الأخشاب، فصرخ التلميذ في وجهه قائلاً: "يا خادم الشيطان، إلى أين تجري؟ "فاغتاظ الكاهن وانهال على التلميذ بالضرب حتى كاد يقضي عليه، ثم تركه ومضى. فلمّا تقدّم قليلاً التقى مكاريوس فبادره القديس بالقول: "لتصحبك المعونة يا رجل النشاط! فتعجّب الكاهن وأتى إليه وسأله: أي شيء جميل رأيته فيّ حتى حيّيتني على هذا النحو؟ فأجابه الشيخ: "إني أرى أنك تكدّ وتتعب وإن كنت لا تدري لماذا؟" فتأثّر الكاهن وقال للشيخ: الآن عرفت أنك رجل الله ولست كذلك الراهب الشرّير الذي لعنني فضربته ضرب الموت. فعرف الشيخ أنه تلميذه. وإذ أمسك الكاهن الوثني بقدمي مكاريوس رجاه أن يرهبنه فوعده خيراً. ثم سار الاثنان إلى حيث كان التلميذ مطروحاً مغشياً عليه فأعاناه وأتيا به إلى كنيسة الجبل. بعد ذلك أخذ القديس الكاهن الوثني وجعله راهباً. وبفضله اهتدى العديد من الوثنيّين إلى المسيح. تعليق مكاريوس كان: "الكلمات الشرّيرة المتكبّرة تحوّل الأخيار إلى أشرار، والكلام الطيّب المتواضع يحوّل الأشرار إلى أخيار".
وذكروا عنه أيضاً أن أخاً يدعى ثيوبمبتوس كان مجرّباً بأفكار الزنى وكان يخجل أن يتكلّم عنها. فدرى القدّيس بأمره وجاء إليه وسأله: "هل عندك شيء تقوله يا أخي؟ كيف أحوالك؟" فأجاب الأخ: "أموري حسنة في الوقت الحاضر!" فقال الشيخ: "ها أنا قد عشت في نسك شديد سنين طويلة وصرت مكرّماً من الجميع. ومع ذلك، ورغم إني شيخ، فإن شيطان الزنى يتعبني!" فأجاب ثيوبمبتوس: "صدقني يا أبي، إنه يتعبني أنا أيضاً!" فتابع الشيخ كما لو كان متعباً من أفكار كثيرة إلى أن قاد الأخ أخيراً إلىالاعتراف بما يثقّل عليه. فأعطاه مكاريوس قانوناً فالتزمه واستراح.
محبته:
زار مكاريوسُ أحدَ الإخوة وكان مريضاً. فسأله إذا كان بحاجة إلى شيء. فأجاب: بحاجة إلى خبز طري. فسار مكاريوس ستين ميلاً إلى الإسكندرية وأحضره له.
تشبّهه بخالقه:
كان في بعض القلالي أخ اتُهم بالزنى فلم يستطع الإخوة أن يصبروا عليه وأدانوه. وكانوا يترصّدون خطواته. مرة، لاحظوا امرأة تدخل إليه فأوقفوا بعضاً لمراقبته ثم جاؤوا إلى القديس مكاريوس وأخبروه. فكان جوابه الفوري: "لا تصدّقوا يا إخوة. حاشا لأخينا المبارك أن يفعل هذا!" فدعوه إلى التأكد من ذلك بنفسه. فأتى إلى قلاّية الأخ كما ليسلّم عليه. فلما علم الأخ بقدومه تحيّر وارتعد وخبّأ المرأة في الصندوق. فلما دخل القديس جلس على الصندوق ودعا الإخوة إلى الدخول فدخلوا وفتّشوا فلم يجدوا أحداً ولم يجرأوا على سؤال الشيخ أن يبتعد عن الصندوق ليروا ما إذا كانت فيه. وهكذا عادوا خائبين. فلما انصرفوا أمسك القديس بيد الأخ وقال له: "احكم على نفسك، يا أخي، قبل أن يحكموا عليك لأن الحكم لله!" ثم ودّعه وخرج. فلما وجد مكاريوس نفسه وحيداً في الخارج جاءه صوت يقول له: "طوباك يا مكاريوس، رجل الروح، يا من تشبّه بخالقه، وستر العيوب مثله!" ثم أن الأخ عاد إلى نفسه وتاب عن غيِّه وصار مجاهداً وبطلاً شجاعاً.
وسأله آخر، مرة، أن يقول له كلمة منفعة فأجاب: "لا تصنع شرّاً بأحد ولا تدن أحداً. احفظ هذين الأمرين فتخلص".
عدم القنية:
اهتم مكاريوس بتدريب تلاميذه على عدم حبّ القنية. دخل، ذات مرة، بستان راهب كان يقيم بالقرب منه وأخذ يقلع البقول من الأصول. فلم يضطرب الراهب ولا حرّك ساكناً. وإذ أتى القديس على كل البقول إلا واحدة بادره الراهب ببساطة قلب: إن شئت يا أبانا فاترك هذه ليكون لنا أن نبذر منها! عندئذ علم الشيخ أن هذا الراهب خالص عند الله وليست الزراعة له قنية، فقال له: لقد استراح روح الله عليك يا ولدي! ثم التفت إلى أخ رافقه وقال له: لو حزن على النبات لبان عليه وأنا أقلعها، ولكنها كانت عنده كلا شيء. هكذا يعرف الشياطين إذا كانت محبّة القنية فينا.
جزاء من يكفرون:
ومرة، أثناء سيره في البريّة الداخلية، صادف جمجمة إنسان فحرّكها بعصاه وبدأ يبكي متضرّعاً إلى الرب الإله أن يعرّفه بقصة صاحبها. فخرج منها صوت يقول له: أعلمك إني كنت ملكاً لهذه الأماكن، وكانت هنا مدن كثيرة، وكنا نعبد الأصنام وندعوها آلهة ونعمل لها أعياداً واحتفالات. وها أنا اليوم كما ترى! فازداد مكاريوس بكاء وسأل: وما حالكم اليوم؟ فأجاب: نحن في عذاب مرّ لأننا لم نعرف الله. لكن عذابنا أخفّ من عذاب الذين عرفوا الله و آمنوا به ثم جحدوه.
