-
البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
[FRAME="15 70"]
البشريّة المريضة
بيت الداء وحقيقة الدواء
المقدمة
ثمّة مَن يدّعي أنّ الله خلق الموت وثمّة مَن يعتبر الكثير من الرذائل، كالزنى واللواطية، حاجات طبيعية في الناس. إنّ اعتماد نظرة كهذه إلى الأمور يؤثّر في مجمل أخلاقية الشعوب والأفراد.
بالنسبة لنا ما نقوله هو إنّ البشريّة مريضة ومرضها نردّه إلى ما نسمّيه "السقوط". يستحيل علينا أن نفهم مِمَ عانى الإنسان عبر التاريخ ما لم تكن لنا نظرة صحيحة إلى:
ما كان عليه قبل السقوط وما حلّ به في السقوط، ما هي الخطيئة؟
لماذا الخطيئة مرتبطة بالمعصية؟
ما الذي تسبّبت به خطيئة آدم وحوّاء؟
كيف انتقل تأثير سقوط آدم وحوّاء إلى كل الجنس البشري؟
لماذا تجسّد ابن الله؟
ما الذي اشترك فيه الربّ يسوع من جهة ما للإنسان الساقط وما الذي لم يشترك فيه؟
ما الذي حقّقه الربّ يسوع؟
كيف جيّر الروح القدس ما حقّقه الربّ يسوع للجنس البشري؟
أي نهج بات على الإنسان أن ينهجه ليخلص ويحقّق قصد الله له؟
كل هذا في ضوء ما ورد في الكتاب المقدّس ولدى الآباء القدّيسين في الكنيسة.
على هذه وغيرها من الأسئلة المصيرية، والإجابات الواضحة والدقيقة بشأنها، يتوقّف سداد موقف المؤمن، من جهة تدبير الله الخلاصي للإنسان وسلامة مسيرته الروحية في كل زمان ومكان. نقول هذا لأنّ في التداول، بين المؤمنين، أفكاراً ليست من تراث الأرثوذكسية. ولا غرو فانفتاح عالمنا على كل فكر يجعل التلفيق (الاختلاط) في المواقف ميسّراً. هذا لا يجد فيه الكثيرون ما يضير بل ما يُغني، لكنّه، في الحقيقة، يؤذي ويشوِّش ويشوِّه. السبب هو أنّ الفكر عندنا، في الكنيسة، ليس للفكر ولا هو بمعزل عن حياتنا المسيحيّة. فكرنا اللاهوتي مرتبط، عضوياً، بالحياة الروحية، وهو خارطة الحياة الجديدة.
مستحيل على المؤمن أن تستقيم حياته الداخلية ما لم يكن فكره اللاهوتي أرثوذكسياً. من هنا أهميّة العقيدة القويمة عندنا، ومن هنا حرصنا على التمسّك بما انحدر إلينا من الآباء القدّيسين أكبر الحرص.
في إطار هذا الفهم، بالذات، للأمور نُقبِل على ما تمدّنا به الكنيسة الأرثوذكسية المقدّسة من إجابات على أسئلتنا أعلاه.
[/FRAME]
[FRAME="13 70"]
الجزء الأول
لم يخلق الله الإنسان، في الأساس، لا خالداً ولا غير خالد (القدّيس ثيوفيلوس الأنطاكي، القرن 2 م). كان، في ذاته، قابلاً لكِلا الأمرَين معاً، الخلود وعدم الخلود. سيره في هذا الاتجاه أو ذاك كان رهناً بإرادته هو، بسلوكه في طاعة الله، في الوصيّة الإلهيّة، أو بعدم سلوكه فيها. الخلود، عندنا، لا يعني الحياة إلى الأبد بل الحياة الأبدية. هناك فرق كبير بين الاثنين. الحياة إلى الأبد معناها الحياة إلى ما لا نهاية، فيما الحياة الأبدية، وفق إنجيل يوحنا (17: 3)، هي "أن يعرفوك [الآب السماوي] أنتَ الإله الحقيقي وحدكَ ويسوع المسيح الذي أرسلتَه". أن يعرفوك بمعنى أن يدخلوا في شركة المحبّة معكَ إلى الأبد، "أنا فيهم وأنتَ فيّ... كما أنّك أنتَ، أيّها الآب، فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا" (يو 17: 23، 21). هذا في ما خصّ الخلود. أمّا في ما خصّ عدم الخلود، أو الموت، فلا يعني، عندنا، الفناء بل ما أسماه الربّ يسوع نفسه "عذاباً أبدياً" (مت 25: 46) إذ يُلقَى فاعلو الظلم (لو 13: 27) في "النار التي لا تُطفأ حيث دودهم لا يموت" (مر 9: 45 – 46)، في "الظلمة الخارجية. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان" (مت 8: 12 – 13). الحياة الأبدية، من جهة طبيعة الإنسان، هي نعمة من فوق، فيما الموت هو ناتج انصراف الإنسان عن الله. لذا ليس الموت من صنع الله (حك 1: 13). موت الإنسان أتى به الإنسان على نفسه بعدما انقطع عن ربّه لما عصاه. طبعاً ما أراده الله للإنسان، منذ البدء، كان أن يشترك، بالنعمة، فيما لله، أي في الحياة الأبدية. لكنّ الله جعل تحقيق مبتغاه للإنسان رهناً بإرادة الإنسان نفسه، بحرّيته. الإنسان كان قادراً على أن يَقبل عطيّة الله وقادراً على أن يرفضها. الحياة والموت معاً كانا في يده: الموت إذا نبذ الوصيّة وعصى الله، والحياة إذا حفظ الوصيّة وأطاع الله. من هنا أهميّة الوصيّة الإلهية وطاعة الله.
وصيّة الله لآدم كانت هذه: "من جميع شجر الجنّة تأكل أكلاً. أما شجرة معرفة الخير والشرّ فلا تأكل منها لأنّك يوم تأكل منها موتاً تموت" (تك 2: 16 – 17). أولاً علينا أن نُدرك أنّ شجرة معرفة الخير والشرّ كانت خيراً (القدّيس يوحنّا الدمشقي) طالما الله أبدعها. لكنْ يبقى السؤال مطروحاً طبعاً: إذا لم يشأ الربّ الإله لآدم أن يأكل من شجرة معرفة الخير والشرّ فلماذا جعلها في الجنّة أمام عينيه؟ ألم تكن فخّاً له؟ كلا أبداً! وجود شجرة معرفة الخير والشرّ في الجنّة كان أمراً طبيعياً لأنّ الله خلق الإنسان حرّاً. الحرّية تتضمّن، فيما تتضمّن، أن يكون في وسع صاحبها أن يعرف الخير والشرّ. قمّة الحرّية، في الحقيقة، أن تعرف الشرّ وتنبذه وتتمسّك بالخير. هذا لأنّ الحرّية لا تتحقّق إلاّ في الخير، أما في الشرّ فتضيع لأن "مَن يعمل الخطيئة هو عبد للخطيئة" (يو 8: 34). أوصى الربّ الإله آدم أن لا يأكل من شجرة معرفة الخير والشرّ لا لأنّه لم يُردْه أن يأكل منها بالمطلق بل لأنّ آدم كان، بادئ ذي بدء، وفق ما يُفيدنا به آباء الكنيسة، في حال الطفولة الروحيّة. بتعبير القدّيس ثيوفيلوس الأنطاكي "كان طفلاً"، وبتعبير القدّيس إيريناوس الليّوني "كان خُلُقياً غير كامل". وقد أعطاه الربّ الإله وصيّة أن لا يأكل من الشجرة بقصد حمايته منها إذا ما خطر بباله أن يتناول من ثمارها قبل الأوان. ثمّ اللهُ لا يُعامِل الإنسان، بعدما خلقه حرّاً، بالإكراه، بل بالإيعاز، بالوصيّة. الله المحبّة لا يَفرض نفسه فرضاً. كان لا بدّ لآدم أن ينمو، أولاً، في النعمة والقامة الروحيّة، في طاعة الله ومحبّته. فقط إذ ذاك يصير بإمكانه أن يأكل من الشجرة دون أن يتأذّى. هنا يُشار، كما يُبدي آباؤنا (القدّيس ثيوفيلوس، القدّيس يوحنّا الدمشقي...)، إلى أنّ السقوط مردّه لا أَكْلُ آدم من الشجرة الحرام بل عصيانُه لله، مخالفته للوصيّة. هذا وحتميّة الأكل من الشجرة، في الوقت المناسب، يتضمّن، استنتاجاً، أنّ الإنسان، متى نما في الروح، يصير قادراً على أن يعرف ما هو الشرّ، في عمقه الكياني، دون أن يختبره. طبعاً هذا غير ممكن بشرياً، لكن الروح هو الذي يجعل الأمر ممكناً. بهذا المعنى القدّيسون الذين امتلأوا من روح الربّ هم أكثر الناس معرفة بماهية الخطيئة وعمقها الكياني. هناك معرفة للخطيئة كفعل، هذه لم يكن آدمُ قبل السقوط ليعرفَها لو أقام في الطاعة لله. وهناك معرفة للخطيئة في عمقها الكياني، في بُعدها الروحي، هذا بالذات ما كان قد تسنّى لآدم أن يعرفه لو حفظ نفسه بالوصيّة، وبمعرفته له كان لُصوقُه بالخير لِيَقوى وانشدادُه لربّه ليتعزّز. هكذا كانت حرّيته، في الحقيقة، لِتتحقّق وتكتمل، من حيث إنّ تمام الحرّية هو الخيار الكياني العميق لحقّ الله ومحبّته بإزاء الشرّ في الكيان والكون.
