-
كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
سأقوم بنقله لمجد الله تعالى
تعريب دير مار جرجس الحرف
سيرة الاسقف ذياذوخوس
المعلومات المتوفرة عن سيرته قليلة جدا
يستنتج من رهافة ثقافته ونقاوة لغته واسلوبه انه يوناني المولد وترجح ولادته حوالي العام 400 ، فان القديس فوتيوس يذكره بين داحضي اصحاب الطبيعة الواحدة المعاصرين للمجمع المسكوني الرابع المنعقد في العام 451 . وقد وقَّع الرسالة التي قدمها اساقفة مقاطعة ايبرس القديمة الى الامبراطور لاون الاول في العام 457 على اثر اغتيال بروتيريوس الاسكندري. وفي العام 486 ، حين صدور كتاب " تاريخ الاضطهاد البربري" كان قد توفي حسبما يذكر مؤلفه فيكتور دي ڤيتا
مركز ابرشية البلدة الصغيرة فوتيكي هو المكان المسمى الآن ليمبوني على مسافة ساعة واحدة شمال غرب مدينة باراميثا في المنطقة الغريبة من اليونان
يبدو من اقواله انه كان بمثابة اب لشركة رهبانية يوجه اليها كلامه
مقالاته من النوع الادبي والتعليمي ولكن تتخللها احيانا نبرة شخصيه تنم عن خبرة ذاتية متسترة الا انها شفافة
2ـ مؤلفاته
مائة مقالة في المعرفة الروحية او " في الكمال الروحي" بحسب مخطوطة القديس نيلوس الصغير. وان عددا من المخطوطات الاخرى تعنونه مقالات عملية في المعرفة والتمييز الروحيين او احاديث نسكية ( والمخطوطات كثيرة جدا ، منها خمس عشرة قبل القرن الثاني عشر) وتبدو غاية المؤلف واضحة وهي كتابة نوع من دليل روحي للكمال
عظة بمناسبة عيد الصعود يدافع فيها بفصاحة وباسلوب ايقاعي رائع عن طبيعتي المسيح، ويتكلم عن تأليه الانسان بفعل تجسد ابن الله في طبيعة بشرية حقيقية
الرؤيا، وهو كتاب يتضمن حوارا بين المؤلف ويوحنا المعمدان، يبدأ بمدح سيرة التوحد، ويسأله فيه عن طبيعة الظهورات الالهية، وعن شكل معرفة الله ، وعن الملائكة...
وهناك مؤلف رابع عنوانه " التعليم" تنسبه بعض المخطوطات لذياذوخس ولكن مخطوطات اخرى اكتر عددا تنسبه لسمعان اللاهوتي الحديث وهو عبارة عن اسئلة واجوبة حول علاقة الله بالعالم ومعرفة الملائكة له ورؤيتهم ورؤيتنا له تعالى وعن الخلاص بالاعمال وما الى ذلك
3ـ مقاومته للبدع الى جانب مقاومته لمعتقد الطبيعة الواحدة في العظة عن الصعود كما مر اعلاه، عمل ذياذوخس على دحض بدعة " المصلين" في كتاب المئة مقالة
ظهرت شيعة " المصلين" في نهاية القرن الرابع في سوريا على يد نساك متجولين وانتشرت سريعا في كل آسيا الصغرى يلخص معتقدهم في ان للنفس عدة اعضاء . ون المعمودية لا تطرد الشيطان من طياتها، فالنعمة والخطيئة تقيمان معا في نفس المسيحي. وان الصلاة الدائمة وحدها تستطيع القضاء على حضور الشيطان،لا المعمودية ولا اي سر من اسرار الكنيسة )( ومن هنا تسميتهم بالمصلين) ، وان الغاية الاخيرة هي بلوغ حالة اللاهوى
ان جعل الصلاة الدائمة الوسيلة الوحيدة للخلاص يفتح الباب للتطرف على كلا الصعيدين الروحي والاخلاقي. اذ قد يتخيل المرء المنقطع للصلاة فقط انه يعاين قوات غير منظورة، او يحسب نفسه خاليا من اي خطأ. فمنعا لسوء فهم اللاهوى يقول ذياذوخس بضرورة الجهاد الى جانب الصلاة ( المقالة 98) كما يعارض مساكنة روح الحق وروح الكذب في النفس في آن واحد مستشهدا بالكتاب المقدس ( المقالة 76 و80 و81 و82 و83 و84 و86 )
ثم يتعرض للرؤى اذ ان " المصلين " كانو يدَّعون انهم ببلوغهم اللاهوى يعاينون ما في القلوب ويعرفون المستقبل ويخبرون خبرات روحية رفيعة فيشاهدون ظهورات نورانية ويرون الثالوث القدوس متحولا الى اقنوم واحد الخ.... كل ذلك بصورة ملموسة وبيقين كلي في الحس الداخلي ، مع مشاعر تشابه العلاقات الزوجية... فيقاوم ذياذوخس كل ذلك ويرى في كل ملاك نور ابليسا متسترا، ويقول ان كل رؤيا نورانية هي استباق الى السماء لا نستحقه الا انه يوافق على ان النفس المتطهرة في حالة اللاهوي تستطيع ان تعاين ذاتها ( المقالة 40) ولكن ليس في رؤية محسوسة بل رؤية جمال النعمة في النفس مجردة من اية صورة، نبلغها بالدعاء المتواصل لاسم الرب يسوع ( المقالة 59) . اما الاحلام فقد يكون بعضها من الله ولكنه يفضل ان نرفض قبولها جملة حتى في هذه الحالة ( المقالة 39)
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
4ـ تعليمه
تمتاز روحانية ذياذوخس اجمالا بالاتزان والعتدال وسلامة الرأي وقد تناول بصورة خاصة المواضيع التالية : معرفة الله والذات ، لاهوت النعمة ، تمييز الارواح، الصلاة ، المسيرة الروحية ، فكان فيها معلما
معرفة الله والذات
في حالة الانخطاف بالله تغفل النفس عن ذاتها ( التعريف الخامس) ويتغير المرء كله فيكون في هذه الحياة دون ان يكون فيها، اذ يهاجر دون انقطاع نحو الله، يقتلعه حبه له من حبه لذاته ( المقالة 14)
ولكن الحرارة الروحية تتأتى ايدا من معرفة الذات ومعرفة الذات الروحية، لا المعرفة الطبيعية فقط، تتيح للحرارة الديمومة في " الحس الداخلي" يبقين قلبي وتذوق وخبرة لامور الله ( المقالة74)غاية معرفة الله محبته. المقالات 12 و 13 تسف الوصال بالله بحرارة الخبرة الشخصية وتتكلم عن الامحاء امامه وطلب مجده الالهي فوق كل شيء، وعن محبة اقريب الناجمة عن الشعور بوفرة غنى محبة الله وعن الحرية الداخلية التامة التي تتميز بها المحبة الكاملة
لاهوت النعمه
تحتل النعمة مكانا اساسيا في لاهوت ذياذوخس فمنذ حلولها في النفس بالمعمودية لا تعود تقبل اية مشاركة . غير انها لا تستعلن بملئها فورا بل بمقدار تقدم الانسان روحيا ( المقالة 76)، فيتحول المرء تدريجيا بفعل صلاح الله الى ما لم يكن ( المقالة 2 و 29 و62 و78 )
خلق الله الانسان " علي سورته ومثاله" فمبدأ مماثلتنا له قائم على صورته فينا، وهذه السورة مقيمة في طبيعة الانسان، وهي لم تنقرض بسقوط آدم بل تعتمت وتشوهت فقط. ولكن نعمة المسيح بالمعمودية تنقيها وتعيدها الى حالها الاول ان لم يكن الى حال افضل ( المقالة 4 و 78 و 89و79 بنهايتها)
المعمودية لا تلغي ازدواجية الارادة الانسانية. فمعصية آدم شطرت " الحس الداخلي" الى نشاطين. اما النعمة فتفعل تدريجيا كما رأينا فتدفئ المبتدئين جزئيا فقط ولكنها تتوصل شيئا فشيئا الى ملاشاة افكارنا الجسدانية معدة ايانا لان نفكر روحيا بصورة كلية
تمييز الارواح
يبرع ذياذوخس في تمييز حالات النفس المختلفة، فيعلمنا ان نغربل افكارنا ( المقال 26) ولا " نحزن الروح" ( المقالة28)، وان نذوق " ما طيب الرب" بالحس الروحي ا9 المقالة 29 و 30 ) ونميز التعزية الالهية عن التعزية الآتية من الشيطان ( المقالة 30 الى 33) متسلحين بذكر الله ودعاء اسم الرب يسوع وبخبرة التمييز في الحرب التي يثيرها ابليس على النفوس المتقدمة في الحاية الروحية. ان الخبرة او التذوق مصدر فره اصيل. وهو ثمر عم الروح، يفضي الى محبة اسمى بكثير من المحبة الطبيعية ( المقالة 34 و 35)
ويميز ذياذوخس بدقة بين تخلي الله التربوي وتخليه الارتدادي عنا. فان الله يسمح، عند تقدم النفس، بان تزداد حروب الشيطان عليها لكي تتعلم تمييز الخير من الشر بدون خطأ وتزداد تواضعا ( المقالة 77 و 85 و90 ) وهذا التخلي التربوي لا يعدم النفس النور الالهي انمايحثها على طلب معونة الله بخوف وانسحاق؛ في حين ان التخلي الناتج عن رفض النفس لله مقيدة الى الشيطان ( المقاله 86). ولكنها اذا اعترفت بخطاياها بدموع تخلص ( المقالة 87)
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
الصلاة
في مجال الصلاة يؤكد ذياذوخس على ذكر الله ذكرا داخليا مستديما . فالذكر المدعوم بالصمت يحفظ حرارة النفس وتجمعها وخشوعها ويأتي بالقلب الى التوجع والوداعة ( المقالة 73) . ان " الذكر"( ذكر الله والخير والصلاح والمحبة الروحية. ذكر الذهن والقلب) يرد مرارا وتكرارا عند ذياذوخس ( المقالة 11 و27 و32و 56 و59 و61 و79 و81 و90 و97 و89 ) وذكر الله بحرارة ينبع من الشوق الى الله من اعماق القب ( المقالة 79)
ويتحدد ذكر الله بذكر الرب يسوع او اسم يسوع وهو السلاح الاكبر ضد اوهام الشياطين ووسيلة البلوغ الى رؤية النفس ورؤية النعمة في النفس ( المقالة 32 و61 و88 و97 و31 ) ويعتبر ذياذوخس في هذا المجال من رواد صلاة اسم الرب يسوع
ويلاحظ اقتران كلمه؛ " صلاه" بكلمة " انتباه" او يقظة وكثيرا ما ننقاد الى ايراد كلمة انتباه مكان كلمة صلاة في النص استنادا الى بعض المخطوطات( الكلمتان متقاربتان جدا في اليونانية)
المسيرة الروحية
ان تعاليم ذياذوخس تتناول كل مراحل المسيرة الروحية بدأ بالمبتدئين وانتهاء بالمشاهدة آلآلهية
يؤكد ذياذوخس كثيرا على ضرورة الجهاد النسكي اذ ان الجسد حليف الارواح الشريرة... وهذه الحرب الشاقة لا تنتهي الا بانتهاء العمر. والذين يدركون مرتبة الشهداء بكمال نسكهم يعتقون وحدهم منها ( المقالة 78و79و90و94و100)
بالاضافة الى الجهاد ضد الضجر ( لمقالة 45 و 58) وضد الغضب ( المقالة 6 و 26 و 61 و99 ) يفرض ذياذوخس على النفس نسكا رهبانيا شبه كامل ، فيؤكد علي الفقر والامساك والطاعة والتواضع
فالتخلي عن املاكنا يثيينا حرية الفكر والاتضاع والوقاية من فخاخ العدو، فتتفتح النفس للنعمة ومحبة الله ولموهبة التبشير بالانجيل ( المقالة 65 و 66 ) الفقر افضل من التصدق وآلاحسان ( المقالة 65 و 66 )
والامساك ( اي الاعتدال او العفة بالمعنى العام للكلمة ) اسم مشترك لائر الفضائل ( المقالة 42) . فعدم الشراهة يفترض الامانة والزهد ومحبة الله والقريب ( المقالة 43 و 45 ) وعدم التطرف يتغلب على تجارب الكبرياء ( المقالة 46 و 47 ) والصبر على الامراض يقوم مقام الاستشهاد ( المقالة 94 )بل ينبغي عدم الاهتمام بأي شيء على الارض ا9 المقالة 55 الى 57)
اما الطاعة فهي محتواة في الامساك والعفة اذ ان عدم الطاعة يأتي بنا الى الزنى ا9 المقالة 42) ولكن يجدر بنا ان نسعى اليها بحد ذاتها اقتداء بالمسيح ( المقالة 41 )
والتواضع اهم من الصوم ( المقالة 46 ) . ويجب الا يكون اي شيء مدعاة للتكبر . التواضع يولد الدموع لاجل غفران الخطايا ( المقالة 37 و 100 ) وهو يتولد من الفقر ( المقالة 65 و 66 ) ويأتي بنا الى المشاهدة الروحية ( المقالة 68 و 72 ) ، ليس هو هوسا ولا قنوطا بل رجاء ( المقالة 69 )
5ـ اسلوبه
يتصف اسلوب ذياذوخس بالطراوة والمرونة والعمق الصافي " صفاء عيون الاطفال "، انه يستعمل تشابيه بسيطة وواضحة دون ان تكون جافة . لا يتمادى في الشرح فهو وجيز غير كثيف، تعاريفه قصيرة وبليغة، وايقاعه رائع بديع غير قابل للوصف
تأثيره
انكب رهبان اديرة اليونان والشرق على مطالعته واستوقفهم بصورة خاصة تمييز الارواح ( المقالة 26 الى 40 و 75 الى 89ـ) والنصائح النسكية المنتشرة في كل كتابه ولا سيما الدعاء باسم الرب يسوع ( المقالة31 و 59 و61 و85 و97 )
لا يبدو ان تأثره بافاغريوس البنطي قد اضره بشيء، لان حسه الاورثوذوكسي الذي فطر عليه وقاه من انحراف اوريجنس كما وقاه من معتقدات المصلين واصحاب الطبيعة الواحدة . فان ذياذوخس الى جانب افاغريوس معلم الروحانية الشرقية
مؤلفات مكسيموس المعترف نفسه ملآى بتذكر اقوال ذياذوخس ، اما يوحنا السلمي فاستعار منه احد التشابيه ( مثال الام وطفلها) وهو يقنعه في تعليم صلاة يسوع ، وسمعان اللاهوتي الحديث نشأ على قراءة المقالات المئة التي كانت مطالعته الروحية
قد يكون الغرب المسيحي عرفه منذ نهاية القرن الخامس وذلك عبر جوليان بومير الذي التقى به على الغالب في آخر ايامه في قرطجنَّة حيث كان ذياذوخس منفيا، وكتب في مدينة آرل في فرنسا كتاب " الحياة التأملية" المتأثر بالمقالات المئة
ابتداء من القرن العاشر ازداد عدد مخطوطات كتاب المقالات المائة في جنوب ايطاليا وربما انتقلت الى اسبانيا حيث اثرت على اغناطيوس ديلويولا مؤسس الرهبنة اليسوعية وعلى تيريزيايسوع مؤسسة رهبنة الكرمليت فيفسر هذا وجود التشابه الكبير القائم بينهما وبين ذياذوخس
منذ نهاية القرن السادس عشرترجمت المقالات المائة الى اللاتينية عام 1570 صار ذياذوخس بين الاباء الموصى بمطالعتهم عند اليسوعيين منذ بداية هذا القرن فقط كثرت الدراسات والطبعات بمتناول القراء في الغرب، فاول ترجمة فرنسية كاملة صدرت عام 1943. وهناك ترجمة الى اللغة الروسية منذ العام 1903
هذا وقد ورد اسنم ذياذوخس في كتاب التريودي بين القديسين النساك الذين تعيد لهم الكنيسة يوم سبت مرفع الجبن في مستهل الصوم الكبير ، ولكننا لم نجد له ذكرا في كتاب الميناون الانطاكي ولا في تيبيكون كنيسة القسطنطينية العظمى... وجدير بالذكر ان القديس غريغوريوس بالاماس الذي يستشهد به اكثر من مرة في كتابه " في الدفاع عن الهدوئيين " يدعوه القديس ذياذوخس" ويقول عنه انه عجيب
الخلاصة ان القديس ذياذوخس هو احد الآباء القديسين الروحانيين الذين عاشوا كل ابعاد الارتقاء النفسي والروحي فاكتسب خبرة الطبيب النفساني البارع الممتلئ نعمة وحكمة فكتب فصوله هذه للرهبان، بل لكل مسيحي، يعالج فيها مصاعب النفس التي تطلب الله ويرشدها في سلوك الحياة في المسيح ويجعلها تتوغل في الصلاة القلبية والاستنارة والتأله بالنور الالهي، وفي طريق الفرح والمحبة واللاهوى بالروح القدس
يتبع
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
مقالات ذياذوخوس اسقف فوتيكي في الحكم والتمييز الروحيين
في اية معرفة يجب ان نسلك، بارشاد الرب، سعيا للكمال الموضوع امامنا لكي يثمر الكلمة في كل منا نحن المقتدين بالمثل الانجيلي للخلاص
عموميات
1ـ كل مشاهدة روحية، يا اخوة ينبغي ان تسترشد بالايمان والرجاء والمحبة، وخاصة المحبة. فالايمان والرجاء يدفعاننا الى رذل المنظورات، اما المحبة فتشرك النفس بمحامد الله اد انها بالحس العقلي تبتغي اللامنظور
2ـ الله وحده صالح بالطبع. اما الانسان فيصبح ايضا صالحا بسعيه وعنايته، فالنفس المهتمة بالصالحات تتحد بالله قدر طاقتها وارادتها واذ ذاك وبفعل صلاح الله يتحول الانسان الي ما لم يكن ، لان الرب يقول: "كونوا رحماء كما ان اباكم السماوي رحيم " ( لو 36:6)
3ـ لا طبيعة للشر وما من احد شرير بالطبع لان الله لم يصنع شيئا رديئا. ولكن عندما نعطي بدافع من شهوة القلب شكلا لما ليس له جوهر، عند ذاك يبتدئ ان يوجد ما اردناه ان يكون . فينبغي ا'دا ان نعرض دائما عن الميل الذي فينا الى الشر بدأبنا على ذكر الله. لان طبيعة الخير اقوى من الميل الى الشر ما دام للخير وجود بينما لا وجود للشر الا حين نفعله
4ـ نحن البشر جميعا على صورة الله . ولكن يكون على مثاله فقط الذين اخضعوا حياتهم له بحب كثير. لاننا حين نتخلى عن امتلاك انفسنا نصير على مثال من صالحنا بالمحبة. وهذا لا يبلغه احد ما لم يقنع نفسه بألا تبالي بالمجد البشري الباطل
5ـ الحرية ارادة نفس عالقة، متهيئة للتحرك الى ما تريد. فلنحملها على ان تبادر نحو الصالحات فقط لكي نبيد بالافكار الصالحة ذكر الشرور دون انقطاع
في المعرفة والحكمة
6ـ في المعرفة الحقيقية نور يميز الخير من الشر بمنأى عن اي خطأ. لان الذهن الذي بات يبتغي المحبة بدالة يقوده طريق العدل اى شمس العدل فيدخل شيئا فشيئا في استنارة المعرفة التي لا حد لها .لذا ينبغي انتزاع الحق من المتجاسرين على انتهاكه، وذلك بقلب خال من الغضب لان غيرة التقوى تغلب بالاقناع لا بالبغض
7ـ الحديث الروحي يشبع العقل لانه يأتي من عند الله بفعل المحبة لذا ايضا يبقى الذهن غير متضايق اثناء حركة الكلام عن الله ، لانه لا يعد حينذاك من العوز المسبب للهم اذ انه يرحب للمشاهدات بقدر ما يتيح له ذلك فعل المحبة. فجيد اذا ان ننتظر دائما، بايمان عامل بالمحبة، الاستنارة التي ستحملنا على الكلام، لانه ليس اعجز من الفكر الذي يتفلسف خارج الله في امور الله
8ـ يجب ان لا نبادر الى التكلم في الامور الروحية بدون استنارة. وان لانتكلم ايضا حين يفيض علينا الروح القدس نورا وافرا . لانه حيث العوز يكون الجهل، والنور الوافر لا يدعنا نتكلم . اذ ان النفس السكرى بالحب الالهي تروم حينذاك ان تنعم بمجد الرب صامتة. فيجب اذن التزام حد وسط في اقبالنا على الكلام عن الله . وهذا الاعتدال يثنينا لا ادري اي جمال رائع في حديث روحي بهي . فوضوح الكلام يغذي بوفرته اولا ايمان المتكلم بدافع الايمان ،ليكون المعلم اول من يذوق بالحب ثمار المعرفة . فانه ينبغي كما يقول الرسول : " ان الحرَّاث الدي يتعب يشترك هو اولا في الاثمار " ( 2 تيم 6:2)