أية صلاة؟
راهب اسمه بولس كان يعمل أقل ما يمكن لسدّ حاجة نفسه، وبقية وقته كان يقضيها في صلاة مستمرة. صلواته جاوزت الثلاثمائة كل يوم حسب ترتيب الصلوات آنذاك. هذا التقاه مكاريوس فوجده حزيناً فسأله عن سبب تكدّره، فأجابه: سمعت عن عذراء تتلو خمسمائة صلاة في اليوم فاحتقرت نفسي. فقال له الشيخ: لقد عشت في الحياة النسكية ستين سنة وأنا أتلو كل يوم خمسين صلاة واستقبل الإخوة الذين يأتون إليّ وأعمل ما فيه كفايتي. ولا يلومني عقلي إنني مقصِّر من جهة الله. فهل أنت الذي تصلّي كل هذه الصلوات تُدان من أفكارك؟! ربما لا تقدّم هذه الصلوات بنقاوة أو لعلّك قادر على أن تعمل أكثر ولا تعمل.
أدوات الشيطان:
أثناء سير مكاريوس، مرة، في أقصى البريّة التقى شخصاً هرماً يحمل حملاً ثقيلاً حول جسده. وكان الحمل عبارة عن أوعية في كل منها ريشة وكان لابساً إيّاها عوضاً عن الثياب. فتعجّب مكاريوس من منظره وسأله باسم الرب أن يقول له من هو وما هذه الأدوات التي يحملها. فأجاب الهرمبغير اختياره: أنا من يقولون عنه إنّه شيطان محتال. وهذه الأوعية هي ما أجتذب الناس به إلى الخطيئة مقدِّماً لكل عضو من أعضائهم ما يناسبه من الخديعة. فإذا أردت أن أُضلّ من يقرأ نواميس الله وشرائعه أدّهنه من الوعاء الذي على رأسي. ومن أحب السهر في الصلوات والتسابيح أخذت من الوعاء الذي على حاجبيّ ولطّخت به عينيه لأجعل عليهما نعاساً ونوماً. والأوعية الموجودة على مسامعي معدّة لعصيان الأوامر. والتي عند أنفي اجتذب بها الشبّان إلى اللذّة. والتي عند فمي اجتذب بها النسّاك إلى الأطعمة أو أشدّهم إلى الوقيعة والكلام القبيح. من كان راغباً وزّعت عليه بذار أعمالي. ومن كان متّكلاً على نفسه جعلته يتعالى بالأسلحة التي في عنقي. أما التي عند صدري فمخازن أفكاري أُسكر بها الفكر وأصرف الصالحات من الأذهان. أما الموجودة عند جوفي فمملوءة من عدم الحس. أما التي تحت بطني فأسوق بها الراغبين إلى سائر ضروب الزنى والفسق واللذّات القبيحة. والتي على يديّ فمعدّة للضرب والقتل. والتي وراء ظهري مخصّصة لنصب الفخاخ للذين يقاومونني. والتي على قدميّ فللعثرات أعرقل بها طرق المستقيمين. وبعدما قال هذا صار دخاناً واختفى.
حسد الشيطان:
جاء كاهن وثني إلى مكاريوس، يوماً، فسجد أمامه وسأله أن يعمِّده ويرهبنه. فتعجّب القديس وسأله كيف يريد أن ينضمّ إلى المسيح من دون وعظ، فأجاب: كان لنا عيد عظيم وما زلنا نصلّي إلى منتصف الليل حتى نام الناس. فجأة رأيت داخل أحد هياكل الأصنام ملكاً عظيماً جالساً وحوله كثيرون. فأقبل إليه واحد من غلمانه وأخبره أنه آت من المدينة الفلانية وقد نجح في جعل كلمة صغيرة في قلب امرأة رشقت بها امرأة أخرى فلم تحتملها فأدّى ذلك إلى شجار كبير بين الرجال أودى بحياة الكثيرين في يوم واحد. فقال الملك لأعوانه: أبعدوه عني لأنه لم يعمل شيئاً!
ثم تقدّم غلام ثان وأخبر أنه آت من بلاد الهند حيث وجد داراً تحترق، فوضع في قلب أحد الأشخاص أن يتّهم آخر وشهد عليه كثيرون بالزور. فقال الملك: أبعدوه عني لأنه لم يعمل شيئاً!
ثم تقدّم ثالث وأخبر كيف أنه تسبّب في حرب بحرية غرقت على أثرها عدة سفن. فقال الملك: أبعدوه عني لأنه لم يعمل شيئاً!
ثم تقدّم رابع وخامس وسادس وأخبروا بما عندهم فلم يسرّ الملك بأي منهم وأمر بإبعادهم جميعاً لأنهم لم يعملوا شيئاً!
أخيراً تقدّم غلام وقال إنه آت لتوّه من الإسقيط وقد قاتل راهباً واحداً أربعين سنة فصرعه لتوّه وأسقطه في الزنى. فلما سمع الملك بالخبر انتصب وقبّله ونزع التاج عن رأسه وألبسه إيّاه قائلاً: حقاً لقد قمت بعمل عظيم! وتابع كاهن الأصنام قائلاً: فلما رأيت أنا كل ذلك، وقد كنت مختبئاً في الهيكل، أدركت عظم الرهبنة فخرجت وجئت إليك.
