بحث في هرطقة أوطيخا من خلال أعمال المجمع القسطنطيني 448 وأفسس اللصوصي 449 والخلقيدوني المقدس 451
نعمة ربنا يسوع المسيح تكون معكم أجمعين
أولاً: أي مشاركة للأخوة الذين لا يعتبرون المجمع الخلقيدوني العظيم المقدس هو مجمع قانوني ومسكوني، فأي مشاركة لهم سيتم حذفها لأن هذا الموضوع سيكون تعليمي وليس للجدال.
ثانياً: المرجع الأساسي المعتمد في هذه الدراسة سيكون:
مضمون المجمع الخلقيدوني المقدس الأرثوذكسي في علة هرطقة أوطاخي المنافق - للأب الكاثوليكي فرنسيس مريا المرسل ضمن الإرساليات البابوية إلى مصر.
وقد قيل في هذا الكتاب من قِبَل الكنيسة القبطية:
[OCH="الأنبا أيسذورس أول اسقف لدير البراموس، الخريدة النفيسة فى تاريخ الكنيسة، ج1، ص 497"]نحن لا نعتمد على رواية الكنيسة القبطية التى طبعاً لا تروق لعين الخصم بل على رواية الأخصام ومنها نقف على الحقيقة ضالة المنصف ، ومصدر ر ما نقوله هو أولاً التاريخ الغربى المطبوع فى روما 1694م بأمر الكنيسة الرومانية لهداية مخالفيها ، وقد ندمت على إصدار هذا الكتاب فجمعت النسخ المطبوعة وأعدمتها ، ويوجد منها نسختان
الأولى : أحدهما فى مكتبة البطيركية أحدهما بخط اليد
الثانية : نسخة أخرى باللغة السريانية وجدت فى المتحف البريطانى ترجمت إلى الإنجليزية سنة 1867م وإلى الفرنسية سنة 1875م
ولا شك أن صدور هذه الوثيقة التى ترجمتها الكنيسة الكاثوليكية من وثائق المحاضر الأصلية التى يحتفظ به الفاتيكان فى مكتبته تعتبر تبرئة للبابا القبطى ديسقوروس ، خاصة أن لاون أسقف روما فى ذلك الوقت كان من المعاديين للبابا القبطى بالرغم من الصداقة الفريدة التى كانت تجمع البابا القبطى وبابا روما على مدى التاريخ القديم والمعاصر.
المصدر: البابا الأنبا ديسقوروس البطريرك رقم 25
[/OCH]
والثالثة اصبحت عندي :) .. وسيتم وضعها بعد الانتهاء من الموضوع. وقد نقلتُ هذه الشهادة للأنبا ايسذوروس التي يقول فيها أن الكنيسة الكاثوليكية ندمت على طباعته، وأنها سحبت نسخه من السوق!! لكي يكون شهادة على صدق محتويات الكتاب. مع العلم أن الكتاب باللغة العربية ترجم وطبع خصيصاً لأهل مصر وقد تم اهداء بطريرك الكنيسة القبطية نسخةً منه.
مع الملاحظة أن اللغة العربية المستخدمة في الكتاب هي سيئة جداً وكثيراً لم استطيع أن اقرأ الكلمة. فلذلك الاقتباسات من الكتاب ستكون احياناً حرفية وأحياناً بحسب المعنى. وبكلتا الحالتين لا يجوز اقتباس ما ساضعه على أنه ما جاء في الكتاب حرفياً، ولكنه مطابق للمعني. أي يمكن اقتباس بعضه على أنه معنى صحيح ولكن ليس بالضرورة نفس الكلمات التي كتبت في الكتاب.
والكتاب كما عرفه المؤلف هو مختصر الأعمال. ولذلك سنلجأ بالتأكيد إلى كتب أخرى تاريخية سيتم ذكرها مستقلة عند استخدامها.
مع العلم أن المؤلف كاثوليكي، وهدف ترجمة الكتاب هو أن تعود الكنيسة القبطية للشركة مع الكنيسة الرومانية.
فلذلك الكتاب ليس نزيهاً عندما يتعلق الموضوع بعظمة الكنيسة الرومانية وسلطة بابا روما.
وأنقل ما قاله الكاتب يبين هذا الموضوع:
[OCH="الأب فرنسيس مريا، مضمون المجمع الخلقيدوني المقدس الأرثوذكسي في علة هرطقة أوطاخي المنافق، ص 12 بحسب ترتيب ملف PDF الذي سيوضع في نهاية الموضوع"]يوجه كلامه للقارئ ويقول: أيها القارئ المبارك خذ الآن هذا المثال وإن كان الملك أراد إنفاذ أمر جمع اكثر الوزراء والأكابر وأعيان الدولة واستحضرهم إلى الديوان وأثبتوا الأمر وسطروه بالتحرير أمام الحاضرين، فهل يستطيع أحد يقول لا اقبل هذا الأمر ولا أرتضي بمضمونه؟ وهكذا البيعة المقدسة عبارة عن الملك الروحاني والبابا هو الملك المعين لهذا الملك وبإذن الله تعالى مثلما هو واضح في الابركسيس والانجيل المقدس والبطاركة الاربعة وزراءه أي البطريرك القسطنطيني والاسكندري والأنطاكي المقدس. ثم المطارنة الأساقفة بمقام الأكابر والأعيان. [/OCH]
فكما نراه هنا، يصف باقي البطاركة بالوزراء، ويجعل بابا روما ملك!!!! فلذلك ما سيأتي في هذا الكتاب من أفكار الكاتب لا دخل لنا بها.
وايضاً الكاتب يعود إلى النسخة اللاتينية لأعمال المجمع الخلقيدوني المقدس. وطبعاً في ما يخص موضوع مساواة أسقف القسطنطينية واسقف روما بالكرامة، يلعبون عليه جداً ويحاولون التهرب منه ويتمنون لو تنشق الأرض وتبلعهم على أن يقرأوا هذا القانون في هذا المجمع.
فلا أحد ينكر أنه مع القديس البابا لاون الكبير، بدأت تتبلور أولية روما بحسب المعتقد الروماني، إلا أنها ضاربة في القدم من حيث الأفكار وتعود إلى ترتليانوس. ولكن ما لبث البابا لاون وغيّر هذا الاعتقاد كما يخبرنا كتاب:
قول لاهوتي أرثوذكسي: أوليفيه كليمان، روما: نظرة أخرى - الأرثوذكسية والبابابوية، ص 25-26
ولم يعد القديس لاون يتدخل إلا ليشهد للحق ولكي يتأكد من احترام حقوق الكنائس المحلية. فهو لا يجهل أنه "خليفة" بطرس في في الأسقفية ويصرح أن الصيغة البطرسية ليست غائبة عن أية محلّة - كما أنه لا ينكر أيضاً كون الشعب المؤمن "خليفة" لبطرس الرسول، بقوله: "في الكنيسة كلها يعترف بطرس يومياً: انت المسيح ابن الله الحيّ". وهكذا، فإن كل لسان يعترف بالمسيح تحييه قوة هذا الكلام. وكان لاون يذكر على الدوام بأن وظيفته هي وظيفة "سهر" و"حراسة".
نذكر أن موضوعنا هو أوطيخا وليست أعمال المجامع بحد ذاتها، فلذلك لن نقف على ما حصل في المجامع ولا يختص بهرطقة أوطيخا.
وبنعمة الرب نبدأ.
رد: بحث في هرطقة أوطيخا من خلال أعمال المجمع القسطنطيني 448 وأفسس اللصوصي 449 والخلقيدوني المقدس 451
سلام ونعمة
..................
ساتابع بشغف ما يُكتب......منتظرك يا اخي
:sm-ool-02::sm-ool-02::sm-ool-02:
ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الأول
ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الأول
من يظن أن أوطاخي/أوطيخا/افتيشيوس كان إنساناً غبياً جاهلاً، فهو يحتاج إلى إعادة النظر في هذا العبقري، والأمين بكبرياء على التعليم الحرفي للمجامع المسكونية المقدسة.
ولذلك سنبدأ أولاً بالمجمع المسكوني الأول وهو مجمع نيقية الأول.
كلنا يعرف مضمونه فهذا المجمع كثيراً ما يتم الحديث عنه، ولذلك لن نقف عنده كثيراً.
ولكن ما يهمنا حقيقة من هذا المجمع هو قانون الإيمان [HL][1][/HL]
الذي سَنّه، فلنقرأ:
نؤمن [HL][2][/HL]
بإله واحد
آبٍ ضابط الكل، خالق كل شيء، ما يرى وما لا يرى،
وبربٍ واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب، ومن جوهر الآب، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، الذي له ذات جوهر الآب، الذي به كان كل شيء، مما في السماء وما على الأرض، الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسد وتأنس، وتألم، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وسيأتي ثانيةً ليدين الأحياء والأموات.
وبالروح القدس.
وكل من يقول:
إنه كان ثمة وقت لم يكن فيه،
أو إنه لم يكن قبل أن يولد،
أو إنه خُلق من العدم،
أو إنه من جوهر يختلف عن جوهر الآب، أو عن طبيعته،
أو إن ابن الله مخلوق،
أو إنه عرضة للتغير أو التبديل،
فالكنيسة الرسولية الجامعة تبسل أصحاب هذه الأقوال
ما أردت التنويه عنه بالحديث عن المجمع المسكوني الأول (نيقية الأول) هو البنود المتعلقة بطبيعة الابن. دعونا نستعيد ما يقوله الدستور بخصوص الابن وطبيعته:
- الذي له ذات جوهر الآب
- نزل من السماء وتجسد وتأنس
- وكل من يقول إنه من جوهر يختلف عن جوهر الآب، أو عن طبيعته، فالكنيسة الرسولية الجامعة تبسل أصحاب هذه الأقوال.
بالنسبة لرقم 2 أعلاه، فإن إضافة "تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنس". هذه الإضافة قد تمت فيما بعد ولم تكن في دستور الإيمان النيقاوي.
والنقطتين الأولى والثالة واضحتان أنهما يتكلما عن أن طبيعة الابن هي نفسها طبيعة الآب. إلا أن النقطة الثانية تقول تجسد وتأنس دون أن تشرح هذا التجسد والتأنس كيف تم.
طبعاً دستور الإيمان النيقاوي، ظهر لكي يضع حداً لهرطقة آريوس فلذلك لم يُعنى بتثبيت الإيمان الأرثوذكسي فيما يتعلق بالتجسد.
وهذا المجمع اعتبر مسكونياً منذ انعقاده وثبتت هذه المسكونية في المجمع المسكوني الثاني والمسكوني الثالث والمسكوني الرابع وكل تعليم الآباء. ولذلك قوانينه نافذة في كل المسكونة حيث يُكرز باسم المسيح. وهذا الذي يميز المجمع المسكوني عن غيره بأنه نافذ في كل الكنائس. عكس المجامع المكانية التي ممكن أن تكون معترف بها في منطقة ما ومرفوضة في منطقة أخرى.
كما قلت أعلاه "اُعتُبِرَ" لأن المجمع المسكوني لا يستمد مسكونيته من تلقاء انعقاده، بل من اعتراف المسكونة فيه.
أعتقد الآن بدأنا نفهم عبقرية أوطيخا الكفرية... والآن سننتقل إلى المجمع المسكوني الثاني وهو المجمع القسطنطيني الأول، حتى نفهم أكثر الخلفية التاريخية لهرطقة أوطيخا.