9ـ الحكمة والمعرفة موهبتا روح قدس واحد ككل المواهب الالهية ، ولكن لكل منهما فعلها الخاص مثل سائر المواهب الاخرى. ولذا يشهد الرسول بأنه " للواحد تعطى الحكمة وللاخر المعرفة بحسب الروح الواحد " ( 1 كور 8:12). فالمعرفة تتحد الانسان بالله بالخبرة دون ان تدفع النفس الى الكلام. لذا ايضا يستنير حس بعض العائشين حياة العزلة في المعرفة الحقيقية دون ان يأتي هذا بهم الى التحدث عن الله . اما اذا اعطيت لاحد الحكمة مع المعرفة والمخافة في آن ـ ونادرا ما يحصل ذلك ـ فان الحكمة حينذاك تظهر قوة المعرفة ما دامت هذه تنير الآخرين عادة بالقوة( اي بقوة الروح القدس) وتلك بالكلام. هذا وان المعرفة تأتي بها الصلاة بهدوء كثير وزهد تام ، اما الحكمة فيأتي بها التأمل الدؤوب المتواضع في الاقوال الالهية ، وقبل كل شيء تأتي بها نعمة الله المعطي
يتبع
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
10ـ عندما يتحرك غضب النفس ضد الاهواء فلنعلم انه وقت الصمت لانها ساعة الجهاد. اما اذا رأينا هذه العاصفة تهدأ بالصلاة او بأعمال الرحمة فلنقبل على الحديث الالهي مثبتين جناحي النفس برباط الاتضاع. لاننا ان لم ننسحق كليا لا نستطيع الكلام عن عظائم الله
11ـ الحديث الروحي يحفظ النفس دائما في مأمن من المجد الباطل لانه من جراء شعور طيب بنور يتدفق في كل طياتها يجعلها تستغني عن اكرام الناس. ولذا ايضا يحفظ الفكر دائما معتقا من التصورات ، اذ يحوله كله الى محبة الله . اما حديث الحكمة الدنيوية فهو على العكس من ذلك يدفع المرء دائما الى طلب مجد الناس، لانه لا يستطيع ان يوفر للمتكلمين فائدة الخبرة المحسوسة يعرض لهم الشغف بالمدائح ما دام صنع اناس محبين للمدح. سنعرف اذا دون خطأ الحالة التي تلازم الحديث الالهي اذا كنا في الاوقات التي لا نتكلم فيها ننصرف، في صمت خال من اي اهتمام آخر، الى ذكر الله ذكرا حارا
في محبة الله
12ـ من كانت نفسه عزيزة في عينيه لا يستطيع ان يحب الله . اما الذي لا يحب ذاته من جراء فائق غنى محبة الله له ( اف 7:2) فهذا يحب الله . لذا فإن مثل هذا الانسان لا يطلب ابدا مجده بل مجد الله ،لان الذي يعز نفسه يطلب مجد نفسه. من يحب الله يحب مجد
خالقه، اذا من خصائص النفس المتحسسة لحب الله ان تطلب دائما مجده في حفظها للوصايا كافة وان تنعم بانسحاقها ، فبالله يليق المجد لاجل عظمته، وبالانسان الانسحاق ليصير اليف الله ان فعلنا هذا بفرح نحن ايضا، على مثال القديس يوحنا المعمدان، فسنشرع بالترديد الى مالا نهاية " ينبغي ان ذلك ينمو واني انا انقص" ( يوحنا 30:3)
13ـ اعرف انسانا شغوفا بحب الله، مع انه كان يئن لعدم حبه اياه كما يشاء، وكانت نفسه على الدوام تضطرم شوقا الى رؤية الله ممجدا يه وهو كأنه لم يكن. ان هذا الانسان لا يعلم ما هو عليه، حتى عندما تمدحه الكلمات، لانه في توقه الشديد الى الانسحاق لا يذكر كرامته انه يتمم الخدمة الالهية ككاهن طبقا لشرعة الكهنة، ولكنه في استعداده الاقصى لمحبة الله يخفي ذكر كرامته الكهنوتية في لجة تلك المحبة طامرا المجد الذي قد يناله منها في روح التواضع، فلا يبدو في عين نفسه وتقديره لذاته في كل حين سوى عبد بطال، وكأن شغفه بالانسحاق يجرده من كرامته. هذا ما يجب ان نفعله نحن ايضا لنهرب من كل تشريف ومجد لاجل فائق غنى محبة الله الذي احبنا بلا حد
14ـ من احب الله من صميم القلب هذا قد عرفه الله ( انظر 1كور 3:8). فانه بالقدر الذي يتقبل فيه احد محبة الله ، في صميم النس، يصير حبيب الله لذا فان مثل هذا الانسان يغدو ولعا باستنارة المعرفة حتى العظم ولا يعود يعرف ذاته بل يغيره حب الله تغييرا كليا. مثل هذا الانسان يكاد لا يكون في هذه الحياة لانه مع استمرار سكناه في الجسد يهاجر بحركة نفسه الى الله بالمحبة دون انقطاع ويبقى ملتصقا به بقلب ملتهب بنار الحب دون هوادة في نوع من شوق لا يقاوم. د؛لك ان الحب الالهي قد اقتلعه مرة من حبه لذاته " لاننا ان صرنا مختلين فلله او كنا عاقلين فلكم" كما يقول الرسول ( 2 كور 13:5)
15ـ متى بدأنا نشعر بغزارة فيض محبة الله حينئذ نبدأ، روحيا، بمحبة القريب ايضا.فان هذه هي المحبة التي تتكلم عنها كل الاسفار. لان المودة بحسب الجسد تنتفي بيسر فائق لاقل سبب يطرأ اذ ليس رباطها رباط الحس الروحي. هكذا اذا حتى ولو استولى على النفس التي يفعل الله فيها نوع من غيظ، فانها لا تقطع رباط المحبة، لانها تضطرم من جديد بحرارة المحبة الالهية وسرعان ما تعود الى فعل الفضيلة وتتوخى بفرح كبير محبة القريب، وان كانت قد قاست منه عظيم الاساء ات او الشتائم، لانها تلاشي في عذوبة الله مرارة الخصام بالكلية
16ـ لا يمكن لاحد ان يحب الله من صميم القلب ان لم يبدأ اولا بمخافته من كل القلب. فان النفس بعد ان تتطهر بالخوف وتلين تأتي الى ممارسة المحبة. ولكنها لا تقدر على الوصول تماما الى مخافة الله على الوجه لآنف الذكر ان لم تنعتق من كل الهموم الزمنية. فالذهن اذا ما صار في هدوء وزهد كبيري تعذبه حينذاك مخافة الله منقية اياه في العمق من كل الكثافة الارضية لتقوده هكذا الى حب عظيم لصلاح الله . وبالتالي فالمخافة هي خاصة الذين لا يزالون يتطهرون وترافقها محبة متوسطة واما المحبة الكاملة فهي خاصة الذين تطهروا ولا خوف فيهم من بعد ، لان " المحبة الكاملة تطرد الخوف"( يوحنا الاولى 18:4).وكلتاهما لا يقتنيهما سوى الابرار الذين يمارسون الفضائل بالهام الروح القدس لذا فالكتاب يقول تارة " اتقوا الرب يا جميع خاصته"( مز 9:33)، وتارة اخرى : احبوا الرب ياجميع ابراره " ( مز 23:30)، لكي نتعلم جيدا ان الابرار الذين لا يزالون في طور التطهر يقتنون المخافة مع محبة ضعيفة كما اسلفنا، في حين ان الذين قد تطهروا يقتنون المحبة الكاملة، اذ لم يعد فيهم اي فكر خوف بل اضطرام متواصل ونفس ملتصقة بالله على الدوام بفعل الروح القدس كما هو مكتوب : " التصقت نفسي بك وباياي عضدت يمينك" ( مز 8:62)
17ـ كما ان جراحات الجسد اذا اهملت طويلا دون عناية لا تحس بادوية الاطباء، اما اذا نظفت فتشعر بمفعول العلاج لتقدمها السريع نحو الشفاء من جرائه، هكذا ايضا النفس اذا ما بقيت دون اعتناء، محجوبة كليا ببرص الاهواء، فانه لا يمكنها ان تشعر بخوف الله ولو هددت بمحكمة الله القادرة الرهيبة دون انقطاع. اما اذا شرعت تتنقى بكثرة انتباهها ( او كثرة صلاتها ، اذ ان كلمتي انتباه وصلاة في اليونانية متقاربتان وتختلف المخطوطات في ايراد هذه وتلك ) تشعر حينئذ بالخوف الالهي كدواء حقيقي للحياة وكأنه يحرقها في نار اللاهوى بفعل تقريعاته. عندها تطهر تدريجيا وتسير نحو تنقية كاملة، نامية في المحبة بالقدر عينه الذي تنقص به في المخافة. فتصل هكذا الى المحبة الكاملة حيث لا خوف كما قيل بل اللاهوى التام الذي يولده الشوق الى مجد الله. فلكي نحظى بفرح الافراح الذي لا نهاية له لنَقتَنِيَنَّ اذا مخافة الله اولا ثم المحبة التي تتم ناموس الكمال في المسيح ا( انظر روم 10:13)
يتبع
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
اقتباس:
كما ان جراحات الجسد اذا اهملت طويلا دون عناية لا تحس بادوية الاطباء، اما اذا نظفت فتشعر بمفعول العلاج لتقدمها السريع نحو الشفاء من جرائه، هكذا ايضا النفس اذا ما بقيت دون اعتناء، محجوبة كليا ببرص الاهواء، فانه لا يمكنها ان تشعر بخوف الله ولو هددت بمحكمة الله القادرة الرهيبة دون انقطاع. اما اذا شرعت تتنقى بكثرة انتباهها ( او كثرة صلاتها ، اذ ان كلمتي انتباه وصلاة في اليونانية متقاربتان وتختلف المخطوطات في ايراد هذه وتلك ) تشعر حينئذ بالخوف الالهي كدواء حقيقي للحياة وكأنه يحرقها في نار اللاهوى بفعل تقريعاته. عندها تطهر تدريجيا وتسير نحو تنقية كاملة، نامية في المحبة بالقدر عينه الذي تنقص به في المخافة. فتصل هكذا الى المحبة الكاملة حيث لا خوف كما قيل بل اللاهوى التام الذي يولده الشوق الى مجد الله. فلكي نحظى بفرح الافراح الذي لا نهاية له لنَقتَنِيَنَّ اذا مخافة الله اولا ثم المحبة التي تتم ناموس الكمال في المسيح ا( انظر روم 10:13)
كتاب وكلمات في قمه الروعه
بوركت جهودك واتعابك اختي المباركه جورجيت
ونحن بانتظار التتمه
:sm-ool-02::sm-ool-02::sm-ool-02:
صلواتك
:sm-ool-30:
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
18ـ النفس غير متجردة من هموم هذا الدهر لن تحب الله محبة اصيلة ولن تكره الشيطان بقدر ما يستحق ، كونها مغمورة بثقل حجاب متطلبات الدنيا. وبالتالي فالذهن عند مثل هؤلاء الناس لا يقدر ان يتبيَّن محكمته لكي يفحص امامها دون خطأ اصوات الاقتراع التي تسبق الحكم ( هذه الجملة تفسرها آلمقالة التالية ) . فالاختلاء اذا مفيد في كل الاهوال
19ـ خاصة النفس النقية كلام دون حسد وغيرة دون خبث وحب لرب المجد لا ينقطع. واذ ذاك يضبط الذهن ايضا موازينه بدقة ماثلا امام عقله كأنه امام محكمة كلية النزاهة
20ـ الايمان بدون اعمال سوف يُرذل كالاعمال بدون ايمان، اذ يجب ان يقدم المؤمن للرب ايمانا يظهر اعماله ( انظر تيطس 10:2) ، لان ايمان ابينا ابراهيم نفسه لم يكن ليُحسب له برا لو لم يقرب ابنه ثمرا لايمانه
21ـ من يحب الله يؤمن حقيقة ويتمم اعمال الايمان ببر. اما منيؤمن فقط وهو غير قائم في المحبة فليس له حتى الايمان الذي يبدو عليه ، ففي ايمانه ضرب من الخفة وهو لا يعمل بدافع ثقل المجد ( انظر 2 كور 17:4). فالايمان العامل بالمحبة هو اذا كمال الفضيلة
22ـ اذا ما فحصت لجة الايمان تموجت واضطربت ، اما اذا عوينت ببساطة استكانت. هذا لان عمق الايمان هو ماء لنسيان الشرور، مثل نهر " الليثي"( احد انهر الجحيم في الميثولوجيا اليونانية يهب الاموات النسيان)، فلا يحتمل معاينته بافكات فضولية، فلنبحر اذا على مياهه بفكر سيط لنبلغ هكذا الى ميناء المشيئة الالهية ( انظر مز 30:106)
23ـ لا احد يستطيع ان يحب او يؤمن حقا ما لم يكن عليه مشتك في ذاته. فعندما يضطرب الضمير لتقريعات المشتكي لا يتسنى للذهن تنشق رائحة السالحات الفائقة العالم، بل ينقسم للتو مرتابا، لانه ، وان كان يلتمس الايمان بحرارة، مدفوعا بخبرته السابقة ، لا يعود قادرا علي البلوغ اليه بحس القلب، ذلك لاجل وخز تأني الضمير كما سبق القول ، لكن اذا ما تطهرنا بصلاة اشد حرارة سوف نحظى بما نبتغي مع مزيد من الخبرة في الله
في ازدواجية النفس
24ـ كما ان الحواس الجسدية تجتذبنا بشيء من العنف الى ما يتراءى لنا جميلا، كذلك من عادة الحس العقلي ان يقودنا الى الصالحات غير المنظورة اذا ما ذاق الصلاح الالهي ( انظر مز 8:33). هذا لان كلسيء يتوق الى ما يجانسه، فالنفس العادمة الجسد الى الخيرات السماوية ام الجسد الطيني فالى الغذاء الارضي. لذا سوف نأتي دون خطأ الى خبرة الحس اللاهيولي اذا ما اضعفنا فينا الهيولي بأتعابنا
25ـ ان فعل المعرفة المقدسة نفسه يعلمنا ان هناك حسا طبيعيا واحدا للنفس قد انقسم الى فعلين بعد معصية آدم ، الا ان هناك حسا آخر بسيطا يأتينا من الروح القدس ولا يمكن ان يعرفه غير الذين يزهدون طوعا في خيرات هذه الحياة على رجاء الخيرات المستقبلية ويذوون بالامساك كل شهوة الحواس الجسدية. فيهؤلاء فقط يتحرك الذهن بكامل قدرته، بفضل انسلاخه، ويصبح قادرا على الاحساس بالصلاح الالهي على منوال لا ينطق به . ومن ثم ينقل فرحه هذا الى الجسد عينه، بمقدار تقدمه ، متهللا بلا نهاية في اعترافه المفعم حبا ( انظر مز 4:41). " به استجار قلبي " ، يقول المرنم " فأجارني لذلك ارتاح جسدي فأنا احمده عن اختيار " ( مز 7:27). ان الفرح الذي يملأ حقا حينذاك النفس والجسد معا هو تذكير صادق ثابت بالحياة غير الفاسدة
يتبع
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
26ـ على الذين يجاهدون ان يصونوا فكرهم دائما من الاضطرابات لكي يتسنى للذهن تمييز الايحاأت الخاطرة له فيذخر في كنوز الذاكرة الايحاء ات الشريرة الشيطانية خارج مخازن الطبيعة. فعندما يكون البحر هادئا ينفذ نظر الصيادين حتى الى تحركات قعره فيكاد لا يخفي عليهم شيئ من الكائنات التي تجوب دروبه. اما اذا كان البحر عاصفا فانه يخفي في تموجه المعتم ما يتباهى بابرازه في بسمة صحوه اذ ذاك نشهد عجز حيل الصيادين في حرفتهم. هذا ما يحدث في كل الاحوال للذهن المتأمل امور الله، خاصة حين يكون قعر النفس مضطربا من جراء غضب غير محق
27ـ قليلون جدا هم الذين يتبينون بدقة كل زلاتهم . فان هذا فقط شأن الذين لا يتيحون لذهنهم الاقلاع ابدا عن ذكر الله فعيوننا الجسدية، اذا ما كانت سليمة، قادرة على رؤية كل شيء حتى الذباب والبعوض الهائم في الهواء، اما اذا كانت تغطيها غشاوة او رطوبة وتراءى لها شيء ضخم فهي تراه بشكل غامض، كما انها لا تبصر الاشياء الصغيرة الحجم. كذلك النفس ايضا اذا ما اذوت بالانتباه والصلاة التعامي الناجم عن حب العالم فانها ترى اصغر الزلات كانها كبيرة جدا ولا تبرح تقدم لله دموعا فوق دموع في شكرها العظيم له . فانه مكتوب " فيحمد الصديقون لذلك اسمك"( مز 13:139)، اما اذا بقيت على ميولها الدنيوية فانها، وان اقترفت قتلا او خطيئة تستوجب اقصى العذاب، فلا تشعر بها الا قليلا. اما بقية الزلات فلا يمكنها حتى ان تدل عليها ، بل كثيرا ما تعتبرها فضائل ولا تستحي الشقية ان تدافع عنها بحماسة
28ـ لا تتم تنقية الذهن الا بالروح القدس. فان لم يدخل القوي ويسلب السارق لن يطلق سبيل الفريسة قطعا. فيجب ادا ان تتيح للروح القدس بكل الوسائل وبسلام النفس خاصة ان يستقر فينا حتى يبقى مصباح المعرفة مضيئا فينا على الدوام. لانه اذا كان يسطع في كنوز النفس دون انقطاع فالذهن يري جليا كل تجارب الشياطين الشرسة المظلمة بل تتناقض هذه التجارب كثيرا عندما يفاجئها ذلك النور الجليل المقدس. لذا يقول الرسول : " لا تطفئوا الروح " ( 1 تس 19:5) اي حذار ان تحزنوا عظم لطف الروح القدس باعمالكم وافكاركم الرديئة حتى لا تحرموا ذلك البهاء الظافر. اذ ليس الكائن الازلي المعطي الحياة هو الذي ينطفئ بل حزنه،اعني ارتداده عنا يجعل الذهن في الظلام مجردا من نور المعرفة
29ـ ليس سوي حس طبيعي واحد للنفس كما سبق القول ( اذ من المسلم به نهائيا ان الحواس الجسدية الخمس انما تتنوع لكي تطابق حاجات الجسد). هذا ما يعلمنا اياه روح الله القدوس المحب البشر. لكن هذا الحس ينشطر تبعا لحركات النفس عينها نتيجة ازدواج الذهن الناجم عن المعصية. لذا فان قسما منه يتبع الجانب الشهواني فيستلذ طيبات الحياة. اما القسم الآخر فكثيرا ما ينعم بحركة النفس العاقلة الذكية . وبالتالي عندما نكون عقلاء يتوق ذهننا الي الارتقاء نحو الجمالات السماوية .. فاذا اكتسبنا عادة نبذ رباطات هذا العالم على منوال ثابت سوف نتمكن ايضا من ان نتحد شهوة النفس الارضية بميولها العاقلة وذلك بنعمة الروح القدس الذي يدبر الامر لاجلنا فان لم ينر لاهوته كنوز قلبنا علي وجه ناجع فلن نستطيع ان نذوق ما هو صالح بحسنا الواحد غير المنقسم، اي في استعداد للنفس كامل
30ـ بحاسة الذهن نتذوق بدقة ما نميزه. فكما اننا ، حين نكون اصحاء، نميز بحاسة الذوق الجسدي ما هو طيب مما هو رديء دون خطأ فنبادر الى ما هو طيب ، كذلك عندما يبدأ ذهننا بالتحرك في صحة تامة وتجرد كبير يمكنه ان يحس بوفرة التعزيةالالهية ولا ينجذب ابدا الى التعزية المضادة . فكما ان الجسد عند تذوقه طيبات الارض لا يخطئ في خبرة الحواس هذه كذلك الذهن ايضا عندما يتهلل متخطيا مشورات الجسد يستطيع ان يذوق تعزية الروح القدس على وجه لا يقبل الخطأ ، اذ انه مكتوب : " ذوقوا وانظروا ماطيب الرب" ( مز 8:33)، كما يستطيع ان يحفظ بالمحبة ذكرا ثابتا لا يمحى لذلك الطعم بتمييزه ما الافضل، بمنأى عن اي غلط ، وفق قول الرسول : " وهذا ما اصليه ان تزداد محبتكم ايضا اكثر فأكثر في المعرفة وفي كل فهم حتى تميزوا ما الافضل" ( في 1ـ 10:9)