تضاهياته في السيرة:
طلب مكاريوس يوماً من الرب الإله أن يدلّه على من يضاهيه في السيرة، فجاءه صوت يقول له: تضاهيك امرأتان في المدينة الفلانية. فأخذ عصاه وخرج إلى هناك. فلما وصل سأل وتقصّى عنهما، فدلّوه على بيتهما. فلما قرع الباب فتحت له إحداهما ثم سجدت إلى الأرض دون أن تعرف من يكون. ولما عرفت الثانية بقدومه جاءت هي أيضاً وسجدت. ثم قدّمتا ماء لرجليه وبسطتا له مائدة ليأكل، فلم يشأ قبل أن تخبراه عن نفسيهما قائلاً لهما إنه مرسل من الله. فارتعدتا وسقطتا على وجهيهما باكيتين. فأنهضهما، فقالتا له: ماذا تطلب منا أيها القديس ونحن خاطئتان؟! وبعدما ألحّ متضرّعاً إليهما ألاّ تحرماه من خبرهما لمنفعة نفسه، أجابتا: إننا غريبتان في الجنس إحدانا عن الأخرى. تزوّجنا أخوين حسب الجسد ولما طلبنا منهما أن نمضي ونسكن في بيت للعذارى لنخدم الله بالصلاة والصوم أبيا. فجعلناعلى نفسينا قانوناً أن تسلك إحدانا مع الأخرى بكمال المحبّة الإلهية.
وها نحن نحفظ نفسينا بصوم دائم إلى المساء وصلاة مستمرة. وقد أنجبت كل منا ولداً. فمتى نظرت إحدانا ابن أختها يبكي أخذته وأرضعته كما لو كان ابنها. أما رجلانا فراعيا غنم وماعز لا يعودان إلينا إلا عند المساء فنقبلهما كأخوين قدّيسين. ونحن مسكينتان بائستان، وهما دائبان على الصدقة ورحمة الغرباء. ولم نسمح لنفسينا أن تخرج من فم الواحدة منا كلمة عالمية بطّالة.
فلما سمع مكاريوس ما قالتاه خرج يقرع صدره ويلطم وجهه قائلاً: ويلي، ويلي! ولا مثل هاتين المرأتين لي محبة لقريبي".
صانع المعجزات:
ينسب إلى القدّيس مكاريوس عدد من المعجزات بينها هذه:
نزل القديس مرة إلى الحصاد ومعه بعض الإخوة. وكانت هناك امرأة تلتقط خلف الحصّادين ولا تكفّ عن البكاء. فسأل من تكون وما سبب بكائها، فعلم أن رجلها حفظ وديعة لإنسان مقتدر، ثم مات فجأة والمرأة لا تعلم من موضع الوديعة شيئاً. فلما حانت استراحة الحصّادين، دعا القدّيس المرأة وقال لها: هيّا، أريني قبر زوجك! فذهبت به إلى المقبرة. فلما وصلوها صلّى مع الإخوة ثم نادى الميت قائلاً: يا فلان! أين تركت الوديعة التي عندك؟ فخرج من المقبرة صوت قال له: إنها في بيتي تحت رجل السرير. فقال له القديس: عد إلى رقادك! فتعجّب الإخوة! فقال القديس: ليس من أجلي كان هذا الأمر، لأني لست شيئاً، بل من أجل الأرملة واليتامى. فلما سمعت المرأة بموضع الوديعة انطلقت وأخرجتها من مكانها وأعطتها لصاحبها. وكل الذين سمعوا بما جرى سبّحوا الله.
كهنوته:
سيم مكاريوس في حياته كاهناً. هذا أمر مؤكّد. متى كان ذلك، ليس ثابتاً. المخطوطات القديمة كالقبطية والعربية تقول إنه لما كان عائشاً في قلاّيته بريف مصر، جاء أهل القرية واختطفوه ورسموه قساً. ولما لم يجد نفسه أهلاً لهذه الوظيفة الشريفة هرب إلى قرية بعيدة حيث كان يتردّد عليه رجل بار ويأخذ منه شغل يديه ويسدّ احتياجاته. أما سوزومينوس المؤرّخ فيقول إنه صار كاهناً في سن الأربعين، في نهاية اعتكافه الأول الذي دام عشر سنوات.
مكاريوس وأنطونيوس:
يستفاد من الأبحاث أن مكاريوس وأنطونيوس التقيا مرتين. المرة الأولى في بداية نسك مكاريوس والثانية بعدما تقدّم فيه. وقد ورد أن قدّيسنا كشف فكره لأنطونيوس كابن لأبيه وإن أنطونيوس قبّل رأسه وقال له: يا ابني مقاره، إنك عتيد أن تصير مغبوطاً كاسمك! وقد وعظه وأيّده بكلام كثير وعرّفه بقتالات العدو. ولما طلب منه مقاره أن يقيم عنده أطلقه قائلاً: كل واحد منا يلزم الموضع الذي دعاه الرب إليه! هذا في الزيارة الأولى. أما الزيارة الثانية فتمّت بعد ذلك بزمان طويل وكان الدافع إليها ازدياد حروب العدو على مكاريوس وحاجته إلى النصح بشأن الرعاية وقيادة النفوس وغير ذلك. كذلك ورد أن أنطونيوس سلّم مكاريوس، أثناء زيارته الثانية، عصاه العتيقة تعبيراً عن تسليمه أمانة التدبير الرهباني له من بعده.
خطابه الأخير ونياحه:
قبل نياحة مكاريوس بزمن قصير خاطب رهبان جبل نتريا مودِّعاً فقال لهم: "يا أولادي الأحباء... كثيرة هي أمجاد القدّيسين... وسبيلنا أن نعرف تدبيرهم وعملهم... فلقد اقتنوا المسكنة وتواضع النفس وانسحاق القلب والجهاد في الصلاة ومحبة كل الناس وخوف الله... أما الجسد فرفضوا جميع شهواته...
فرّوا من الخطيئة واصبروا إلى الموت في حفظ وصايا الرب. لا تقبلوا كسر أية وصية مهما كانت صغيرة، لأن كسر أية وصية، صغيرة كانت أم كبيرة، يغضب الله...
لا يكون فيكم من يذكر الشر لأخيه... فإن القلب الذي يتفكّر بالشر والبغضة لا يمكن أن يكون مسكناً لله... اقتنوا الحب بعضكم لبعض لتقتنوا لأنفسكم كل تدبير الفضائل الأخرى في رهبنتكم.
... النفس التي لا تقبل الوقيعة ولا تفكّر في السوء على أحد ولا تميل إلى حب الدرهم ولا تميل إلى شهوات العالم تستضيء كالشمس...