كلامنا أعلاه يتضمّن أنّ الله نفسَه يعرف المضمون الروحي للشرّ دون أن يختبر الشرّ كفعل وإلاّ ما كان خلَق الإنسان حرّاً ولا خلَق له شجرة معرفة الخير والشرّ. دليلنا على ذلك ذوق الربّ يسوع المسيح للموت. لم يعرف الربّ يسوع الخطيئة، لكنّه عرف عمقها الكياني المتمثِّل في الموت. لذا ذاق الموتَ كإنسان وعرف عمق الموت في الكيان بروحه دون أن يذوق الموتَ كإله، حيث إنّ الله منزّه عن الموت.
هذا يأتي بنا إلى موضوع الطاعة. لِمَ الطاعة أساسية لدخول الإنسان الحياة الأبدية؟
هناك، في الحقيقة، نوعان من الطاعة: الطاعة الخارجية والطاعة الداخلية. الطاعة الخارجية تكون متى قال لك أحد، لغاية في نفسه، تعال إلى هنا فتأتي. اذهب إلى هناك فتذهب. افعل هذا فتفعله. لا تفعل ذلك فلا تفعله. الطاعة الخارجية، إذاً، تكون لآخر يأمرك جاعلاً إياك أداة له. أما الطاعة الداخلية فتكون متى أوصاك آخرُ، حرصاً عليك ومحبّة بك، بما هو خير لك. من ذلك مثلاً طاعتك للطبيب في ما يوصيك به بشأن صحّتك، وطاعتك للميكانيكي في ما يوصيك به بشأن سيارتك. كلّما كان طبيبك قديراً كلّما استدعى ذلك أن تكون طاعتك له أعظم.
الطاعة الكاملة تكون لله. لماذا؟
لأنّه هو العارف تماماً بك وبما يناسبك. الله لا يأتيك كغريب عنك بل كأقرب من نفسك إليك. ولا يوصيك إلاّ بما هو خير لك. مشيئته أن تكون لك حياة أبدية. وأنت متى أطعته حقّقت لنفسك الخير الذي يريده لك. من هنا كون حياة الإنسان، في العمق، من طاعته لله ولا حياة له من غير طاعة.
هذا والقول صحيح إنّ الإنسان لو أطاع الله، بدءاً، لما ذاق الموت وعرف الفساد. طاعته لله، قبل السقوط، هي أعطته المناعة الروحيّة. حفظته في كنف الله، في النعمة، في الحياة. فلمّا عصى الإنسانُ الله سقط وكان سقوطه عظيماً!
[/FRAME]
يتبع
ترقبوا المزيد
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
ماهذه الارثوذكسية.... الفكر المتنور
الفكر الارثوذكسي هو نعمة من نعم الله
شكرا لك يا اخي سليمان ( الحكيم ) على هذا الكشف
على روحانية وسمو وصفاء عقائد الكنيسة الارثوذكسية
الى الامام .
الشكر والمجد لله على كل شىء
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
رائع جداً....عظيم ، عميق وروحي صرف
شكراً يا اخي وقواك الرب
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
اقتباس:
السقوط مردّه لا أَكْلُ آدم من الشجرة الحرام بل عصيانُه لله، مخالفته للوصيّة.
شكرا لمشاركتك أخي سليمان
إنها نعمة روح الحكمة و الفهم التي تظللك و منها تزيدنا دوما بكلماتك
صلواتك أخي
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
[FRAME="13 70"]
الجزء الثاني
خلق الله الإنسان، في البدء، حسناً جداً (تك 1: 31). لم يكن ناقصاً في شيء. طبعاً لم يكن خالداً لأنّ الخلود ليس من مزايا الطبيعة البشريّة بل هو هبة الله. وهذه تُعطى له متى نما في طاعة الله ومحبّته. جنّة عدن، التي هي صورة عِشرَة الإنسان لله، كان مفترضاً بآدم أن "يعملها ويحفظها" (تك 2: 15). إذاً لم تكن ناجزة لديه. روحياً، كان الإنسان طفلاً. كان عليه أن يصير "فلاّحاً للعبادة الحسنة" (قنداق عيد القدّيس جاورجيوس اللابس الظفر) حتى يحظى بنعمة الحياة الأبدية. حالُ آدم وحوّاء، قبل السقوط، كان كحال الحديد والنار. الحديد، في ذاته، قابل للفساد والانحلال، ولكنْ إذا لزم النار انحفظ. هكذا كان آدم وحوّاء. طالما بقيا في كنف الله – وهذا رهن لا بمشيئة الله وحده بل بإرادتهما أيضاً – كانا محفوظَين بالنعمة، ولكنْ لمّا نجح الشيطان المتلبِّس بالحيّة في خداعهما سقط آدم وحوّاء من روح الله. أُخرِجا من جنّة عدن (تك 3: 23). طُردا منها طرداً ولم يعدْ لهما إمكان عودة إليها بنفسيهما (تك 3: 24).
كان السقوطُ سقوطاً من حال إلى حال: من الطاعة إلى الخطيئة، من عِشْرة الله إلى استعباد الشيطان، من عدم الفساد إلى الفساد. الخطيئة هي التعدّي (1 يو 3: 4) والإثمُ الذي هو معارضةُ الله ومقاومتُه بعناد. "إنسان الخطيّة ابن الهلاك"، في الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي، هو "المقاوِم والمرتفِع على كل ما يُدعى إلهاً أو معبوداً حتى إنّه يجلس في هيكل الله (كإله) مظهراً نفسه أنّه إله" (3: 4). الخطيئة هي الحيدان عن الحقّ. في اليونانية، من معاني الخطيئة (أمارتيا) الإخفاق في إصابة الهدف. فَشِلَ آدم وحوّاء في تحقيق قصد الله لهما فسقطا وصارا في الخطيئة. تعبير "في الخطيئة"، كما في رو 6: 1، يشير إلى الحال الجديدة التي آل إليها الإنسان إثر السقوط، إلى الواقع الناجم عن المعصية. من الحال الكيانية الاختلالية هذه للخطيئة، انبثّ، في الإنسان، ما يُعرَف بـ "الأهواء" التي هي منابت الخطايا، أو جذورها. الأهواء، في ذاتها، ليست خطايا بل هي ينبوع الخطيئة مغروساً في طبيعتنا. الأهواء هي الأصنام الداخلية وما عبّرت عنه كل الأصنام في تاريخ البشريّة منذ السقوط. كل الأصنام الحجرية والفكرية والعاطفية ذات الصلة بالمال وشهوة البطن والزنى والمجد الباطل وأمثالها، في أي من مجالات الحياة الفردية والجماعية، كل هذه الأصنام مصدرها واحد: الأهواء! بالأهواء صار الإنسان مائلاً إلى مراكز اهتمام أخرى غير الله. هذه حلّت، في الإنسان، أسياداً محلّ سيّد السماوات والأرض، وصار الإنسان، بصورة تلقائية، متّجهاً، كيانياً، إلى تلبيتها، عبادياً، كما لو كان له فيها ملء الوجود، كإنسان ناهد إلى الألوهة. ولكنْ كلُّ سعي الإنسان، مهما فعل، في هذا الإتجاه، كان باطلاً لأنّه اتجاه خاطئ، لأنّ الإنسان بات مقيماً في الخطيئة، في الكذب، في الضلال، في الضياع، في الوهم. على هذا استبانت خدعة الشيطان لآدم وحوّاء، بدءاً، مستمرة في الأهواء/ الأصنام التي انزرعت في الطبيعة البشريّة بعدما سقط الجدّان الأوّلان في المعصية. الخديعة قائمة في أهواء الناس. الخطيئة، دائماً، وعد يؤول إلى خيبة، غيم بلا ماء. فلا عَجب إن قال آباؤنا إنّ وراء كل خطيئة روحٌ غريب حتى لَيُماهونها وهذا الروح الغريب عينه. الغريب، في الحقيقة، كان إيّاه الشيطان وأبالستُه ذوو الاختصاص في شتّى الأهواء والخطايا. بهم دخلت الخطيئة إلى العالم. طبعاً لا بالشيطان وحده بل بقبول الإنسان أيضاً لإيحاء الشيطان، لمنطق الروح الغريب، وتعاون الإنسان معه. "شعبي عمل شرَّين. تركوني أنا ينبوعَ المياه الحيّة لينقروا لأنفسهم آباراً آباراً مشقَّقة لا تضبط ماء" (إر 2: 13)!