يتبع>> المجمع المسكوني الثاني>>
----------------
[HL]الهوامش[/HL]
----------------
[HL][1][/HL]
الأرشمندريت حنانيا الياس كساب، مجموعة الشرع الكنسي، ص43. وطابقته على مؤلف الأبوين ميشال ابرص وأنطوان عرب (روم كاثوليك)، "سلسلة تاريخ المجامع المسكونية والكبرى، الجزء الثاني: المجمع المسكوني الأول"، صفحة 311. واستعنت بالشماس اسبيرو جبور، سر التدبير الإلهي، الفصل الثاني: المجامع المسكونية، ب. دستور الإيمان النيقاوي، ص 104-105.
[HL][2][/HL]
يقول الأبوين ميشال ابرص وأنطوان عرب (روم كاثوليك) في "سلسلة تاريخ المجامع المسكونية والكبرى، الجزء الثاني: المجمع المسكوني الأول"، في ذات الصفحة السابقة 311: "لاحظنا أن قوانين الإيمان في القرون الثلاثة الأولى بنوع خاص، تعتمد غالبيتها صيغة التكلم بالجمع أي "نؤمن" وليس "أؤمن"، باستثناء اعتراف الإيمان الذي يتلوه الموعوظ لدى اعتماده". ويتابع ويقول بما معناه أنه يوجد نسخ لاتينية استبدلت كلمة "نؤمن" بـ "أؤمن". ثم يعرج ويقول أن نؤمن هي أصح...انتهى الاقتباس. بالنسبة للقانون فهو ورد بصيغة الجمع هذا حقيقة، ولكن انطلاقاً من اعتراف الموعوظين فهمت الكنيسة الأرثوذكسية وعلمت أن تلاوة دستور الإيمان هو تلاوة شخصية، يعلن فيه كل شخص عن إيمانه الشخصي وخاصةً يجب أن نفهمه على ضوء موقعه في سر الافخارستيا. ولو كان مثلاً كاثوليكي وأرثوذكسي يتلوان قانون الإيمان، لا يستطيعا القول "نؤمن". لأن الكاثوليكي سيضيف "من الآب والابن"، في حين سيرى الأرثوذكسي هذه الزيادة هي هرطقة. فالأصح إذاً أن نقول "أؤمن" وليس "نؤمن". إلا اننا نقول "آبانا" لأن الله بغض النظر عن موقفنا تجاه، فهو آب للجميع.
ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثاني – مجمع القسطنطينية الأول - ج1
هذا المجمع هو المحور الفاصل في هرطقة أوطيخا، وذلك لأسباب ننقلها مُلخصة[HL][3][/HL]:
- عُقد هذا المجمع على أنه مجمعاً مكانياً.
- لم تصدر الدعوة إليه من بابا روما، ولم توجه إليه دعوة.
- أقل مجمع تمثيلاً، حيث أن عدد الأساقفة المجتمعين كان 150.
- لم تُمثل ولا أبرشية غربية، فضلاً عن روما، في هذا المجمع.
- رئيس المجمع، القديس ملاتيوس الأنطاكي، لم تكن بينه وبينا روما شركة.
- الرئيس الثاني للمجمع، القديس غريغوريوس اللاهوتي، رُفعت عليه دعوة بأنه خالف القوانين. [وله عظة يُدافع فيها عن نفسه وأحقيته في الجلوس على كرسي القسطنطينية].
- لم تُقرأ قوانين هذا المجمع ولم تثبت في مجمع أفسس المسكوني. ولم يرد له ذكراً.
- قوانين هذا المجمع لم تكن بعد قوانين مجمع نيقية في المجموعة التي استخدمها المجمع الخلقيدوني.
- أصدرت روما حرم ضد هذا المجمع، ولم تعترف بقوانين، إلا بعد 1000 سنة [HL][4][/HL].
- لكن يتميز هذا المجمع، بأنه اعتبر مجمع قديسين. وقد لا يكون هناك مجمعاً آخر يضاهي هذا المجمع بعدد الذين اجتمعوا فيه من المعترفين والقديسين. يكفي أن نقول أنه بالإضافة لمن ذكرت أسماؤهم بالأعلى فكان حاضراً أيضاً، غريغوريوس النيصصي، تيموثاوس الإسكندري[HL][5][/HL] وكيرلس الأورشليمي حضروا هذا المجمع.
- هناك من ينكر على هذا المجمع أنه سنّ قوانين. ولكن تأكد أن القوانين الأربعة الأولى هي من وضعه. ولكن بالنسبة للقوانين 5، 6، فهي من المرجح أن تكون من وضع مجمع آخر عُقد في القسطنطينية بعد سنة، أي 382. وهذه القوانين عُرفت في خلقيدونية. أم القانون رقم 7 فيشك فيما إذا كان المجمع قد وضعه أم لا لأن يوحنا مفسر القوانين، لم يعرفه في القرن السادس. إلا أن هذا القانون قد تبناه المجمع الخامس – السادس وجعله رقم 95 من بين قوانينه [HL][6][/HL].
هذه هي أهم ميزات هذا المجمع الذي لم يُسمى مسكونياً إلا بعد المجمع الخلقيدوني إذ ثبت قوانينه وتبنى تعليمه. وقبل هذا، كما رأينا أعلاه، لم يكن مجمعاً ذا ثقلاً في الكنيسة. حتى أن المجمع المسكوني الثالث وهو المجمع الأفسسي لم يقرأ أعماله. فبالتالي هذا يعني بلغة القوانين الكنسية، أن أعمال وقوانين وتعاليم هذا المجمع غير ملزمة للإيمان. لا يعني أنها خاطئة، فهناك مجامع كثيرة نأخذ منها وهي مكانية لا وبل تعتبرها كنيستنا ضرورية وقوانينها نافذة في الكنيسة الأرثوذكسية[HL][7][/HL].
إذاً نحن الآن ما يهمنا هو البند رقم 7، الذي يقول: لم تُقرأ قوانين هذا المجمع ولم تثبت في مجمع أفسس المسكوني. ولم يرد له ذكراً.
هذا كان من ناحية هيكلية ومكانة هذا المجمع. ولكن ما هو تعليم هذا المجمع الذي يخص موضوعنا؟
المجمع ناقش عدة أمور أهمها: هرطقة محاربي الروح القدس، هرطقة أبوليناريوس، ورفع الكرسي القسطنطيني فوق الكرسي السكندري في الشرق وتسمية القسطنطينية برومية الجديدة.
ما يخص بحثنا هذا هو هرطقة أبوليناريوس، ورفع كرسي القسطنطينية.
ونبدأ من رفع كرسي القسطنطينية :
القانون رقم 3 من مجمع القسطنطينية يقول: وأما أسقف القسطنطينية فليكن له إكرام التقدم بعد أسقف روما، لأن القسطنطينية هي رومية الجديدة.
هذا القانون الذي لأجله لم تعترف روما بقوانين هذا المجمع، ولكنها اعترفت بتعليمه الذي ثبته خلقيدونية.
أما في الإسكندرية، فكان لهذا القانون وقع أكبر. مع أن الإسكندرية كانت ممثلة وهم الذين شنّوا حملة إقصاء القديس غريغوريوس اللاهوتي عن أسقفية القسطنطينية وبالتالي عن رئاسة المجمع. وكان من الأمور التي جاءت نتيجة هذا القانون هو وجود ضغينة في قلوب الأساقفة السكندريين تجاه أساقفة القسطنطينية.
فالبابا ثيوفيلوس، رقم 23 على كرسي القديس مرقس، شنّ حرباً شعواء ضد القديس يوحنا الذهبي الفم وكان هو أكبر سلطة كنسية ساعدت الملكة افذوكسيا. وبمساعي الإمبراطورة والبابا ثيوفيلوس تم عزل القديس يوحنا واتهامه بالهرطقة. وكما هو معلوم فقد رقد القديس يوحنا الذهبي الفم وهو قانونياً هرطوقي.
قد ينزعج بعض الأقباط من هذا الكلام، ولكنها حقيقة لا نستطيع التهرب منها. وقد حاول القمص تادرس يعقوب ملطي، تبرير عمل البابا ثيوفيلوس فقال أنه كان يعتقد بأن القديس يوحنا الذهبي الفم أوريجنسي. مع أنه في نفس الكتاب يقول بأن القديس يوحنا الذهبي الفم كان معارضاً للمدرسة اللاهوتية السكندرية والتفسير الرمزي، واصفاً إياها بمخرّجة الهراطقة. وكان يقصد أوريجنس.
وهناك أمر أخر لا بد من الانتباه له، بأن نتحدث عن بطريرك كان في زمن قبل خلقيدونية وبالتالي فنحن لا نتحدث عن شخص نعتقد أنه قد هرطق. ولكننا نقول بأنه كان قاسي، وفظ، ولا يحترم كرسيه. وهذا القول قد نقوله في أي أسقف. وكما أننا لا نقول بأن بولس السمسياطي ليس هرطوقياً مع أنه أنطاكياً.
ونعود للموضوع، فقد انسحب هذا الموقف تجاه القسطنطينية على القديس كيرلس الكبير أيضاً، كونه كان متأثراً بخاله –البابا ثيوفيلوس-، وكانت كنيسة الإسكندرية أخر كنيسة تعلن قداسة الذهبي الفم. وذلك بعد أن قام الأسقف الشيخ أكاكيوس أسقف حلب بترجي القديس كيرلس من أجل هذا الأمر. وقد كان أكاكيوس الضلع الثالث بعد البابا ثيوفيلوس والإمبراطورة أفذوكسيا في إدانة القديس يوحنا الذهبي الفم.
وطبعاً بقي سارياً هذا الأمر إلى ما بعد القديس كيرلس وسنتكلم عنه في وقته.كما سنعرّج على موضوع القديس كيرلس في محاربته لهرطقة نسطوريوس.
أما الموضوع الثاني الذي ناقشه المجمع المسكوني الثاني، ويدخل في صلب موضوعنا هذا، كان: هرطقة أبوليناريوس.
من هو أبوليناريوس وما هي الأبولينارية؟[HL][8][/HL]
من اللاذقية، ولد حوالي 310. كان أسقف النيقاويين في حربهم ضد الآريوسيين. فكان معروفاً بحبه وصداقته للقديس أثناسيوس الكبير بطل الأرثوذكسية. وكان مؤلفاً غزير الإنتاج، ولكن لم تصل لنا من مؤلفاته إلا القليل. نستطيع أن نقول أن هذا أعظم الهراطقة. فهرطقته كانت لها الأثر في حدوث كل الانشقاقات. وكان سابق عصره في فكره اللاهوتي، فقد استطاع أن يحول موضوع الهرطقات من الثالوث القدوس إلى سر التجسد. وكان أنطاكياً قحاً في اللاهوت والفكر. وقد يكون من أكثر الأشخاص الذين حاربوا الهرطقات. فلم يترك باباً من أبواب الهراطقة إلا وطرقه ليفنّد بدعتهم وضد الوثنين ليرد ضلالهم. وقد وصل إلينا مؤلفات عقائدية تُنسب له لغيره، مثل "اعتراف إيمان" ينسب للقديس غريغوريوس العجائبي. وكتابي "الاتحاد بالمسيح" و"في تجسد الكلمة الإله" وتنسب للقديس أثناسيوس الكبير.
في بداية الأمر لم يلحظ الآباء أخطاء أبوليناريوس العقائدية، ولكن مع غزارة إنتاجه هبّ كثيرون لمواجهته وتفنيد بدعته. وكان على رأسهم صديقه السابق القديس أثناسيوس الكبير. وأيضاً باسيليوس الكبير، غريغوريوس النيصصي، وغريغوريوس اللاهوتي وغيرهم.
وقد تمت إدانة بدعته من قبل عدة مجامع مكانية، منها: الإسكندرية 362،ـ روما 374 و376 و380، وأنطاكية 397. ومن ثم في المجمع المسكوني الثاني.