أفعال السوء مدخل للعدو... والواجب أن نحفظ أنفسنا جداً لئلا نصيرآنية للشيطان...
ليحرص كل واحد منكم على أن يمدح أخاه في غيبته حتى إذا سمع أخوه بذلك عنه ازداد في محبّته...
متى كان قلب الإنسان غير نقي ونيّته غير صافية فلا بد أن قلب أخيه يحسّ بذلك... مهما حاول أن يتجمَّل بلسانه من نحوه. في قلب الإنسان سر إلهي. فإن حدث أن سمع أحد كلاماً صدر من أخيه عنه فلا يخبئه في قلبه ويحقد عليه ويحاسنه بلسانه وقلبه غير نقي. فهذه الحال تولّد البغضة المرّة والمقت وهي تغضب الله...
كل من يسمع التأديب ولا يقبله ولا يعمل به فهو خاسر نفسه...
أوصيكم أن تبالغوا في خدمة القدّيسين والمرضى وادفعوا لهم قدر قوّتكم من عمل أيديكم... كل تعب يتعبه الواحد منا سوف يُستعلن له وقت خروج نفسه من الجسد... أحبّوا التعب... طوبى لمن يبقى في تعبه فرِح القلب لأن التعب هو باب الفردوس المفتوح.
أما الذي يطيع ضعف الجسد فإنه يصبح غريباً عن الخيرات المعدّة للمجاهدين ويتولاّه الندم في القيامة حين يبقى بعيداً لا يملك إلا الحزن والكآبة التي لا تنفع!
... كل من يلازم فضيلة واحدة ويفرِّط بأخرى يشبه إنساناً أخذ إناء وملأه زيتاً وأهمل فيه ثقباً. ثم ركب وسافر فما وصل إلى نهاية سعيه إلاّ والإناء فارغ مما فيه... الوصايا كالسلسلة متى انفكت منها عروة تفلت بأكملها... سيأتي وقت تُسألون فيه عن ثمر كلامي وتُعطُون جواباً عما سمعتموه مني. فلا تجعلوا كلامي لكم سبب دينونة لأني إنما كلّمتكم لخلاصكم وصحّة نفسكم...
أفزع إلى الله لكي لا تُصطادوا بفخ الغفلة ولا تعتد قلوبكم التهاون... ما دمتم في الجسد فأمسكوا التوبة ولا تدعوها تفلت منكم لأن من فارقها فارقته الرحمة وملكوت السموات...
... لنجتهد متشبّهين بالصالحين لئلا نندم عندما نجدهم في النهاية في مجد عظيم... طوبى للذين يعملون بكل قوّتهم.
اجعلوا أنفسكم غرباء عن هذا العالم لتصيروا أهلاً للخيرات الأبدية...
إن صوم الأربعين هو الخميرة للسنة كلها فيجب أن نتمّمه باحتراس لأن الخميرة إذا فسُدت أفسدت العجين كله...
تيقّظوا بالروح وامتلئوا بالإيمان حتى تمضوا إلى الرب بدالة وتنالوا الإكليل الذي لا يبلى...
هذا وتنيّح القديس مكاريوس في سن التسعين، وقيل في السابعة والتسعين. وقد حضرت إذ ذاك الملائكة والقديسون لمرافقته فهتف بصوت خافت على قدر ما بقي فيه من قوة: "يا سيدي يسوع المسيح، حبيب نفسي، اقبل روحي إليك!" وأسلم الروح.
طروبارية للبار مكاريوس باللحن الأول وللقديس أرسانيوس باللحن الرابع وللقديس مرقس باللحن الثالث
ظهرتَ في البرية مستوطناً وبالجسم ملاكاً، وللعجائب صانعاً، وبالأصوام والأسهار والصلوات، تقبَلتَ المواهب السماوية، فأنت تشفي السقماء ونفوس المبادرين إليك بإيمان، يا أبانا المتوشح بالله مكاريوس، فالمجد لمن وهبكَ القوَّة، المجد للذي توَّجك، المجد للفاعل بك الأشفية للجميع. لقد أظهرتكَ أفعالُ الحق لرعيتك قانوناً للإيمان، وصورةً للوداعة، ومعلماً للإمساك، أيها الأب رئيسُ الكهنة أرسانيوس، فلذلكَ أحرزتَ بالتواضع الرفعة وبالمسكنةِ الغنى، فتشفع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.
إن الكنيسة وجدتكَ، في اعترافكَ بالإيمان الإلهي، غيوراً إلهياً يا مرقس الكلي المديح، مناضلاً عن المعتقد الأبوي، وداحضاً إدلهمام الظلام، فلذلك ابتهل إلى المسيح الإله، أن يمنح لنا الغفران نحن المعيِّدين لك.
قنداق للبار مكاريوس باللحن الرابع وللقديس مرقس باللحن الثالث
إن الرب قد جعلكَ حقيقةً في بيتِ الإمساك، بمثابة كوكبٍ ثابت، منيراً الأقطار أيها البار مكاريوس أبو الآباء. أيها المتأله العزم، لما تقلَّدتَ بالسلاح الذي لا يُحارَب، ذللتَ تشامخ الاضطهاد الغربي، إذ قد حصلتَ آلةً للمعزّي، وظهرتَ مناضلاً عن استقامة الرأي، فلذلكَ نهتفُ نحوك قائلين: السلام عليكَ يا مرقس فخرُ المستقيمي الرأي.