31ـ عندما يبدأ الذهن بالحساس بتعزية الروح القدس يعمد الشيطان ايضا الى تعزية النفس فيجعلها تشعر بعذوبة كاذبة في سكون الليل حين استسلامنا لسبات خفيف جدا . وان وجد الذهن وقتئذ ملتصقا بقوة باسم لارب يسوع المقدس وذاكرا اياه بحرارة، متسلحا بهذا الاسم الجليل المقدس ضد الوهم ولاخداع ، يتخلى الغاش عندها عن احتياله ويعمد الى محاربة النفس محاربة مباشرة . ومن ثم تتبين للذهن تماما خدعة الشرير فيزداد خبرة في التمييز
32ـ تحصل التعزية الصالحة حين يكون الجسد ساهرا، او حتى عندما تبدأ فتظهر عليه علامات نعاس قريب فيما نحن ملتصقون بحب الله في ذكر له حار. اما التعزية الوهمية فهي على العكس من ذلك تحصل دائما حين يكون المجاهد ، كما سبق فقلت ( نظر المقالة 31 )، قد دخل في سبات خفيف وهو يذكر الله بفتور . فمن عادة التعزية الاولى ما دامت صادرة عن الله ، ان تدعو جليا نفوس ابطال التقوى الى حبه في انسكاب للنفس كبير اما التعزية الاخرى التي اعتادت ان تهيج النفس بريح مضلة فتحاول استغلال نوم الجسد لتسلب الذهن خبرة حسه المحتفظ بذكر الله تاما ، فاذا ما صادفت هذه التجربة الذهن متحدا بذكر الرب يسوع بانتباه ويقضة كما سبق القول فهو يبدد ريح العدو الزائفة العذوبة ويبادر بفرح الى محاربته ، متسلحا ، الى جانب سلاح النعمة الاول، بفخر خبرته
33ـ ا'دا ما التهبت النفس بحب الله بتحرك سليم خال م التخيلات وكأنها تجتدب الجسد نفسه الى عمق ذلك الحب الذي لا يوصف ، سواء كان من يقتبل فعل النعمة الالهية مستيقظا او موشكا على النوم على الوجه الآنف الذكر ، حين لا تعود النفس تدرك اطلاقا الا ما هي منجذبة اليه . فلنعلم ان هد؛ا هو من فعل الروح القدس. لانها اذا ما امتلأت كليا بتلك العذوبة التي لا ينطق بها لا يعود يمكنها التفكير باي شيء آخر ،لان فرها ثابتا متواصل يفتنها ويخلبها . اما اذا ارتسم في الذهن وهو على هذه الحال اي شك او اي فكر غير نقي ، حتى ولو دعا بالسم القدوس ( لا حبا بالله فقط وانما ليطرد الشرير)، فيجب ان نعلم ان هذه التعزية تصدر عن الغاش في مظهر الفرح وان ذلك الفرح المشوش المبهم انم ايأتي من العدو الراغب في جر النفس الى الزنا ، فالعدو عندما يرى الذهن فخورا بخبرة احساسه حينئذ ــ واكرر ــ يغري النفس بتعزيات حسنة في الظاهر لئلا تشعر بان الشرير هو الذي يتحد بها بعد ان تكون قد انتشلت بفعل تلك العذوبة الهشة الباطلة، في ضوء ذلك سوف نتبين اذا روه الحق وروح الغس والباطل. وانه لمن المتعذر علينا في الحقيقة ان نذوق بالحاسة الداخلية الصلاح الالهي . كما يتعذر علينا ان نحس بمرارة الشياطين، ما لم نقتنع كليا بان النعمة تحل في اعماق النفس ، في حين ان الارواح الشريرة تحوم فقط حول اعضاء القلب ، وهذا ما لا يريد الشياطين ابدا ان يتركوا الناس يعتقدونه لئلا يعمد الذهن المنتبه للامر الى التسلح ضدهم بذكر الله
34ـ حب النفس الطبيعي شيء والحب الذي من الروه القدس شيء آخر. فالحب الاول نستثيره الى حد ما بارادتنا متى شئنا ، ولذا يسهل على الارواح الشريرة انتزاعه منا حين لا نتمسك بمبتغانا كل التمسك. اما الحب الآخر فيلهب النفس بحب الله حتى التصاق طياتها كلها بعذوبة الشوق الالهي وذلك بصورة لا توصف وفي بساطة حال لا تحد ،لان الذهن حينذاك يكون وكأنه قد امرع بالحياة الروحية فيفيض محبة وفرحا
35ـ كما ان البحر عندما يسكب عليه الزيت ابان العاصفة يستسلم بطبيعته لمفعول الزيت الذي يظفر بتموجاته، كذلك النفس ايضا عندما تحظى بمسحة لطف الروح القدس تسر بان تهدأ ، وهي تستسلم طوعا وبفرح لتلك العذوبة الهادئة التي تظللها والتي لا ينطق بها ( انظر لوقا 35:1)، كقول القديس :" استسلمي يا نفسي لله" مز 5:61) . ولذا مهما كثرت استفزازات الشياطين تبقى النفس ساكنة لا غضب فيها ومفعمة بكلفرح. واننا ندخل،او نستمر في تلك الحالة، اذا ما سكنا نفسنا دون انقطاع بمخافة الله . لان مخافة الرب يسوع تمد المجاهدين بنوع من عفة وطهارة. اذ ان " مخافة الرب طاهرة ثابتة الى ابد الآبدين " ( مز 9:18)
يتبع
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
في الرؤى والاحلام
36ـ لا يخطرن لاحد اذا ماسمع بحديث عن حس الذهن ان يرجو ظهور مجد الله له بصورة منظورة . فنحن نقول اننا، ان كانت نفسنا نقية ، تذوق التعزية الالهية بصورة لا ينطق بها ، ولكننا لا نقول ان شيئا ما غير منظور يتراءى لها ، اذ " اننا نسلك بالايمان لا بالعيان " كما يقول الرسول المغبوط بولس ( 2 كور 7:5) ،فاذا ما تراءى لاحد المجاهدين نور او هيئة نارية فلا يقبلنَّ مثل هذي الرؤيا، اذ من الواضح انها خدعة من فعل العدو، وكثيرون لما انخدعوا بها ضلوا لجهلهم وحادوا عن الحق " اما نحن فنعلم اننا ما دمنا مستوطنين في هذا الجسد الفاني نبقى متغربين بعيدين عن الله "( انظر 2 كور 6:5)، اي اننا لا نقدر ان نراه بشكل منظور لا هو ولا شيئا من معجزاته السماوية
37ـ ان الاحلام التي تتراءى للنفس في محبتها لله دلالة ثابتة على سالمتها. لذا فان تلك الاحلام لا تنتقل من صورة الى صورة ولا ترهب الحس ولا تضحك ولا تعبِّس فجأة بل تُقبل الى النفس بكل كيانه مفعمة اياها بهجة روحية ، وبعدها تستمر النفس ، عند استيقاظ الجسد ، في التماس فرح الحلم بشوق حار . اما ظهورات الشياطين فتسلك سلوكا معاكسا تماما. انهم لا يبقون على هيئة واحدة ولا يظهرون طويلا على شكل ثابت لا يتغير. لان مالا يحوونه بارادتهم بل يستعيرونه فقط من اوهام سحرهم لا يقدر ان يثبت طويلا. فانهم يتكلمون عاليا ويهددون بالعزائم متنكرين في هيئة جنود مرات كثيرة واحيانا يرهقون النفس بصيحاتهم. عندئذ يعرفهم الذهن النقي فيوقظ الجسد بالمخيلة وفي مرات اخرى يفرح لانه عرف ان يبين حيلهم ولذا حين يفضحهم في سياق الحلم نفسه يثير فيهم في معظم الاحيان غضبا عظيما . غير انه يتفق ان الاحلام الصالحة نفسها لا تجلب للنفس فرحا بل حزنا مستطابا ودموعا بدون الم. هذه حال الذين يتقدمون كثيرا في الاتضاع
38ـ لقد اوردنا التمييز بين الاحلام الصالحة والاحلام الشريرة على ما تعلمناه ممن خبروه. اما نحن فيجب ان نرتضي ونحتسب ان عدم الركون الى اي حلم اطلاقا فضيلة كبرى ، اذ ليست الاحلام في معظم الاوقات سوى صور لافكار هائمة او خدع شيطانية كما سبق القول وحتى اذا اتفق ان يبعث الله لنا برؤيا لكثرة صلاحه ولم نقبلها فان ربنا الحبيب يسوع لن يسخط علينا لذلك . انه يعرف جيدا ان حبائل الشياطين هي التي تملي علينا هذا الموقف.. فان التمييز الذي اوردت آنفا دقيق هو ولكن يتفق احيانا للنفس المتدنسة لتساهلها تساهلا لا تعيه لساعته ــ وهذا مالا يعصم منه احد ــ ان تفقد رسم التمييز الصحيح وتعد الاحلام الشريرة احلاما صالحة
39ـ لنضرب مثلا على ذلك عبدا يناديه سيده في الليل من خارج سياج المنزل عند عودته من سفر طويل.لقد رفض العبد رفضا قاطعا فتح الابواب اذ خشي ان يخدعه تشابه الا صوات فيسلب ما اودعه سيده لديه . فمتى طلع النهار ليس فقط لا يسخط سيده عليه بل يحسبه جديرا بكل ثناء لانتباهه بان صوت سيده نفسه قد يكون وهميا وهو انما يفعل ذلك مدفوعا بعزمه علي الا يدع شيئا من املاكه يفقد
40ـ لا نشكن في ان الذهن متى بدأ يتأثر مرارا بالنور الالهي يصير شكله شفافا حتي نه يعاين بذاته وفرة نوره. يقولون ان هذا يتم حين تقوى النفس على الاهواء. اما ان يكون كلما يتراءي له بشكل نور او نار صادرا عن مكر العدو فان هذا ما يعلمنا اياه بولس الالهي بوضوح بقوله :" ان الشيطان يغير شكله الى شبه ملاك نور" ( 2 كور14:11) فيجب اذا الا نأتي الى الحياة النسكية على هذا الرجاء لئلا يجد ابليس النفس مهيأة لاستيلائه عليها. فالغاية الوحيدة انما هي البلوغ الى محبة الله في احساس كلي بيقين القلب اي " من كل القلب وكل النفس وكل الفكر" ( لوقا 27:10) لان الذي تدفعه الى ذلك نعمة الله يحيا بعيدا عن العالم وان كان عائشا في العالم
يتبع
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
26ـ على الذين يجاهدون ان يصونوا فكرهم دائما من الاضطرابات لكي يتسنى للذهن تمييز الايحاأت الخاطرة له فيذخر في كنوز الذاكرة الايحاء ات الشريرة الشيطانية خارج مخازن الطبيعة. فعندما يكون البحر هادئا ينفذ نظر الصيادين حتى الى تحركات قعره فيكاد لا يخفي عليهم شيئ من الكائنات التي تجوب دروبه. اما اذا كان البحر عاصفا فانه يخفي في تموجه المعتم ما يتباهى بابرازه في بسمة صحوه اذ ذاك نشهد عجز حيل الصيادين في حرفتهم. هذا ما يحدث في كل الاحوال للذهن المتأمل امور الله، خاصة حين يكون قعر النفس مضطربا من جراء غضب غير محق
27ـ قليلون جدا هم الذين يتبينون بدقة كل زلاتهم . فان هذا فقط شأن الذين لا يتيحون لذهنهم الاقلاع ابدا عن ذكر الله فعيوننا الجسدية، اذا ما كانت سليمة، قادرة على رؤية كل شيء حتى الذباب والبعوض الهائم في الهواء، اما اذا كانت تغطيها غشاوة او رطوبة وتراءى لها شيء ضخم فهي تراه بشكل غامض، كما انها لا تبصر الاشياء الصغيرة الحجم. كذلك النفس ايضا اذا ما اذوت بالانتباه والصلاة التعامي الناجم عن حب العالم فانها ترى اصغر الزلات كانها كبيرة جدا ولا تبرح تقدم لله دموعا فوق دموع في شكرها العظيم له . فانه مكتوب " فيحمد الصديقون لذلك اسمك"( مز 13:139)، اما اذا بقيت على ميولها الدنيوية فانها، وان اقترفت قتلا او خطيئة تستوجب اقصى العذاب، فلا تشعر بها الا قليلا. اما بقية الزلات فلا يمكنها حتى ان تدل عليها ، بل كثيرا ما تعتبرها فضائل ولا تستحي الشقية ان تدافع عنها بحماسة
28ـ لا تتم تنقية الذهن الا بالروح القدس. فان لم يدخل القوي ويسلب السارق لن يطلق سبيل الفريسة قطعا. فيجب ادا ان تتيح للروح القدس بكل الوسائل وبسلام النفس خاصة ان يستقر فينا حتى يبقى مصباح المعرفة مضيئا فينا على الدوام. لانه اذا كان يسطع في كنوز النفس دون انقطاع فالذهن يري جليا كل تجارب الشياطين الشرسة المظلمة بل تتناقض هذه التجارب كثيرا عندما يفاجئها ذلك النور الجليل المقدس. لذا يقول الرسول : " لا تطفئوا الروح " ( 1 تس 19:5) اي حذار ان تحزنوا عظم لطف الروح القدس باعمالكم وافكاركم الرديئة حتى لا تحرموا ذلك البهاء الظافر. اذ ليس الكائن الازلي المعطي الحياة هو الذي ينطفئ بل حزنه،اعني ارتداده عنا يجعل الذهن في الظلام مجردا من نور المعرفة
29ـ ليس سوي حس طبيعي واحد للنفس كما سبق القول ( اذ من المسلم به نهائيا ان الحواس الجسدية الخمس انما تتنوع لكي تطابق حاجات الجسد). هذا ما يعلمنا اياه روح الله القدوس المحب البشر. لكن هذا الحس ينشطر تبعا لحركات النفس عينها نتيجة ازدواج الذهن الناجم عن المعصية. لذا فان قسما منه يتبع الجانب الشهواني فيستلذ طيبات الحياة. اما القسم الآخر فكثيرا ما ينعم بحركة النفس العاقلة الذكية . وبالتالي عندما نكون عقلاء يتوق ذهننا الي الارتقاء نحو الجمالات السماوية .. فاذا اكتسبنا عادة نبذ رباطات هذا العالم على منوال ثابت سوف نتمكن ايضا من ان نتحد شهوة النفس الارضية بميولها العاقلة وذلك بنعمة الروح القدس الذي يدبر الامر لاجلنا فان لم ينر لاهوته كنوز قلبنا علي وجه ناجع فلن نستطيع ان نذوق ما هو صالح بحسنا الواحد غير المنقسم، اي في استعداد للنفس كامل
يتبع
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
30ـ بحاسة الذهن نتذوق بدقة ما نميزه. فكما اننا ، حين نكون اصحاء، نميز بحاسة الذوق الجسدي ما هو طيب مما هو رديء دون خطأ فنبادر الى ما هو طيب ، كذلك عندما يبدأ ذهننا بالتحرك في صحة تامة وتجرد كبير يمكنه ان يحس بوفرة التعزيةالالهية ولا ينجذب ابدا الى التعزية المضادة . فكما ان الجسد عند تذوقه طيبات الارض لا يخطئ في خبرة الحواس هذه كذلك الذهن ايضا عندما يتهلل متخطيا مشورات الجسد يستطيع ان يذوق تعزية الروح القدس على وجه لا يقبل الخطأ ، اذ انه مكتوب : " ذوقوا وانظروا ماطيب الرب" ( مز 8:33)، كما يستطيع ان يحفظ بالمحبة ذكرا ثابتا لا يمحى لذلك الطعم بتمييزه ما الافضل، بمنأى عن اي غلط ، وفق قول الرسول : " وهذا ما اصليه ان تزداد محبتكم ايضا اكثر فأكثر في المعرفة وفي كل فهم حتى تميزوا ما الافضل" ( في 1ـ 10:9)
31ـ عندما يبدأ الذهن بالاحساس بتعزية الروح القدس يعمد الشيطان ايضا الى تعزية النفس فيجعلها تشعر بعذوبة كاذبة في سكون الليل حين استسلامنا لسبات خفيف جدا . وان وجد الذهن وقتئذ ملتصقا بقوة باسم الرب يسوع المقدس وذاكرا اياه بحرارة، متسلحا بهذا الاسم الجليل المقدس ضد الوهم والخداع ، يتخلى الغاش عندها عن احتياله ويعمد الى محاربة النفس محاربة مباشرة . ومن ثم تتبين للذهن تماما خدعة الشرير فيزداد خبرة في التمييز
32ـ تحصل التعزية الصالحة حين يكون الجسد ساهرا، او حتى عندما تبدأ فتظهر عليه علامات نعاس قريب فيما نحن ملتصقون بحب الله في ذكر له حار. اما التعزية الوهمية فهي على العكس من ذلك تحصل دائما حين يكون المجاهد ، كما سبق فقلت ( انظر المقالة 31 )، قد دخل في سبات خفيف وهو يذكر الله بفتور . فمن عادة التعزية الاولى ما دامت صادرة عن الله ، ان تدعو جليا نفوس ابطال التقوى الى حبه في انسكاب للنفس كبير اما التعزية الاخرى التي اعتادت ان تهيج النفس بريح مضلة فتحاول استغلال نوم الجسد لتسلب الذهن خبرة حسه المحتفظ بذكر الله تاما ، فاذا ما صادفت هذه التجربة الذهن متحدا بذكر الرب يسوع بانتباه ويقضة كما سبق القول فهو يبدد ريح العدو الزائفة العذوبة ويبادر بفرح الى محاربته ، متسلحا ، الى جانب سلاح النعمة الاول، بفخر خبرته
33ـ ا'دا ما التهبت النفس بحب الله بتحرك سليم خال من التخيلات وكأنها تجتذب الجسد نفسه الى عمق ذلك الحب الذي لا يوصف ، سواء كان من يقتبل فعل النعمة الالهية مستيقظا او موشكا على النوم على الوجه الآنف الذكر ، حين لا تعود النفس تدرك اطلاقا الا ما هي منجذبة اليه . فلنعلم ان هذا هو من فعل الروح القدس. لانها اذا ما امتلأت كليا بتلك العذوبة التي لا ينطق بها لا يعود يمكنها التفكير باي شيء آخر ،لان فرحا ثابتا متواصل يفتنها ويخلبها . اما اذا ارتسم في الذهن وهو على هذه الحال اي شك او اي فكر غير نقي ، حتى ولو دعا بالاسم القدوس ( لا حبا بالله فقط وانما ليطرد الشرير)، فيجب ان نعلم ان هذه التعزية تصدر عن الغاش في مظهر الفرح وان ذلك الفرح المشوش المبهم انما يأتي من العدو الراغب في جر النفس الى الزنا ، فالعدو عندما يرى الذهن فخورا بخبرة احساسه حينئذ ــ واكرر ــ يغري النفس بتعزيات حسنة في الظاهر لئلا تشعر بان الشرير هو الذي يتحد بها بعد ان تكون قد انتشلت بفعل تلك العذوبة الهشة الباطلة، في ضوء ذلك سوف نتبين اذا روح الحق وروح الغش والباطل. وانه لمن المتعذر علينا في الحقيقة ان نذوق بالحاسة الداخلية الصلاح الالهي . كما يتعذر علينا ان نحس بمرارة الشياطين، ما لم نقتنع كليا بان النعمة تحل في اعماق النفس ، في حين ان الارواح الشريرة تحوم فقط حول اعضاء القلب ، وهذا ما لا يريد الشياطين ابدا ان يتركوا الناس يعتقدونه لئلا يعمد الذهن المنتبه للامر الى التسلح ضدهم بذكر الله
34ـ حب النفس الطبيعي شيء والحب الذي من الروح القدس شيء آخر. فالحب الاول نستثيره الى حد ما بارادتنا متى شئنا ، ولذا يسهل على الارواح الشريرة انتزاعه منا حين لا نتمسك بمبتغانا كل التمسك. اما الحب الآخر فيلهب النفس بحب الله حتى التصاق طياتها كلها بعذوبة الشوق الالهي وذلك بصورة لا توصف وفي بساطة حال لا تحد ،لان الذهن حينذاك يكون وكأنه قد امرع بالحياة الروحية فيفيض محبة وفرحا
35ـ كما ان البحر عندما يسكب عليه الزيت ابان العاصفة يستسلم بطبيعته لمفعول الزيت الذي يظفر بتموجاته، كذلك النفس ايضا عندما تحظى بمسحة لطف الروح القدس تسر بان تهدأ ، وهي تستسلم طوعا وبفرح لتلك العذوبة الهادئة التي تظللها والتي لا ينطق بها ( انظر لوقا 35:1)، كقول القديس :" استسلمي يا نفسي لله" مز 5:61) . ولذا مهما كثرت استفزازات الشياطين تبقى النفس ساكنة لا غضب فيها ومفعمة بكل فرح. واننا ندخل،او نستمر في تلك الحالة، اذا ما سكنا نفسنا دون انقطاع بمخافة الله . لان مخافة الرب يسوع تمد المجاهدين بنوع من عفة وطهارة. اذ ان " مخافة الرب طاهرة ثابتة الى ابد الآبدين " ( مز 9:18)
يتبع
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
شكرا كتير اخت جورجيت .............