نجح الشيطان، بالحيلة، في إقناع آدم وحوّاء بأنّ الله كاذب. قال الله لآدم: "يوم تأكل من... [شجرة معرفة الخير والشرّ] موتاً تموت" (تك 2: 17)، وقالت الحيّة للمرأة: "لن تموتا" (تك 3: 4). نجح الشيطان، بالحيلة، في إقناع آدم وحوّاء بأنّ الله يمنعهما من الشجرة عن قصد غير قويم، لأنّه يريد لهما أن يبقيا جاهِلَين قاصرَين، وفي ذلك ظلم وتَعَدٍّ على حرّية الإنسان وحرمانٌ لهما من امتياز عظيم هو من حقّهما وهو في متناول أيديهما. بتعبير الحيّة: "الله عالم أنّه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتكونان كالله عارِفَين الخير والشرّ" (تك 3: 5). هكذا بثّ الشيطان الشكّ في صِدقية الله من جهة الإنسان. ولأنّ الإنسان كان قاصراً في معرفته العميقة لحقيقة الأمور، تمكّن الشيطان من ضرب إيمان آدم وحوّاء في الصميم. جعل إسفيناً ما بين الإنسان وربّه. نجح الشيطانُ في تحويل انتباههما من وصيّة الله إلى شهوة نفسيهما، "فرأت المرأة أنّ الشجرة جيِّدة للأكل وأنّها بهجة للعيون وأنّ الشجرة شهيّة للنظر، فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجُلها أيضاً معها فأكل" (تك 3: 6). تبنّى الإنسان منطق الشيطان، المنطق الذي جعله شيطاناً بعدما كان ملاكاً مقرَّباً جداً من العليّ. فإنّ الإنسان، إذ تحوَّل عن الله، أَكَلَ طُعْمَ الشيطان له، تبنّى خبرته، وقع في فخّه. سلك الإنسان في شهوة نفسه. اعتزل عن الله. صار يقيس الأمور على رغبته الخاصة. التزم إرادته الذاتية معياراً لكل شيء. بكلام آخر تشيطن الإنسان في الخُلُق لمّا وقع في حبّ الذات، من حيث إنّ الشيطان معلّم عشق الذات بامتياز. صار حبّ الذات لدى الإنسان هو، عينه، الألوهة محقَّقة، صنمَ الأصنام، إلهَ الآلهة، مصدرَ ومآلَ كلِّ عبادة. انكفأ الإنسان على نفسه بعدما كان ممتدّاً صوب ربّه. لم يعدْ بحاجة إلى ما هو أو مَن هو خارج نفسه ليتألّه. صار إلهاً في ذاته، في عين نفسه. هكذا تمثَّل السقوطُ من حالٍ كان الإنسان فيها ينمو في محبّة الله من كل القلب ومن كل النفس ومن كل القدرة إلى حال فيها ينمو، في عشق الذات، من كل القلب ومن كل النفس ومن كل القدرة. هكذا كان سقوط الإنسان من حال الكمال الإلهي، المتنامي إلى حياة أبدية، إلى حال الكمال الشيطاني المزعوم، المتنامي إلى هلاك أبدي.
مَلَك الشيطان على الإنسان. بدا له صديقاً. أقنعه بأن يعبد نفسه من دون الله وأقام هو في التواري! لم يكن تسلّطُه عليه خارجياً. زرع كلمته في قلبه. أراد أن يملك عليه من الداخل، بإرادة الإنسان عينه، إذ طعّم إرادته بمفسدته. والإنسان، في غباء خطيئته، من حيث إنّ الخطيئة تجعل الإنسان غبيّاً (!)، أسلم قيادَه للشيطان وفي ظنّه أنّه، بذلك، يحقِّق ذاته حرّاً من كل تأثير خارجي عليه، من الله ومن الشيطان سواء بسواء.
هكذا دلف الإنسان من عدم الفساد إلى الفساد، من حرّية النعمة الإلهية إلى عبودية الخطيئة، من الحياة إلى الموت. استعبد الشيطان الإنسان بالإقناع فأدخله الدائرة المفرَغة للموت والخوف والخطيئة. هذه لم يعدْ له فكاك منها، وتالياً من ربقة الشيطان عليه. هكذا اعتلَّت الطبيعة البشريّة. بكلام القدّيس كيرلّس الإسكندري: "لمّا سقط الإنسان في الخطيئة وزلق في الفساد، هاجمت الملذّاتُ والنجاسةُ طبيعةَ الجسد، وانقشع، في أعضائنا، ناموس وحشي. أضحت، إذ ذاك، طبيعتنا موبوءة بالخطيئة عبر معصية الواحد، الذي هو آدم. به أضحى الجميع خطأة لا لكونهم شاركوا في التعدّي مع آدم، وهو ما لم يفعلوه البتّة، بل لكونهم من طبيعته، خاضعين لناموس الخطيئة... الطبيعة البشريّة، في آدم، اعتلّت وخضعت للفساد، بالمعصية، وبذا وطئتها الأهواء".
[/FRAME]
يتبع
ترقبوا المزيد
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
[FRAME="13 70"]
الجزء الثالث
أوّل ما حصل، إثر السقوط، أن دخلتْ نفسُ الإنسان نطاق الموت. هذا لأنّه انحرم، بالخطيئة التي ارتكبها، من نعمة الله. الموت تأتّى من الشيطان (القدّيس إيريناوس الليّوني). لم يعاقِب الله الإنسان بصورة مباشرة بل بصورة غير مباشرة إذ سمح له، إذا هو رغب في ذلك، أن ينفصل عنه ويُحرَم الحياة (القدّيس إيريناوس). وهكذا بعد أن كان ناموس النعمة هو الفاعل فيه، صار الفاعل فيه هو ناموس الخطيئة (رو 7: 23). هذا صار له كَمِثْل طبيعة ثانية، منبثّاً، في صورة أهواء، في طبيعته البشريّة التي خلقه الربّ الإله عليها. ناموس النعمة كان له، أيضاً، قبل السقوط، كمثْل طبيعة ثانية، لكنّه كان ناموساً للحياة، أمّا ناموس الخطيئة فصار ناموساً للموت. ولكن، إذا ما كانت الحياة الأبدية هبة الله، فالموت هو أجرة الخطيئة(رو 6: 23)، أي هو ما جرّه الإنسان على نفسه بالخطيئة (القدّيس يوحنّا الدمشقي). ناموس الخطيئة، "الكائن في أعضائي" (رو 7: 23)، صار لي، إذاً، آليةً للموت. لذلك بالخطيئة دخل الموت إلى العالم (رو 5: 12). نذكّر هنا بأنّ تحوّل الإنسان من النعمة إلى الخطيئة كان، في المستوى الوجودي، تحوّلاً من حبّ الله إلى حبّ الذات. إلى حبّ الذات صار الإنسان مائلاً، بصورة تلقائية، بعد السقوط. ناموس الخطيئة والموت، إذاً، هو، في عمقه الكياني، ناموس حبّ الذات.