[/FRAME]
رد: السنكسار اليومي (20 كانون الثاني)
[FRAME="11 70"]
(20 كانون الثاني)
* القديس البار أفثيميوس الكبير الموشح بالله *
http://files.orthodoxonline.org/Mayd...nuary%2020.jpg
القديس البار أفثيميوس الكبير
(+473م)
الكاتب:
كتب سيرة القديس البار أفثيميوس الكبير أحد تلامذة القديس سابا، الراهب كيرللس البيساني (سكيثوبوليس)، بناء لطلب القديس يوحنا الهدوئي (8كانون الثاني) وإثر معاينته القدّيسين أفثيميوس وسابا في رؤيا وتلقّيه العون والبركة من القديس أفثيميوس، على ما روى. أخذ الورق وجلس فلم يُؤْتَ الكتابة. كانت الساعة الثانية، أو الثامنة صباحاً حسب ترتيبنا اليوم. فجأة أتاه القدّيسان في رؤيا متجلببين بالجلباب عينه فقال سابا لأفثيميوس: "هوذا كيرللس يمسك بالدّرج ولمّا يباشر الكتابة بعد!"، فأجابه أفثيميوس: "أنّى له أن يُتمّ واجباً كهذا ولم تنزل عليه بعد نعمة إلهية ترشد خطاه؟" فأردف سابا: "هبه أنت نعمة، كهذه، أيها الأب القدّيس!" فجعل أفثيميوس يده في حضنه وأخرج إناء مرمرياً فضياً ناعماً وغمس فيه أداة في طرفها ريشة ثلاث مرّات ومدّها إلى كيرللس. فبدت في فمه سائلاً كزيت الزيتون، مذاقه من الحلاوة بحيث لو شُبِّه بالعسل لبخسه العسل حقّه. ثم صحا وكانت نكهة السائل بعد في فمه. وإذ امتلأ من مسرّة الله باشر بكتابة السيرة.
مولود العقر:
ولد أفثيميوس قرابة العام 377م في ملاطية الأرمنية، قريباً من نهر الفرات، زمن الإمبراطور غراتيانوس. اسم أبيه بولس واسم أمّه ديونيسيا. كلاهما كان بارزاً وفاضلاً. لكنهما أقاما مكتئبين سنوات لأنهما كانا من دون ذرّية. وإذ اعتادا التردّد على كنيسة القديس بوليفاكتوس الملاطي (9كانون الثاني) دأبا على الابتهال إلى الله أن يمنّ عليهما بثمرة البطن ويسكِّن لوعتهما. فقُبلت طلبتهما وأنعم عليهما الرب الإله بمولود ذكر أسمياه أفثيميوس أي المسرّة. هذا نذراه لله من قبل أن يولد. فلما بلغ الثالثة رقد أبوه وقدّمته أمّه للكنيسة نظير حنّة أم صموئيل واقتبلت هي الشموسية.
راهب ومدبّر:
قضى أفثيميوس سنوات الفتوّة في عشرة الكتاب المقدّس وأخبار القدّيسين ملتصقاً بأكاكيوس معلّمه، أسقف ملاطية العتيد، خادماً له، سالكاً في السيرة الملائكية بحرص وانتباه. وقد سامه معلّمه كاهناً وكلّفه العناية بالأديرة التابعة لأبرشيته.
أحبّ أفثيميوس الهدوء والتردّد على كنيسة القديس بوليفاكتوس. فيها اعتاد قضاء سحابة أيامه كلّما وجد إلى ذلك سبيلاً. وكان يترك المدينة مرة في السنة، بعد الظهور الإلهي، ليعتزل في بعض الجبال في البرّية إلى عيد الشعانين.
أضنت القديس مهمّة الإشراف على الأديرة فيما اشتاقت نفسه إلى المزيد من الهدوء والسكينة فخرج سرّاً إلى أورشليم وهو في التاسعة والعشرين. همّه كان أن يحجّ إلى هناك وأن يحادث الآباء القدّيسين ويتعلّم منهم. فبعدما تزوّد بأمثلة العديدين ونصائحهم مال إلى مكان يبعد سبعة أميال عن أورشليم، إلى الجهة الشمالية الشرقية، يدعى فارا فأقام بقرب عين الماء وأشجار النخيل في هدوء. هناك تعرّف إلى ناسك في الجوار هو القديس البار ثيوكتيستوس (3 أيلول) الذي أضحى وإيّاه كنفس واحدة.
من فارا إلى المغارة:
بقي أفثيميوس في فارا خمس سنوات انتقل بعدها ورفيقه إلى صحراء كوتيلا، صوب البحر الميت، ناحية قمران. هناك هداهما الرب الإله إلى مغارة فسيحة كانت ملاذاً للوحوش، فأقاما فيها زمناً طويلاً يقتاتان من الأعشاب البرّية ولا يباليان بغير الرجاء بالله إلى أن كشف مكانهما رعيان من بيت عنيا.
وسمع بالمجاهدين رهبان فارا فأخذوا يتردّدون عليهما. فلما ذاع صيتهما وكثر طلاّب الرهبنة عليهما حوّل أفثيميوس الكهف كنيسة وابتنى فوقها لافرا عهد بعنايتها إلى ثيوكتيستوس. اللافرا، في الأساس، مجموعة قلالٍ للمتوحّدين حول مركز يضمّ كنيسة وفرناً. واستعمال اللفظة فلسطيني أولاً. المتوحّدون كانوا يمضون أيامهم في قلاليهم، إلا السبت والأحد ليشتركوا في سر الشكر ومائدة المحبة وتبادل كلام المنفعة. أما أفثيميوس فاختلى في المغارة وكان يرشد المقبلين إليه والمعترفين لديه معلّماً إيّاهم الزهد والطاعة والاتضاع وأن يجعلوا ذكر الموت حيّاً فيهم ويحصّلوا طعامهم بتعبهم ويحفظوا الصمت.