الله يقويك ويباركك
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
في الرؤى والاحلام
36ـ لا يخطرن لاحد اذا ماسمع بحديث عن حس الذهن ان يرجو ظهور مجد الله له بصورة منظورة . فنحن نقول اننا، ان كانت نفسنا نقية ، تذوق التعزية الالهية بصورة لا ينطق بها ، ولكننا لا نقول ان شيئا ما غير منظور يتراءى لها ، اذ " اننا نسلك بالايمان لا بالعيان " كما يقول الرسول المغبوط بولس ( 2 كور 7:5) ،فاذا ما تراءى لاحد المجاهدين نور او هيئة نارية فلا يقبلنَّ مثل هذي الرؤيا، اذ من الواضح انها خدعة من فعل العدو، وكثيرون لما انخدعوا بها ضلوا لجهلهم وحادوا عن الحق " اما نحن فنعلم اننا ما دمنا مستوطنين في هذا الجسد الفاني نبقى متغربين بعيدين عن الله "( انظر 2 كور 6:5)، اي اننا لا نقدر ان نراه بشكل منظور لا هو ولا شيئا من معجزاته السماوية
37ـ ان الاحلام التي تتراءى للنفس في محبتها لله دلالة ثابتة على سلامتها. لذا فان تلك الاحلام لا تنتقل من صورة الى صورة ولا ترهب الحس ولا تضحك ولا تعبِّس فجأة بل تُقبل الى النفس بكل كيانه مفعمة اياها بهجة روحية ، وبعدها تستمر النفس ، عند استيقاظ الجسد ، في التماس فرح الحلم بشوق حار . اما ظهورات الشياطين فتسلك سلوكا معاكسا تماما. انهم لا يبقون على هيئة واحدة ولا يظهرون طويلا على شكل ثابت لا يتغير. لان مالا يحوونه بارادتهم بل يستعيرونه فقط من اوهام سحرهم لا يقدر ان يثبت طويلا. فانهم يتكلمون عاليا ويهددون بالعزائم متنكرين في هيئة جنود مرات كثيرة واحيانا يرهقون النفس بصيحاتهم. عندئذ يعرفهم الذهن النقي فيوقظ الجسد بالمخيلة وفي مرات اخرى يفرح لانه عرف ان يبين حيلهم ولذا حين يفضحهم في سياق الحلم نفسه يثير فيهم في معظم الاحيان غضبا عظيما . غير انه يتفق ان الاحلام الصالحة نفسها لا تجلب للنفس فرحا بل حزنا مستطابا ودموعا بدون الم. هذه حال الذين يتقدمون كثيرا في الاتضاع
38ـ لقد اوردنا التمييز بين الاحلام الصالحة والاحلام الشريرة على ما تعلمناه ممن خبروه. اما نحن فيجب ان نرتضي ونحتسب ان عدم الركون الى اي حلم اطلاقا فضيلة كبرى ، اذ ليست الاحلام في معظم الاوقات سوى صور لافكار هائمة او خدع شيطانية كما سبق القول وحتى اذا اتفق ان يبعث الله لنا برؤيا لكثرة صلاحه ولم نقبلها فان ربنا الحبيب يسوع لن يسخط علينا لذلك . انه يعرف جيدا ان حبائل الشياطين هي التي تملي علينا هذا الموقف.. فان التمييز الذي اوردت آنفا دقيق هو ولكن يتفق احيانا للنفس المتدنسة لتساهلها تساهلا لا تعيه لساعته ــ وهذا مالا يعصم منه احد ــ ان تفقد رسم التمييز الصحيح وتعد الاحلام الشريرة احلاما صالحة
39ـ لنضرب مثلا على ذلك عبدا يناديه سيده في الليل من خارج سياج المنزل عند عودته من سفر طويل.لقد رفض العبد رفضا قاطعا فتح الابواب اذ خشي ان يخدعه تشابه الا صوات فيسلب ما اودعه سيده لديه . فمتى طلع النهار ليس فقط لا يسخط سيده عليه بل يحسبه جديرا بكل ثناء لانتباهه بان صوت سيده نفسه قد يكون وهميا وهو انما يفعل ذلك مدفوعا بعزمه علي الا يدع شيئا من املاكه يفقد
40ـ لا نشكن في ان الذهن متى بدأ يتأثر مرارا بالنور الالهي يصير شكله شفافا حتي انه يعاين بذاته وفرة نوره. يقولون ان هذا يتم حين تقوى النفس على الاهواء. اما ان يكون كلما يتراءي له بشكل نور او نار صادرا عن مكر العدو فان هذا ما يعلمنا اياه بولس الالهي بوضوح بقوله :" ان الشيطان يغير شكله الى شبه ملاك نور" ( 2 كور14:11) فيجب اذا الا نأتي الى الحياة النسكية على هذا الرجاء لئلا يجد ابليس النفس مهيأة لاستيلائه عليها. فالغاية الوحيدة انما هي البلوغ الى محبة الله في احساس كلي بيقين القلب اي " من كل القلب وكل النفس وكل الفكر" ( لوقا 27:10) لان الذي تدفعه الى ذلك نعمة الله يحيا بعيدا عن العالم وان كان عائشا في العالم
يتبع
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
في الطاعة
41ــ الطاعة هي كما معلوم الخير الاول بين سائر فضائل المسيرة الروحية، لانها تبدأ فتقصي الغرور وتلد الاتضاع. ومن ثم تصبح لمن يرتضونها مدخلا الى محبة الله. لما نبذها آدم انزلق الى اعماق طرطوس ، ولما احبها الرب وفقا لمخطط التدبير الالهي اطاع اباه حتى الصلب والموت مع انه لم يكن دون جلال الآب بشيء. ذلك لكيما يبتل بطاعته تهمة العصيان اللاصقة بالجنس البشري ويعيد الى الحياة السعيدة الابدية من يعيشون بالطاعة. فيجب بالتالي ان يهتم بها قبل اي شيء آخر الذين يباشرون الجهاد
ضد الغرور الشيطاني. لانها سوف تدلنا وبدون اخطاء بقدر تقدمنا فيها ، على دروب الفضائل.
في الطاعة والعفة
42ــ العفة ( او الامساك) اسم مشترك لسائر الفضائل فيقتضي بالتالي ان يعف المجاهد في كل شيء ( انظر 1 كور 25:9). فكما ان بتر اي عضو من اعضاء الانسان مهما كان صغيرا يشوه الانسان كله ، حتى وان لم ينقص منه الا القليل، كذلك ايضا من يهمل فضيلة واحدة ينقض الى حد لا يعلمه كل جمال العفة، فينبغي اذا الا ننمي الفضائل الجسدية فقط بل ايضا الفضائل التي بمقدورها ان تنقي انساننا الداخلي. اذ ماذا ينتفع من حفظ جسده بتولا ان ترك شيطان عدم الطاعة يوقعه ي الزنا؟ او كيف يمكن ان يكلل من يتجنب الشراهة وكل شهوة جسدية ولكنه لا يبالي بالعجب والغرور ولا يحتمل معاناة محنة قصيرة في حين يقتضي ان يكافىء ميزان نور البر بالمقدار نفسه الذين قد مارسوا اعمال البر بروح التواضع؟
الاعتدال في تناول الطعام
43ـ على المجاهدين تدريب انفسهم على بغض الشهوات الجسدية حتى يكتسبوا عادة هذا البغض. اما الاطعمة فيجب في امساكنا الا نأتي يوما الى كره اي منها ، فهذا الامر شنيع وشيطاني . لاننا لا نمسك عن الاطعمة كشيء رديء ، لا سمح الله ، لكن لكيما باقلاعنا عن الاطعمة الكثيرة واللذيذة نكبح كما ينبغي غليان الجسد الملتهب. وليتسنى لنا من ثم ان نوزع على الفقراء بكفاية ما يفيض عنا ، وفي هذا علامة محبة صادقة
44ــ ان الاكل والشرب ، بشكر ، من كل ما يقدم او يمزج لا يتعارض ابدا واصول المعرفة لان كل شيء " حسن جدا " ( تك 31:1) اما الامتناع الطوعي عن الطعام الشهي وعن الاكثار منه فيدل على تمييز كبير ومعرفة وافرة . فنحن لا نرذل بسهولة طيبات هذه الحياة ان كنا لا نتذوق عذوبة الله باحساس تام بالملء
45ــ كما ان الجسد اذا تثقل بكثرة الاطعمة يجعل الذهن جبانا وكسولا ، كذلك ايضا اذا ارهق بامساك مفرط فانه يدخل الى القسم التأملي في النفس والحزن والاشمئزاز من الكلام في الله . فعلينا اذا تحديد الطعام طبقا لحركات الجسد حتى يهذب كما يجب ان كان صحيحا او يعذي كما ينبغي ان كان ضعيفا . اذ يجب الا يكون المجاهد هزيل الجسم بل ان يمتلك القوة الكافية للجهاد لتتنقى النفس كما يليق حتى في اتعاب الجسد
46ــ عندما يثور علينا المجد الباطل ويموج مغتنما مناسبة وصول بعض الاخوة او اي ضيوف آخرين ليبث شره ، يحسن ان نخفف نظام امساكنا على وجه موافق. فاننا بهذه نرد الشيطان خازيا بل حزينا لفشله. وتتم شرعة المحبة بتمييز ، وبمؤ،اكلتنا للضيوف نحفظ سر امساكنا بعيدا عن الظهور
47ــ للصوم فخر لذاته لا لدى الله ، اذ هو نوع من اداة لترويض طالبي العفة . فيجب اذا الا يكون للمجاهدين مدعاة للتباهي بل فلينتظروا ادراك الغاية المبتغاة منه مؤمنين بالله ، لان ذوي الحرف . ايا كانت حرفتهم، لا يسندون ابدا فخر نجحهم المهني الى ادواتهم ورسائلهم بل ينتظر كل منهم اتخاذ مشروعه شكله الاخير ليظهر كمال فنه
يتبع
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
الاعتدال في شرب الخمر
48ـ كما ان الارض اذا ما سقيت باعتدال تجعل البذرة الملقاة فيها تنبت من تلقاء ذاتها قتثمر وافرا، بينما اذا اغرقتها الامطار الغزيرة لا تطلع سوى العليق والشوك، كذلك ايضا ارض القلب ، اذا ما شربنا الخمر باعتدال، لا تنبت غير بذورها الطبيعية، وتطلع بخصب وفير ما يزرعه فيها الروح القدس . اما اذا نقعت في خمر كثير فالافكار التي تخطر لها لا تكون كلها في الحقيقة سوى عليق وشوك
49ـ عندما يغوص الذهن في فيض الخمر لا تتوقف نظراته الشهوانية عند الصور التي يبدعها له الشياطين اثناء النوم وحسب، بل ينشئ لذاته صور اشياء جميلة ويتعاطى مع تخيلاته هائما بها كنساء حبيبات لانه اذا ما سخن غليان الخمر الاعضاء التناسلية تصور الذهن لا محالة طيف تلك الشهوانية المستلذة. يجب اذا الاعتدال في شرب الخمر درء ا'' لضرر الاسراف في تناوله. فان الذهن عندما لا يحس بلذة تستدرجه الى تصوير الخطيئة لا يأتي الى التخيل وبالتالي لا يسترخي
50ـ على الملتمسين ضبط هيجان جسمهم الا يطلبوا المشروبات الروحية التي يعدها المتخصصون ويسمونها مشهيات للاكل، ربما لانها تذهب بكتلة الاطعمة الى المعدة فليست خاصيتها مؤذية لجسم المجاهد وحسب بل ايضا خليطها المصطنع يهز بكثير من العنف الوجدان حيث يستريح الله. فما الذي ينقص طبيعة الخمر حتى يُعمد الى تليين قوتها باضافة توابل مختلفة اليها؟
51ـ ان يسوع المسيح ربنا ومعلمنا في هذه السيرة المقدسة قد سقاه منفذوا الاوامر الشيطانية خلا حين آلامه لكي يرسم، كما يبدو، صورة واضحة عن الاستعداد اللازم للحروب الروحية المقدسة، فيقول انه على محاربي الخطيئة الا يتناولوا مشروبات روحية او اطعمة طيبة المذاق بل ان يحتملوا بصبر مرارة المعركة. اما اضافة الزوفى المطهرة الى اسفنجة الهوان فلكي تنطبق اداة تطهيرنا تماما على النموذج. فما هو مر ينطبق علي المعركة وما يطهر على ما تحققه، ولا شك في ذلك
الاستحمام
52ـ لن يزعم احد ان الاستحمام خطيئة او انحراف عن الصواب. غير اني اقول ان الامتناع عنه على سبيل الامساك دليل شجاعة وعفة قصوى. لأن جسمنا عند ذاك لا يتأنث بتأثير هذا الاغتسال المستلذ، كما لا تأتي بسببه الى ذكر عري آدم الشائن فنهتم بأوراقه لتغطية علة خجلنا، نحن خاصة الذين هربنا جديدا من مفاسد الحياة والذين علينا ان نتحد بجمال العفة عن طريق طهارة الجسد
يتبع
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
في الافادة من الامراض
53ــ ما من شيء يمنع استدعاء الاطباء في حال المرض لان الادوية انما وجدت مسبقا لهذه الغاية حيث كان على حذاقة البشر استحداث هذا الفن يوما. ولكن يجب الا نضع رجاء الشفاء على الادوية بل على مخلصنا وطبيبنا الحقيقي يسوع المسيح. اقول هذا للذين يتممون سعي الامساك في شركات رهبانية او في المدن لانه لا يتسنى لهم دائما بسبب وضعهم ممارسة ايمانهم العامل بالمحبة ( غلا 6:5)،وخاصة لئلا يقعوا في العُجْب وتجارب ابليس ( 1 تيم 6:3) تلك التي تدفع ببعضهم الى التباهي امام الملأ بعدم حاجتهم الى الاطباء. اما المتوحد في مكان قفر، معا اثنين او ثلاثة من الاخوة ذوي الاستعداد عينه، فيلجأ الى السيد وحده الذي يشفي كل مرض وكل ضعف ( متى 23:4) وليفعل ذلكك ايا كانت الآلام التي تلم به، لان الوحدة عينها هي لنا بعد الرب تعزية فعالة في الامراض. ان انسانا مثل هذا لا تنقصه الفرصة ابدا لممارسة ايمانه، سيما ان لا مجال له لاظهار صبره والتباهي به وان الوحدة هي له بمثابة ستر صالح. لذلك " يسكن الرب المتوحدين في بيته " ( مز 6:67)
54ـ اذا كنا نكره جدا الانحرافات الصحية التي تلم بنا فلنعلم ان نفسنا لا زالت مستعبدة لشهوات الجسد . لذا فهي، اذ تتأسف على الراحة المادية، لا تشاء ان تتخلى عن رفاهيات الحياة، بل تحتسب عجزها عن التمتع بها من جراء المرض مدعاة لغم كبير. اما اذا تقبلت آلام المرض بالشكر فهي تظهر انها غير بعيدة عن تخوم اللاهوى. لذا تستقبل اذ ذاك الموت نفسه بفرح كمدخل لحياة اكثر حقيقة
في عدم الاكتراث بما يجري
55ـ لن ترتضي النفس الانفصال عن الجسد ما لم يتحول حبها للهواء الذي تتنشق الى عدم اكتراث. ذلك ان حواس الجسد كلها تقاوم الايمان حيث انها تتعلق بالحاضر في حين ان الايمان يعد بغنى الخيرات المستقبلية فقط. فلا يبالينَّ المجاهد اذا فيما بعد بأشجار ذات اغصان جميلة او ظل وفير او ينابيع عذبة المياه وحقول متنوعة الالوان وبيوت انيقة او ايضا بزيارات لذويه. ولا يتذكرن مناسبات تشريف المجتمع وتكريمه له ، بل فليستعمل بشكر ما هو ضروري ويحسب الحياة دربا، في بلد غريب، مقفرا من كل مودة جسدية على هذه الصور فقط نضيِّق على فكرنا ( انظر متى 14:7)ونجعله يسلك كليا الطريق الابدية
56ـ ان يكون الاستعمال المسرف للنظر والذوق وبقية الحواس مصدر تشتيت لذاكرة القلب هذا ما تعظنا به حواء الاولى. فحواء هذه حين لم تكن قد تطلعت بعد بلذة الى الشجرة المحظورة كانت تتذكر الوصية الالهية بحرص، ولذا ايضاكانت وكأنها تأوي تحت جناحي المحبة الالهية غير واعية لعريها. ولكنها حين نظرت الى العود بلذة ولمسته بشهية، ثم ذاقت ثمرته بغاية الشهوة، شعرت للحال بأنها مجتذبة الى المعانقة الجسدية ، وبدافع عريها استسلمت للهوى فوجهت كل اشواقها الى التنعم بالحاضر، واشركت آدم في خطيئتها من خلال حسن منظر الثمرة، اذ لا يمكن للذهن البشري في حالة كهذه ان يذكر الله ووصاياه الا بصعوبة . اما نحن فلنشخصنَّ بنظرنا دائما الى اعماق قلوبنا ذاكرين الله ذكرا لا ينقطع ولنعش كعميان في هذه الحياة الخداعة، لان خاصة الفلسفة الروحية الحقيقية ان نحفظ اجنحتنا مقصوصة بازاء محبة المنظورات. هذا يعلمنا اياه ايضا ايوب الصديق بخبرته العظيمة حين يقول " ان اتّبع قلبي هوى عينيَّ..."( اي 7:13). في هذا المسلك كما نرى دلالة على امساك اقصى
57ـ من مكث في قلبه على الدوام تغرَّب كليا عن مغريات الحياة ( انظر 2 كور 8:5) . انه يسلك بالروح ( غلا 25:5) ولا يقدر ان يعرف شهوات الجسد. مثل هذا الانسان يتخطر في حصن الفضائل التي هي بمثابة حراس لقلعة عفته. ولذا لا تعود آلات الشياطين تقوى على شيء ضده حتى ولو وصلت سهام الحب الجسدي الى مرامي الطبيعة
يتبع
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
في الضجر