آدم وحوّاء، الجدّان الأوّلان، سقطا، بدءاً، لأنّهما خطِئا. وهما خطِئا لأنّهما عصيا الله. خطيئتهما كانت عن جهل. شخصياً، تابا وسلكا، بعد ذلك، في بركة الله. إذ لمّا ولدت حوّاء صبيّاً أسمته قايين لأنّها قالت "اقتنيت رجلاً من عند الربّ" (تك 4: 1). لذلك حُسِبا صدِّيقَين ولهما ذِكْرٌ، بين الأبرار، في الكنيسة، في أحد الأجداد، قبل عيد الميلاد. أمّا أوّل مَن انطلق فيه فِعلُ ناموس الخطيئة واستبان لديه التعاون الواعي بين الإنسان والشيطان، باتجاه بلوَرَة الخطيئة وتحويلها إلى عالم قائم بذاته له تراثه، فكان قايين. كِلا الأخوَين، قايين وهابيل، كانت له فرصة السلوك في وصايا الله. هابيل كان قويماً. قدّم لله ذبيحة "من أبكار غنمه ومن سمانها" (تك 4: 4). الذبيحة لاقتناء رضى الله. وهذا يعني أنّه قرَّب من خيرة ما لديه. فنال حظوة في عيني الرب. أمّا قايين، الذي كان عاملاً في الأرض، فـ "قدَّم من أثمار الأرض [ما اتفق له] قرباناً للربّ". فإذا لم ينظر الربّ إلى قربانه، وهو علاّم القلوب، فلأنّ قايين لم يكن سليم النيّة أمامه. وهذا استبان في أنّه قدَّم من ثمار الأرض، رخيصَها، ولم يقرِّب من بكورها وأفضلها. احتفظ بالجيّد لنفسه. استبان طمّاعاً. ثمّ لم يتّضع قايين، وهو المفترض أن يكون عارفاً بما في نفسه (1 كو 2: 11)، ولا قال "خطئت، سامحني!" بل اغتاظ واغتمّ، إمعاناً في البِرّ الذاتي. لكنْ نبّهه الربّ الإله عسى أن يعود إلى نفسه. لا حقّ لك يا قايين في أن تغتاظ وتغتمّ! فلو كنتَ أحسنتَ فعْلاً أفما كانت ذبيحتك قُبِلت؟ لم يتخلّ الله عن خليقته بعد السقوط. اعتنى بهابيل واعتنى بقايين أيضاً. لذلك حذّر قايينَ بكلام واضح ومعبِّر جداً: "إن لم تُحْسِن فعند الباب خطيئة رابضة وإليك اشتياقها وأنتَ تسود عليها" (تك 4: 7). انتبه لنفسك يا قايين! الخطيئة الرابضة عند باب قلبك، والتي تتحفّز للإنقضاض عليك هي الحسد! أنتَ مائل إليها، مشتاق إليها. ولكنْ، لا زال في طاقتك أن تمتنع عنها، أن تتّضع، أن تقي نفسك شرّها. القرار قرارك أنتَ! الخطيئة لا تفرض نفسها عليك فرضاً ولو كانت عند الباب. أنت تسود عليها وهي لا تسود عليك. فقط إذا فتحتَ لها قلبك دخلتْ إليك وفعلتْ فعلها فيك. لم ينتصح قايين بل أسلم نفسه، طوعاً، للحسد فـ "قام على هابيل أخيه وقتله".
هكذا يكون بآدم قد دخل ناموس الخطيئة، أي حبّ الذات، وأوّل ما تفعّل هذا الناموس كان في قايين إذ أفرخ حبُّ الذات، فيه، طمعاً والطمعُ حسداً والحسدُ موتاً. على هذا استبان، بإزاء ناموس الخطيئة، فريقان: فريق تَمثّل بهابيل الذي قاوم الطمع وغلبه. نقول ذلك لأنّه لا بدّ أن يكون قد خطر بباله فكرُ طمعٍ طالما أخذ عن أبويه الميل إلى حبّ الذات. لكن هابيل قاوم الطمع وغلب فاستبان أميناً لله وبورك. هذا هو الذين عملوا الصالحات بعد السقوط وقبل المسيح. وفريق تمثّل بقايين الذي استسلم للطمع فجرَّه الطمع إلى الحسد والحسد إلى الموت. هذا هو الذين عملوا السيئات من السقوط إلى المسيح. ولكنْ إذا ما أمكن الإنسان، بعد السقوط، مقاومة ناموس الخطيئة فلم يكن بإمكانه، لا باراً ولا آثماً، أن يتفادى الموت. لم تُعطَ الغلبةُ على الموت، عن تدبير إلهي، إلاّ للربّ يسوع وبه. وسيكون للأبرار، المؤمنين بالربّ يسوع، أن يقوَوا على الموت، في منتهى الدهور، إلى حياة أبدية، لأن "آخر عدوّ يُبطَل هو الموت" (1 كو 15: 26). عَامِلو السيئات أيضاً سيقومون ولكنْ إلى عذاب أبدي (مت 25: 46).
ولله في إبقاء الموت إلى النهاية، وفق آباء الكنيسة، قصد ولطف وحكمة وتدبير. فهم يوردون لذلك ثلاثة أسباب:
1. لكيما بالموت لا تكون للإثم فرصة أن يتخلّد.
2. لكيما، بمعاينة الموت، يدرك الإنسان مرضه وحاجته إلى الله ليخلص.
3. لكيما، إذا ما أَذَلّ الإنسانَ واقعُ الموت تاب إلى ربّه وتمرّس، بالتجارب، في حياة الفضيلة والكمال، فأمسى الموتُ له سبيلاً إلى الخلاص المحقّق بالمخلِّص، الربِّ يسوع المسيح، الذي لا اسمٌ آخرُ أُعطي لنا تحت السماء به ينبغي أن نخلص (أع 4: 12).
على هذا يكون الموت، من جهة الشيطان، صنيعةً للقضاء على البشريّة، ومن جهة الله تدبيراً لخلاصها من حيث إنّ المسيح وطئ الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور.
ولكنْ، كيف استعبد الشيطان الجنس البشري بالموت؟
أوقع الشيطانُ الإنسانَ، بالحيلة، في الخطيئة / المعصية فانحسم الإنسان وانقطع عن نعمة الله. إذ ذاك حلّ الموت. والموت أدخل الإنسان في دوّامة الخوف على الذات، والخوف على الذات دفع الإنسان باتجاه الخطيئة لأنّ الخطيئة قائمة في حبّ الذات، على قاعدة "داوني بالتي كانت هي الداء". الخطيئة صارت له بليّة وملاذاً معاً. هكذا صار الموتُ باعثاً على الخطيئة. على هذا النحو دخل الإنسان في حلقة مفرغة: الموت يدفعه، بقوة الخوف، إلى الخطيئة من حيث إن الخطيئة هي شوكة الموت (1 كو 15: 56)، ثمّ تُعمِلُ فيه الخطيئةُ موتاً وتلقيه في الموت. حلقة الوصل بين الموت والخطيئة كانت الخوف!
هكذا استعبَدَنا الشيطان، في الحقيقة: بالخوف! من هنا قول الرسالة إلى العبرانيين عن الربّ يسوع إنّه "إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما لكي يُبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويُعتِق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية" (عب 2: 14 – 15).
لمّا كان الإنسان مكتَنَفاً بنعمة الله كان في سلام عميق، فلمّا خسر النعمة بالخطيئة / المعصية حلّ، في كيانه، الخوفُ والقلق. صار همُّه، في إطار الواقع الجديد، واقع الخطيئة والموت، حفظَ البقاء، أولاً وأخيراً. بات، في إطار منطق الخطيئة والموت، مستعداً لأن يُخضع ذاته "لأي شيء"، بتعبير الذهبي الفم "اجتناباً للموت". هذا جعله يُقبل على الخطيئة بالأكثر لأنّ للخطيئة، دائماً، جاذبيتها. نفسه تشتهيها لأنّها "جيِّدة للأكل وبهجة للعيون" (تك 3: 6). الخوف، في أعماقه، جعله، كيانياً، يهرب إلى الخطيئة. لكن الخطيئة لا تروي الغليل. النعمة تروي، أما الخطيئة فتُلقي بالخاطئ، بعد متعة عابرة، في فراغ. لذلك وُجد الإنسان قايينياً ملعوناً "تائهاً هارباً في الأرض" (تك 4: 12). ولكي يُقنِع نفسه بأنّ لحياته، في هذه الخلفيّة، معنى، أخذ يُقَارب الخطيئة بتفنّن. أعمَلَ فيها تصوّراً وتعاطاها كمَعين أحلامٍ وخيالات. إلى أرض الأوهام فرّ لأنّ الواقع المحسوس كان أقسى وأضنى من أن يتمكّن من مواجهته.
في كل ذلك لم يكن الربّ الإله بعيداً عن الناس ولا ترك نفسه بلا شاهد في كل أمّة (أع 14: 16 – 17). كان له دائماً قطيعُه الصغير "الذين بالإيمان قهروا ممالك صنعوا بِرّاً... تقوّوا من ضعف... عُذِّبوا ولم يقبلوا النجاة لكي ينالوا قيامة أفضل... جُرِّبوا... طافوا... معتازين مكروبين مُذَلِّين. وهم لم يكن العالم مستحقّاً لهم..." (عب 11: 32 – 39).
فيما عدا ذلك، فيما عدا البقية الأمينة، كانت عبادة الله ملتوية وكذا كانت سيرة المجتمعات والعالم.
[/FRAME]
يتبع
ترقبوا المزيد
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
في انتظار المزيد أخي سليمان...
بركة الرب لتحل عليك لتزيدنا مما أعطاه لك الرب من مواهب...
من بعد انك أخي سأقوم بإرسال الموضوع إلى كل الأخوة برسالة خاصة لتتم قراءته..
