اقتباس:
السؤال التانى ، خاص بعذاب السيد المسيح على الصليب ؟ مش كان ممكن يأتى المسيح على الأرض و يتحد بطبيعتنا و يعطينا رسالته دون انت يتعذب على خشبة الصليب ؟ عذاب المسيح على خشبة الصليب مش رمز للعذاب اللى كا من نصيبنا و هو فدانا و رفعه عنا ؟ ليه كان لازم
سلام المسيح معكم جميعاً ومعك أختي ماري ... أجيب على سؤالك مستعينة بكتاب سرّ الآلام لقدس الأب المطران سلون موسي ..
ضرورة آلام المخلّص الخلاصيّة
تُمثّل آلام المخلّص بالنسبة للفكرالبشري سراً محتجباً بشكل فائق. تظهر آلامه كضرورة إلهيّة إنسانيّة في التدبير الإلهيّ لخلاص العالم. فإذا كان المنطق الإنسانيّ يتصدى لهذه الضرورة، فإنّ منطق المخلّص، الإلهيّ بآن، حاضر فيها كلياً.
فالربّ يسوع لم يشدّد على أمر وأكدّه بقوة أكثر من ضرورة آلالمه والحاجة إليها. فحال عرف تلاميذُه ابنَ الله بكشف إلهيّ، قادهم هو للتوّ إلى سرّ آلامه العظيم التي كام مقبلاً إليه: " منذ ذاك الوقت ابتدأ يسوع يُظهر لتلاميذه أنّه ينبغي أن يذهب لأورشليم ويتألّم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويُقتل وفي ذلك اليوم الثالث يقوم" ( متى16 ، 21 . راجع مر 8 ، 31؛ لو 9، 22؛ 17 ، 25؛ 13 ، 33؛ 24، 7؛ مر 9 ، 12).
اختيار المخلص الموت على الصليب كان ضرورةً في تدبيره لخلاص الجنس البشريّ ( فيلوثيوس، "في رفع الصليب"، 5 [PG 154, 724B] ).
الآلام على الصليب كانت الوسيلة ليمنح المخلّصُ الحياة الأبدية للبشر. هذا ما عناه المخلّص بقوله: " كما أنّ موسى رفع الحيّة في البريّة، كذلك ينبغي أن يُرفع ابن الإنسان لكي لا يهلك مَن يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدّية" ( يو 3، 14 – 15 ؛ راجع يو 8 ، 28 ؛ 12 ؛ 32 – 33 ).
فبأيّ تصميم تحدثّ المخلّص عن آلامه وضرورتها لأجل خلاص العالمّ فهذا يمكننا أن نلمسه بشكل خاصّ من كلمات الإنجيليّ مرقص التي تلي إعلان المخلّص السابق: " وقال القول علانّية" ( مر 8 ، 32 ). ولكن الفكر البشريّ، على الرغم من تصميم المخلّص ووضوحه بشأن ضرورة آلامه، لا يسعُه استيعاب الأمر.
الواقع المرّ والخلاص بالمخلّص
الخطايا هي صنع الشيطان. الإله – الإنسان الذي لم يرتكب خطيئة أحرز الغلبة ليش فقط على الخطيئة بل وعلى صانع الخطيئة، الشيطان.
لو لم يفعل ذلك لما كان انتصاره على الخطيئة كاملاً أوو حقيقياً. لذا يقول بولس الرسول: " فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما، لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس" (عب 2 ، 14).
ويعلّق ذهبيّ الفمّ بقوله: لقد غُلب الشيطان بغلبته نفسها، وسحقه المسيح بالواسطة التي بها كان يمارس قوّة الموت على الخليقة، مما يُظهر تماماً عظم قوّة المخلّص ("في شرح الرسالة إلى العبرانّيين"، 4،3 [PG 63, 41]).
الشيطان قويّ ومهيب لكونه يمسك بقوةّ الموت وقدرته. ولأنه متسلّط على الموت وسيّد عليه فهو يتصرفّ به كما يشاء. قوّة الموت هي الخطايا. كل خطيئة هس موت صغير، ومجموع الخطايا يشكل موتاً آخراًـ موتاً أبدياً. لذا ظهر ابن الإنسان ليحلّ أعمال الشيطان، أي الخطايا، وعبرها وأكثر منها، الموت والجحيم رفيقَي الخطيئة الملازمَين (راجع رؤ 6 ، 8).
صار المخلّص إنساناً، ولكن إنساناً حرّاً من سمّ الموت؛ أتى مشابهاً لجسد الخطيئة، أي مشابهاً للجسد الخاضع للخطيئة، لكن المخلّص ليش هو نفسه جسد الخطيئة.
مات آدم بحقّ لأنّه أخطأ.
مات المخلّص ظلماً لأنّه لم يكن فيه خطيئة.