58ـ متى اخذت انفسنا تكف عن اشتهاء طيبات الارض حينئذ يتسلل اليها عادة روح ضجر، وهذا الروح لا يعود يتيح لها الانصراف الى خدمة الكلمة بفرح ويقطع عنها ايضا التوق بافراط الى الخيرات المستقبلية كما يدفعها الى استصغار هذه الحياة الوقتية بحجة خلوها من الاعمال الفاضلة ويجعلها بالتالي تحتقر المعرفة نفسها بداعي انها اعطيت قبل الآن الى كثيرين آخرين، او لانها لا تألو الى تعليمنا اي شيء كامل. سوف نفلت من شعور الفتور والجبن هذا ان حصرنا فكرنا في حدود ضيقة جدا ووجهنا نظرنا الى ذكر الله وحده. هكذا فقط يعود الذهن سريعا الى حرارته ويمكنه التحرر من هذا التشتت الغاشم
59ـ عندما نغلق على الذهن كل مخارجه بذكر الله يتطلب منا قطعا عملا يرضي حاجته الى العمل. فيقتضي اذا اعطاؤه " الرب يسوع " عملا وحيدا يلبي غايته بصورة كاملة. فقد كتب : " لا احد يقدر ان يقول يسوع رب الا بالروح القدس" ( 1 كور 3:12). ولكن عليه ان لا يتأمل على الدوام في كنوزه الداخلية سوى هذه العبارة فقط دون غيرها فلا يحيد عنها اطلاقا الى اي تصور كان. فان جميع الذين يتأملون في اعماق قلوبهم بهذا الاسم الجليل الاقدس وبدون انقطاع، هؤلاء يستطيعون يوما مشاهدة نور ذهنهم عينه ايضا. لانه اذا ما ابقي اسم يسوع بالفكر في اعماق القلب باهتمام شديد فهو يحرق، في شعور حاد كل الدنس الذي يغشى سطح النفس، فانه مكتوب " الهنا نار آكلة " ( تث24:4وعب 29:12)، بعد ذلك يدعو الرب النفس الى محبة مجده محبة عظيمة لان ذلك الاسم الجليل والمشوق اليه جدا ، اذا ما ثبت بواسطة ذاكرة الذهن في حرارة. يرسخ فينا عادة محبة صلاحه دون ان يعارضها شيء فيما بعد فهذه اللؤلؤة الثمينة التي يمكننا شراؤها اذا بعنا كل ما نملك لكي ننعم عند وجودها بفرح لا يوصف ( انظر متى 46:13)
60ـ فرح البداية شيء والفرح الكامل الاخير شيء آخر الاول لا يخلو من الخيلاء اما الاخير فله قوة التواضع، وبين الاثنين يقوم حزن مبارك ( انظر 2 كور 10:7) ودموع دون الم. لانه بالحقيقة " في كثرة الحكمة كثرة الغم" " ومن ازداد علما ازداد كبرياء " ( الجامعة 18:1). لهذا السبب ينبغي ان تستدعى النفس اولا الى القتالات الروحية بدافع الفرح الاول ثم ان توبخها حقيقة الروح القدس وتمحصها من اجل الشر الذي صنعت او حتى الاباطيل التي لا تزال تتعاطاها. فقد قيل :" انت تؤدب الانسان على الاثم بالتوبيخ وتمحق حياته كبيت العنكبوت " ( مز 11:38). وهكذا بعد ان يكون التبكيت الالهي قد محصها تمحيص الاتون تكتسب النفس في ذكر حار لله قوة فرح خال من التصورات
61ـ عندما تكون النفس مضطربة بالغضب او مشوشة بالسكر او مثقلة باليأس، لا يقدر الذهن. مهما عُنِّف، ان يضبط ذكر الرب يسوع. لانه يكون مظلما من جراء حدة الاهواء فيتغرَّب كليا عن حسه لذا حين تقسو ذاكرة الذهن بتأثير شراسة الاهواء فان الشوق لرؤية الذهن ممهورا بطابع التأمل مهرا لا يمحى لا يجد اين يطبع خاتمه. اما ذا كانت ذاكرة الذهن بالعكس حرة من الاهواء، حتى ولو غاب عنها لحظة موضوع اشتياقها بسبب النسيان، فان الذهن يعد سريعا الى عمله ويستولي بحرارة على تلك الغنيمة الخلاصية المشتهاة. لان النفس حينذاك تضبط النعمة نفسها التي تتأمل معها وتصرخ صلاة " الرب يسوع" . ذلك كما تعلم الام طفلها لفظة بابا" مرددة اياها معه حتى تبلغ به الى اعتياد مناداة ابيه بوضوح حتى اثناء النوم ، بدلا من ترداده لأية كلمات طفلية اخرى. لذا يقول الرسول :" وكذلك الروح ايضا يعين ضعفاتنا لاننا لسنا نعلم ان نصلي كما ينبغي ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها"( رو 26:8). هذا لاننا، كوننا اطفالا نسبة الى كمال فضيلة الصلاة، لا بد لنا على الاطلاق من معونة الروح حتى يتشرب كل تفكيرنا عذوبته التي لا توصف فيرق، وهكذا نقبل من كل قلبنا على ذكر الله ابينا ومحبته. على هذه الصورة نصرخ بالروح، عندما يضبط لنا هو الايقاع لمناداة الله الآب بدون انقطاع، قائلين كما يهتف بولس الالهي ايضا:" يا ابا الآب " ( رو 15:8) أي الاب
يتبع
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
s-ool-463
ربنا يبارك تعب محبتك
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
62ــ من عادة الغضب ان يعكر النفس ويقلقها اكثر من الاهواء الاخرى، ولكنه يخدمها احيانا اعظم خدمة. فاننا عندما نستعمله بهدوء ضد الملحدين، او اي خطأة آخرين لنخلصهم او نفحمهم نكسب النفس مزيدا من الوداعة، لاننا نسهم على كل حال في ابتغاء العدل والصلاح الالهيين. بل نحن، عندما تثور ثائرتنا ضد الخطيئة، كثيرا ما نحول الى شهامة رجولية ما في النفس من ضعف انثوي، ومن جهة اخرى لا ريب في اننا اذا كنا في حالة من اليأس وارتعشنا بالروح ضد شيطان الهلاك سوف نزدري تبجحات الموت. ولكي يعلمنا هذا فقد ارتعش الرب نفسه مرتين واضطرب لدى مواجهته الجحيم، وان كان قد اتم كل ما شاء بمجرد ارادته دون ان يضطرب، وهكذا ارجع نفس العازر الى جسده ( يو 33:11 وما بعدها) . وبالتالي فإن خالقنا على ما ارى انما اعطانا الغضب المعتدل بالاحرى كسلاح. ولو استعملته حواء ضد الحية لما كانت خضعت للذة الشهوانية. فمن يستخدم الغضب باعتدال دفاعا عن الدين سوف يجد اذا في ميزان المجازاة بلا شك افضل معدنا من الذي لا يتحرك ابدابالغضب لبلادته. فواضح ان هذا الاخيرانما يقتني لقيادة مركبة مشاعره البشرية حوذيا غير متمرن. في حين ان الاول ، الحاضر ابدا في الميدان تحمله خيل الفضائل الى وسط الجيش الشيطاني، يجتذب الى مخافة الله عربة الامساك ذات رؤوس الخيل الاربعة، تلك هي " مركبة اسرائيل" التي نجدها مسماة هكذا في الكتاب المقدس عند ارتقاء ايليا الالهي. لذا يبدو ان الله قد كلَّم اليهود اولا بوضوح عن الفضائل الاربع، بل لاج هذا رفع على مركبة نارية ربيب الحكمة الشهير وكأنه في امساكه اتخذ فضائله على ما يتراءى لي بمثابة خيل نارية حين رفعه الروح في العاصفة نحو السماء ( 4 مل 11:2)
في التجرد والفقر
63ـ على من نال نصيبا من المعرفة المقدسة وذاق عذوبة الله أن لا يدافع عن نفسه في المحاكم ولا يقاضي احدا، حتي ولو جردوه من ثيابه، فإن عدالة سلاطين هذا العالم هي دون عدالة الله على الاطلاق. بل ليست بالاحرى شيئا مقابلها. والا فما الفارق بين اتباعه الله واتباع هذا الدهر، ان كان حق هؤلاء لا يتبين ناقصا ازاء حق اولئك، حتى انه يحكى في الحالة الاولى عن الحقوق البشرية وفي الحالة الثانية عن العدالة الالهية؟ على هذا المنوال فربنا يسوع " اذ شئتم لم يكن يشتم عوضا واذ تألم لم يكن يهدد ( بطرس الاولى 23:2)، بل احتمل ان يعروه من ثيابه وهو صامت، واكثر من ذلك فقد ذهب الى ان يلتمس من ابيه خلاص المجرمين. اما اناس هذا العالم فما كانوا ليوقفوا دعاويهم لو لم يكونوا قد استعادوا مع ربا'' احيانا الاملاك التي من اجلها يتقاضون، خاصة حين يحصلون الفوائد قبل استرجاع الدين، حتى ان الحق كثيرا ما يصير على هذا الوجه فرصة سانحة لهم ليظلموا الآخرين باجحاف
64ـ سوف يقال مع بعض الناس الاتقياء انه يجب ألا ندع أيا كان يجردنا مما نملك سواء لمعيشتنا او لاعانة الفقراء، لا سيما اذا كان المجردون من المسيحيين، ذلك أننا برضوخنا هذا نصير فرصة لوقوع الذين يؤذوننا في الخطيئة. لكن هذا يعني تفضيل املاكنا على انفسنا بحجة باطلة ( انظر ا ع 24:20). فتركي الصلاة وحفظ القلب لمقاضاة الذين ينازعونني والتردد كل يوم على المحاكم يعني جليا وضع الاملاك التي اطالب بها فوق خلاصي، لئلا اقول فوق الوصية الخلاصية نفسها. فكيف لي ان اتبع الوصية الانجيلية التي تأمرني بأن " من اراد ان يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء ايضا، ( متى 40:5) ان لم احتمل سلب اموالي بفرح" حسب قول الرسول ( انظر عب 34:10) ما دمت لم احرر السالب من خطيئته حتى بعد مقاضاته واسترجاعي كل مبتغاي؟ فمحاكم الفساد لا تستطيع ان تحد حكم الله غير القابل للفساد لان الاحكام القانونية التي يخضع لها المدعي ليست ابدا سوى التي يتفق له ان يدافع عن قضيته بموجبها. حسن اذا ان نصبر على ضيم الذين يريدون الاضرار بنا ونصلي من اجلهم لكي يبرَّأوا من جرم السرقة بالتوبة لا بارجاع ما سلبونا اياه. هذا ما تنشده عدالة الرب : ان نستعيد لا الاملاك المختلسة بل الانسان المختلس معتقا من خطيئته بالتوبة
65ـ من الموافق جدا والنافع تماما ان نعمد، حال تعرفنا على طريق التقوى، الى بيع املاكنا كلها وتوزيع ثمنها حسب وصية الرب ( متى 21:19) عوض ان نهمل هذا التنبيه الخلاصي بحجة اننا نحفظ الوصايا في كل شيئ. فإن هذا يجزينا اولا زهدا جميلا وفقرا نصير به في مأمن من فخاخ العدو، فلا نبالي بأية ظلامة او منازعة تصادفنا اذ لا يعود لنا ما يذكي فينا النار التي تحرق الطماعين. ولكن ما سيدفئنا حينذاك اكثر من سائر الفضائل هو التواضع. فإنه سوف يحتضننا كوننا عراة كما تحتضن الام طفلها لتدفئه اذا ما نزع عنه ثيابه ورماها بعيدا ببساطة الاطفال، وهو في براءته هذه سعيد بعريه اكثر مما لو كان في لباس بهي الالوان. فانه مكتوب " الرب يحفظ الاطفال، أنا اتضعت فخلصني " ( مز 6:114)
يتبع
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
66ـ ما من شك في ان الرب سوف يحاسبنا على صدقاتنا بمقتضى ما لنا لا بمقتضى ما ليس لنا( انظر 2 كور 12:8). فاذا بددت حسنا وبمخافة الله، في زمن قصير ، ما كنت استطيع اعطاؤه خلال سنين طويلة فبماذا اتهم بعد انا الذي لا اقتني شيئا؟ قد يقول احدهم :" ومن سيساعد الفقراء الذين اعتادوا ان يرتزقوا كل يوم من حقارتي ؟" فليتعلم هذا الا يعير الله لبخله هو. فان الله لن يقصر في تدبير خليقته كما يفعل منذ البدء وهو المدبر الحكيم. لانه قبل ان قام هذا او ذاك ليتصدقوا على الفقراء لم يكن الفقراء ينقصون لا الطعام ولا اللباس . فحسن اذا ، في سبيل المعرفة، ان نرفض بروح الخدمة الحسنة فخر الغنى غير العاقل لكي نبغض رغائبنا ـ هذا هو بعض النفس ( لو 26:14) ـ ونتخلى عن سرور توزيع املاكنا ونذلل انفسنا الى الغاية من جراء شعورنا بأننا لا نقوم بأي فعل خير، فاننا ما دمنا نقتني ثروة وافرة نفرح فرحا كبيرا بتبديدها ونسعد لفكرة طاعتنا الوصية الالهية ، اللهم اذا كنا من محبي الخير. ولكن بعد ان نكون قد انفقنا كل ما لنا يعترينا حزن مبهم وخزي لاننا لا نقوم بءي عمل من اعمال البر. فتعود النفس حينذاك الى ذاتها في انسحاق كبير وما لا يمكنها ام تحظى به بالاحسان يوما بعد يوم تسعى للحصول عليه بالصلاة اللجوج والصبر والاتضاع." الفقير والبائس لاسمك يسبحان" ( مز 21:73) فالله لا يعد موهبة المعرفة الالهية لاحد ما لم يستعد هو لها بتجرده من كل املاكه لمجد انجيل الله، لكي يبشر بغنى ملكوته في فقر محبوب كريم لديه ، لأن الذي قال " انت يا الله رزقت الفقير بصلاحك" واضاف " الرب الاله يعطي الكلمة للذين يبشرون بها بقوة كبيرة ( مز 67 : 10 ـ 11) هذا ما اراد جليا ان يقول
في اللاهوت والمشاهدة
67ـ كل عطايا الله حسنة وتؤتي كل الصالحات ولكن ما من عطية اخرى تلهب قلبنا قتحركه الى محبة صلاح الله مثل ما تفعل عطية " المعرفة الالهية " انها فرع ربيعي للنعمة الالهية فتمد النفس بمواهب اخرى اولية تتقدم سائر المواهب على الاطلاق. فهي اولا تهيئنا لنرذل، بسرور، شغف هذه الحياة باجمعه لانه لنا بها عوض المشتهيات الارضية غنى كلام الله وسعته التي لا توصف. ثم ينور ذهننا بنار تغيره بل تضمه الى الارواح الخادمة للرب. فنحن اذا يا اعزائي، يا من هيئنا لهذا كما يليق، نتوق الى تلك الفضيلة التأملية الجميلة تجزل اغناءنا بكل زهد وانعدام هم ، وتغذي الذهن بكلام الله في بهاء نور لا ينطق به . وهي بايجاز قد قربت نفس الانسان العاقلة من " العقل " الذي هو الله بوساطة الانبياء القديسين، في سبيل اتحاد به لا ينفصم، لكيما تقوم هذه الملقنة الالهية حتى بين البشر و يا للعجب ! بتأمين تآلف وتناغم الاصوات المؤلهة التي تسبح جليا عظائم الله
68ـ ان ذهننا في معظم الاحيان يضيق ذرعا بالصلاة لاجل ضيق هذه الفضيلة وانحصارها الاقصى ، غير انه يقبل الى " المعرفة الالهية " بفرح لما تتصف به التأملات في الله من حرية ورحابة . فلكي لا نطلق العنان لرغبته في كثرة الكلام بل لكي لا نتركه يندفع فرحا اكثر من اللازم، فلننكب اكثر ما يمكن على الصلاة وترتيل المزامير ومطالعة الاسفار المقدسة ، دون اهمال مطالعات رجال المعرفة البادي ايمانهم في اقوالهم، فاننا بهذا لا نأتي به الى خلط كلامه بكلام النعمة ولا نتيح له الانجراف الى الغرور والتشتت من فرط السرور وكثرة الاحاديث، ثم نصونه من كل تخيل اثناء المشاهدة الروحية . وبهذا نجعل كل افكاره او معظمها تؤول الى دموع. فهو اذ يكون جالسا ساكنا في هدوء عزلته ، مفعما بحلاوة الصلاة ، لا يتجنب المحاذير السابق ذكرها فقط بل يتجدد اكثر لينكب بدراية ودون تعب على المشاهدات الالهية. فضلا عن تقدمه في فضيلة التمييز باتضاع عظيم ولكن لنعلم ان هناك صلاة تفوق كل رحابة، الا انه لا يقتنيها سوى الذين افعموا من النعمة الالهية شعور كلي بالملء
يتبع
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
في تقلبات التأمل
69ـ تشرع النعمة عادة بانارة النفس بنورها الذاتي في احساس عميق، ثم مع تقدم الحروب الروحية تتم اسرارها في النفس التأملية بصورة غير مدركة، لتدفعنا تارة الى تتبع المشاهدات الالهية بفرح كمدعوين من الجهل الى المعرفة، ولتحفظ معرفتنا تارة اخرى في وسط الحروب بعيدة عن الغرور. فالأولى بنا ان نحزن باعتدال عند شعورنا بأننا مرذولون لكيما نزداد اتضاعا وخضوعا لمجد الله ، وان نفرح عندما يجنحنا حسن الرجاء فكما ان فرط الحزن يغرق النفس في اليأس وعدم الايمان كذلك فرط الفرح يسوقها الى العجب، اني اقول ذلك من اجل الذين ما زالوا اطفالا ، اذ انه في منتصف الطريق بين الرذل والاستنارة تقوم المحنة ، وفي منتصف الطريق بين الحزن والفرح يقوم الرجاء فانه مكتوب " انتظرت الرب بصبر فأصغى الي " ( مز 1:39) وايضا " ان تعزياتك فرجت عن نفسي حسب كثرة اكداري في قلبي " ( مز 19:93)