اذكرني صلواتك اخي
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
أخي سليمان بعد أن أرسلت الموضوع للجميع أعود وأقتبس بعض ماجاء في موضوعك
اقتباس:
هنا يُشار، كما يُبدي آباؤنا (القدّيس ثيوفيلوس، القدّيس يوحنّا الدمشقي...)، إلى أنّ السقوط مردّه لا أَكْلُ آدم من الشجرة الحرام بل عصيانُه لله، مخالفته للوصيّة. هذا وحتميّة الأكل من الشجرة، في الوقت المناسب، يتضمّن، استنتاجاً، أنّ الإنسان، متى نما في الروح، يصير قادراً على أن يعرف ما هو الشرّ، في عمقه الكياني، دون أن يختبره. طبعاً هذا غير ممكن بشرياً، لكن الروح هو الذي يجعل الأمر ممكناً. بهذا المعنى القدّيسون الذين امتلأوا من روح الربّ هم أكثر الناس معرفة بماهية الخطيئة وعمقها الكياني. هناك معرفة للخطيئة كفعل، هذه لم يكن آدمُ قبل السقوط ليعرفَها لو أقام في الطاعة لله. وهناك معرفة للخطيئة في عمقها الكياني، في بُعدها الروحي، هذا بالذات ما كان قد تسنّى لآدم أن يعرفه لو حفظ نفسه بالوصيّة، وبمعرفته له كان لُصوقُه بالخير لِيَقوى وانشدادُه لربّه ليتعزّز. هكذا كانت حرّيته، في الحقيقة، لِتتحقّق وتكتمل، من حيث إنّ تمام الحرّية هو الخيار الكياني العميق لحقّ الله ومحبّته بإزاء الشرّ في الكيان والكون.
اقتباس:
هكذا اعتلَّت الطبيعة البشريّة. بكلام القدّيس كيرلّس الإسكندري: "لمّا سقط الإنسان في الخطيئة وزلق في الفساد، هاجمت الملذّاتُ والنجاسةُ طبيعةَ الجسد، وانقشع، في أعضائنا، ناموس وحشي. أضحت، إذ ذاك، طبيعتنا موبوءة بالخطيئة عبر معصية الواحد، الذي هو آدم. به أضحى الجميع خطأة لا لكونهم شاركوا في التعدّي مع آدم، وهو ما لم يفعلوه البتّة، بل لكونهم من طبيعته، خاضعين لناموس الخطيئة... الطبيعة البشريّة، في آدم، اعتلّت وخضعت للفساد، بالمعصية، وبذا وطئتها الأهواء".
اقتباس:
شخصياً، تابا وسلكا، بعد ذلك، في بركة الله.إذ لمّا ولدت حوّاء صبيّاً أسمته قايين لأنّها قالت"اقتنيت رجلاً من عند الربّ"(تك 4: 1).لذلك حُسِبا صدِّيقَين ولهما ذِكْرٌ، بين الأبرار، في الكنيسة، في أحد الأجداد، قبل عيد الميلاد.
اقتباس:
على هذا يكون الموت، من جهة الشيطان، صنيعةً للقضاء على البشريّة،ومن جهة الله تدبيراً لخلاصها من حيث إنّ المسيح وطئ الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور
ولكنْ، كيف استعبد الشيطان الجنس البشري بالموت؟
أوقع الشيطانُ الإنسانَ، بالحيلة، في الخطيئة / المعصية فانحسم الإنسان وانقطع عن نعمة الله. إذ ذاك حلّ الموت. والموت أدخل الإنسان في دوّامة الخوف على الذات، والخوف على الذات دفع الإنسان باتجاه الخطيئة لأنّ الخطيئة قائمة في حبّ الذات، على قاعدة "داوني بالتي كانت هي الداء". الخطيئة صارت له بليّة وملاذاً معاً. هكذا صار الموتُ باعثاً على الخطيئة. على هذا النحو دخل الإنسان في حلقة مفرغة: الموت يدفعه، بقوة الخوف، إلى الخطيئة من حيث إن الخطيئة هي شوكة الموت (1 كو 15: 56)، ثمّ تُعمِلُ فيه الخطيئةُ موتاً وتلقيه في الموت. حلقة الوصل بين الموت والخطيئة كانت الخوف!
هكذا استعبَدَنا الشيطان، في الحقيقة: بالخوف! من هنا قول الرسالة إلى العبرانيين عن الربّ يسوع إنّه "إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما لكي يُبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويُعتِق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية" (عب 2: 14 – 15).
المسيحية، بإيمانها القويم، هي الوحيدة التي تستطيع من خلالها التعرف على الإنسان بشكل جيد...
وتستطيع أن تعي خلقه وسقوطه ورسالته
فلا يوجد دين، إن جاز إطلاق كلمة "دين" على المسيحية، استطاع أن يشرح سبب وجود الإنسان.. ومن ثم سبب وجوده على الأرض.. وإلى أين هو متجه..
فهناك الملحدين الذين يروا فيه تطوراً لا أكثر لحياة أولية... لكنها نظرية فاشلة إذ يعتمدون على أن الخوف من الموت هو الذي جعل الإنسان أن يقول أن هناك إلهاً قد خلقه...
ولكن من يقرأ الكتاب المقدس يرى أن اليهود بقوا حتى فترة قصيرة من تجسد الرب لا يعتقدون بالقيامة وحتى بعد التجسد كان هناك قوماً لا يؤمن بالقيامة... أي لم يعبد اليهود الإله الحقيقي طمعاً بالقيامة لأنهم لم يعرفوها إلا في القرون الأخيرة ما قبل تجسد الرب.
وهناك الذين يقولوا أن الله خلقه ومن ثم سقط وتاب عليه الله ولا يستطيعوا أن يشرحوا لماذا الإنسان لم يعد إلى "الجنة بعد سقوطه"..
ويقولون أن الله خلق الإنسان ليعبده... فهذا التصوير عن الله يجعل الله كائن سادي يحب أن يرى عبيده وهم مذلولين أمامه ولا يوجد في قلبه أي محبة... حتى لو كان هناك مواعيد لهذا العبد إلا أنه مع ذلك خلق لكي يعبد الله فقط... فهذا يوضح أن الله خلق الإنسان لا لأجل الإنسان بل من أجل أن يرضي غروره...
ثم سقط الإنسان وبقي بعيداً عن الله... لماذا؟ لا جواب
المسيحية هي الوحيدة، لأن الرب تجسد وعرفناه وتذوقناه ولمسنا، التي عرّفت الإنسان أن الله محبة.. ولأنه محبة أحب أن يشاركه محبته كائن آخر... فالله خلق الإنسان لا لأجل نفسه، فحاشاه أن يحتاج شيئاً أو أن يكون سادياً، بل لأجل الإنسان نفسه.. وهذا سر عظيم ما كنا عرفناه لولا أن الرب يسوع قد تجسد وعاش بيننا وصلب ومات وقام لكي نقوم معه..
الإنسان لم يشترك في خطيئة آدم لكنه ورث عنه الطبيعة الفاسدة التي فسدت بإرادته هو (مرأة تلد طفلاً يكون مريضاً بالإيدز... ليس لأنه هو من مارس الخطيئة فانتقل المرض إليه بل لأنه ورث طبيعة جسد أمه الفاسدة المريضة بالايدز... والأمثلة كثيرة).. ولكن عودتها، الطبيعة البشرية، سليمة هي ليست في مستطاعه وكما أنها لا تفرض عليه فرضاً.. فكما هو سقط من تلقاء ذاته كان عليه أن ينهض من تلقاء ذاته... ولكنه لا يستطيع مهما فعل أن يعيد الصورة الإلهية المشوهة فيه بتلقاء نفسه..
ولأن الله محبة أرسل ابنه الوحيد، المرسل والرسالة، لكي يخلصنا ويعطينا بموته وقيامته إمكانية الخلاص... وبعد هذا تبقى إرادة الإنسان في أن يخلص هي الحكم..
موضوع رائع أخي سليمان وأرجو أن تزيدنا أكثر مما أنعمه الرب عليك...
اذكرني في صلواتك
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
الحقيقة ما قريت غير أول جزئين (بسبب ضيق الوقت) بس أكيد رح كمل بعدين
موضوع رائع أخ سليمان بجد بشكرك من كل قلبي وبصلي للرب يحفظك بكل خطوة من خطواتك
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
شكرا اخويا سليمان على هذة الأجزاء الجميلة
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
[FRAME="13 70"]
الجزء الرابع
قليلاً ما يُقيم الدارسون تمييزاً واضحاً بين الفردانية (Individualism) والشخصانية (personalism). هذا التمييز أساسي في خلفية ما حصل للإنسان بعد السقوط، وهو ما لا زالت البشريّة تعانيه وستبقى إلى قيام الساعة. الإنسان، قبل السقوط، كان شخصانياً، على مثال الثالوث القدّوس، أي كان كيانه متّجهاً صوب الله في حركة طاعة، في فعل محبّة. خروجُه من نفسه، علاقتُه بالله، انسجامُه معه، شفافيتُه له، هي ما جعلت اللهَ محورَ اهتمامِه وجعلت الإلهياتِ فَلكَه. وهذا، بالذات، هو ما جعله ينعم بحياة الله وينمو في نعمة الله. فلما سقط الإنسان صار فردانياً، على مثال الشيطان، أي متّجهاً إلى نفسه في حركة إرادته الخاصة، في فعل محبّةٍ ذاتية. ارتدادُه إلى نفسه، علاقته بالشيطان، انسجامه معه، شفافيته له، هي ما جعله محورَ ذاته وجعل حبَّه لذاته فلكَه. وهذا بالذات هو ما جعله مقيماً في الموت، مستأسَراً للخطيئة التي هي "شوكة الموت" (1 كو 15: 56).