ساد الموت بحقّ على الناس جميعاً حتّى موت المخلص. ولكن، بما أنّ المخلّص ظهر بلا خطيئة، هل كان باستطاعة الشيطان أن يجد في المخلّص أمراّ يستحقّ الموت؟
لما حُكم على المخلّص ظلماً بالموت، قهر ذاك الذي جعله يموت ظلماً. هكذا أمكنه تحرير آدم من موت مفروض بحقّ على الذي أخطأ (ثيوفيلكتوس، "في شرح إنجيل يوحنا" ، 3 ، 14 [PG 123, 1209BCD]).
أمران كان يسودان على الطبيعة البشريّة: اللذّة والألم. عَبر المخلّص بالاحدة كما بالأخرى، وخرج منتصراً. أوّلاً، اقترب منه المجرب في الجبل، وعرض عليه اللذّة (متى 4 ، 3 ؛ 6 و 9). ولكن إذ وجد أن الأمر لا يجدي نفعاً، اعتمد نهجاً آخر فجلب الألم للمخلّص، عسى يقدر بالألم أن يسود على المخلّص. في هذا السبيل استخدم كل شيء ضدّه: نكران التلاميذ وجحود اليهود. رغم كلّ ذلك، ظهر المخلّص غير مقهور. فالآلام التي عرفها المخلّص على الصليب لم تستطع أن تولّد في قلبي المخلّص مشاعر كره تجاه صالبيه، بل بسط محبّته عليهم جميعاً وصلّى من أجلعم قائلاً: " يا ابتاه، اغفرْ لهم، لأنّهم لا يدركون ماذا يفعلون"( لو 23 ، 34). هكذا استطاع أن يكون منتصراً على الذين بالظاهر انتصروا عليه، فصار الصليب مجده ورفعته (ثيوفيلكتوس، "في شرح إنجيل يوحنا" ، 3 ، 15 [PG 123, 1212A]).
ما من طريقة كان يمكن أن يتحقق بها خلاصنا بغير الصليب. بالفعل، فقد رفض أن يصير غير منظور وهو على الصليب، جاعلاً الخليقة كلّها تشهد لحضور خالقها. لم يشأ أن يشاهد هيكله، أي جسده (في الموت) طويلاً، إذ بعدما اكتفى أن يُشاهد جثّةً بعد صراعه مع الموت لفترة وجيزة، أقامه في اليوم الثالث، حاملاً راية ظفره على الموت ألا وهي عدم فساد جسده وخلوّه من الأهواء. هكذا أظهر للجميع أنّ الجسد مات، ليس بسبب ضعف كلمة الله الذي سكن في هذا الجسد، بل من أجل أن يسجق الموت فيه هو بقوّة المخلّص، كما يقول القدّيس أثناسيوس الكبير ( "في تجسّد الكلمة" ، 26 [PG 75, 140D, 141AC]).
بالقوّة الإلهّية التي انبعثت من موت المخلّص، حُرمت الخطيئة قواها، أُنهكت، أُميتت كقوّة ديناميكية للشيطان وقوّة خالقة للموت. المخلّص نفسه لم يأخذ فقط صورة العبد على نفسه، بل وهو صاعد على الصليب، أصعد معه خطايا البشر حتّى يميتها، كما يقول القدّيس غريغوريوس اللاهوتي ( "العظة 4" ، 78 [PG 35, 604BC]). أُميت الموت بخضوع المسيح له، كما يقول القدّيس أمبروسيوس ( "في الإيمان 32 ، 11 ، 84 [PL 16, 631B]" ).
لما بسط المخلّص يدَيه على الصليب سُمِّرتا على الخشبة بالمسامير حتّى أنّه، بموت طبيعته البشريّة على الصليب محمّلة بخطايا البشر، يميت الخطيئة معه، فنقوم نحن للبرّ. لقد قال المخلّص على الصليب: " لقد تمّ " ( يو 19 ، 30)، لأنّ السرّ قد تمّ والكتب تحقّقت والخطايا انحلّت، كما يقول القدّيس كيرلّلس الأورشليميّ ( "موعوظيّة"، 8 ، 28 و 32 [PG 33, 805B, 812A] )
دائن ومديون
آدم خطئ ومات؛ المسيح لم يخطئ ومات هو أيضاً. إنه لأمر غريب كيف حصل ذلك؟
مؤدّاه أنّ الذي أخطأ ومات يخلص من رباطات الموت بذالك الذي لم يخطئ ومات.
هذا ما يحصل في مسائل الدَّين: مديون لا يستطيع أن يدفع دَينه، فيأتي شخص آخر ويدفع المستوجَب عليه للدائن ويعتق المديون من سلة الدائن.
هذا ما حصل بين آدم والمسيح, صار آدم مديوناً، محكوماً عليه بالموت ووقع تحت يَدي الشيطان.
المسيح لا هو مديون ولا هو تحت سلطة الشيطان، لكنّه أتى يدفع بموته ما هو مستحق على ذلك الذي
هو تحت براثين الشيطان، فيعتق الإنسن الواقع تحت طائلة هذا الموت ( الذهبيّ الفمّ، " عظة في الفصح"، 4 [PG 52, 770]).