70ـ اذا ما فتحت ابواب الحمام على الدوام تترد حرارة الداخل الى الخارج سريعا ، كذلك ايضا اذا ما استسلمت النفس الى رغبتها في كثرة الكلام، حتى وان كان كل ما تقوله حسنا، فانها تبدد ذكرها لله من باب الكلام، ولذا تضحي محرومة من الافكار الموافقة وتروح تعرض على اول القادمين جملة فيض تفكيرها، اذ باتت لا تقتني الروح القدس ليصون افكارها من التصورات. لان الصلاح يهرب دوما من الثرثرة كونه غريبا عن كل اضطراب وتخيل. فالصمت الملائم شيء جميل اذا ، وهو ليس بأقل من أب لافكار كثيرة الحكمة
71ـ تعلمنا اقوال المعرفة ان اهواء كثيرة تداهم في البداية النفس المنصرفة للمشاهدة الالهية. ومنها خاصة الغضب والبغض، وليس هذا من فعل الشياطين بقدر ما هو بسبب تقدمها عينه. فانها ما دامت تنصاع لفطنة هذا الدهر لا تنفعل ولا تصطرب لرؤيتها الحق مداسا، اذ تكون منشغلة بمشتهياتها فلا تنظر الى حقوق الله؛ أما اذا بدأت ترتفع فوق اهوائها فانها لاجل احتقارها للحاضر ومحبتها لله لا تتحمل رؤية الحق مهانا حتى ولو في الحلم ، فتغضب من ثم على المذنبين وتعمل ناشطة الى ان ترى معيري العدل يكفرون دينيا عن ذنبهم، لهذا فهي تبغض الاشرار وتحب الابرار، لأن عين النفس تخلو من كل انحراف اذا كان سترها ـ اعني الجسد ـ قد صار بالامساك والعفة تسبيحا كثير الرقة الا انه من الافضل جدا البكاء على عدم احساس الاشرار بدل بغضهم. فالنفس المحبة لله ، وان أقررنا بأن هؤلاء يستحقون البغض ، لا يسمح لها العقل بالاستسلام له ، لانه ما دام البغض قائما في النفس فالمعرفة لا تفعل فيها
72ـ اللاهوتي الذي تفعمه وتلهبه اقوال الله في الاسفار المقدسة ينتهي بعد اجتيازه بعض المحن الى رحاب اللاهوى الفسيحة. لان " كلام الرب نقي كالفضة الممحصة المصفاة بالنار من كل مزيج ترابي ( مز 6:11)، " فالعارف" الذي تقوى بالخبرة العملية يرتفع فوق الاهواء، ولكن " اللاهوتي " ايضا يذوق خبرة المعرفة، ان اتضع ، وذلك كالعارف الذي اذا ما حفظ تميزه عاريا عن الخطأ يبلغ تدريجيا الى قوة المشاهدة، لا تعطى الموهبتان بكاملهما ابدا الى شخص واحد ، حتى اذا ما أعجب الواحد بما يتفوق به عليه الآخر يكثر تواضعهما مع غيرتهما للبر . لذا يقول الرسول :" فانه لواحد يعطى بالروح كلام حكمة ولآخر كلام علم ( اي معرفه؛ ) بحسب الروح الواحدة ( 1 كور 8:12)
73ـ حين تكون النفس رائعة في وفرة ثمارها الطبيعية ترتفع ترتيلها عاليا وتبتغي المزيد من الصلاة الصوتية . اما اذا كان الروح القدس يفعل فيها فانها ترتل وتصلي في سر القلب بكثير من التسليم والعذوبة. الحالة الاولى يرافقها فرح سريع التخيل، اما الثانية فترافقها دموع داخلية روحية مع نشوة تواقة الى الصمت. لأن ذكر الله الذي يحفظ حرارتها عن طريق سكوت الصوت يعد القلب لان يطفح بخواطر توجع ووداعة. واذ ذاك يمكننا فعلا ان نرى بذار الصلاة تزرع بالدموع في ارض القلب، على رجاء فرح الحصاد اما اذا ما داهمنا القنوط فيجب ان نرفع الصوت في ترتيل المزامير اكثر قليلا ضاربين على اوتار النفس ومستخرجين نغماتها ببهجة الرجاء الى ان تتبدد هذه السحابة الثقيلة بنفثات الترانيم
74ـ متى صارت النفس الى معرفة ذاتها انتجت تلقائيا حرارة مرضية لله. لانها اذ لم تعد مضطربة لهموم الحياة تلد اشتياقا الى السلام يبحث كما يليق عن اله السلام. ولكنها تتشاغل عنه سريعا اما بسبب خيانة الحواس لها او ايضا بسبب الطبيعة التي من شأنها ان تستنفذ' سريعا نتيجة العجز ، ما لها من الصلاح لذا فحكماء اليونان لم يكن يملكون كما يجب ما كانو يظنون بلوغه بالامساك. لان ذهنهم لم يكن تحت تأثير الحكمة الازلية الحق، أما الحرارة الحاصلة في القلب من الروح القدس فهي على العكس من ذلك كلية السلام تحث كل اقسام النفس على طلب الله ، ولا تتبدد خارج القلب بل تنشط بواسطته الانسان كله الى محبة وسرور لا حد لهما . فيجب اذا ان نتبين حقيقة الحرارة الاولى ونبلغ الى الثانية. لانه اذا كانت المحبة الطبيعية تدل على شيء من عافية الطبيعة في حال الامساك. فانها لا تقدر ابدا على جعل الذهن صالحا وتقيمه في اللاهوى كما تفعل المحبة الروحية
يتبع
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
في النعمة والارواح المختلفة
75ـ حين تنسم ريح الشمال على البسيطة يبقى الهواء المحيط بها نقيا لان هذه الريح عليلة بطبيعتها وتجعل الجو صافيا، اما اذا هبت ريح الجنوب فيتكثف الهواء بسبب الضباب الذي تحدثه تلك الريح عادة ، لأنها لأجل تجانسها مع السحب تستجلبها على كل الارض من المناطق التي تسود فيها ، هذه هي حال النفس ايضا فعندما تخضع لالهام الروح القدس الحق تكون بجملتها خارج الضباب الشيطاني، ولكن اذا تنشقت نفحة روح الضلال تغشاها سحب الخطيئة. فيجب بالتالي توجيه مشيئتنا دائما وبكل قوانا نحو نفحة الروح القدس المحيية والمنقية، اي نحو الذي شاهده النبي حزقيال في نور المعرفة آتيا من الشمال ( حز 4:1). على هذه الصورة يكون للنفس التأملية الحظ الاكبر في البقاء صافية على الدوام، وتستطيع بالتالي ان نقبل على المشاهدات الالهية دون ضلال، معاينين بالنور بهاء النور ( انظر مز 9:35) . لان هذا هو نور المعرفة الحقيقية
76ـ لقد تصور البعض أن النعمة والخطيئة، اي روح الحق وروح الضلال، يحتجبان معا في عمق الذهن عند المعمدين. ويقولون إنه من هناك يدعو احدهما الذهن الى الصالحات فيبادر الآخر ويدعوه للتو الى عكس ذلك. أما أنا فقد افهمتني الآسفار المقدسة وحاسي الذهنية ان قبل المعمودية تحث النفس على الصلاح من خارج، في حين يتستر الشيطان في اعماقها محاولا سد كل مخارج الذهن نحو الجهة اليمنى. اما منذ لحظة تجديدنا بالمعمودية فينتقل الشيطان الى الخارج والنعمة الى الداخل. فنكشف حينذاك انه اذا كان الضلال هو السائد على النفس قبلا فان الحق كذلك هو الذي يملك عليها بعد المعمودية. الا ان ابليس يستمر في مجاهدة النفس كالسابق، بل اكثر من السابق في معظم الاحيان، لا لانه يساكن النعمة، حاشا لي ان افكر هكذا ! بل لانه من خلال رطوبة الجسد يبدو وكأنه يحول حلاوة الملذات الشهوانية الى بخار في الذهن، وهذا يحدث بسماح من الله حتى اذا ما جاز الانسان في عاصفة المحنة ونارها يصل اذا شاء الى التنغم بالصلاح، فقد قيل " جزنا بالنار والماء واخرجتنا الى منتجع راحة " ( مز 12:65)
77ـ منذ لحظة المعمودية تتستر النعمة في اعماق الذهن ، كما اسلفت ، مخفية حضورها حتى على الحس الداخلي ، ولكن متى بدأنا نتوق الى الله بعزم تام تنقل النعمة حينذاك بعضا من خيريتها الى النفس عن طريق حس الذهن في تفاعل لا ينطق به. فمن توخى اذ ذاك ان يضمن كليا امتلاك هذا المنعم يأتي الى ابتغاء ترك كل خيرات هذه الارض بفرح كبير ليملك حقا الحقل الدي وجد فيه كنز الحياة ( متى 44:13). لاننا حين نزهد في كل الغنى الزمني نجد الموضع الذي طمرت فيه نعمة الله . فالعطية الالهية تظهر ايضا عذوبتها للذهن بمقدار نمو النفس. لكن الرب حينذاك يسمح بان تزعج الشياطين النفس اكثر من ذي قبل ليعلمها جيدا تمييز الخير من الشر ويزيدها اتضاعا بسبب العار العظيم الذي تشعر به من جراء دنس الافكار الشيطانية بعد ان تتنقى منها
78 ـ نحن على صورة الله من حيث حركة النفس الواعية وما الجسد الا نظير بيت لها . ولما كانت سمات النفس قد تشوهت بخطيئة آدم، بل جسدنا نفسه فسد شيئا ڤسيئا، تجسد كلمة الله ووهبنا ماء الخلاس بمعمودية الولادة في الله الذي هو الكلمة. فنحن اذا نولد جديدا بواسطة الماء بفعل الروح القدس المحيي ، وم ثم نتطهر للحال نفسا وجسدا ( او يتطهر على الاقل من يبتغون الله بكامل ارادتهم )، هذا لان الروح القدس يقيم فينا ويطرد الخطيئة، فانه لمن المتعذر كما اعتقد بعضهم ان يقيم شخصان في نفس سمات واحدة وبسيطة ، د؛لك لانه عندما تطابق النعمة الالهية سمات صورة الله فينا بالمعمودية المقدسة كعربون لتحقيق مثال الله مستقبلا في محبة لا حد لها ، فأين يمكن للشرير ان يجد مكانا يكمن فيه ، سيما وانه " اية شركة للنور مع الظلمة " ؟ ( 2 كور 14:6)، فنحن الساعين في الجهاد الروحي المقدسنؤمن اذا ان الحية الكثيره
الاشكال تُطرد من خزائن كنوز النفس بحميم عدم الفساد لكن لا تتعجبنَّ اذا ما بقيت تراودنا بعد المعمودية افكار شريرة وسط الافكار الصالحة، ذلك ان حميم القداسة وإن كان ينتزع دنس الخطيئة فهو لا يغير حالا ازدواجية مشيئتنا ولا يمنع الشياطين من محاربتنا ولا من مخاطبتنا بأقوال مضللة ، حتى إن ما لم نعرف ان نحفظه حين كنا نفسانيين نحافظ عليه بتسلحنا بأسلحة البر بقوة الله
79ـ يطرد ابليس من النفس بالمعمودية المقدسة كما سبق القول ، ولكن يسمح له بمحاربتها بواسطة الجسد للاسباب المتقدم ذكرها، لأن نعمة الله تقوم في عمق النفس ــ اي في الذهن ــ فإنه مكتوب ان " مجد ابنة الملك كله في الداخل" ( مز 13:44) محجوبا عن الشياطين، لذا عندما نذكر الله بحرارة نشعر وكأن الشوق الى حبه ينبع من عمق اعماق النفس. وبالتالي فان الارواح الشريرة تداهم حواس الجسد وتتلطى فيها ، مستعينة بتواطؤ الجسد ( انظر متى 41:26) لتقاتل الذين ما زالوا اطفالا بالنفس . وهكذا بحسب قول الرسول ( رو 22:7) يسر الذهن دوما بناموس الروح في حين ترتضي حواس الجسد الانجذاب الى منحدر اللذة. لذلك فان النعمة عند المتقدمين في المعرفة تفرح الجسد عن طريق الحس الذهني فرحا لا يوصف. اما الشياطين فيقيدون النفس بعنف بهواس الجسد مجتذبين اياها نحو ما لا تريد، سيما حين يضبطنا اولئك القتلة فيما نحن نعدو بفتور في طريق التقوى
يتبع
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
80ـ الذين يزعمون ان النعمة والخطيئة تتعايشان في قلوب المؤمنين متذرعين بقول الانجيلي " النور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه " ( يو 5:1) يدَّعون تثبيت معتقدهم بقولهم ان البهاء الالهي لا يتدنس في اية حال بمجاورة الشرير كما يقول الرسول ( انظر 2 كور 14:6)، وذلك ايا كان قرب المجاورة بين النور الالهي والظلمات الشيطانية في النفس. ولكن قول الانجيل نفسه يثبت عليهم انهم ينحرفون في رأيهم عن الكتاب المقدس. لانه اذ قد شاء كلمة الله ان يظهر النور الحقيقي لخليقته في الجسد مشعلا فينا نور معرفته المقدسة بصلاحه الذي لا حد له ، وبما ان روح العالم لم يدرك قصد الله ، اي لم يعرفه لان " اهتمام الجسد هو عداوة لله " ( رو 7: 8)، لذلك استعمل الانجيلي عبارة " لم تدركه ". الم يستطرد بعد بضع كلمات قائلا " كان النور الحقيقي الذي ينير ويقدس كل انسان آت الى العالم " ( قاصدا اني يرشد ويحيي )، " كان في العالم وبه العالم كوِّن والعالم لم يعرفه، الى خاصته جاء وخاصته لم تعرفه وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا ان يصيروا اولاد الله اي المؤمنون باسمه " ( يو 9:1 ـ12)؟ والرسول بولس الكثير الحكمة يقول ايضا مفسرا تلك العبارة " لست اني قد نلت او صرت كاملا ولكني اسعى لعلي ادرك الذي لاجله ادركني ايضا المسيح يسوع " ( ي 12:3). اذا لم يقصد الانجيلي ابليس بقوله انه لم يدرك النور الحقيقي ، اذ ان ابليس غريب عن النور منذ البدء ما دام النور لا يضيء فيه ؛ أما الذين يسمعون بعظائم ابن الله وعجائبه ولا يريدون الاقبال الى نور المعرفة من جراء قتام قلوبهم فهؤلاء هم الذين يعيرهم الانجيلي عن حق بذلك القول
81ـ تعلمنا اقوال المعرفة ( اي اللاهوت ) ان هناك نظير نوعين من الارواح الشريرة بعضها اكثر لطافة والبعض الآخر اكثر مادية . والاكثر لطافة هي التي تحارب النفس ،اما الاخرى فمن عادتها سبي الجسد بجذبه الى الشهوات. لذا فالشياطين الذين يحاربون النفس ، والذين يهاجمون الجسد ، يتصرفون دائما تصرفا عكسيا وان كان عزمهم على ايذاء البشر واحدا . فعندما لا تسكن النعمة في الانسان يتسللون كالحيات الى اعماق القلب ولا يدعون النفس تتجه الى اشتياق الصلاح اطلاقا. اما اذا حلت النعمة مستترة في الذهن فحينئذ يجولون فقط في اجزاء القب مثل سحب قاتمة، متخذين شكل اهواء الخطيئة وشكل ملهيات مختلفة ليشتتوا ذاكرة الذهن ويقتلعوها من الفتها مع النعمة. لذلك فعندما يعمد الشياطين محاربو النفس الى اذكاء الاهواء النفسانية فينا ،بخاصة العُجب الذي هو ام الرذائل، نزيل نحن انتفاخ العُجب اكثر ما نزيله بتأملنا عار انحلال الجسد. وينبغي ان نلجأ الى ذلك ايضا حين يحاول الشياطين محاربو الجسد اثارة حمى الشهوات المعيبة في قلبنا ، لان ذكر انحلال الجسد يستطيع لوحده ضبط نوعي للارواح الشريرة عن طريق ذكر الله . واذا ما عمد الشياطين محاربو النفس بالمقابل الى ان يوحوا الينا ، بداعي فكرة انحلال الجسد ، احتقارا مفرطا للطبيعة البشرية باعتبارها غير ذات قيمة بسبب الجسد ( وهذا ما يؤثرون فعله حين نريد تعذيبهم بمثل هذه الفكرة ) ( انظر لو 28: 8)، فلنذكر حينذاك شرف ملكوت السماوات ومجده دون ان تغيب عن بالنا مرارة الدينونة القاتمة ، حتى ينهضنا الذكر الاول من يأسنا ويردع الثاني خفة قلبنا
يتبع
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