ما حصل، إذاً، كان أن وقعت البشريّة في الفردانية، سواءٌ على صعيد الفرد أو الجماعة. وبذا لم تعد تعرف المحبّةَ الأصيلة إلاّ قلّةٌ عزيزة. لماذا؟ لأنّ المحبّة لا تطلب ما لنفسها (1 كو 13: 5) فيما كلٌ، في البشريّة الساقطة، يطلب ما لنفسه. على هذا قال الرسول المصطفى بولس عن الناس أجمعين إنّهم باتوا "تحت الخطيئة" (رو 3: 9) ووصف الحال التي آلوا إليها بإيراد بعض ما جاء في المزمورَين 13 و 52: "ليس بارٌ ولا واحد. ليس مَن يفهم. ليس مَن يطلب الله. الجميع زاغوا وفسدوا معاً. ليس مَن يعمل صلاحاً ليس ولا واحد. حنجرتهم قبرٌ مفتوح. بألسنتهم قد مكروا. سَمُّ الأصلال [الحيّات] تحت شفاههم. وفمهم مملوء لعنة ومرارة. أرجلهم سريعة إلى سفك الدم. في طرقهم اغتصابٌ وسُحْقٌ. وطريق السلام لم يعرفوه". في هذا الإطار صارت العلاقاتُ تحكمها الأنانيّات، وصارت الجماعةُ عبارة عن أنانيّة جماعية، وكذا العلاقة بين جماعة وجماعة. يلتقون إذا التقت مصالحهم ويفترقون إذا افترقت. خير تعبير عن علاقة الفرد بالفرد ضمن الجماعة الواحدة وعلاقة الجماعة بالجماعة هو القول المأثور: "أنا على ابن عمّي، وأنا وابن عمّي على الغريب". الكل، في هذا المناخ، واجدٌ نفسَه، في نهاية المطاف، وحيداً غريباً. والكل يسعى إلى الخروج من عزلته الكيانية وغربته بالدخول في علاقات ذات منفعة مشتركة. ولكنْ لا تلبث هذه العلاقات أن تنفرط بافتراق المنافع فيعود الإنسان، إذ ذاك، إلى غربته من جديد. ومرّة أخرى يبحث عن علاقات له والآخرين على أساس القواسم المشتركة. وهذه تدوم إلى حين ثم ينفرط عقدها من جديد. هكذا تَلقى الإنسان في خيبة وإحباط، في كرّ وفرّ بإزاء وحشته إلى أن يأتيه الموت، أخيراً، بالعزلة الكبرى التي طالما عاناها بعضاً وسعى لأن يهرب منها، ولكنْ على غير طائل.
في الفردانية تتشوَّه الفضائل لأنّها تَلقى ترجمة فردانية لها. الإيمان بالله يتحوّل إلى دعمٍ لأنانيّات الناس وتبريرٍ. الكل في التاريخ، مسيحيّون وغير مسيحيّين، عانَوا ويعانون تجربة قاسية راسخة في وجدانهم حين يسرقون ويَكرهون ويدمِّرون ويقتلون باسم الله. وإذا كان الناس مائلين إلى التقاتل باسم الله، تبريراً لأنانيّاتهم، فهم مائلون، بالقدْر عينه، توسيعاً لدائرة أنانيّاتهم الجماعية، إلى التلفيق (الخلط) بين الديانات، توحيداً للأمم والشعوب. خير مثال على ذلك، اليوم، السعي إلى توحيد شعوب الأرض من خلال التقريب ما بين الديانات وصولاً إلى صيغة دينية ذات عناوين عامة تناسب كلَّ الديانات وتعترف بكل الديانات إذ تجعلها كلَّها وجوهاً لحقيقة واحدة وتجعل اجتماعَها ذا منحى تكاملي. على هذا يكون المنحيان التنافري التقاتلي من جهة، والتلفيقي التكاملي من جهة أخرى، في موضوع الإلهيات، وجهَين لعملة واحدة هي عبادة الإنسان لنفسه، فردياً وجماعياً. في نهاية المطاف، في كلا الحالَين، الموضوع هو موضوع تغريب الإنسان عن الله، بتسخير كلام الله لمرامٍ فردانيّة، حين تستحيل الإلهيات شكليات ويُصرّ الإنسان على نبذ الخلاص / الشفاء الذي يمدّه له الربّ الإله بالمخلّص. لا فرق، في هذا السياق، بين المؤمن شكلاً والملحد واللاإدري، أي الذي لا يبالي بالله، لا بوجوده ولا بعدم وجوده. هؤلاء كلُّهم لهم إله واحد يجمعهم، وهذا يتمثّل في حبّهم لذواتهم وعبادتهم لأنفسهم.
وما يقال عما آل إليه الإيمانُ بالله بين الناس يُقال عن كل فضيلة أخرى. المحبّة تتحوّل إلى مصالح مشتركة والسلام إلى حرب باردة واللطف إلى تهذيب واللاهوت، أي معرفة الله، إلى إيديولوجيات، أي إلى أفكار عن الله. الحرية بدل أن تكون حرّية من الخطيئة للسلوك في المحبّة تصبح تكريساً وحماية لحقّ الإنسان في أن يتعاطى أنانيّاته، على هواه، حتى الموت. العدالة بدل أن تكون حقَّ الآخرين عليك أن تتبنّاهم في المحبّة تصبح اقتصاصاً ممَن تقتحم أنانيّاتُهم، بالإكراه، أنانيّاتِ الآخرين. العلم بدل أن يكون معيناً على التنقية من الخطايا وأداة للمحبّة يتحوّل إلى أداة للقنية والاستغلال والاستعباد. المعرفة بدل أن تكون تعميقاً للعلاقة بالله والآخرين تكون سبيلاً لجمع المعلومات واقتناء الخبرات وتوظيف الاجتهادات لمكاسب خاصة. السياسة، أساساً، هي تدبير شؤون الناس، أي خدمة محبّة. في إطار الفردانية تستحيل السياسة، من خلال الوسائل والأساليب المتاحة، بما فيها الكذب والخباثة والتضليل والعنف، مجالاً أمثلَ لتمجيد الذات وتسيير الناس وتوجيه مصائرهِم بما يؤمّن المصالح الأناينّة للأكثرية أو للأقليّة في الأمّة. الحقّ، أساساً، هو أن تحبّ الله وأن تسلك في أحكامه. في مناخ الفردانية، الحقّ هو تحقيق مقاصد الفرد والأمّة في العزّة والكرامة والعيش الكريم، وهذه قيم فردانيّة. التحرير، أساساً، هو مساعدة الأخرين على التحرّر من خوف الموت وربقة الشيطان وتسلّط الخطيئة لاستعادة النعمة الإلهية واقتناء الحياة الأبدية. التحرير، في العالم، هو صراع أنانيّات جماعية مستعبَدة ضدّ أنانيّات جماعية متسلِّطة عليها، وانتزاعُها الحقّ في أن تكون أنانيّاتٍ جماعيةً مستقلة. لكل ذلك يبذلون، في العالم، كلَّ غالٍ ورخيص ولهم شهداؤهم ويسخِّرون كل قواهم ليحقِّقوا، في نهاية المطاف، ما يتصوَّرونه إرثاً مخلَّداً لهم ولأبنائهم، جيلاً بعد جيل.
لهؤلاء جميعاً تمتدّ كلمة المرنّم في المزامير: "... يرى الحكماءَ يموتون والجهلاءَ والأغبياءَ يهلكون جميعاً، ويتركون غناهم للغرباء وتصير قبورُهم مساكنَ لهم إلى الأبد ومنازلَ إلى جيل فجيل. أطلَقوا أسماءهم على أراضيهم! لمّا كان الإنسان في كرامة ولم يعتبر قيس بالبهائم التي لا عقْل لها وشُبِّهَ بها! طريقهم هذه ضلالةٌ لهم. ومع ذلك يُحبِّذ مَن يخلفُهم أقوالَهم" (مز 48: 10 – 13).