البدو:
وحدث، في ذلك الزمان، أنه كان لأحد زعماء البدو ابن يدعى ترافون عانى من ضغطة شيطانية فانشلّ نصفه الأيمن. وأتت الصبي رؤيا قيل له فيها أن يذهب إلى مغارة أفثيميوس الراهب وهو يشفيه. فقام ووالده وصحبه وذهبوا إلى الموضع كما أُشير به إليهم في الرؤيا. فلما وصلوا طالعهم ثيوكتيستوس فأخبروه بما أتوا من أجله وما حدث لهم. وكان أفثيميوس منكفئاً على عادته. فقال ترافون: "لقد التجأت إلى السحرة وأطبّاء العربية وأنفقت مالاً جزيلاً ولمّا أنتفع شيئاً، فأيقنت أن ما نوليه قيمة لا يعدو كونه حكايات وأوهاماً. فصلّيت إلى الإله الحقيقي وأخذت على نفسي أن أصير مسيحياً إن برئت. وفيما كنت أصلّي على هذا النحو عاينت شيخاً راهباً طويل اللحية يسألني عن علّتي فكشفتها له، فقال لي: لو شُفيتَ لكان عليك أن تتمّم ما وعدت به. فقلت: أجل يا سيّد! سوف أفعل ذلك! إذ ذاك كشف لي عن نفسه قائلاً: "أنا أفثيميوس. أقيم في ناحية السيول، على بعد عشرة أميال عن أورشليم. فلو رغبت في أن تُشفى فأتِ إليّ والرب يشفيك". وتابع ترافرن كلامه قائلاً: لما علمتُ أنا بذلك أخبرت والدي، وأتينا إليك. فأدرك ثيوكتيستوس أن في الأمر تدبيراً إلهياً فنقل الخبر إلى أفثيميوس الذي خرج من المغارة لتوّه وقابل البدو وصلّى على الصبي فأبرأه باسم الرب يسوع.
تعجّب البدو جداً وآمنوا بالمسيح وطلبوا العماد بيد قدّيس الله. للحال جعل أفثيميوس من زاوية الكهف مكاناً للمعمودية. فاعتمد والد الصبي ودعي بطرس وكذلك ماريس، زوج أخته، وكان فهيماً فاضلاً، ثم ترافون والباقون. وقد علّمهم القديس ووعظهم أن يحفظوا التقوى وصاموا أربعين يوماً، ثم قاموا وارتحلوا إلا ماريس الذي ترهّب ودخل في طاعة القدّيس، وهو الذي صار، فيما بعد، رئيساً للافرا. وقد ورد أن العديد من البدو اهتدوا واعتمدوا بفضل بطرس وبركة القديس أفثيميوس وتعليمه وإن بطرس سيم أسقفاً عليهم.
إلى قمة مردان:
وتقاطر الناس إلى قديس الله من كل صوب وطلب الكثيرون البر، على يديه. فلما اشتدّت وطأتهم غادر موضعه سرّاً لأنه أحب السكون، ورافقه راهب فاضل يدعى دوميتيانوس. وقد قصدا مكاناً بقرب روبا وصعدا قمّة مردان التي هي مسعدا المعروفة في تاريخ بني إسرائيل. هناك وجدا ماء وبعض الخرائب، فأصلحا لنفسيهما كنيسة وأقاما فيها. هناك أيضاً اهتدى الناس إلى أفثيميوس فأخذوا يتردّدون عليه. وإذ شفى، باسم الله، ولداً عذّبه الشيطان، كثر عليه القادمون وابتنوا لأنفسهم ديراً بعنايته.
إلا أن أفثيميوس عاد بعد حين إلى الكهف وإلى رهبان اللافرا، لكنه أقام على بعد ثلاثة أميال منهم وصار يتردّد عليهم بانتظام.
ضيوف ومائدة:
في ذلك الزمان تاه أربعمائة من الأرمن نزلوا من أورشليم إلى الأردن فبلغوا لافرا القديس أفثيميوس. فلما رآهم المغبوط دعا تلميذه دومتيانوس وطلب استضافتهم. فأجابه دومتيانوس: ولكن، لا طعام لنا ولا ليوم واحد! فقال له أفثيميوس: اذهب يا بني وانظر كم تختلف أفكار الناس عن نعمة الله وقدرته!" فخرج دومتيانوس إلى المخزن. ولما رام فتح الباب لم يقدر. فصاح بآخرين فأتوا وساعدوه. فلما فتحوا الباب وجدوا الخير في المخزن فائضاً. كل ما يمكن أن يحتاجوا إليه من الطعام كان موجوداً في الداخل: خبز وخمر وزيت وخلافه! فعاد دومتيانوس إلى معلّمه وسجد عند قدميه فأقامه القديس قائلاً: من يزرع بالبركات، فبالبركات أيضاً يحصد! من يخدم الغرباء ويقبل الفقراء ينفع نفسه بالأكثر. هذا ما يجب أن تفعله إذا ما اشتهيت بركة الله عليك وأن تقوى ما فيه الكفاية في الدهر الحاضر وتنعم بالحياة الأبدية في الدهر الآتي.
عدم الطاعة:
وبلغ عدد الرهبان في اللافرا قرابة الخمسين. أحدهم، أوكسنديوس، حافظ البهائم، لم يكن مطيعاً. فنبّهه الإخوة ونبّهه القديس فلم يرعو. فقال له القديس: سوف تلقى ثمرة عصيانك بعد قليل! وإذا بروح الخوف يستبدّ به لدرجة أن قواه خارت وسقط أرضاً. فأقامه قديس الله وشفاه، بنعمة الله، ووعظه فاتعظ واستقامت قناته.
راهبان يطلبان ترك الدير:
مرة أخرى، طلب راهبان، مارون وكليماتيوس، ترك الدير. فعرف القديس بروحه أن الشيطان لجم رأسيهما وطلب إسقاطهما، فحذّرهما مبيّناً لهما، بأمثلة عديدة عن الطاعة، أنه إذا أراد أحد ترك مكانه راغباً في الفضيلة يخطأ لأن تغيير طريقة الحياة هي التي تخلّص الإنسان لا تغيير موضعه. وكما أن الشجرة التي تُقلع وتزرع من جديد في موضع آخر لا تزدهر كذلك الراهب لا ينجح في حياة الفضيلة إذا أدام التنقّل من موضع إلى آخر. فلم يشأ الراهبان أن يفهما إلى أن سمح الله بروح رعدة استبدت بهما فتابا.
جهادات القديس:
ونقل كيرياكوس الناسك الذي رافق القديس وعرف صرامة عيشه أنه لم يره مرة يأكل أو يتلفّظ بكلمة واحدة، خمسة أيام في الأسبوع، إلاّ عند الضرورة القصوى، ولا اعتاد النوم ممدّداً بل جالساً أو معلّقاً بحبل في زاوية القلاّية. كان لا ينام إلا قليلاً وينادي النوم قائلاً: "هيا، أيها العبد الشرير!"