_يعلمنا الرب في الاناجيل ان ابليس حين يجد بيته عند عودته اليه مكنوسا فارغا ( متى 44:13 ـ45) اي حين يجد القلب عادم الثمر ، يأخذ معه سبعة ارواح اخرى ويدخل ويربض فيه جاعلا حالته الاخيرة شرا من الاولى. فنستنتج من هذا انه ما دام الروح القدس ساكنا فينا لا يمكن لابليس الدخول والاقامة في عمق النفس . ولكن بولس الالهي ايضا يعلمنا بوضوح معنى ذلك القول : انه ينظر الى المسألة اولا من ناحية اصول القتال فيقول : " اسر بناموس الله بحسب الانسان الباطني ولكني ارى ناموسا آخر في اعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني الى ناموس الخطيئة الكائن في اعضائي" . ومن ناحية الكمال يقول : " اذا لا شيء من الدينونة الآن على الذين هم في امسيح لان ناموس روح الحياة اعتقني من ناموس الخطيئة والموت ( رو 22:7 ـ33 و 1:1 ـ2 ). ولكي يعلمنا من جديد ان ابليس ينطلق من الجسد ليحارب النفس التي تنعم بالروح القدس يقول في موضع آخر : " فاثبتوا متمنطقين احقاءكم بالحق ولابسين درع البر وحاذين ارجلكم باستعداد انجيل السلام حاملين فوق الكل ترس الايمان الذي به تقدرون ان تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة، وخذوا خوذه الخلاس وسيف الروح الذي هو كلمة الله " ( افسس 14:6 ــ17)، ان السبي شيء و الجهاد شيء آخر. فالاول يعني ابعدا بالعنف والثاني صراعا متكافئ القوة. لذا يقول الرسول ان الشيطان يهاجم النفوس الحاملة المسيح بنبال ملتهبة ، لان من لا يسود خصمه يرميه بالاسهم باستمرار ليتسنى له بنبال مجنحة طرد من يحاربه عن بعد وكذلك ايضا ابليس الذي لا يمكنه التخفي كالسابق في ذهن المجاهدين بسبب حضور النعمة فيه يهوم فوق رطوبة اجسادهم ويتستر فيها لكي بتواطئه يصطاد النفس ( انظر 41:26) لذا ينبغي اضناء الجسد علي وكه نموافق خوفا من ان ينزلق الذهن بواسطة رطوبة الجسد في منحدر الملذات. فيجب تصديق كلام الرسول الصريح القائل بأن ذهن المجاهدين يتأثر بالنور الالهي ولذا يخضع لناموس الله ويسر به ( رو 22:7)، اما لجسد فيسر في تواطئه باقتبال الارواح الشريرة وقد ينقاد الى الاتعباد لشرها. من هنا يتضح جليا ان الذهن ليس بيتا مشتركا لله والشيطان معا ، لانه ان كان ذهني لا ينهض بملء حريته لمحاربة الشياطين خاضعا بسرو لصلاح النعمة، بينما الجسد يقتبل برضاه رائحة الملذات المنحرفة عن الصواب، فكيف يكون صحيحا " اني بذهني اخدم ناموس الله ولنكن بالجسد ناموس الخطيئة " ؟ ( رو 25:7) هذا لانه ــ واردد ــ قد سمح لارواح الكذب الخبيثة بالاقامة في جسد المجاهدين : " فاني عالم انه ليس ساكن في اي في جسدي شيء صالح" ( رو 18:7)، وبالتالي في الذين يقاومون الخطيئة نحو منتصف الصراع، لان الرسول لا يقول ذلك عن نفسه . فالشياطين يحاربون الذهن ولكنهم يحاولون باغراأتهم الشهوانية ارخاء الجسد وجره الى منحدر الملذات انه لمتاح لهم في الواقع، وفقا لرأي سديد ، ان يسكنوا داخل الجسد حتى في الذين يجاهدون الخطيئة بيأس وشدة ، لان حرية الانسان تبقى دائما تحت الاختبار. اما ذا استطاع احد ان يموت باتعابه منذ هذه الحياة فانه يصبح كله حينذاك بيتا للروح القدس، اذ ان مثل هذا الانسان هو منذ الان وقبل ان يموت قائم منالاموات كما حصل للمغبوط بولس نفسه ولجميع الذين جاهدوا او يجاهدون ضد الخطيئة على نحو كامل
83ـ لا شك في ان القلب يأتي ايضا من تلقاء ذاته بافكار صالحة او رديئة ، لا لانه يبدع بطبيعته الافكار الرديئة انما لانه غدا بعد الخدعة الاولى يحتفظ بذكرى الشر كعادة . غير انه في معظم الحالات يصور الافكار الرديئة بفعل شراسة الشياطين، ولكننا نشعر بالافكار كلها وكأنها صادرة من القلب لذا فقد خيل للبعض ان الخطيئة تساكن النعمة في القلب ويزعمون ان الرب لهذا قال: " واما ما يخرج من الفم فمن القلب يصدر وذلك ينجس الانسان لأن من القلب تخرج افكار شريرة مثل زنى الخ..." ( متى 18:15 ـ19). وهؤلاء لا يعرفون ان الذهن ، الذي له قدرة التقاط جد دقيقة ، يمتلك لذاته بواسطة الجسد فعل الافكار التي توحي بها اليه الارواح الخبيثة . ذلك في تواطؤ الجسد ، على منوال نجهله ، يشدد ايضا ميل النفس هذا لامتزاجه بها ، ان الجسد دائم الولع بأن يدغدغ بالتمليق وبالتالي تبدو الافكار التي يزرعها الشياطين في النفس وكأنها صادرة عن القلب. وفي اية حال نحن نجعلها فعلا لنا حين نجاريها ، وهذا ما ذمه السيد ، كما يتضح من القول الالهي نفسه ، عند استعماله للعبارة المذكورة اعلاه لان من يسر بالافكار التي يوحيها اليه ابليس ويطبع ذكرها في قلبه ، اذا جاز القول، هذا نفسه بات يبدعها بوضوح وكأنها ثمرة تفكيره هو
84 ـ يقول الرب في الاناجيل ان القوي لا يمكن ان يطرد من بيته ما لم يقيده اولا من هو اقوى منه ويجرده ويخرجه ) متى 29:12)، فمن اين يتسنى اذا لمن طرد بهذا الشكل المشين ان يعود ويعيش من جديد مع رب البيت الحقيقي الذي يسكن في بيته حسبما يشاء ؟ الملك الذي يظفر بمنافس قد تمرد عليه لن يقبل فكرة مقاسمة قصره بل سوف يذبحه على الفور، او على الاقل سيدفعه مقيدا الى عساكره ليعذبوه طويلا ويميتوه شر ميتة
85 ـ ان ظن احد ان الروح القدس والشيطان يسكنان معا في الذهن لان افكارا صالحة وافكارا سيئة تخطر لنا في آن فليعلم ان السبب كامن في اننا لم نذق ولم ننظر بعد ما اطيب الرب ( مز 8:33). فالنعمة بادىء الامر تخفي حضورها في المعمدين، كما اسلفنا، منتظرة ارتسام عزم النفس فعندما يكون الانسان قد اتجه بكليته نحو الرب تظهر النعمة حينذاك حضورها في القلب في احساس لا ينطق به . ثم تعود من جديد الى انتظار حركة النفس تاركة سهام الشيطان تصل الى حسها الداخلي الصميم لكيما تبحث عن الله بعزم اكثر حرارة وبروح متضع . ان بدأ الانسان عند ذاك يتقدم من خلال حفظه للوصايا، ويدعو الرب يسوع بلا انقطاع، تمتد نار النعمة الالهية حتى الى حواس القلب الخارجية محرقة كليا زؤان البشرة ، بحيث لا تعود هجمات الشيطان لتصل الا بعيدا عن هذه الحواس وتكاد تكف عن وخز جزء النفس الحسي. واخيرا حين يكون المجاهد قد تمنطق بسائر الفضائل ، وبالفقر الكامل خاصة ، تنير النعمة اذ ذاك طبيعته كلها باحساس اكثر عمقا وتشرع فتلهبها لكي تحب الله حبا عظيما . عندها تنطفئ السهام الشيطانية خارج حس الجسد لان نسيم الروح القدس الذي يرتقي بالقلب نحو رياح سلام يطفىء سهام الشرير المحرقة فيما هي اتية في الهواء ، ) انظر افسس 16:6)، الا ان الله احيانا يسلم الى شر الشياطين حتى من بلغ الى هذه الحال ، حابسا ذهنه عن النور كيلا تكون حريتنا مقيدة كليا برباط النعمة، لا لأن الجهاد فقط هو الذي يظفر بالخطيئة بل لأنه يترتب على الانسان ان يواسل التقدم ايضا في الخبرة الروحية ، فان ما نحسبه كمال الطالب يبقى ناقصا ازاء غنى الله الذي يواصل تعليمنا بمحبة طموح ، ذلك حتى ولو استطاع المر بكثرة تقدمه في الاتعاب ان يتسلق السلم كلها التي صنعها يعقوب ( انظر تك 28ـ12 )
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
86 ـ الرب نفسه يقول بان الشيطان سقط من السماء كالبرق ( لو 18:10) ، دلك كي لا يتمكن هذا الكلي القباحة من القاء نظرة واحدة على مسكن الملائكة القديسين ، فكيف يتسنى لمن يحسب غير مستحق لشركة العبيد الصالحين ان يشارك الله مسكن الذهن البشري ؟ قد يقولون: ولكن هذا يتم عند انسحاب الله غير انهم لا يستفيدون من هذا شيئا : فان تخلي الله التأديبي لا يحرم النفس قطعا من النور الالهي ، النفس تتقدم من جراء شراسة الشياطين، اذا جاز القول، كونها تلتمس معونة الله بخوف كلي وتواضع عميق، متعلمة شيئا فشيئا ان تتبين خبث عدوها، فهي تشابه ام اترىطفلها يأبى ان يرضع كما هو مرتب له فتبعده بعض الوقت عن ذراعيها حتى اذا ما جزع من اناس مستكرهين يحيطون به او من حيوانات مختلفة يرجع سريعا ليرتمي في حضن امه بخوف عظيم ودموع، اما الغم الذي يحل بنا حين يتحول الله عنا فهو يجعل النفس التي تأبى اقتناء الله سيرة للشياطين اما نحن فلسنا ابناء الارتداد للهلا ( عب 39:10)، لا سمح الله، بل نعتقد يقينا اننا بنون شرعيون لنعمة الله الذي يرضعنا بلبنه وسط احزان يسيرة وتعزيات كثيرة، حتى نسرع بصلاحه فنبلغ بنعمته الى قامة انسان كامل. الى كمال السن ( انظر افسس 13:4)
87ـ التخلي التربوي يسبب للنفس كثيرا من الحزن والذل، كما يسبب ايضا يأسا مناسبا، حتى ان قسم النفس الذي يطلب المجد ويتعظم بسهولة يعود كما يليق الى الاتضاع ، الا انه يؤتي القلب في الهال مخافة الله ودموع الاعتراف ورغبة كبيرة في الصمت الجميل ،، اما التخلي الناجم عن تحول الله عنا فيملأ النفس يأسا وارتيابا وغضبا وكبرياء في آن، فيجب اذا ان نختبر كلا من التخلي التربوي والتخلي الارتدادي بغية الذهاب الى الله بالاستعداد المناسب لكل منهما، في الحالة الاولى يجب ان نقدم له مع طلب المغفرة شكرنا لأنه ارتضى ان يؤدب شطط مشيتنا بقطع تعزياته عنا لكي يعلمنا كأب صالح ما الفرق بين الفضيلة والرذيلة، وفي الحالة الثانية اعترافا بخطايانا لا ينقطع وعبرات لا تهدأ ومزيدا من الوحدة لنستطيع بهذا المزيد من الاتعاب استرضاء الله ليعود فينظر الى قلوبنا كما في السابق.... ولكن يجب ان نعرف انه اذا اتخذ الصراع شكل مواجهة حقيقية بين النفس والشيطان، اعني في حال التخلي التربوي، فان النعمة تتوارى، كما سبق فقلت، الا انها تعين النفس اعانة خفية لتبدو الغلبة وكأنها، في نظر اعدائها، غلبة النفس وحدها
88ـ حين يقف المرء شتاء في الهواء الطلق عند مطلع النهار، ممتدا كله نحو الشرق، يتلقى جسمه من الامام بعضا من الدفء، في حين يبقى ظهره دون دفء كليا لأن الشمس ليست فوق رأسه،هكذا قلب المبتدئين فهو يكون متدفئا جزئيا بالنعمة المقدسة. لذا يبدأ يثمر ذهنهم بعض الافكار الروحية، غير ان اقسام القلب المنظورة تستمر فتخطر لها خواطر الجسد، ذلك ان اعضاء القلب ليست بعد مستنيرة كلها، في شعور عميق، بنور النعمة المقدسة، وقد خيل للبعض، لعدم فهمهم هذا الامر، ان في ذهن المجاهدين شبه مبدأين متناقضين، لذلك يتفق ان يخطر للنفس في لحظة واحدة افكارصالحة وافكار س؛ريرة كما حدث للمرء في المثل الذي اوردنا اذ احس بالبرد والدفء تحت لمسة الشمس الواحدة، فمنذ ان انزلق ذهننا، وصار الى حالة المعرفةالمزدوجة، بات محتما ان تخطر له في آن افكار صالحة وافكار رديئة سيما عند الذين وصلوا الى دقة التمييز، فبقدر ما يسارع الذهن الط تصور الخير يعمد حالا الى ذكر الشر ، لانه اضحى بعد معصية آدم منقسما كما الى فكر مزدوج، فمتى شرعنا اذا بحفظ وسايا الله بغيرة متقدة غدت كل حواسنا مستنيرة في شعور عميق، بالنعمة التي تحرق افكارنا، اذا جاز القول، وتدخلالى قلبنا لا ادري اي سلام مفعم بمحبة خالصة لا تتغير، فتعدنا فيما بعد للتفكير روحيا لا جسدانيا، هذا ما يحصل دائما للذين يقربون من الكمال، اولئك الذين يحوون في قلبهم ذكر الرب يسوع علي الدوام
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
ــ ان النعمة المقدسة بمعمودية اعادة الولادة خيرين اثنين يفوق احدهما الآخر بما لا يقاس، فهي تمنحنا الخير الاول للحال اذ تجددنا في ماء المعمودية عينه فتتألق اذ ذاك كل ملامح النفس، اي صورة الله فينا،ماحية كل غضون الخطيئة ( انظر أف 27:5)، اما الخير الثانيفينتظر مساهمتنا لتمنحنا اياه : انه مثال الله فينا، فاذا ما بدأ الذهن يتذوق في شعور عميق صلاح الروح القدس، فاعلم حينذاك ان النعمة شرعت ترسم المثال فوق الصورة اذا صح القول. فكما ان الرسامين يرسمون اولا الوجه بلون واحد ثم يضيفون شيئا فشئا لونا زاهيا فوق آخر محافظين على سحنة النموذج وهيئتهحتى الشعر منها، هكذا نعمة الله تبدأ ي المعمودية فتعيد تكوين الصورةالى ما كانت عليه عند ح؛لق الانسان ، ثم انها عندما ترانا نصبو بكل ارادتنا الى جمال المثال ونقف في مشغلها عراة متضعين تزيدنا حينذاك فضيلة زاهية فوق اخرى وترفع جمال النفس من بهاء الى بهاء فتكسبه بالتالي سمة المثال. هكذا يكشف لنا الحس الداخلي اننا انما نكيف تدريجيا نحو مثا الله ، اما كمال المثال فلن نعرفه الا بالستنارة ، فان الذهن يتقبل كل الفضائل بواسطة الحس الداخلي متقدما حسب مقياس وايقاع لا ينطق بهما . اما المحبة الروحية فلا احد يقدر ان يبلغها ما لم يكن مستنيرا بالروح القدس بيقين تام . فالذهن ان لم يتقبل المثال على نحو كامل بفضل النورالالهي هو يستطيع ان يقتني سائر الفضائل او يكاد الا انه يبقى عادم المحبة الكاملة فهو حين يصير مماثلا لفضيلة الله ، بقدر ما يمكن للانسان ان يماثل الله. حينئذ يحوي مثال المحبةالالهية ايضا، فكما انالالوان المتنوعة ا؛مزهرة في رسوم الوجوه والمضافة الى الصورة الاولى تحفظ مس؛ابهتها للنموذج حتى ف الابتسامة. كذلك ايضا استنارة المحبة اذا ما اضيفت الى الذين ترسمهم النعمة الالهية على مثال الله تكشف ان السورة قد ادركت كليا جمال المثال اذ لا يمكن لأية فضيلة اخرى غير المحبة ان تولي النفس اللاهوى ( انظر رو 10:13) هكذا اذا يتجدد انساننا الداخلي في تذوق المحبة يوما بعد يوم ويجد كماله في كمالها
في تذوق الله
90ــ هكذا ان شغفنا بحرارة وفي اوائل تقدمنا بفضيلة الله تلك فالروح القدس يذيق النفس حلاوة الله في شعور كلي مليء بالملء هذا ليعرف الذهن معرفة صحيحة ما الثواب الذي سيكلل اتعاب القداسة ولكنه بعدئذ كثيرا ما يخفي عنا غنى هذه العطية لنحسب انفسنا عدما خالصا حتى ولو مارسنا بقية الفضائل كلها ، ذلك اننا لم نحول المحبة المقدسة بعد الى عادة اذ ذاك يمعن شيطان البغض في ازعاج نفوس المجاهدين الى درجة ينسبون معها البغض، افتراء ، حتى الى من يودونهم، وكأنه بذلك يحمل قوة البغض القاتلة حتى الى القبلة. من ثمتزداد النفس الما لانها من جهة تحمل ذكر المحبة الروحية، ولكنها من جهة اخرى لا تقدر ان تحوز الاحساس بها لعدم اتمامها اتعاب النسك الاكثر كمالا . فيجب اذا بانتظار حصول ذلك غصب الذات على ممارسة تلك المحبة وصولا الى تذوقها في شعور تام بالملء فما من احد يمكنه ان يحوزها بالكمال ما دا في هذا الجسد. ما خلا ا؛قديسين الذين بلغوا الى الستشهاد والاعتراف الكامل. فمن حظي بهذا المتياز يتغير كليا ولا يعود يشتهي بسهولة حتى الطعام فالذي الحب الالهي طعامه فماذا سيشتهي بعد من خيرات هذا العالم؟ لذا فبولس الكثير الحكمة وخزانة المعرفة يبشرنا من ملئه بالنعيم المقبل ، نعيم الاولين بين الابرار، يقول" ملكوت الله ليس طعاما وشرابا بل بر وسلام وفرح في الروح القدس" رو 17:14) وهذه كلها ثمار المحبة الكاملة، هكذا يمكن للذين يرتقون الى الكمال ان يذوقوها منذ الآن باستمرار، ولكن ما من احد يقدر ان ىحرزها كاملة ما لم يبتلع المائت كليا من الحياة ( 2 كو 4:5 ، وانظر 1 كو 54:15 مستشهدا باشعيا 8:25)
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