لقد جعل أهلُ بابل لأنفسهم برجاً / جبلاً يناطحون به السماء استكباراً. هذا تعبوا فيه عبثاً لأنّ الحيّ إلى الأبد بدَّدهم من هناك على وجه كل الأرض (تك 11: 8). لذلك القول للناس في كل جيل أن "كفاكم قعود في هذا الجبل. تحوّلوا وارتحلوا" (تث 1: 6).
"إلى مَن نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك" (يو 6: 68). نَفَس أنوفنا مسيح الربّ!
[/FRAME]
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
[FRAME="13 70"]
الجزء الخامس
الإنسان ذاتٌ ناطقة واعية، مركّب فريد، نَفْسٌ وجَسَدٌ على صورة الله كشبهه (تك 1: 26). جسدُه من تراب الأرض ونَفْسُه نَسَمَةُ حياة نفخها الله فيه وفق القول الكتابي: "وجَبَل الربّ الإله آدم تراباً من الأرض ونَفَخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نَفْساً حيّة" (تك 2: 7). جمع الربّ فيه المنظور وغير المنظور، المادي وغير المادي. أتاح له أن يتعاطى الماديات وأن يكون له، إلى ذلك، إمكان الوصال بالله وملائكته والشيطان وزبانيته. ولكن ما معنى أن يكون الإنسان "على صورة الله كشبهه؟" عند الفلاسفة الإغريق، ومَن نحا نحوهم، الصورة هي في أنّ للإنسان عقلاً كشبه الله. هذا لم يكن لا فكر الكتاب المقدّس ولا فكر الآباء الأوّلين في الكنيسة. القدّيس يوستينوس الشهيد وتاتيانوس والقدّيس إيريناوس اللّيوني وأمثالهم قالوا إنّ الكلام على الصورة كشبه الله يطال الإنسان كلّه نَفْساً وجسداً (القدّيس إيريناوس) وأنّ الجسد هو مسكن النفس فيما النفس هي مسكن الروح القدس (القدّيس يوستينوس). وواضح لديهم أنّ ما يجعل النفس والجسد على صورة الله كشبهه ليست طبيعة تكوينهما أصلاً بل سكنى الروح القدس فيهما. تاتيانوس يقولها صراحة: "صورة الله كشبهه هي الروح القدس". على هذا بالسقوط ضيَّع الإنسان صورة الله كشبهه، لما تحوَّل من محبّة الله إلى محبّة ذاته، فغادر، نتيجة ذلك، عدم الفساد إلى الفساد والحياة إلى الموت.
وإذ اختلّ الإنسان كلّه واعتوره الفساد التُعنتْ الأرض (تك 3: 7) ليكون له مدى يقيم فيه على شاكلة معطوبيّته. من ثَمَّ أخذ يستبين ما لا قِبْلَ للخليقة به: الإثم يعبِّر عن ذاته مادياً! هذه خاصية لا يعرفها الشيطان، أبو المآثم. وحده الإنسان خَبِرَها في السقوط. هذا أضحى مجاله الفذّ، بامتياز. تآلَفَ الإثمُ والمادةُ حتى تعذّر على الإنسان أن يميِّز ما بينهما، ناهيك عن فصل أحدهما عن الآخر. هذا، بخاصة، لأنّ الإثم انبثّ في النفْس وإليه صار اشتياقها (تك 4: 6). فلمّا ازدهرت أنشطة الناس وتشعّبت وتنامت خبرات البشريّة، نما الإثم وتغلغل وامتدّ وتعقّد حضوره وفعله فيها. أخذ الإنسان يبتدع للإثم، تلقائياً، ما لا حدّ له من التعابير الفكرية والشعورية والمادية. صار الإثم عالَماً له جمالاته المزعومة وخِلابتُه، وصار له تراث. لم يعد السقوط مسألة خلل في الطبيعة البشريّة وميل إلى المآثم ومناخ داخلي وحسب بل صار مناخاً خارجياً أيضاً وإطاراً وفكراً ونَفَساً ومؤسّسات وأنظمةً سياسيةً واجتماعيةً وتربويةً واقتصاديةً ينشأ فيها الإنسان وتتفتّح لديه قابلياتُ الإثمِ الكامنةُ في نفسه، المنبثّةُ في عقله وخلاياه، وكأنّها صنو طبيعته، أو قل، بالحري، كأنّها، في وجدانه الآثم، نفحةُ الطبيعة التي خلقه الربّ الإله عليها. هذا هو عالَم الإثم الذي بلوَرَه تاريخ البشريّة وأخرجه، فلسفةً وفكراً وعِلماً وأدباً وفنّاً، حتى إلى حيِّز العبادة ولسان حاله: "هذه آلهتِك يا إسرائيل..." (خر 32: 8). هذا بالضبط هو العالَم الذي قال فيه يعقوب في رسالته: "محبّة العالَم عداوة لله. فمَن أراد أن يكون محبّاً للعالَم قد صار عدوّاً لله" (يع 4: 4). هذا، بالضبط، هو العالَم الذي قال فيه بولس المصطفى لأهل كورنثوس: "ونحن لم نأخذ روح العالَم بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله" (1 كو 2: 12). وهذا، بالضبط، هو العالَم التي لم تنزل حكمته من فوق "بل هي أرضية نفسانية شيطانية" (يع 3: 15).
كل هذا كثّف الإثم في النفس وكرَّس وعمَّق التواطؤ الكياني بين الإنسان والشيطان على الله حتى لاح، في الأفق، خطر بروز إنسان – شيطان، على حدّ تعبير القدّيس يوستينوس بوبوفيتش. إذ ذاك تجسّد ابن الله. ظهر الإلهُ – الإنسان، يسوعُ، مخلِّصاً من الخطيئة والإثم والموت والشيطان. هذا حصل في ملء الزمن الذي تحدّثت عنه الرسالة إلى غلاطية حين "أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة... لننال التبنّي" (غلا 4: 4 – 5).
قبل ذلك كان الربّ الإله يعمل في كل أمّة وله شهوده. وقد اصطفى إسرائيلَ محطاً، ابناً ومذيعاً لألطافه. فقد "كلّم الآباءَ بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة" (عب 1: 1). لكنْ كان الأطباءُ الأنبياء يشكون أبداً عجزهم عن وقف التدهور وتفشّي داء الإثم بتواتر. فرفع ميخا الصوت أن قد "هلك الصفيّ من الأرض وليس في البشر مستقيم" (7: 2). وصدح هوشعُ بالويل أن "اللعنة والكذب والقتل والسرقة والفسق قد فاضت، والدماء تلحق بالدماء" (4: 2). وفضح مرنّم المزامير أعمال مَن قد "ذبحوا بنيهم وبناتهم للشياطين" (مز 105: 37). "جُرْحُ البشريّة"، بكلام القدّيس كيرلّس الأورشليمي، "كان بليغاً... طِبُّنا استبان عاجزاً عن شفاء هذه الجراح". لذلك تردّد في القدّيس كيرلّس صدى ما نطقتْ به الأنبياء أن "فيما عداكَ لا يستطيع أحد أن يعالج الشرّ". وقالت الأنبياء إنّه "يأتي بغتة إلى هيكله السيّدُ الذي تطلبونه... ومَن يحمل يوم مجيئه ومَن يثبت عند ظهوره، لأنّه مثلُ نار الممحِّص ومثل أشنان القصّار" (ملا 3: 1 – 2).
الخلاص، منذ السقوط، ومن قَبل السقوط، أي منذ الخلْق، كان يجري قُدُماً. من قَبل السقوط تمثّل الخلاص في السير في درب الكمال من حيث إنّ الربّ الإله أراد الإنسان، بدءاً، أن يكون كاملاً كما الآب نفسه كامل (مت 5: 48). المرتجى كان أن يصل كل أحدٍ إلى إنسان كامل، إلى قياس قامة ملء المسيح (أف 4: 13).
ليس أنّه كان لا بدّ للإنسان من أن يسقط لكي يتسنّى له أن يبلغ قامة ملء المسيح بل كان لا بدّ لابن الله أن يتجسّد، سواء سقط الإنسان أم لم يسقط، لأنّ "تجسّد الكلمة"، بتعبير القدّيس مكسيموس المعترف، "هو الهدف الرئيس من تدبير الله للعالم" (أسئلة إلى ثلاسيوس). القصد والمبلغ كان، للإنسان، أن يتألّه بسكنى روح الله فيه، بالنعمة غير المخلوقة. هذه كانت قِبلةَ الكمال المرتجى. أما الخلاص، بعد السقوط، فتمثّل في التحرّر من الخوف من الموت واستبداد الأهواء، وربقة الشيطان، من خلال حفظ الوصيّة والسلوك في الفضيلة وتعاطي القدسات، إيماناً بابن الله، ووصولاً إلى الاستنارة والمعاينة واللاهوت.