كذلك سلك أفثيميوس في خطى أرسانيوس (8أيار)، اعتزالاً واتضاعاً وصمتاً وفقراً في الملبس وإمساكاً وأسهاراً ونخس قلب ودموعاً واحتمالاً.
أمليانوس الراهب:
أحد إخوة اللافرا واسمه أمليانوس سلك في الفضيلة منذ صباه وكان طاهراً حكيماً، فحسده الشيطان وهاجمه بحرب جسدية رهيبة لم يحتملها. وإذ مال إلى تلك الأفكار قبلها أخيراً. فلما خرج القديس عند الفجر إلى صلاة السحر مرّ بذلك الأخ فاشتم رائحة كريهة تنبعث منه فأدرك أن في الأمر فخاً من الشيطان فانتهره. وإذا بالأخ يسقط على الأرض ويتشنّج ويزبد فطلب القديس ضوءاً لأن المكان كان مظلماً وقال للآباء: "انظروا يا إخوة هذا الذي كان منذ الطفولية حكيماً وفاضلاً كيف هو الآن مغلوب لأفكار النجاسة. إنه لأمر مخيف مبك! لذلك أقول لكم ليحطم كل واحد منكم أفكاره الشرّيرة ويطردها أولاً بأول، حين لا تكون بعد قوية. أما إذا لاطفناها ودخلنا في وصال معها وتمتعنا بها، حتى ولو لم نعرف جسداً فإن النفس تكون قد خطئت. إذ في ذاك، كما علّمنا ربّنا، ندان كزناة يوم تكشف دواخلنا.
وبعدما نبّه الإخوة إلى ضرورة الحذر والتأمل في خروج النفس على الدوام، صلّى على أمليانوس فخرجت منه رائحة نتنة لا تحتمل. وإذا بصوت يقول: "أنا هو روح الزنى!"
بعد ذلك عاد أمليانوس إلى صوابه وتأدّب.
القدّاس الإلهي:
لما بلغ القديس السادسة والسبعين نزل من الروبا إلى اللافرا وخدم سرّ الشكر، القدّاس الإلهي، وكان سبتاً. بضعة أشخاص كانوا محتفّين به كتلميذه دومتيانوس وترافون البدوي. فلما بلغت الخدمة حدّ الترنيمة المثلثة التقديس، فجأة نزلت نار من السماء وغلّفت القديس وتلميذه دومتيانوس، من تلك اللحظة وإلى نهاية القدّاس الإلهي.
كذلك أفاد عارفو القديس أن الرب الإله منّ عليه بنعمة خاصة أتاحت له معرفة الجميع، واحداً واحداً، من مجرّد منظرهم، كما في مرآة. كان يعرف حركات قلوبهم وأهواء نفوسهم ويميِّز الهوى الذي سقط فيه الأخ، وكذا الأهواء التي لم ينغلب لها. من هذا المنطلق، كان ينظر بعض المقبلين إلى الكأس المقدّسة حسني المنظر، ذوي بهاء، فيما كان سواهم مسودّاً، كئيباً.
وقد لاحظ بعض الإخوة إن ملائكة مخوفين كانوا يأتون إليه في الخدمة الإلهية ويعاونونه كشمامسة.
عن القديس سابا:
لما بلغ القديس أفثيميوس الثانية والثمانين أتى المغبوط سابا المتقدّس راغباً في الانضمام إليه، فعرف القدّيس بروحه على أية قامة سوف يكون سابا في حياته. وإذ لم يقبله لصغر سنّه بعث به إلى ثيوكتيستوس قائلاً: "اقبل هذا الشاب وأرشده وقده باهتمام في دروب النسك والرهبنة بدقّة، لأنه يبدو لي إنه سوف يتقدّم تقدّماً كبيراً في الحياة النسكية وسيشعّ على العديدين بإنجازاته الفائقة العجيبة".
وداعية القدّيس:
إذ كانت للقدّيس دالة عند الله فقد عرف وخبّر عن خروجه العتيد إلى ربّه وما سوف يحدث للافرا التي أنشأها بتعب جزيل. فبعد ثمانية أيام من عيد الظهور الإلهي، اجتمع إليه العديد من الآباء، بعضهم ليودّعه وآخرون ليذهبوا معه إلى الصحراء. كانوا يظنّون إنه سوف يخرج كعادته إلى خلوته السنوية. وإذ لاحظوا إنه لم يعدّ العدّة للذهاب سألوه، فأجابهم: "أنا باق معكم كل هذا الأسبوع. ثم أغادركم يوم السبت في نصف الليل". كلّمهم عن مغادرته لهم لا إلى الصحراء بل إلى ربّه فلم يفطنوا.
بعد ثلاثة أيام، كان عيد القديس أنطونيوس الكبير فأمرهم أن يقيموا السهرانة ففعلوا. في نهايتها، دعا الخدّام وقال لهم: "اعلموا هذا، يا إخوة، إن الرب دعاني من هذه الحياة إلى الحياة الآتية. فليجتمع الإخوة كلّهم غداً فأخبركم كيف تسلكون بعد رحيلي عنكم".