وعلى إثره قامت السلطات بمحاربة أبوليناريوس وأتباعه ومنعتهم من انتخاب أساقفة أو تنصيب كهنة. وحرمت عليهم أن يسكنوا في المدن وعقد الاجتماعات أو التجمعات. فبدأت تنحصر هذه البدعة شيئاً فشيئاً إلى أن بقي منها مجموعة صغيرة.
إلى أن جاء عام 426 وأعلن قسم كبير من الباقي بتوبتهم وندامتهم وطلبوا العودة إلى الشركة من قبل أسقف أنطاكية ثيودوتوس، فقبلهم.
إلا أن بعضاً منهم أبقى إيمانه سراً، ومن ثم اختلطوا مع مذهب "الطبيعة الواحدة"، المونوفيزيتيين.
نعود إلى أبوليناريوس، أنطلق أبوليناريوس في لاهوته على أساس معارضة الآريوسية ودحض آرائها في الثالوث القدوس، لكنه ما لبث أن استرجع مبادئها في الخريستولوجية، وربما عن غير وعي تأثر بها. فجذبه هكذا صراعه ضد الآريوسية إلى أخطاء ليست أقل شؤماً. فوصل إلى التطرف الآخر من الهرطقة: شوّه كمال ناسوت المسيح، كما تعترف به الكتب المقدسة والتقليد الآبائي والإيمان المستقيم، إذ أنكر وجود نفس عاقلة في المسيح ابن الله المتجسد.
فكان بهذا أول هرطوقي خريستولوجي، أول من ارتكب هرطقة خريستولوجية بالمعنى الحصري.
يعوج خطأ أبوليناريوس إلى عدم وضوح في الرؤيا، وإلى تشابك الأفكار، وإلى نظرة جد مادية داخل اللاهوت، وإلى اختيار اعتباطي لنظريات من مدارس فلسفية متنوعة، مما أدى إلى تصادم وارتباك في الأفكار. إذ كان يحب التلفيق ليجمع من كل حدب وصوب فكرة يضمها إلى أفكاره فتكتمل نظريته. ارتكز على عناصر "مشائية" أي فلسفة أرسطو، بالإضافة إلى عناصر "رواقية" وتبع أفلاطون قاعدة لذلك.
شدد في معارضته للآريوسية، على الاتحاد الكامل بين ناسوت السيد المسيح ولاهوته، مع افضلية واضحة لألوهيّة الفادي. فحاول إيجاد حل لمعضلة هذا الاتحاد، من دون أن يؤدي ذلك إلى تفسير اتحاد الطبيعتين في المسيح على أنه اتحاد شخصين أو أقنومين. وكان همه وهاجسه، تأكيد وحدانية الكلمة المتجسد وعدم الفصل بين الطبيعتين. فلكي يحل هذه المعضلة التي خلقها وواجهته، أنكر على الكلمة المتأنس ناسوته التام، معتبراً أنه اتخذ الطبيعة البشرية، ولكن من دون نفس عاقلة nous.
وقد توصل إلى هذه النظرية لأنه أساساً استند على ثلاثية افلاطون: الإنسان مكون من ثلاثة عناصر هي "الجسم"، النفس الحيوانية" و"النفس العاقلة أو الروح (أو العقل وهي النوس باليونانية كما قلنا أعلاه)" [HL][9][/HL]. وطبق هذه النظرية على الخريستولوجيا، فتوصل إلى أن الإنسان-الإله مكون من ثلاثة عناصر هي: الجسد، النفس، واللوغوس الذي حل مكان الروح، فنفى بذلك وجود النفس العاقلة (الروح) في المسيح. إذ إن اللوغوس المتجسد قام مقامها فاعلاً للنشاطات الإنسانية في المسيح.
أما السبب الذي حدا به إلى إنكار وجوده، فلأنه كان مقتنعاً بأن نسب النفس العاقلة للمسيح، يعني نسب الحرية إليه، وبالتالي التغيير والخطيئة [HL][10][/HL]. وهذا ما يهدد، كما يقول، يقين فدائنا.
لكنه لم يلاحظ أنه أنه بتشويهه طبيعة يسوع البشرية، يهدم الإله-الإنسان، ويقوض أساس ناسوت المخلص، إذ كان يفسر بالمعنى الحرفي الضيق نص إنجيل يوحنا 1: 14 [HL][11][/HL]، غير منتبه إلى أن الكتاب المقدس يعني بالجسد الإنسان بكليته، وبالتالي فإنه يعرض الخلاص كله للخطر والانتفاء.
استشهد أبوليناريوس لإثبات رأيه بالآتيني: "قدسكم إله السلام تقديساً تاماً، وحفظكم سالمين روحاً ونفساً وجسداً" (1 تسا 5: 23) [HL][12][/HL] و"إن الجسد يشتهي ما يُخالف الروح، والروح يشتهي ما يخالف الجسد، كلاهما يقاوم الآخر حتى إنكم تعملون ما لا تريدون" (غلا 5: 17). ومرد إنكاره اتخاذ الكلمة المتجسد نفساً بشرية عاقلة، يعود إلى أنه لم يميز بين "طبيعة" و"أقنوم"، بل كان يساوي بينهما، فلم يكن يقدر، بحسب طروحاته، ان يقبل بوجود أقنومين في كيان المسيح الواحد: اعتبر أن جوهرين كاملين، أو طبيعتين تامتين، لا يمكنهما أن يتحدا ويشكلا كياناً واحداً، لأن طبيعة تعادل أقنوم، وهذا منعه من القبول بوجود طبيعة بشرية كاملة في المسيح، ولهذا علّم بطبيعة واحدة فيه، هي الطبيعة الإلهية.[HL][13][/HL]
فكان لدى أبوليناريوس سببان أساسيان يعارضان أن يكون في المسيح إنسانية تامة. السبب الأول ميتافيزيقي، أي أن كائنين كاملين، الله والإنسان، لا يمكن أن يكوِّنا وحدة، بل كائناً هجيناً؛ واعتبر أن التعليم القائل بوحدة في أقنوم واحد مستحيل، لأنه لم يرَ كيف يمكن أن يكوّن كائنان كاملاً تاماً، إله وإنسان، كائناً واحداً أي المسيح. والسبب الثاني بسيكولوجي، إذ يعتبر أن النفس العاقلة هي مركز قوة الإرادة الحرة والاختيار الشخصي بين الخير والشر، ولهذا لا يمكن أن ننسب إلى المسيح إمكانية الخطيئة، فالمخلص يجب أن يكون من دون خطيئة ليتم الفداء. واستنتج أنه لا يمكننا القول إن المسيح مُنزه عن الخطيئة إذا ما وافقنا على أنه اتخذ نفساً بشرية، التي تقع بالضرورة في الخطيئة.
لهذا اعترف أبوليناريوس بطبيعة واحدة في المسيح، طبيعة واحدة في الله الكلمة المتجسد[HL][14][/HL]، لأن كل طبيعة كاملة، في مفهومه، يُقابلها أقنوم [HL][15][/HL].
يتبع>> ج2>>
-----------------
[HL]الهوامش[/HL]
-----------------
[HL][3][/HL] الأرشمندريت حنانيا الياس كساب، مجموعة الشرع الكنسي، ص241-242.
[HL][4][/HL] بعد جلوس بطريرك لاتيني في القسطنطينية.
[HL][5][/HL] إن كان القديس تيموثاوس الإسكندري غير معروف كثيراً الآن، إلا أن قوانينه من قوانين الكنيسة الأرثوذكسية. راجع الأب الدكتور جورج عطية، اللاهوت العقائدي والمقارن، الفصل الرابـع: قوانين إيمان الكنائس الثلاث، قوانين إيمان الكنيسة الأرثوذكسية
[HL][6][/HL] راجع الأرشمندريت حنانيا الياس كساب، مجموعة الشرع الكنسي، ص 241 فما بعد.
[HL][7][/HL] المرجع السابق. مثل: مجامع القسطنطينية المنعقدة سنة 1341، 1347، 1351، 1638.
[HL][8][/HL] الأبوين ميشال ابرص وأنطوان عرب (روم كاثوليك)، "سلسلة تاريخ المجامع المسكونية والكبرى، الجزء الثالث: المجمع المسكوني الثاني"، صفحة 81 وما يليها.
[HL][9][/HL] تُدين كنيستنا الأرثوذكسية هذه النظرية والقائلين بها. للمزيد راجع: الأب د. جورج عطية، اللاهوت العقائدي والمقارن، القسم الثاني، الفصل الأول، 8- حلق العالم المنظور، ج- خلق الإنسان
[HL][10][/HL] وهكذا نرى أن وجود مشيئة وإرادة واحدة في المسيح، هو تعليم ابوليناري صرف. ولذلك ردّ عليه القديس غريغوريوس اللاهوتي في المجمع المسكوني الثاني وقال: ما لم يتخذه المسيح، لم يخلص. أي إن لم يكن للمسيح إرادة ومشيئة بشرية، فإن مشيئتنا مازالت فاسدة.
[HL][11][/HL] وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا
[HL][12][/HL] هذا النص ولو أنه يبدو لأول وهلة وكأنه يوافق على النظرية الثلاثية، إلا أنه لا علاقة له في الجوهر معه، لأن روح ونفس هنا لا تشيران إلى مبدأين أو طبيعتين مختلفتين في الإنسان بل إلى وظيفتين في طبيعة واحدة والتي هي الطبيعة العاقلة وغير المحسوسة التي تكلم عنها الآباء. الروح إذاً هي النفس ذاتها منظوراً إليها بحسب قواها ومواهبها العليا. وأكبر دليل على ذلك هو في النص التالي "لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته" (عب12:4). الذي يذكر به المفاصل والمخاخ والقلب ... فهذه كلها أعضاء في الجسد وليس كل منها عنصراً أساسياً مكوناً للطبيعة البشرية. هكذا أيضاً فالنفس والروح ليستا سوى وجهين أو وظيفتين لعنصر واحد. وغالباً ما تشير الروح إلى النفس السامية، النفس المتحدة بروح الله والمتمتعة بكل المزايا الناتجة عن حياة الروح مثل استنارة الذهن، الحكمة والفضائل.
من هنا فتعبير "نفسانيون لا روح لهم" الوارد في رسالة يهوذا يشير خاصةً إلى نفوس الذين لا تأثير للروح القدس عليهم بل يخضعون لقوى طبيعتهم الفاسدة بسبب الخطيئة، وليس عندهم ولادة جديدة. (المرجع السابق)
[HL][13][/HL] أرجو أن نتذكر هذه الفقرة جيدة، لأننا سنصطدم بها لاحقاً مع تعليم أوطيخا. فكما لاحظنا هنا لم ينكر أبوليناريوس التجسد، ولكنه قال أن في المسيح يوجد طبيعة إلهية فقط، متجسدة أي اتخذت جسداً لها.
[HL][14][/HL] وهي الجملة التي اقتبسها القديس كيرلس، ومن ثم صحح مفهومها وعمدها معموديةً أرثوذكسية. إلا أن هناك من رفض هذه المعمودية وأرادها أن تبقى على ما كانت عليه.
[HL][15][/HL] وهذا ما سنراه لاحقاً في الحديث عن أوطيخا وخلقيدونية.
ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثاني – مجمع القسطنطينية الأول - ج2
تابع>>>
زعم أبوليناريوس أنه قادر على تحديد اتحاد الطبيعتين الإلهية والإنسانية في المسيح بدقة رياضية، معتمداً في شرحه هذا الاتحاد على نظرية اتحاد الكلمة بالجسد، أو لوغوس-ساركس (Logos-Sarx) المتطرفة، التي تجعل اللوغوس يحل محل النفس العاقلة. إذا كان يعتقد أن الروح الإلهي بإمكانه أن يُهيمن على النفس البشرية الحيوانية، فيُعيد التناغم والانسجام بين جزء الطبيعة البشرية الأدنى، وجزئها الأسمى، فاستبدل، في المسيح، بالروح الضعيف، المعرض لأنواع من المخاطر وتجارب شتى، الروح الإلهي القوي والراسخ، ولهذا دعا المسيح "الإنسان السماوي" [HL]
[16][/HL]
. وقد أطلق أبوليناريوس على الكلمة المتجسد، من دون أن يعني بهذا، كما في هرطقات أخرى، أن جسد المسيح نزل من السماء. فهو يُعلم أن المسيح أخذ ناسوته من العذراء، وأنه يصبح إلهاً باتحاده بالألوهة [HL]
[17][/HL]
. فالمسيح إذاً هو الإنسان السماوي بقوة الروح الإلهي، أي اللوغوس، لأن اللوغوس يدخل فعلياً في اتحاد حقيقي وجوهري مع الجسد ليكون الكائن البشري.
لقد رغب أبوليناريوس، أن يوحد في المسيح، جوهرياً وتلازمياً، اللاهوت بالناسوت، لأنه خشي جداً الفصل بينهما. فرأى الإنسان-الإله وحدة في هيئة إنسان. بهذه العبارة أراد أبوليناريوس أن يشرح كيفية اتحاد اللاهوت بالناسوت في المسيح، ووصف عملية التجسد على النحو التالي: "ليس التجسد أن يسكن الإله في الإنسان، بل يكون التجسد الحق عندما يكون الروح الإلهي والجسد الأرضي وحدة كيانية عضوية، بحيث يكون الإنسان، في المسيح، مكوناً من هذين العنصرين".
لا يفترض تحقيق عملية التجسد إذاً، في مفهومه، بواسطة ناسوت المسيح الكائن بحد ذاته، لا زمنياً ولا أنطولوجياً، ولا يكون ناسوته بحد ذاته إلا من خلال اتحاد الروح الإلهي بالجسد الأرضي. لأن "صار" إنساناً لا يعادل "اتخذ" إنساناً. من هنا "لا تشكل النفس البشرية عنصر إنسانية المسيح بالحقيقة، الأساسي والضروري، بل الروح الموجود قبل الجسد، الروح يتحد بالجسد ليكونا وحدة كاملة". نستشف من هذه النظرية أن التجسد، بحسب أبوليناريوس، يعني أن اللوغوس يتحد بالطبيعة البشرية المادية، ليكونا وحدة جوهرية، وبهذه الوحدة يكون المسيح كائناً ذا جسد وروح.
ولتحقيق ادعاءته، بأنه قادر على تحديد العلاقة بين الناسوت واللاهوت في المسيح بدقة حسابية، ولإثبات صحتها، جعل أبوليناريوس المسيح كائناً متوسطاً وسيطاً بين الله والإنسان، وكأن المسيح مكوّن من نصف إليه ونصف بشري، امتزجت أجزاؤهما كلها في "كل" جديد.
يظهر إذاً "كل" جديد بتجسد اللوغوس، ونستطيع فهم فكرته الأساسية، من خلال نصه هذا: "نعترف فيه بكيان مخلوق مع اللامخلوق وبكيان اللامخلوق ممتزج بالمخلوق، لأنه من الجهتين هو طبيعة واحدة، لأن اللوغوس، بفضل كمال ألوهته، يمنح الكل طاقة جزئية، بحيث يُكمل ما نقص فيها، فيكون على صورة الكمال الإلهي. ويحدث الشيء نفسه عند الإنسان العادي، المكون من جزئين ناقصين يؤلفان طبيعة واحدة، ويظهران تحت اسم واحد".
من هنا يكون الإنسان-الإله "كل" مكوناً من أجزاء مُتعددة الطبيعة، فيكون لدينا كائن وسيط مركب، كما يقول: "تتكون الكائنات الوسطى أو الوسيطة، عندما تندمج خصائص مختلفة لتكونا شيئاً واحداً، وعلى سبيل المثال خصائص الحمار والحصان في البغل، وخصائص الأبيض والأسود في الرمادي...، ولكن لا يحتوي أي كائن وسيط خصائص الطرفين في كليتهما، ولكنهما فيه جزئياً. وفي المسيح هناك كائن وسيط، مكون من الألوهة والناسوت، فهو إذاً ليس بإنسان كامل ولا إله كامل، بل خليط من كليهما".
لا يمكننا أن نعتبر الناسوت واللاهوت في المسيح بحسب أبوليناريوس، على أنهما على المستوى نفسه وفي الدرجة عينها، أو أنهما متساويان. فالروح الإلهي يحافظ، في كل شيء، على أوليته وتفوقه وسيادته وسلطانه، فيصبح الروح المحيي، والعام الذي يحرك فاعلياً الطبيعة البشرية. فيشكل الاثنان وحدة كيانية وحياتية. وهنا يكمن الأساس الميتافيزيقي لهذه الوحدة، في مفهومه، إذ يستند إلى أن كل حرمة الحياة في هذه الوحدة، الإنسان-الإله، مركزها اللوغوس في ذاته وبحد ذاته.
وفي تفسير خاطئ، لآية" "كان آدم الآخر روحاً محيياً" (1كور 15: 45)، لا يرى أبوليناريوس في المسيح إلا حياة إلهية. فتكون كل عملية الخلاص معتمدة على أن جسد المسيح يحييه روح إلهي معصوم، وإرادة ثابتة، وقدرة إلهية، وبالتالي لا يقع في الخطيئة، كما يقول: "على الرغم من أن الإله تجسد في جسم بشري، لكنه يحافظ على طاقاته الخاصة كما هي: هو عقل لا يمكن أن تغلبه أهواء النفس والجسد، وهو يقود إليها الجسد وحركاته كلها من دون خطيئة".
من هنا تأتي صيغة أبوليناريوس الشهيرة "طبيعة واحدة" [HL][18][/HL]، إذ اعتبر التكلم عن طبيعتين، في المسيحـ بمثابة ذريعة للذين يرومون تدمير وحدة المسيح، لأنه لا انقسام إلا حيث هناك ثنائية أو ازدواجية، وهذه الثنائية غير موجودة فيه. وإذا تطلعنا وتمعنا، كما يليق، في كيان المسيح "فليس الجسد بحد ذاته طبيعة، لأنه لا يقدر بذاته أن يمنح الحياة ولا يمكن كذلك فصله عن اللوغوس المعطي الحياة. وكذلك فإن اللوغوس غير منفصل، أو بالأحرى غير موجود في طبيعته اللاجسدية، بل يقيم في الدنيا فقط عندما يتحد بالجسد. لهذا فإن التحدث عن طبيعتين لخاطئ. إذ لا يعيش الجسد المخلوق منفصلاً عن الألوهة اللامخلوقة، بحيث نلاحظ وجود طبيعة مخلوقة مستقلة بوضوح، ولا يسكن الكلمة اللامخلوق في العالم منفصلاً عن الجسد، بحيث نلاحظ وجود الطبيعة اللامخلوقة وحدها بوضوح".
ومرد هذا الأمر إلى مفهوم "طبيعة" لدى أبوليناريوس، الذي اعتبر أن تسمية "طبيعة" لا يمكن إطلاقها بتاتاً إلا على حقيقة محيية، تكون مصدر الحياة في كيان ما [HL]
[19][/HL]
. وهكذا وجد، في المسيح، أنه لا يمكن إطلاق اسم "طبيعة" إلا على اللوغوس، من هنا خرجت تلقائياً صيغة "طبيعة واحدة": "نعترف.. لا بطبيعتين، بل بطبيعة واحدة، طبيعة الله الكلمة المتجسد، أي إن الله الكلمة المتجسد طبيعة واحدة μία φύσις του Θεού λόγου σεσαρκωμένη"[HL][20][/HL]
. فالإله-الإنسان طبيعة واحدة، جوهر واحد، لأنه قدرة محيية واحدة تدخل الجسد، القدرة الخارجة من اللوغوس، وهي توحد الاثنين في وحدة كيانية...
تكمن قوة خريستولوجيا أبوليناريوس في ميزتها الوحدوية، أما نقطة ضعفها فيه واضحة وذلك في نقصان إنسانية المسيح، وهذا ما يصعب قبوله بالاعتماد على الكتاب والتقليد، تعليم الكنيسة،. وقد خال أبوليناريوس أن بنظرياته هذه ينقذ الإيمان القويم، ويضعه على السكة الصحيحة، وظن أنه بهذا يصيغ الخطوط الأساسية والرئيسية للاهوت كنسي صلب القاعدة والأساس، يستطيع به التصدي لأنواع مختلفة من الهرطقات والبدع، ويقضي عليها. غير أنه صنع لاهوتاً وخريستولوجية فيزيولوجية مادية سخيفة تلغي سمو الله وكماله، إذ من المؤكد أنه لم يرَ الوحدة إلا من منظور مادي بيولوجي، بحيث يربط الألوهية مباشرةً بالجس، فيكون بذلك طبيعة واحدة. ورأى فيها تفسير صحيح لتبادل الخصائص، والحبل العذري، وقوة موت المسيح الفدائية، وطابع جسده الخلاصي الذي نتناوله في الافخارستيا. فنقض بذلك التجسد، لأنه ضحى بأهم عنصر يتكون من الإنسان، لتحقيق غايته، وانتهى به الأمر إلى السير على خطى الهراطقة، والقول بالإله المتوشح بالجسد. بإلغائه عنصراً من عناصر ناسوت المسيح، جعل عملية الخلاص جزئية، لأن الفداء، يشمل الإنسان بكليته، وبالتالي فالكلمة المتجسد اتخذ طبيعتنا كاملة.
لقد أراد أبوليناريوس إبراز إلوهية المسيح، لكي يحافظ على الإيمان النيقاوي، القائل: "الذي له ذات الجوهر" [HL][21][/HL]، فأساء فهم علاقة الألوهية بالإنسانية في المسيح، فأنكر بذلك على المسيح أحد عناصر الإنسانية الأساسية والجوهرية والكيانية.. فهدم تجسد الكلمة الحقيقي وتدبيره الخلاصي برمته.... انتهى موضوع أبوليناريوس
إذاً عرفنا الآن مضمون هرطقة أبوليناريوس، ويوجد عليها ردود كثيرة من الآباء القديسين. وعرفنا أيضاً أنه نادى بـ "طبيعة واحدة للكمة المتجسد". وهي نفس العبارة التي استخدمها لاحقاً القديس كيرلس لكي يرد على هرطقة نسطوريوس.
سنترك الحديث عنها الآن وقد نعود لها في عرض المجمع المسكوني الثالث المقدس، أو لا نعود. لأن هذا الموضوع قُتل بحثاً.
أما رد المجمع المقدس على أبوليناريوس كيف كان؟
لقد كان من خلال دستور الإيمان القسطنطيني. وهو الجزء المكمّل والمعدل لدستور الإيمان النيقاوي، فدعونا أولاً نعود ونتذكر قانون الإيمان النيقاوي:
نؤمن بإله واحد
آبٍ ضابط الكل، خالق كل شيء، ما يرى وما لا يرى،
وبربٍ واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب، ومن جوهر الآب، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، الذي له ذات جوهر الآب، الذي به كان كل شيء، مما في السماء وما على الأرض، الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسد وتأنس، وتألم، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماء، وسيأتي ثانيةً ليدين الأحياء والأموات.
وبالروح القدس.
وكل من يقول: إنه كان ثمة وقت لم يكن فيه، أو إنه لم يكن قبل أن يولد، أو إنه خُلق من العدم، أو إنه من جوهر يختلف عن جوهر الآب، أو عن طبيعته، أو إن ابن الله مخلوق، أو إنه عرضة للتغير أو التبديل، فالكنيسة الرسولية الجامعة تبسل أصحاب هذه الأقوال.