91 ــ لقد روى لي احد الذين يحبون الرب بعزم لا يشبع قال :" بما اني كنت في توق الى امعرفة حب الله معرفة حق وهبني اياهالصلاح الاسني في شعور كبير بالملء وقد احسست بفعلها بقوة حتى ان نفسي كانت آنذاك في فرح وحب لا يوصفان، تلتهب اشتياقا الى الخروج منالجسد والذهاب الى الرب، وكأنها انقطعت عن معرفة هييءة هذه الحياة الزائلة " والذي خبر هذا الحب، حتى ولو شتم او اسيء اليه بالف نوع من الاساء ات، لا يغضب على المسيء اليه، فمثل هذه المحن قد تظل تصادف من يجب ان يدرب، انه يبقى وكأنه ملتصق بنفس الذي شتمه. او حتى الذي اضر به، لذا فهو لا يستشيط غضبا الا على الذين يهاجمون المساكين او، كما يقول الكتاب، يتكلمون علىالله باستعلاء ( مز 5:74)، او يعيشون في اي نوع آخر من الاثم. لأن الذي بات يحب الله اكثر من ذاته. بل لا يعود بالحري يود ذاته بل الله وهده، هذا لا يعود يطالب بكرامته، انما يبتغي فقط تكريم بر الله الذي كرمه كرامة ابدية، وهذا لا يبتغيه ابتغاء فاترا بل يحول استعداده هذا الى عادة في خبرته العظيمة لمحبة الله، بالاضافة الى ذلك يجب ان نعرف اننا حين يدفعنا الله الى تلك الدرجة من المحبة نرتقي ابان د؛لك حتى فوق الايمان، لاننا اصبحنا نعانق بحس القلب وبحب جزيل من كنا نكرمه بالايمان قط هذا ما يشير اليه الرسول القديس بوضوح حين يقول " اما الآن فيثبت الايمان والرجاء والمحبة هذه الثلاثة ولكن اعظمهن المحبة. ( اكو13:13)، لان من يعانق اله في غنى الحب، كما قلت هذا يكون اعظم بكثير من ايمانه نفسه لأنه انما هو بكليته في الشروق
في محبة القريب
92ــ اذا اتفق واخطنا على احد وشتمناه فعادانا فان فعل المعرفة المقدسة فينا يسبب لنا في المرحلة الوسطى ( من المسيرة الروحية ) حزنا غير قليل لذا فهو لا يكف البتة عن وخز ضميرنا الى ان نسترجع المساء اليه باعذار كثيرة الى علاقة الود السابقة ، ام اتوجع القلب القصى الذي تسببه لنا المعرفة في المرحلة الاخيرة وفي وضع كهذا فيغرقنا في النحيب والغم ولو كان قد سخط علينا علماني بغير حق، اذ نحن قد صرنا ( لا لشيء ) معثرة للذين يتلمون بحكمة هذا الدهر ( انظر اكو 6:2) ومن ثم يصبح الذهن عاجزا عن التأمل والمشاهدة لأن اقوال المعرفة وفحواها المحبة، لا تدع الفكر يرحب للمعاينة الالهيه؛ قبل ان نستعيد الى المحبة حتى من سخط علينا اعتباطيا واذا اتفق انه لا يرضى بذلك، او تباعد ليتهرب منا، تحثنا المعرفة عندها على الستعانة بسمات وجهها فنسكب نفسنا سكبا سخيا لتتم هكذا شرعة المحبة في عمق القلب، اذ يتوجب، كما يقول الكتاب على الذين يبتغون معرفة الله ان ينظروا في داخلهم بروح خال من الغضب، الى وجه الذين يسخطون بلا داع متى فعلنا هذا فلن يتمكن الذهن فقط من التبصر دون تعثر في الالهيات، بل سيرتقي الى حب الله بجرأة كبيرة وكأنه محمول من الدرجة الثانية الى الاولى بدون عائق
في ضرورة الجهاد
93ـ يبدو طريق الفضيلة للذين لا يزالون في بداية شغفهم بالتقوى كثير المشقة والكراهية. لا لأنه هكذا بالفعل بل لأنن الطبيعة البشرية ترتع بالملذات منذ الحشا. اما الذين يقومون على اجتياز منتصفه فهو لهم منحدر كثير الراحة. فالعادات السيئة اذا ما اخضعت للعادات الصالحةبممارسة الصلاح تزول مع ذكر الملذات الفاسدة. فتغدو النفس تسلك كل دروب الفضائل بسرور لذا يقول الرب فيما هو يدخلنا الى طريق الخلاص انه " ضيق وكرب الطريق الذي يؤدي الى الملكوت وقليلون هم الذين يجدونه" ( متى 14:7). ام اللذين يرتضون التمسك بحفظ وصاياه المقدسة بعزم شديد فيقول" لأن نيري هين وحملي خفيف" (متى 30:1). ينبغي اذا في اوائل الجهاد ان نغصب انفسنا على حفظ وصايا الله المقدسة، حتى اذا ما شاهد سيدنا الصالح قصدنا واتعابنا هيأ لنا ارادة مستعدة كل الاستعداد لخدمة مشيئاته بابتهاج، فالرب هو الذي يهيء الارادة حينذاك فنغدو فاعلين الصلاح على الدوام بفرح كبير، اذ ذاك سوف نشعر حقيقة بأن الله هو " العامل فينا ان نريد وأن نعمل على حسب مرضاته" ( في 13:2)
94ـ ان لم يسخن الشمع او يدعك طويلا فلا يمكنه تقبل رسم الختم ، وهكذ الانسان فان لم تمنحه الاتعاب ولامراض فلا يستطيع احتواء ختم صلاح الله، لذا يقول الرب لبولس آلهي" تكفيك نعمتي لأن قوتي بالضعف تكمل". والرسول نفسه يمجد ذاته بقوله: " فبكل سرور افتخر بالحري بضعفاتي لكي تحل فيَّ قوة المسيح" ( ي كو 9:12)، ولكنه مكتوب ايضا في سفر الامثال" والذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل الذين يرتضيهم ابناء له ( امثال 12:3). هكذا يسمى الرسول هجمات اعداء الصليب ضعفات لأنهم كانوا يهاجمونه باستمرار هو وجميع قديسي ذلك الزمان لئلا يرتفعوا بفرط الاعلانات كما يقول هو ( 2 كو 7:12)، بل كانوا بالحرى يواظبون في مسعى الكمال هذا عل صون العظمة الالهية بقداسة بفضل انسحاقهم وسط اوهانهم الكثيرة، في حين اننا نسمي ضعفات الافكار الرديئة والاسقام الجسدية، لأنه لما كانت اجساد محاربي الخطيئة مطروحة للضرب القاتل ولتعاذيب اخرى مختلفة كانوا اعلى كثيرا من الاهوء التي اجتاحت الطبيعة البشرية بعد السقوط، اما الآن اذ يتكاثر سلام الكنائس بنعمة الرب ( انظر بطرس الاولى 2:1)، فيقتضي ان تمتحن اجساد ابطال التقوى بانحرافات صحية دائمة وان تمتحن نفوسهم بافكار سيئة، وبخاصة الذين تفعل فيهم المعرفة الالهية بشعور تام باليقين، حتى يبقوا بعيدين عن كل غرور وكل تشتت. ويستطيعوا بالتالي ان يتقبلوا في قلوبهم من تلقاء انسحاقهم الكبير، كما سبق ان قلت، رسم الجمال الالهي وفقا لقول النبي : " لقد ارتسم علينا نور وجهك يا رب " ( مز 7:4)، من هنا ينبغي ان نتحمل مشيئة الرب بشكر، واذ ذاك سيحسب لنا دوام الامراض وقتال الافكار الشيطانية بمثابة استشهاد ثان، ذلك ان الذي كان يقول يومها للشهداء القديسين بفم الحكام الكفرة: " انكروا المسيح واطلبوا كرامات هذه الحياة " يهاجم الآن ايضا خدام الله شخصيا بقوله لهم القول عينه دون انقطاع، ومن كان يعذب اجساد القديسين حينذاك ويوجه الى معلمي الكرامة اقصى الاهانات. بواسطة خدام تلك المقاصد الشيطانية، هو نفسه الآن ايضا يضيق على المعترفين بالايمان بتلك العذابات المتنوعة وسط التعييرات والشتائم، خاصة حين يهبون بقوة كبيرة ولمجد الرب مد يد العون للمعذبين التعساء. لذا علينا تأدية شهادة الضمير بثبات وصبر امام وجه الله ، فانه مكتوب "انتظرت الرب بصبر فاصغي الي" ( مز 1:39)
-
رد: كتاب مائة مقالة في المعرفة الروحية للقديس ذياذوخوس اسقف فوتيكي
التواضعان
95ــ صعب هو اقتناء التواضع ، فبقدر ما هو عظيم بقدر ما يتطلب مجاهدات ليتحقق. ويحظى به مساهمو المعرفة الالهية بطريقتين ما دام المجاهد في المرحلة المتوسطة من مراحل الخبرة الروحية، فانه ، بتأثير اوهان الجسد. او مبغضي فاعلي البر، او افكار رديئة، يأتي الى تكوين مشاعر اكثر اتضاعا، اما اذا كان الذهن قد استنار بالنعمة المقدسة، في احساس كبير باليقين ، تقتني النفس حينها التواضع وكأنه بالطبيعة. فهي اذ كانت قد سمنت حقا بالصلاح الالهي لا تعود عرضة لانتفاخ العُجب ولو حفظت وصايا الله بلا انقطاع، بل ترى نفسها بالحري تحت الكل لانها تشترك في العدل الالهي. هذا وان التواضع الاول يحمل معظم الاحيان حزنا وهبوطا في الهمة، اما الثاني ففرحا مع خفر كثير الحكمة . لذا فالاول يأتي من هم في منتصف الجهاد كما قلت، والثانيا يمنح لمن يقاربون المال لذلك فكثيرا ما تطيح بالاول نجاحات هذا الدهر، ام الاثاني فلو قدمت له ممالك الارض كلها ( انظر متى 8:4) لا يتعظم ول ايشعر قطعا بسهام الاثم المسددة اليه. وحيث انه لا جسماني تماما لا يعرف البتة اباطيل الجسد، ولكن كان لا بد لمجاهد من المرور بالتواضع ليصل الى الثاني، فان النعمة ما لم تليَّن مشيئتنا بالآلام التهذيبية اولا، على سبيل الاختبار لا القسر، لا تستطيع ان تثنينا عظمة الثاني
في الحروب الاخيرة
96 ــ ان محبي ملذات الحياة الحاضرة تنتقل بهم الافكار الى الزلات، د؛لك انهم لعدم تصرهم يبتغون نقل معظم ايحاأت اهوائهم الى اقوال رديئه وافعال اثيمة. ما الذين يعتزمون ممارسة الحياة النكية فينتقلون من الزلات الى الافكار الرديئة او الى بعض الاقوا السيئة والمؤذية. لأن الشياطين متى رأوا مثل هؤلاء يرتضون الاستهزاء بغيرهم بسرور او يتمادون في احاديث بطالة وفي غير وقتها او يضحكون بلا احتشام او يسرقون في الغضب او يطلبون المجد الفارغ التافه، يتسلحون حينئذ ضدهم باجماع الكلمة فيتخذون المجد الباطل خاصة فرصة لخبثهم ويقفزون منه الى النفوس كما من نافذة مظلمة ويعيشون فيها فسادا، فينغي اذا على مريدي عيش الفضائل كلها عدم ابتغاء المجد ولقاء اناس كثيرين وعدم الخروج باستمرار والاستهزاء بالآخرين، حتى ولو استأهلوا الهزء، وعدم التكلم كثيرا، حتى ولو كانوا قادرين على قول كل شيء كما يليق، فان كثرة الكلام تشتت الذهن بما لا يقاس فلا تنتزع منه فاط كل اهلية للنشاط الروحي بل تدفعه ايضا الى شيطان الغضب، فيجب اذا ان يقطع الذهن دائما الى حفظ الوصايا المقدسة والى ذكر عميق لرب المجد لأن " من يحفظ الوصية لا يشعر بشيء من الشر" يقول الكتاب (الجامعة 5:8) اي انه لا يميل الى افكار او اقوال شريرة
97 ــ حين يتلقى القلب سهام الشياطين بألم كاوٍ. على نحو يظن المرء معه انه يتلقى نبالهم عينها، تكره النفس اهواءها ولكن بعناء، كونها في مستهل مرحلة التطهر؛ لأنها ما لم تتألم جدا لوقاحة الخطيئة فلن تنعم تنعما وافرا بصلاح البر، فمن يتوخى تنقية قلبه فليلهيه دائما بذكر الرب يسوع جاعلا منهذا الذكر وحده دراسته وممارسته الدائمتين اذ يجب الا نصلي حينا ونتوقف عن الصلاة حينا آخر اذا ما شئنا التخلص من العفن الذي فينا بل يجب الصلاة على الدوام بيقظة الذهن حتى ولو كنا خارج دور الصلاة فانه كما اننا اردنا تصفية الذهب وتركنا نار البوتقة تنطفئ ولو لبرهة وجيزة نعيد الصلابة الى المعدن الذي نصفي،كذلك من لا يذكر الله الا من وقت لاخر يفقد بتراخيه ما يظن انه قد اكتسبه بالصلاة ان خاصة الانسان المحب للفضيلة هي ان يحرق دائما بذكر الله ما هو ارضي في قلبه حتى يبيد الشر شيئا فشيئا بنار ذكر الصلاح، وتعود النفس تماما الى ضيائها الطبيعي بمزيد من البهاء
98ــ ليس اللاهوى في الا تهاجمنا الشياطين، اذ يلزمنا عند ذاك ان نخرج من العالم كما يقول الرسول ( اكو 10:5) بل في ان نبقى محصنين منيعين حين يهاجموننا. فان الجنود المصفحين بالحديد يتلقون نبال خصومهم ويسمعون صوت الرماية، بل يكادون ان يروا كل السهام المطلقة عليهم، ولكنهم لاجل مثانة دروعهم لا يصابون بأذى ، هؤلاء يدينون بسلامتهم للحديد الذي يجلببهم في القتال،اما نحن المتسلحين بلباس النور المقدس وخوذة الخلاص بممارستنا كل الصالحات فلنحطمن جحافل الشياطين المظلمة لأن النقطاع عن فعل الشر لا يؤتي النقاوة وحده ، بل تقويض الشر بكل قوانا عنر الاهتمام بالخير
99ــ اذا ما تغلب رجل الله على سائر الاهواء او كاد ان يفعل يبقى عليه محاربة شيطانين ، فالواحد يشوش النفس بجذبها من حب عظيم لله الى غيرة مسرفة تريد معها ان لا يرضي احد الله كما ترضيه هي اما الآخر فيلهب الجسد فيثيره لاشتهاء الجماع الجسدي، هذا ما يحصل للجسد لأن هذه اللذة ملازمة للطبيعة بهدف الانجاب وبالتالي يسهل سقوطه فيها، هذا ما يحصل بسماح من الله ايضا. فالرب حين يرى مجاهدا كاملا ناجحا في الفضائل كلها يسمح احيانا بأن يدنسه مثل ذك الشيطان حتى يعرف ذاته انه دني اكثر من جميع اناس هذا الدهر، لاشك في ان ازعاج الهوى لنا يرافق الاعمال السالحة او حتى يسبقها لكي تبدو النفس بسبب ذلك وكأنها بطالة ايا كانت افضالها الجزيلة ( انظر 10:17)، ولكن فلنحارب الشيطان الاول بكثير من الاتضاع والمحبة، والثاني بالامساك وقمع الغضب وذكر الموت ذكرا عميقا، حتى اذا م آحسسنا اثر ذلك بفعل الروح القدس على الدوام نصير في الرب اعلى من كل من الهوى الاول والثاني معا
100ــ نحن الذين لنا نصيب في المعرفة المقدسة سنؤدي جميعا حسابا عن كل تشتت ولو كان غير طوعي ، "" لقد ختمت على معاصي غير الارادية نفسها " يقول ايوب الصديق ( راي 17:14) فالمرء الذي لا ينقطع عن ذكر الله ولا يهمل وصاياه، لن يذل لا طوعا ولا كرها ، فيجب اذا ان تقدم للسيد اعترافا حارا فوريا حتى بالمخلفات الكرهية، اعني تطبيقا لطريقتنا اليومية ( اذ قد يتعذر على الانسان ما دام انسان الا يتعرض لزلات بشرية ) الى ان يلقي ضميرنا في دموع الحب التأكيد بأن ذنوبه قد غفرت فالقديس يوحنا يقول " ان اعترفنا بخطايانا فهو امين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل اثم" ( يوحنا الاولى 9:1)، ويجب اعارة الاستعداد ؛؛اعتراف انتباها دائما لئلا ينخدع ضميرنا اتفاقا، ظانا انه قد اعترف لله على نحو كاف، فالله متطلب في حكمه اكثر من ضميرنا بكثير حتى وان كنا بيقين كامل لا نعي وجود اية خطيئة فينا، كما يعلمنا بولس الكلي الحكمة فيقول :" لست احبكم في نفسي ايضا فاني لست اشعر بشيء في ذاتي لكنني لست بذلك مبررا ولكن الذي يحكم في هو الرب" ( اكو 3:4ـ4) لأننا ان نا لا نعترف كما يجب حتى بتلك الزلات فسنكتشف فينا ساعة الرحيل خوفا خفيا مبهما فعلينا نحن الذين يحبون الله ان نصلي حتى نوجد حينذاك معتقين من كل خوف فمن يوجد في الخوف لن يعبر اما رؤساء الهاوية كانسان حر، لان ذلك الخوف الذي تشعر به النفس من جراء مساوئها هو حليف لهؤلاء اما النفس المتهللة بحب الله فتؤخذ ساعة الانعتاق مع ملائكته مرتقية فوق كل جحافل الظلمة او تكون وكأنها محمولة على اجنحة الحب الروحي حاملة دون انقطاع المحبة التي هي كمال الناموس ( انظر رو 10:13) لذا فالذين يفارقون هذه الحياة بمثل تلك الثقة سيخطفون عند مجيء الرب مع جميع القديسين ( انظر اتس 16:4) اما الذين يرتعدون عند الموت ولو قليلا فسيتركون اسفل مع سائر الناس الآخرين كخاضعين للدينونة ، حتى يمتحنوا بنار الدينونة ( انظر بطرس الاولى 7:1) فينالوا المصير الذي يستحقون طبق اعمالهم من يدي ملكنا الصالح والهنا يسوع المسيح ، لانه اله العدل وله الفيض الذي يسكبه علينا نحن محبيه فيض حلاوة ملكوته، ( مز 8:35) الى دهر الداهرين
تم لمجد الله تعالى