في الصباح، اجتمع الإخوة ففتح فاه وكلّمهم قائلاً: "أيها الآباء والإخوة المحبوبون في الرب، يا أولادي الأعزاء! في ثلاثة أيام أطأ نهاية طريق آبائي. لذا عليكم أن تحفظوا الوصايا التي أستودعكم إيّاها لكي تستبين تقواكم ومحبّتكم لي. أهمّ الفضائل التي عليكم اقتناؤها المحبة التي بدونها لا يمكن لأحد أن يحقّق شيئاً. كل الفضائل تعرف بالمحبة والتواضع. التواضع يرفع الفاضل إلى قمم الإنجاز فيما تعصمه المحبة عن السقوط منها. علينا دائماً أن نعترف بخطايانا أمام الله... اثبتوا أنقياء في النفس والجسد. احفظوا القانون الذي وضعته لكم وداوموا على التمجيد في اجتماعاتكم. اهتمّوا بالمتألّمين قدر طاقتكم. على كل الإخوة القلقين من أفكار فاسدة كريهة أن يعترفوا بها للحال وأن يصلحهم الآباء الأكثر خبرة بالوعظ والمثال الصالح حتى لا يطيح بهم الشيطان. بهذا أوصيكم فاحفظوه بحرص: لا توصدوا الباب في وجه المقبلين إليكم! ليكن مفتوحاً للمسافرين المنهوكين وللفقراء. ضعوا ما تقتنون في خدمة المحتاجين إذا ما رغبتم إلى الله في أن يزوّدكم بما تحتاجون إليه بوفرة...". ثم ختم القديس بالقول: "وأنا إذا أذن لي الرب فلسوف أسأله أن أكون مع الشركة دائماً في الروح".
فلما قال هذا صرف الجميع إلا دومتيانوس الذي بقي معه ثلاثة أيام. ثم في مساء السبت، كما سبق فخبّر، رقد في سلام بالرب ممتلئاً أياماً، ستة وتسعين عاماً. كان ذلك في 20كانون الثاني من السنة 473م.
ملامح القديس:
كيف بدا القديس أفثيميوس لناظره؟
ثمة وصف له أورده كيرللس البيساني الراهب. قال: كان القديس بطبعه لطيف المعشر، موطّد العزم، مليح التقاسيم، وسيماً، دائري الوجه، بهج الطلعة، حلو الشمائل، ممدود اللحية إلى وسطه ويزيد. كل ما فيه كان صحيحاً سليماً. وكان كامل الأعضاء، حتى أسنانه لا نقص فيها.
عجائبه:
ينقل كيرللس الراهب للقديس عن تلاميذه عجائب جمّة بينها أشفية وطرد للأرواح الشرّيرة. من أخباره هذه الحادثة الفريدة التي جرت بعد وفاته. في قرية تدعى فاران، إلى الشرق، كان راع اسمه كيرياكوس أمّنه جار له فقير على عشر خراف يرعاها. بعد حين عضّت الفقير الحاجة ورغب في بيعها، فلما جاء إلى كيرياكوس وطلبها منه لم يعترف إلا بثمانية واحتفظ لنفسه بخروفين. فتجادل وإياه ولكن دون جدوى. فقال له الفقير: "إذا كنت مستعداً أن تقسم عند قبر القديس أفثيميوس فلا بأس عندي إن خسرتها !" فقبل كيرياكوس العرض. وإذ دنا الاثنان من قبر القديس رأى المُسُاء إليه أن كيرياكوس على وشك أن يحلف يميناً كاذبة فخشي الإثم وقال له: "لنعد يا أخي وأنا أعتبر كأنك أقسمت!" فلم يرض كيرياكوس، وكأن الحق بجانبه، وأصرّ، بوقاحة، على أخذ القسم. وإذ اقترب من القبر تجاسر وحلف يميناً كاذبة، ثم عاد إلى بيته. في تلك الليلة، فيما كان كيرياكوس في السرير، بدا له كأن الباب انفتح ودخل راهب في يده عصا ومعه خمسة فتيان. فجأة امتلأ البيت نوراً. كان الراهب هو القديس أفثيميوس بالذات وكان متجهِّم الوجه. وإذا به يصرخ في وجه كيرياكوس قائلاً: "أيها البطّال، كيف تجرؤ على حلف يمين كاذبة عند قبر أفثيميوس؟" فخرس كيرياكوس ولم يستطع جواباً. فأمر القديس أربعة من الفتيان أن يضربوه بالسوط والخامس بالعصا قائلاً: "اضربه بكل قوّتك حتى لا يجرأ على إهانة الله مرة أخرى ويقسم قسماً كاذباً ويأخذ ما ليس له!" وبعدما ضربوه ما فيه الكفاية أوقفهم القديس وقال للمفتري: "ألم تعلم، أيها الأثيم، أن هناك إلهاً يدين الأرض بعدل؟ وهو جعل هذا العقاب عليك، لا لخيرك، لأنك غداً تموت وآخرون يأخذون ما جمعته بغير حق، بل لإصلاح سواك، حتى يفروّا من خطر القسم الكاذب ويجتنبوا حتى القسم بحق!" قال القديس هذا وانصرف. كانت آلام كيرياكوس لا تطاق. وإذ صرخ اجتمع عليه الجيران فأراهم جراحه واعترف بأنه أقسم يميناً كاذبة. ثم رجاهم أن يأخذوه إلى قبر القديس ليسترحم لديه. فلمّا أحاطوا به خافوا أن يلمسوه من كثرة جراحه. فاحضروا كيسين من القش وضعوه بينهما وأخذوه إلى الدير وأخبروا بما جرى. وكل الذين سمعوا انتابتهم القشعريرة وخافوا خوفاً عظيماً، فلم يعد أحد يجرؤ، مذ ذاك، على حلف يمين، لا فرق صادقة أو كاذبة. وبعد يومين ساءت حال كيرياكوس وانفتحت معدته وكان يتقيأ باستمرار فجاء أقرباؤه وأخذوه إلى البيت. وفي اليوم الثالث مات.
طروبارية باللحن الرابع
افرحي أيتها البريَّة التي تَلد، اطربي يا مَن لم تُمارس طَلْقَاً، لأن رجل رغائب الروح قد كثَّر أولادكِ، إذ قد غرسهم بحسب العبادة، وعالهم بالإمساك, لكمال الفضائل، فبتوسُّلاته أيها المسيح الإله سلم حياتنا.
قنداق باللحن الثامن
إن الخليقة قد وجدتْ فرحاً في مولدكَ الموقَّر، وفي تذكاركَ الإلهي أيها البار، اتخذتْ ابتهاجاً بعجائبكَ الكثيرة، فامنح منها نفوسنا بغزارة, وطهِّرنا من دنس الخطايا، حتى نرتل هليلويا.
[/FRAME]