أما دستور الإيمان الذي وضعه المجمع القسطنطيني فكان، كالتالي[HL]
[22][/HL]
:
نؤمن بإله واحد
آب ضابط الكل، خالق السماء والأرض، كل ما يرى وما لا يرى،
وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء، الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء، وتأنس، وصلب عنا على عهد بونتيوس بيلاطس، وتألم وقبر، وقام في اليوم الثالث على ما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب، وسيأتي بمجد ليدين الأحياء والأموات، الذي لا فناء لملكه،
وبالروح القدس، الرب المحيي، المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن، مسجود له وممجد، الناطق بالأنبياء.
وبكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية.
ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا.
ونترجى قيامة الموتى، والحياة في الدهر الآتي. آمين
لو تمعنا جيداً في هذا الدستور، لوجدنا اختلافات بينه وبين دستور نيقية. فهما من بالنسبة للآب والابن ليسا نصاً واحداً. أما بالنسبة للروح القدس فهو معروف أن هذا المجمع قد أضاف هذه الفقرة ولم تكن أساساً في نيقية. وتمت إضافتها رداً على الهراطقة محاربي لاهوت الروح القدس.
وما يهمنا عملياً هو الرد على أبوليناريوس من خلال هذه الجملة التي قالها المجمع "من الروح القدس ومن مريم العذراء". فهي كانت للرد على هرطقة أبوليناريوس بأن الكلمة المتجسد له ذات طبيعة السيدة العذراء مريم.
إذاً فقانونياً، وشرعاً، وكتعليم كنسي نافذ في كل المسكونة، كان هذا التعليم ليعلن ويثبت إيمان الكنيسة بتمام طبيعة المسيح البشرية.
ولكن انتهت أعمال هذا المجمع وهو ليس مجمعاً مسكونياً، وظل هكذا فترة طويلة من الزمن حتى جاء مجمع خلقيدونية وجعله مجمعاً مسكونياً. وأبسل كل من لا يؤمن بتعليمه. ولذلك كان الهراطقة يستطيعون الهروب من الإعتراف بكمال طبيعة المسيح البشرية حتى انعقاد مجمع خلقيدونية.
وكل من يعتبر أن هذا المجمع مسكونياً، فهو بالضرورة يؤيد مجمع خلقيدونية. لأن المجمع المسكوني الذي يليه، وهو المجمع الأفسسي – المسكوني الثالث، لم يقرأ حتى أعماله ولم يعيره أي اهتمام. وكأنه لم يكن. لم يزد بالتعليم شيئاً ولا بتثبيت العقائد.
وبقي حتى سنة 451، قانونياً، الاعتراف بنيقية ومن ثم أفسس كافيين ليكون المرء أرثوذكسياً. وكما رأينا بالنسبة لقانون نيقية، فهو يركز على الطبيعة الإلهية وهو ما دافع عنه باستماتة أبوليناريوس الهرطوقي.
وهكذا بقي أمامنا فقط أن نعرف ما دخل مجمع أفسس المسكوني الثالث بموضوعنا قبل أن ننتقل إلى صلب الموضوع ألا وهو أوطيخا وتعليمه عن الطبيعة الواحدة من خلال أعمال المجمع الثلاثة: قسطنطينية 448، أفسس اللصوصي 449 وخلقيدونية المسكوني الرابع 451.
يتبع>> المجمع المسكوني الثالث>>
------------------
[HL]الحواشي[/HL]
-----------------
[HL]
[16][/HL]
1كور 15: 47 الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ. الإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ
[HL][17][/HL] هذه الفكرة أيضاً سنجدها عند أوطيخا.. فلنتذكرها جيداً.
[HL][18][/HL] حاشية من النص المقتبس، رقم 66 في صفحة 88: نجد لدى أبيفانيوس برهاناً على هذه المقولة حول أساس وحدة الأقنوم الطبيعي والفاعل في المسيح. فهو يُفيدنا بأن مدرسة ابوليناريوس استعملت مفهوم "أقنوم" استعمالاً ملتبساً، ونستطيع أن نستنتج، إنطلاقاً من تفنيد إبيفانوس له، ملخصاً معبراً عن خريستولوجية ابوليناريوس: "الإنسان أقنوم بفعل النفس التي فيه، وهي مبدأ الحياة. فإن لنفسه الحيوانية وجسده، من خلال هذه النفس، أقنوم أو شخص. وإذا اتخذ الكلمة، من حيث أنه نفس إلهية وروح إلهي، نفساً بشرية، ففي المسيح إذاً أقنومان، وهذا مستحيل... لأن في المسيح أقنوم وحيد فقط".
[HL]
[19][/HL]
حاشية للنص المقتبس، رقم 68، ص 89: إن النظريات الفلسفية التي طبقها ابوليناريوس على الخريستولوجيا أدت به إلى مثل هذا التفسير: فهو اعتبر أن "طبيعة" ليست جوهراً جامداً مجرداً، وليست هي الطبيعة التي توحد في ذاتها الأقنوم والجوهر، كما في خلقيدونية ، الطبيعة هنا هي الكائن الذي لديه المحرك في حد ذاته، والتقرير الذاتي، الذي مصدره الرئاسة والسلطة، وهو العنصر الرئيس في الطبيعة. وهكذا فإن الجسد، بحسب أبوليناريوس، يتحد بالكلمة، ويصير عضواً له، تجري فيه قدرة اللوغوس وحياته وقدرته... لأن اللوغوس هو مصدرها الوحيد. وهذا يتضمن أيضاً الطاقة الحياتية كلها بدون استثناء، فيكون في المسيح طبيعة واحدة وأقنوم واحد: "إن الله، بعدما اتخذ الأداة هذه، هو إله من حيث أنه يفعل، وهو إنسان من حيث أنه أداة. فإن الله لا يتحول بل يبقى هو نفسه، ويشكل مع الأداة هذه، التي يحييها ويحركها، فعلاً واحداً. وإذا كان الفعل واحد فطبيعة اللوغوس والأداة واحدة". [وهذا يعود بنا أيضاً إلى الفعل الواحد، الذي حاربه المجمع المسكوني السادس.]
[HL]
[20][/HL]
حاشية للنص المقتبس، رقم 69، ص 89: Apollin., Ad Iovian; Ad Dionys. A 2
استعمل كيرلس الاسكندر، هذه الصيغة على أنها من اثناسيوس، وبعود هذا الأمر إلى أن الأبوليناريينـ قد تشروا تعاليم مؤسسهم تحت أسماء مستعارة لامعة، حتى تنال مصداقية ورواجاً لدى المؤمنين. ولم يكتشف هذا الانتحال إلا في القرن السادس.
[HL]
[21][/HL]
أعد قراءة الفقرة الأولى عن المجمع المسكوني الأول لتلاحظ كيف أن أبوليناريوس انطلق من دستور الإيمان. وكان يعتقد أنه بهذا يثبت دستور الإيمان النيقاوي.
[HL]
[22][/HL]
الأب حنانيا كساب، مجموعة الشرع الكنسي، ص 245-246.
رد: ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثاني – مجمع القسطنطينية الأول - ج1
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة Alexius
وقد وصل إلينا مؤلفات عقائدية تُنسب له لغيره، مثل "اعتراف إيمان" ينسب للقديس غريغوريوس العجائبي. وكتابي "الاتحاد بالمسيح" و"في تجسد الكلمة الإله" وتنسب للقديس أثناسيوس الكبير.
أخي في المسيح ألكسي،
أشكرك على هذه المعلومات الجميلة والمفيدة والغنية، التي أسمع بعضاً منها لأول مرة. ولكن عندي سؤال، إن سمحت لي: هل الكتاب المعروف On the Incarnation of the Word هو ليس فعلاً للقديس أثناسيوس، وإنما لأبوليناريوس ولكن تمت نسبته له بهدف نشر تعاليم أبوليناريوس؟
متابع معك حتى النهاية. ربنا يكون معك
صلواتك
رد: بحث في هرطقة أوطيخا من خلال أعمال المجمع القسطنطيني 448 وأفسس اللصوصي 449 والخلقيدوني المقدس 451
وليحفظنا الرب من كل فكر شرير
وشفاعة والدة الإله معكم أجمعين
s-ool-415
رد: ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثاني – مجمع القسطنطينية الأول - ج1
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة John of the Ladder
أخي في المسيح ألكسي،
أشكرك على هذه المعلومات الجميلة والمفيدة والغنية، التي أسمع بعضاً منها لأول مرة. ولكن عندي سؤال، إن سمحت لي: هل الكتاب المعروف On the Incarnation of the Word هو ليس فعلاً للقديس أثناسيوس، وإنما لأبوليناريوس ولكن تمت نسبته له بهدف نشر تعاليم أبوليناريوس؟
متابع معك حتى النهاية. ربنا يكون معك
صلواتك
أخي الحبيب يوحنا، هناك كتابين بنفس العنوان تقريباً. أحدهما للقديس أثناسيوس والآخر لأبوليناريوس.
الكتاب الذي هو للقديس أثناسيوس، موجود في المنتدى قد وضعوه الأخوة، أعتقد الأخ فادي أو الأخ أورفيوس، اسف لم أعد أذكر.
وأعتقد أنك تقصد هذا الكتاب http://www.newadvent.org/fathers/2802.htm
فهذا هو نفس الكتاب، وهو قانوني النسب للقديس أثناسيوس الكبير.
لاحظ الفرق بين الاسمين:
القديس أثناسيوس: On the Incarnation of the Word
الهرطقوي أبوليناريوس: في تجسد الكلمة الإله. بحسب المرجع العربي وبحسب Encyclopedia of Religion and Ethics Part 2, Part 2، فاسم الكتاب هو
Other work also commonly acknowledged to be by him are: pseudo-Athanasius; Of the Incarnation of the Word of the God
تجده على هذا الرابط
http://books.google.com/books?id=dTt...page&q&f=false
صلواتك
ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثالث – مجمع أفسس - ج 1
عندما هممت في كتابة ما سيأتي، اعتقدت أولاً أني لن اطيل كثيراً. ولكن خاب ظني.. فلذلك أعتذر عن الإطالة جداً لضرورة لا يمكن تجاوزها.
ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثالث – مجمع أفسس [24]
هذا المجمع يشكل نقطة هامة في تاريخ هرطقة أوطيخا والطبيعة الواحدة.
لكن قبل أن نتكلم عنه، نريد أن نذكر بأن أبوليناريوس هو أعظم هرطوقي عرفه التاريخ. لأنه صاحب اللاهوت الخريستولوجي، فكل الصيغ الإيمانية خلال المجامع المسكونية الخمسة اللاحقة، كان له الأسبقية في طرحها. الطبيعة والطبيعتين، الأقنوم والأقنومي، الفعل والفعلين، المشيئة والمشيئتين، وكيفية الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح يسوع.
والآن سندخل في المجمع المسكوني الثالث، وخلفيته التاريخية واللاهوتية فيما يخص موضوعنا.
كما رأينا، في المجمع المسكوني الثاني، قد تم الرد على هرطقة أبوليناريوس بدستور الإيمان الذي يؤكد على أن الطبيعة البشرية في المسيح كاملة وله نفس طبيعة السيدة العذراء. إلا أن المجمع لم يُعنى بلاهوت الإتحاد. فترك الباب مفتوحاً للهرطقات والبدع.
وظهر نسطوريوس على الساحة، وكان تلميذاً وفياً لأستاذه ثيوذوروس أسقف مصيصة، الذي بدوره نهل من أستاذه ديودوروس أسقف طرسوس. هذا الأخير هو أول من تحدث بشكل واضح عن الطبيعتين، ولكن تلاميذته قد تطرفوا جداً.
جاء نسطوريوس يحمل نفس فكر المدرسة الأنطاكية بالتركيز على الطبيعتين، ولكن التعليم عن الطبيعتين، كان يقتضي، بحسب الفلسفة بوجود أقنومين. لأنه لا توجد طبيعة بدون أقنوم.
هذا كان الفكر الفلسفي السائد في المدرسة الأنطاكية، وتأثر به لاهوتيها. وحتى نجده عند آباء الكنيسة المنادية بالطبيعة الواحدة. فيقول فلكسينوس أسقف منبج: "لا توجد طبيعة بدون شخص، ولا شخص بدون طبيعة، فإن وجدت طبيعتان فبالضرورة يوجد شخصان وابنان"[25].
وأيضاً يشاركه اللاهوت السكندري في نفس النظرة، إذ يقول البابا تيموثاوس السكندري [26]: "لا توجد طبيعة دون أقنوم لها، ولا يوجد أقنوم دون بروسوبون، فان وجدت طبيعتان وجد بالضرورة بروسوبونان، وبالتالي وجد أيضاً مسيحان كما نادى هؤلاء المعلمون الجدد".
ونلاحظ أيضاً حتى بعد خلقيدونية بفترة لا بأس بها، بقي اللاهوت السكندري متأثراً باللاهوت الأنطاكي النسطوري-الفلسفي من ناحية وجود أقنوم للطبيعة، فها هو ساويروس الأنطاكي أشهر وأهم معلمي الطبيعة الواحدة، يقول[27]: "إن الطبائع والأقانيم التي تكون [أي الكلمة المتجسد] منها يمكن إدراكها بطرق يتعذر انتقاصها وغير متغيرة في الاتحاد. لكن ليس من الممكن إدراك شخص كل منها، لأنهما لم يوجدا في انقسام لا كشيء محدد ملموس ولا في ازدواج. لأنه أقنوم واحد من اثنين وشخص واحد مشترك وطبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد.
وهنا يتساءل، وسؤال حق، الشماس اسبيرو جبور: كيف استطاع أصحاب الطبيعة الواحدة التوفيق بين أبوليناريوس، وأوطيخا ونسطوريوس؟
لأننا كما رأينا في الاقتباس أعلاه، يقول ساويروس الأنطاكي أن المسيح من أقنومي متحدين.
وتأكيداً على تعليم ساويروس الأنطاكي، نقتبس من أحد لاهوتيهم المحدثين، وهو الأنبا ايسذوروس، من قال أن روما طبعت الكتاب، ومن ثم ندمت على طبعه، إذ يقول حول الاقنومين[28]: "إذا كان في المسيح طبيعتين فيكون ذا اقنومان، لأن المسيح اقنوم إلهي واقنوم ناسوتي، وذو الطبيعتين ينكرون وجود أقنومين ويعترفون بأقنوم، فكيف يجردون الاقنوم من الإنسان ويقولون أن الإله الكلمة أخذ الجسد دون اقنوم. وقد هتفت بيعة الله من مشارق الشمس إلى مغاربها، أن الابن الكلمة أخذ كل ما للبشر ما عدا الخطيئة". وأيضاً: " "الله الكلمة هو كامل غاية الكمال مثل ما يعلمنا الإيمان المستقيم، وأنه أخذ إنساناً كاملاً بجميع ما يختص بالطبيعة الإنسانية، ولا ينقصه شيء مما هو منسوب إلى تصور الإنسية كما يجب علينا أن نقر بذلك. فهذا الاعتراف الحسن يلزم المعترف به، أن يعترف بأقنومية المسيح من جهة الناس". وفي نفس الصفحة يقول، بأن هذا تعليم كيرلس الكبير ذاته، القائل:" كما قال كيرلس البطريرك مطرقة الهراطقة وعامود الدين: "من فرق من بعد الاتحاد المسيح الواحد إلى أقنومين، وطابقهما في بعضهما بعض بالمصاحبة فقط، أم بالعظمة، أم بالقدرة، أم بالسلطان، وليس يوحدهما بوحدانية طبيعة، فليكن محروماً". فهو لم ينكر أقنومية المسيح من جهة الناسوت. فيتضح أن المسيح من أقنومين وبالاتحاد الطبيعي صار أقنوماً واحداً، فكذلك المسيح من طبيعتين وبالاتحاد الطبيعي صار طبيعة واحدة."
فهو أشبه بتعليم نسطوريوس الذي يقول أن المسيح من أقنومين، ولكنه لا يقول باندماجهما بل بالمصاحبة. في حين أن اللاهوت السكندري المنادي بالطبيعة الواحدة قال فيما بعد نعم يوجد طبيعة إنسانية في المسيح، وإن كان كذلك فإذاً يوجد أقنوم إنساني في المسيح. ولحل المعضلة، يكون من الضروري أن تتحد الطبيعتان في طبيعة واحدة ويندمج الأقنومان في أقنوم واحد، حتى يكون تعليم القديس كيرلس في وحدة شخص المسيح، مطابقاً لتعليمهم.
ويقول في موضع آخر من الكتاب[29]: " المسيح واحد من اثني، جوهر من جوهرين، أقنوم من أقنومين طبيعة من طبيعتين، كيان من كيانين، وحقيقة من حقيقتين، إله متأنس.". وفي الصفحة التي تليها: " المسيح واحد بالجوهر". وكل هذا أبعد ما يكون عن تعليم وإيمان القديس كيرلس الكبير، ولكن دعونا نفهم لماذا حصل كل هذا؟
نعود للمجمع الأفسسي، المسكوني الثالث[30]:
كانت كنيسة المسيح الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية تعلّم منذ البدء أن مخلصنا الوحيد إله كامل وإنسان كامل ربٌّ واحد لمجد الله الآب. فقام آريوس وأنكر لاهوت الكلمة المتأنس وأن له ذات جوهر الآب. فُعقد المجمع المسكوني الأول وردّ عليه كما رأينا. ثم قام أبوليناريوس وعلّم بنقص في طبيعة المسيح البشرية واعتقد بأن اللاهوت في المسيح قام مقام الـ Nous. فعقد المجمع القسطنطيني الأول [ولم يكن مسكوني الطابع حتى خلقيدونية]. وعلّم المجمع حقيقة كمال ناسوت المسيح وأبسل كل من ينقص من طبيعته البشرية. غير أنه لم يُعنى ولم يقل عبارات محددة في وجه الاتحاد بين اللاهوت والناسوت وعلاقة الطبيعتين الإلهية والإنسانية. ولذلك، بقي الباب مفتوحاً لتفاوت التعابير في هذا المعنى بين آباء الكنيسة مع حفظ وحدة التعليم وأرثوذكسيته في جوهره، ولكن أيضاً كان الباب مفتوحاً للهراطقة كي يصولوا ويجولوا. ومع اختلاف التعابير الآبائية أدى فيما بعد اختلاف في التعليم وخصام ونزاع أفضى إلى النسطورية، والأوطاخية وغيرها مما ناقشته المجامع اللاحقة.
وكانت في تلك الأزمنة المدرستان الإسكندرية والأنطاكية اللاهوتيتان، الأكثر شهرة وتأثيراً من كل مدرسة غيرهما ما في الشرق أو في الغرب. وكان لكل واحدة منهما نهج خصوصي في التعليم ونحت الاصطلاحات كثيراً ما خالفت اصطلاحات الأخرى في تأدية المعنى الواحد، كما جرى في تعليمهما عن لاهوت وناسوت المخلص.
فإن مدرسة الإسكندرية كانت تعتقد بكمال الطبيعة البشرية في شخص المخلص ضد تعليم أبوليناريوس - وما قبل أبوليناريوس، ونذكر هنا تعليم القديس بطرس الشهيد، المعروف بخاتم الشهداء في الكنيسة القبطية، إذ يقول[31]: "هكذا كان بالطبيعة هو الله، وبالطبيعة هو إنسان".- وبكمال الطبيعة الإلهية، وتركز عليها ضد تعليم آريوس. ولكن تعبير معلميها كان غير معين في إيضاح وجه اتحاد الطبيعتين واختلف بعد ذلك عن التعبير الكنائسي المعيّن. فقالوا مثلاً بالاتحاد الطبيعي والاتحاد الشخصي والاتحاد الجوهري بين الطبيعتين. وبعضهم نظروا إلى الطبيعة الإلهية بنوع خاص وقالوا بطبيعة واحدة متجسدة وما عنوا بذلك سوى الاتحاد الحقيقي بين لاهوت والكلمة وناسوته وأن الإله المتأنس شخص واحد، وليس اثنين. لأن كلمة "طبيعة" كانت عندهم بمعنى الشخص والأقنوم[32]. فهم لم ينكروا الطبيعتين بمعنى الجوهر اللاهوتي والجوهر البشري. والذين قالوا بالطبيعتين على معناهما الحقيقي اعتقدوا بالمزج بينهما، لكن لا بمعنى الاختلاط والتشويش بل بمعنى الاتحاد الحقيقي، أيضاً اتحاداً أقنومياً. على أنهم لم ينكروا أيضاً أن المسيح المخلص واحد في الأقنوم ولكنه ليس واحداً في الطبيعة. ونظراً لامتداد بدعة آريوس ووجوب محاربته كان كلامهم يتعلق بلاهوت المخلص أكثر من ناسوته وكثر حينها كثر استخدام مصطلح "والدة الإله - Theotokos" والقول بأنها ولدت إلهاً وأن "الإله ولد وتألم وصلب.. إلخ".
وكان معلمو الغرب متفقين مع الاسكندريين في المنهج والتعبير كما يتضح من رسائل بولس البابا يوليوس أسقف روما إلى البابا ديونيسيوس أسقف الإسكندرية، في أوساط القرن الرابع. حيث ينكر الاعتراف بطبيعتين استناداً على قول الإنجيل "والكلمة صار جسداً"[33] وقول بولس "رب واحد يسوع المسيح" ويعترف بطبيعة واحدة للاهوت غير المتالم والناسوت المتألم. وحيث بقوله الطبيعة يعني "الشخص والأقنوم"، لا لينكر الطبيعة البشرية بل ليثبت الطبيعة الإلهية ضد آريوس. وأما المغبوط أوغسطينوس فقد استخدم لفظة "المزج" ضد تعليم الكنيسة في المجمع الخلقيدوني.
وأما مدرسة أنطاكية فكانت مبادئها تقتضي في كل موضوع بساطة المنهج وكمال الإيضاح وإدراك تعليم الإيمان إدراكاً تاماً. ولهذا السبب كانت تميز بين اللاهوت والناسوت في شخص المسيح الواحد. ومع أنها كامن تعتقد بأن المسيح واحد، وليس اثنين، كانت ترفض التعليم بالاتحاد الطبيعي والمزج بين الطبيعتين وكانت تعتبر اتحادهما إضافياً بمعنى السكنى والارتباط، حفاظاً على كمال الطبيعة البشرية التي زعم أبوليناريوس أنها ناقصة، وشهد بذلك يوحنا بأن الكلمة "سكن فيها"[34] وبولص قال: "ظهر بها"[35]. وكانت تنكر على الناسوت خواص اللاهوت[36] كالحضور في كل مكان والقدرة على كل شيء وما شاكلها. وعلى اللاهوت أهواء وآلام الناسوت كالولادة والتألم والموت وما مثلها. ولهذا السبب كان معلموها يتجنبون كل تعبير يؤدي على حسب زعمهم إلى مثل ذلك المعنى كتسمية العذراء بوالدة الإله وغيرها من العبارات التي عيّنتها الكنيسة، بعد ذلك، صيانة للتعليم القويم. ومع اعتقادهم بكمال الطبيعة الإلهية كانوا يعتقدون بوجوب كمال الطبيعة البشرية أيضاً. لأن الإنجيلي يقول "كان يتقدم بالحكمة والقامة"[37] وهذا لا يُقال إلا في طبيعة بشرية محضة. وكانوا يعلّمون بوجوب السجود للناسوت بمعنى أنه إناء للكمة ويقولون "إننا نسجد للأرجوان من أجل المتردي به، وللهيكل من أجل الساكن فيه، ولصورة العبد من أجل صورة الله، وللمتَّخَذ من أجل الذي اتخذَهُ، وللمكون من بطن البتول من أجل خالق الكل". على أنهم لم يكونوا يعلمون بأقنومين بل بأقنوم واحد ذي طبيعتين بلا امتزاج ولا اختلاط ولا تشويش. ولهذه الأسباب كانوا من جهة يقدمون للمخلص سجوداً واحداً، ومن جهة أخر يرفضون الاعتراف بالاتحاد الطبيعي أو الجوهري مخافةً من حصر اللاهوت أو من تأليه الناسوت.
فينتج مما تقدم أن معلمي الإسكندرية يعلمون التعليم المستقيم على مناهج مختلفة، مع الحذر من استعمال عبارات مستقيمة أو مع استعمال عبارات أشد من المستقيمة تحصيناً للتعليم القويم بحسب اقتضاء مراكزهم. فكان المصريون يشددون العبارات المتعلقة بإيضاح كمال طبيعة اللاهوت تحسباً لهرطقة آريوس التي ظهرت عندهم. وكان الأنطاكيون يطلبون إيضاح كمال طبيعة الناسوت حذراً من بدعة أبوليناريوس التي ظهرت عندهم.
ولكنه قام في الكنيستين أو المدرستين أناساً تطرفوا في تعليمهما فسقطوا في الضلال. فقام في مدرسة أنطاكية من تطرّف بالتعليم عن الطبيعتين إلى التعليم بشخصين أو اقنومين، وهو تطور طبيعي في ظل مطابقة اللاهوت مع الفلسفة، حتى أنكر الاتحاد الطبيعي نسطوريوس وأتباعه. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فلا بد هنا أن نتكلم عن أوطيخا قليلاً، وقام في مدرسة الإسكندرية من تطرف بالتعليم باتحاد الطبيعتين إلى تكوينهما طبعة واحدة ولم يعد يُميز بين اللاهوت والناسوت البتة، وهو أوطيخا وأنصاره. وهكذا قامت البدعتان والهرطقتان وشوشتا الكنيسة أكثر من مائتي سنة، أي حتى انعقاد المجمع المسكوني السادس، وأفضت الحال إلى الإنشقاق... انتهى الاقتباس.
هذا الشرح الذي قلناه سابقاً، تقريباً هو شرح كلاسيكي، مكرر في الكثير من الكتب والمراجع. ولذلك سنحاول أن نلجأ إلى شرح آخر يوضح أكثر الغرض الذي نحن بصدده.
وسوف نستعين بلاهوتي بارع، وهو الشماس اسبيرو جبور. ومع أني ما سننقله موجود على موقع الشبكة، ولكن من أجل ترابط الأفكار رأينا أن نضعه حتى لو كان سيراه البعض حشواً لا فائدة منه.
فالموضوع الذي نطرقه ليس بالأمر السهل، فهذا المجمع، الذي تبنى تعليم القديس كيرلس بكامله وبدون مناقشة، نقطة ارتكز عليها أصحاب الطبيعة الواحدة فيما بعد.
فلذلك نرى أنه لا بدّ من الإطالة، لعل يكون فيها إفادة.
---------------------
الحواشي
---------------------
[24] لا نسمي هذا المجمع بـ "المجمع الأفسسي الأول"، لأن المجمع الأفسسي الثاني الذي عُقد سنة 449، لا يتم اعتباره مجمعاً قانونياً، بل لصوصياً. ولذلك يُسقط من حساب المجامع.
[25] راجع: القمص تادرس يعقوب ملطي، الاصطلاحان الطبيعة والاقنوم في الكنيسة الأولى، ص 43
[26] هو الذي قتل ومثّل في جثة البابا الشهيد ببروتيريوس. وهذا الأخير كان وكيل ديسقوروس في كنيسة الإسكندرية. إلا أنه كان خلقيدونياً.
[27] Contra Gr. I, p. 187. والترجمة للأنبا بيشوي مطران دمياط سكرتير المجمع المقدس. نقلاً عن " نحو إتفاقية كريستولوجية مشتركة"
[28] الأنبا ايسذوروس، أول اساقفة دير البراموس، البيانات الوافية والبراهين الثابتة، ص 85
[29] المرجع السابق، ص 83.
[30] الأرشمندريت جراسيموس مسرة، تاريخ الإنشقاق، الجزء الأول، القرن الخامس، ص 190 ومايليها.
[31] القمص تادرس يعقوب ملطي، البابا بطرس خاتم الشهداء. ص 17 بحسب ملف Word. ويبدو أن القمص تادرس يعقوب اصطدم بهذا التعليم للقديس بطرس الشهيد، فقال ملاحظة في نفس الصفحة: "أظن أن العبارة الأخيرة قد أقتبست أو ترجمت بغير دقة، لأن آباء الإسكندرية يفضلون إستخدام التعبير "الإله المتجسد " عن "الله والإنسان " لأن السيد المسيح هو شخص واحد، لا إنفصال بين لاهوته وناسوته، وفي نفس الوقت الإتحاد بينهما بغير إختلاط ولا إمتزاج". ولا أعرف كيف يقول هذا الكلام؟ لماذا يتهم بأن الترجمة غير دقيقة؟ مع أن القديسين كيرلس وأثناسيوس استخدما هذه المصطلح.
[32] للمزيد حول هذا الموضوع راجع: اسبرو جبور، سر التدبير الإلهي، القسم الثالث: الألفاظ اللاهوتية، ص 177-199
[33] كما رأينا سابقاً هي نفسها الآية التي دفعت ابوليناريوس للقول بالطبيعة الواحدة المتجسدة.
[34] يوحنا 1: 14
[35] تيموثاوس الأولي 3: 16
[36] وهنا استغرب قول الأنبا ايسذوروس المذكور سابقاً، عندما قال: " لو كان هذا القول [طبيعتي في المسيح] حقاً، لكان يظهر وقت الولادة الغير مدركة، لأن على حسب هذا الرأي أن الولادة ناسوتية للناسوت لا للاهوت، وعلى هذا كان يلزم حل ختوم البتولية الطاهرة". (نفس الكتاب السابق، ص 84)
[37] لوقا 2: 52
ما قبل ظهور هرطقة أوطيخا – المجمع المسكوني الثالث – مجمع أفسس - ج 2
الصراع حول عقيدة التجسد الإلهي، والمجمع الثالث: أبوليناريوس، ثيوذوروس المصيصي، نسطوريوس
سرعان ما انصرف اللاهوتيون [بعد المجمع المسكوني الثاني] إلى طرح نوعية "الاتحاد" بين جوهر يسوع الإلهي وجوهره البشري. في أنطاكية -على ما يرى داليس- جرى التأكيد على تمامية الطبيعتين (ص 28). رئيس المدرسة الأنطاكية هو دويدوروس المعروف بأسقف طرسوس في كيليكا. تلميذه ثيوذوروس أسقف المصيصة ذهب في الأمر إلى نهايته تقريباً فصارت العلاقة بين الطبيعتين أدبية. جاء الرد من أبوليناريوس اللاذقي في العام 352 وربما في العام 360 (للنقاد آراء مختلفة). أنطلق من أرسطو فقال أن اتحاد "الكاملين" مستحيل. فيسوع، إذن، لم يأخذ طبيعة إنسانية كاملة. والروح (nous باليونانية) هو النبرة العليا في الإنسان لدى فلاسفة اليونان. لم يأخذ يسوع روحاً nous. لأن "كلمة" الله حلّ محله. ولذلك ليسوع طبيعة واحدة. أبوليناريوس موحّد من البداية حتى النهاية: طبيعة واحدة، أقنوم واحد، شخص واحد، مشيئة واحدة، فعل واحد[38]. انزعج صحبه أثناسيوس وباسيليوس والغريغوريوسان من موقفه. في الإسكندرية تعرض المجمع المنعقد في العام 362 برئاسة أثناسيوس للموضوع. ربما حوالي 370 كتب أثناسيوس رسالة إلى أسقف كورنثوس ببلاد اليونان يفند فيها ألواناً من البدع تدخل فيها بدعة أبوليناريوس وبدعة خصومه وانبرى الغريغوريوسان لمحاربته برجولة ومتانة (داليس 33).
أما أمر الأنطاكيين فلم يبلغ درجة مكشوفة من الخطر إلا بعد ارتقاء نسطوريوس تلميذ ثيوذوروس كرسي القسطنطينية. فاندلع الخلاف بينه وبين سكان القسطنطينية وامتد الشرر إلى أنحاء العالم المسيحي. وهو وصحبه أرسطويون أيضاً. لذلك، بحق، لاحظ داليس أن الأنطاكيين وأبوليناريوس اللاذقي كانوا يلتقون في أرسطويتهم. انطلقوا جميعاً من قول أرسطو باستحالة اتحاد "كاملين". حل المعضلة أبوليناريوس فقال بالبتر أي أن يسوع لم يأخذ روحاً بشرياً nous. وحلّها الأنطاكيون بالتطرف في التمييز بين الطبيعتين حتى صار الاتحاد أدبياً.
إلا أن اللغة اليونانية كانت من جديد عاجزة عن التعبير. نسطوريوس عاد بألفاظ اللاهوت الأساسية إلى معانيها في الفلسفة والمعاجم إلى حد بعيد. تشدد كثيراً في تمسكه بالتقليد، ولكنه في الحقيقة والواقع لم يكن ذا كفاءة للهضم ولتمثيل التقليد. يبدو مشبعاً من الكبادوكيين إلا أنه عجز عن الهضم. ويبدو من طلبه إلى الأمبراطور أن يبيد المبتدعين أنه شديد الطباع وأن في تصرفاته نبوة وفي خلقه جفوة. كان راهباً متشدداً. لا يخلو من الصلف والاعتداد بالذات. في كتاباته جهود مضنية للفهم، إلا أنه يخرج عن جادة الصواب والتقليد كلما حاول أن يفسر نظريته القائلة بوجود شخصين (إلهي وبشري) في يسوع وشخص ثالث أسماه شخص الاتحاد. حاول عبثاً تطبيق رأي غريغوريوس اللاهوتي القائل أن المسيح واحد في اثنين [طبيعتين] كما أن الثالوث هو واحد في ثلاثة أقانيم. لم يستطع أن يفهم هذا النص كما فهمه المجمع الرابع المسكوني. لا فلسفياً ولا لاهوتياً، لم يكن الشخصية المؤهلة لأن تفصل نقطة لاهوتية بالغة النعومة تتعلق بكيفية اتحاد الطبيعتين وبنوعية وحدة يسوع. بعبارة أخرى لم تكن لديه، أنتولوجية antologie قادرة على الكلام الصحيح عن كيان être يسوع. وقد جنى على نفسه بخروجه عن تقليد الكنيسة في كل مكان إذ رفض تسمية العذراء "أمّاً لله". ومهما حاول المعاصرون[39] بحجة مجمع الفاتيكان الثاني (كغيريلماير مثلاً) أو بأية حجة أخرى تلطيف الوضع، فإن نسطوريوس يبقى ذا قفزات خارج تقليد الكنيسة وتعليم الآباء. فبعضهم -بما فيه غريلماير- يعتذر له بالجهل. ولكن غريلماير نفسه يذكر أنه كان عليه أن يعرف تسمية غريغوريوس اللاهوتي للعذراء "أمّاً لله" من خطبة هذا ذات الرقم 37. وترد أيضاً في الخطبة 29: 4. ونسطوريوس كان يعرف مؤلفات غريغوريوس، ويذكر غريلماير أن أفسطاطيوس أسقف أنطاكية المخلوع في العام 330 كان يعرف هذه التسمية (ص 285). وفي العام 325 أرسل ألكسندروس أسقف الإسكندرية الرسالة 12 إلى زميله الكسندروس القسطنطينية حيث وردت اللفظة (مين 18: 568). وقد عرف ثيوذوريتوس نفسه هذه الرسالة وأوردها في تاريخه (1: 3 في مين 82: 908). فهل جهلها نسطوريوس؟ وفي ورقة بردي ترجع إلى أواخر القرن الثالث وردت اللفظة. ومنذ الربع الثاني من القرن الرابع تتكاثر الأدلة والشهادات فجأة على استعمالها (راجع الحاشية 4 ص 43 من الترجمة الفرنسية مع النص اليوناني لرسالة غريغوريوس في العدد 208 من مجموعة S.C). والذهبي الفم أنطاكي اعتلى سدة القسطنطينية مثل غريغوريوس قبل أن يعتليها نسطوريوس وهو يؤمن بأن يسوع هو ابن الله وابن الإنسان الذي صار إنساناً لكي يصّيرنا أولاداً لله. فوحدة شخص يسوع لديه بند إيمان رئيسي (الخطبة 2: 3 على إنجيل متى).
فمن الإسكندرية إلى أنطاكية إلى القسطنطينية إلى كبادوكية، اللاهوتيون والبطاركة كانوا في القرن الرابع مع الرهبان والشعب متعلقين بلقب "أُمّ الله"؛ فلا يُعقل أن ينفرد نسطوريوس في جهله. ولكن كان القصر معه.
جابهه في البداية المحامي أفسابيوس الذي صار فيما بعد أسقف دوريليوم[40]. تنطس للمعركة كيرلس الإسكندري. خاضها معه شلستينوس بابا رومية. تراشق الطرفان التهم. كيرلس الإسكندري استعمل عبارة أثبت التحقيق أنها مدسوسة عليه باسم أثناسيوس بينما هي في الحقيقة من تأليف أبوليناريوس. العبارة هي: "طبيعة واحدة متجسدة للإله الكلمة"[41]. اتهمه خصومه بأنه أبوليناري. تحولت المعركة إلى نوع من الصراع المصري-السوري. انعقد المجمع المسكوني الثالث في أفسس (431). تأخر أسقف أنطاكية يوحنا فانعقد المجمع في غيابه (22 / 7 / 431) وحُرم نسطوريوس. ووصل يوحنا فعقد مجمعاً معاكساً وحرم كيرلس. الأكثرية الساحقة مع كيرلس (حوالي 200 ثم زادت) بينما ضم مجمع يوحنا 37. وتوسع الانشقاق وغطس القصر فيه سلباً وإيجاباً. وكلّفت العملية كيرلس إفلاس كنيسته. ونجح أخيراً لأن خصومه من السوريين أرادوا إنقاذ نسطوريوس وهم يعرفون أنه انحرف عن الإيمان القويم. ففي آب 431 بعثوا برسالة إلى الأمبراطور تدل على أن إيمانهم قويم. وهي نفسها (بعد إضافة فقرة عليها) صارت في العام 433 رسالة المصالحة. وفي نص 431 ونص 433 (أوردناهما دفعةً واحدة في مكان آخر لأنهما وردا في نص 433) يتضح أن الأنطاكيين محافظون على تعليم آباء الكنيسة وبخاصة منه رسالة أثناسيوس إلى أبيكتوس[42] ورسالة غريغوريوس اللاهوتي إلى كليدونيوس وخطبته الثلاثون[43]. وفضلاً عن سعي القصر الدائب لفرض الصلح لعب أكاكيوس أسقف حلب ووكيله في المجمع بولس أسقف حمص والقديس سمعان العمودي أدواراً مجيدة للسلام. اعتبر كيرلس نفسه قد انتصر. واعتبر يوحنا وثيوذوريتوس أسقف قورش وهيباس أنهم قد انتصروا. والحقيقة التي لا مراء فيها أن المنتصر الأكبر هو الإيمان الأرثوذكسي. فالأنطاكيون جرّوا كيرلس إلى جهد لاهوتي رائع عادت معه عباراته الأبولينارية ذات معنى أرثوذكسي لا أبوليناري[44]. وكيرلس جر الأنطاكيين إلى تعمق أوسع في آباء الكيسة ووضع النبرة على وحدة شخص يسوع. في النص المتفق عليه نرى نبرة كيرلس على الوحدة ونبرة الأنطاكيين على الطبيعتين[45]. أما لفظة "هيكل" فليست خاصة بالأنطاكيين كما يرى باردي (في فليش ومارتان). فقد استعملها أثناسيوس واستعمل سواها مثل "بيت"، "أداة"، "ثوب"، "رداء"، (الرسالة إلى أبيكتوس 2 و4 10؛ إلى أديفيوس 3: 4؛ في التجسد 42، 43، 44، نبذة في مين 26: 1240). والذهبي الفم استعملها في شرح المزمور 44: 2. واستعمل لفظة "مسكن" في العظة 11 على يوحنا.
هذا الصلح بين المعتدلين الأنطاكيين ومصر وروما والقسطنطينية على حرم نسطوريوس وعلى نص لاهوتي رصين (وإن كان غير تام) أخرج من جسم الكنيسة الجامعة المتطرفين، فنشأت كنيسة نسطورية. تقلصت شيئاً فشيئاً عبر التاريخ. في العام 589 أغلق الأمبراطور زينون مدرستها في نصيبين. انتهت غلى الانتشار في العراق وفارس وحتى الصين، بديناميكية نادرة يحميها القصر الفارسي ويوغر صدرها على القسطنطينية. ولغوياً انثنت إلى اللغة السريانية حتى بدت قومية. ولعبت دوراً بارزاً في نقل العلوم والفلسفة إلى العربية.
نسطوريوس قال بوجود أقنومين وطبيعتين وشخصين وشخص اتحاد. ورفض القول أن مريم هي أمّ الله. وقال أيضاً بالمشيئة الواحدة والفعل الواحد. وحرص شديداً على تبرئة لاهوت الابن من الأوصاف البشرية لدرجة أضعف معها الاتحاد جداً. النبرة لديه موضوعة على الطبيعتين مهما حاول الكلام عن الاتحاد. بالمقابل قال المتصالحون أن يسوع واحد وأن الاتحاد صار من طبيعتين وأن اللاهوتيين يستعملون ثلاث طرق:
- ينسبون اللاهوتيات إلى اللاهوت.
- ينسبون البشريات إلى الناسوت
- ينسبونها جميعاً إلى الشخص الواحد يسوع.
ولهذا فمريم هي حقاً أمّ الله بفضل وحدة يسوع...
---------------
الحواشي
---------------
[38] اقتباس من المصدر: الألفاظ المركزية في اللاهوت منذ البداية حتى نهاية المجمع السادس المطروحة لدى أبوليناريوس بما فيه لفظة "التقنيم" أنه انفرد بطرح كل قضية الخريستولوجيا دفعة واحدة سبق فيها الزمن مع أنه رجل بدعة.
[39] وبعضاً منهم من لاهوتيي كنيستنا الأنطاكية الأرثوذكسية العظماء في القرنين 20 و21...
[40] إن أسقف دوريليوم، أوسابيوس، سنأتي على ذكره كثيراً لاحقاُ. ولكن لا بد أن نذكر هنا أنه هو نفس الشخص الذي تصدّى لبدعة أوطيخا فيما بعد، وحاربه البطريرك ديسقوروس في المجمع اللصوصي واتهمه بالنسطورية... فقد كان هذا المحامي، هو أول من حارب نسطوريوس وجاهر بالإعلان بأن ما يعلمه نسطوريوس هو هرطقة. هو الذي كان بداية الشرارة التي حركت القديس كيرلس للتصدي لهرطقة نسطوريوس. ووصم نسطوريوس بأنه من أتباع بولس السمسياطي.
[41] لقد أوضحنا هذا الموضوع سابقاً في موضوع أبوليناريوس، ولكن نزيد ونقول الآن أنه حتى أهم كتاب في هذا الخصوص صدر عن أصحاب الطبيعة الواحدة "مجمع خلقيدونية، إعادة فحص" للأب صموئيل، أقرّ أن هذه العبارة أبولينارية. ولكنه دافع عن استخدامها، بأسلوب يتضح منه أنه يجهل كل ماتقوله كنيستنا الأرثوذكسية، إذ يقول في الصفحة 458: "لقد أكد الكثير من العلماء المعاصرين أن عبارة "طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة" كانت قد صيغت في الأصل بواسطة المدرسة الأبولينارية. وحتي إذا سلمنا بهذا الإحتمال, فينبغي أن ننبه إلي أن الأصل غير الأرثوذكسي لمصطلح ما أو وثيقة ما لا يُعد سبباً وجيهاً لرفضه بواسطة الفكر اللاهوتي الأرثوذكسي. وعلي سبيل المثال، كان التعبير النيقاوي "له ذات الجوهر الواحد مع الآب" (هوموأووسيوس تو باتري), جزء من المفردات الفالنتينية (التي تخص اتباع فالنتين). بل والأكثر من ذلك انها أُدينت بواسطة مجمع أنطاكية الذي حرم بولس السموساطي عام 268م وبالرغم من ذلك قام مجمع نبيقية 325م بتبني تلك العبارة، وبعد حوالي نصف قرن من الصراع العنيف قامت الكنيسة بالتصديق عليها في مجمع القسطنتينية عام 381م.
ولهذا فإن الأمر محل الإهتمام بالنسبة لمصطلح ما، ليس هو كيفية نشؤته, وإنما المعني الذي يُنسب إلي ذلك المصطلح والحاجة اللاهوتية لتأكيد فكرة ما (بواسطته)".
والكنيسة الأرثوذكسية تقول هذا. ولكنها تتوسع بالشرح فتقول: أن القديس كيرلس انخدع في بداية الأمر، ولكن المعركة التي كانت بينه وبين أنطاكية أوضحت له الفرق بين الطبيعة والأقنوم. ولهذا نراه بعد ذلك يُتهم بالنسطورية، وهذا ما سنوضحه لاحقاً في هذا الكتاب. وسنوضح أن هذا المصطلح رفضه خلقيدونية، لأنه كان ابولينارياً وليس كما شرحه القديس كيرلس لاحقاً.
[42] حاشية من المصدر: يوحنا الأنطاكي أعطاهما أهمية كبيرة. وكانت نسخته غير سليمة، فأمده كيرللس بنسخة أمينة (رسالة المصالحة) وهي حقاً إيمان أرثوذكسي.
[43] حاشية من المصدر: وتشبههما الخطبة 7 للذهبي الفم ضد أفنوميوس.
[44] وهذا الذي لم يفهمه الأب صموئيل. أننا لسنا ضد العبارة كعبارة، ولكن المعنى الذي يؤخذ من العبارة. ولهذا نجد القديس كيرلس قد دخل في معركة مع من كان متعصباً له ضد أنطاكية، وراح يشرح لهم أن إيمانه لم يتغير بل هو هو كما كان. إلا أن التعبير عن هذا الإيمان قد تغيّر... فقد أصبح يميز بين الأقنوم كشخص والطبيعة.
[45] حاشية من المصدر: ليس ضعف الأنطاكيين قائماً في وضع النبرة على الطبيعتين بل يقوم على جعلهما أقنوماً مناظراً للأقنوم الإلهي. وقوة كيرللس قائمة في التركيز على وحدة يسوع وعلى أقنومه الإلهي الذي اتخذ في الزمن بشريّة تملكها، صيرها ملكاً له بضمها إلى أقنومه الإلهي.