كل ذلك ما كان ليكون لو لم يكن الكلمة قد تجسّد.
[/FRAME]
-يتبع-
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
نحن بانتظار المزيد صلواتك :smilie (5):
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
[FRAME="13 70"]
الجزء السادس
الربّ يسوع ووالدة الإله والخطيئة
ثمّة مَن لا يقيمون فرقاً، في الاستعمال، بعامة، بين الخطيئة الجدّية والخطيئة الأصلية. لذلك يوردون هذه وتلك وكأنّهما يعنيان شيئاً واحداً بعينه. هذا بحاجة إلى شرح وتوضيح. وما يحتاج إلى توضيح أيضاً هو الفرق، في شأن هذا الموضوع، بين الربّ يسوع ووالدة الإله وبينهما وبيننا.
نشير، بدءاً، إلى أنّ تعبير "الخطيئة الأصلية" أول ما ورد كان لدى المغبوط أوغسطينوس، أسقف هيبو، المتوفّى سنة 430 م. المقابل اللاتيني الذي عبّر فيه عن "الخطيئة الأصلية" كان "Peccato Originali". هذا التعبير أخذ يسري، في الغرب، مذ ذاك. التعبير الذي كان سارياً، منذ القرون الأولى، وبقي كذلك، لدى الآباء الشرقيّين، هو "الخطيئة الجدّية". المقابل اليوناني لهذا التعبير هو (Propatorikon amartema). ثمّة فرق بين لفظتَين يونانيّتَين تُنْقَلان، في لغة الضاد، بلفظة "خطيئة": "amartema" و "amartia". اللفظتان اليونانيتان، في الحقيقة، لا تعبِّران عن المعنى عينه بل عن معنيَين مختلفَين. فلفظة "amartema" تشير إلى تعدٍّ فردي، إلى فعلٍ آثم محدَّد ومحسوس، فيما لفظة "amartia" تشير إلى الخطيئة من حيث هي الحال العامة للوجود البشري وفشلُ الإنسان، بعامة، في إصابة الهدف، لجهة تحقيق مصيره.
إذاً الكلام على "الخطيئة الجدّية" يتناول، بصورة محدّدة، الخطيئة التي ارتكبها جدّانا، آدم وحوّاء، بصفة شخصية. هذه، من حيث هي خطيئة آدم وحوّاء الخاصةُ بهما، لا شركة لأحد من ذرّيتهما فيها. هذا واضح تماماً لدى آبائنا. من ذلك قول القدّيس كيرلّس الإسكندري، في تفسيره للرسالة إلى أهل رومية: "كلّنا جُعِلْنا خطأة، لا لكوننا شركاء آدم في التعدّي، وهو ما لم يكن البتّة، بل لكوننا من طبيعته وتحت ناموس الخطيئة". في هذه الخلفيّة يُفهَم قولُ الرسول بولس إلى أهل رومية: "كأنما بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة دخل الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع" (5: 12). بآدم وحوّاء دخلت الخطيئة إلى العالم والخطيئة أنتجت موتاً شمل الناس أجمعين، وهذا، أي الموت، جعل الناس يخطئون وفق الكلام على الربّ يسوع أنّه اشترك في اللحم والدم لكي "يُعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً، كل حياتهم، تحت العبودية" (عب 2: 15).
وإذا كان تعبير "الخطيئة الجدّية" يحدّث عن خطيئة الجدَّين الأوّلَين وتداعياتها، لجهة الإعتلال الذي أصاب الطبيعة البشرية، وهو ما أضحى إرثَ ذرّية آدم وحوّاء قاطبة، فإنّ تعبير "الخطيئة الأصلية" كان في خلفية أخرى واقترن بمعنى آخر بالكلّية. "الخطيئة الأصلية" جرى تناولُها في خلفية الجرم القانوني، وعَنَتْ الخطيئةَ الأولى التي ليس آدم وحده المذنبَ فيها بل كل البشرية، بصورة حتمية لا علاقة لها بالإرادة الشخصية لدى أيّ كان، من حيث إنّ البشرية متضامنة وهي ذرّية آدم وحوّاء اللذَين ارتكبا هذه الخطيئة أولاً وأصلاً.
إذاً مضامين "الخطيئة الجدّية" و "الخطيئة الأصلية" مختلفة تماماً الواحدة عن الأخرى.
فأما "الخطيئة الجدّية" فقد تفتّقت عنها حالةٌ آلت بالعالَمين إلى العبودية للخطيئة والموت، إذ "الجميع أخطأوا وأعوزهم مجدُ الله" (رو 3: 23). هذه "الخطيئة الجدّية" شمل تأثيرها البشرية جمعاء، بمَن فيهم والدة الإله. مريم، والدة الإله، واحدة منّا وتنتمي إلى الطبيعة البشرية المعطوبة التي ننتمي نحن إليها. لذا قال القدّيس أثناسيوس الإسكندري: "مريم هي أختنا لأننا كلّنا من آدم". وقال القدّيس أفرام السوري: "لقد وُلد المسيح من طبيعة كانت بحاجة لأن تتنقّى بالحضور الإلهي". إذا لم تكن مريم شريكة لنا في معطوبيتنا لا يكون ما اتّخذه الربّ يسوع، من جسد مريم، منّا. وإذا لم يكن الربّ يسوع قد اتّخذ جسدنا، في مريم، لا يكون لنا نصيب فيه ولا في ما حقّقه. بكلام القدّيس غريغوريوس اللاهوتي: "ما لم يُتّخذ لا نصيب له في الخلاص". نحن، بعد، في خطايانا. لذا لا نقول كما يقول قوم بأنّ مريم براء من "الخطيئة الأصلية". أوّلاً لأنّنا لا نقول بـ "الخطيئة الأصلية" لا من جهة مريم ولا، حتى، من جهة البشريّة جمعاء، و"الخطيئة الجدّية"، كما أبنّا، شأن آخر. وثانياً لأنّ التضامن ما بين مريم، والدة الإله، وبيننا، في الخلاص المحقَّق بالربّ يسوع المسيح له المجد، يَفرض التضامن، فيما بيننا، في الطبيعة البشريّة المكسورة.
على أنّ اشتراك والدة الإله في الطبيعة البشرية المعطوبة لا يعني أبداً أنّها خَبِرتْ الخطيئة. والدة الإله لم تعرف الخطيئة على صعيدها الشخصي. نعمة الله حفظتها، منذ الطفولية، وحفظتْ هي نفسَها أيضاً. هذا ما يعبِّر عنه، خيرَ تعبير، عيد دخول والدة الإله إلى الهيكل، عندنا، حيث القول إنّ مريم أقامتْ هناك، في عهدة ملاك الربّ، من سن الثالثة إلى الثانية عشرة. فلمّا أتاها جبرائيل بالبشارة كانت بلا خطيئة. التمييز بين حالِها قبلما حلّ الروح القدس عليها وظلّلتها قوّة العليّ (لو 1: 25) وحالِها بعد ذلك عبّر عنه، حسناً، القدّيسُ أفرام السوري لمّا قال: "الله طهَّر العذراء التي سبق للروح القدس أن أعدّها... فإنّه طهّر العذراء التي كانت، قبلاً، بلا دنس. لهذا السبب بعدما ولدتْ بقيتْ عذراء... صارت مريمُ، بالنعمة، لا امرأة بل عذراء. لست أقول إنّ مريم صارت خالدة بل إنّ الأهواء الخاطئة لم تعذّبها لأنّها كانت قد استنارت بالنعمة" (الحديث إلى الهراطقة).
هذا من جهة مريم، والدة الإله. أما من جهة الربّ يسوع فإنّه الوحيد الذي كان براءً من تداعيات "الخطيئة الجدّية". صحيح أنّ جسده كان من جسد مريم ذي الطبيعة المعطوبة لكنّه، على صعيده الشخصي، كان حرّاً من الأهواء والخطيئة والألم والموت لأنّ الحبَل به كان لا من رجل وامرأة، كما هو حال العباد قاطبة، بل من الروح القدس ومريم البتول. هذا جعل عَطَب الطبيعة المكسورة، الموروثة بالتناسل، يرتحل تماماً. هذا جعل الربّ يسوع، من جهة الطبيعة البشرية، في موقع آدم قبل السقوط. صحيح أنّ الربّ يسوع ذاق الألم والموت ولكنْ كان هذا تدبيراً، عن إرادة منه، لا عن حتميّة ولا عن ضرورة لأنّه قال: "لهذا يحبّني الآب لأنّي أضع نفسي لآخذها أيضاً. ليس أحد يأخذها منّي بل أضعها أنا من ذاتي. لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضاً. هذه الوصيّة قبلتها من أبي" (يو 10: 17 – 18). اشتراكُه، نظيرَنا، في الألم والموت كان عن تضامن، عن محبّة "لكي يُبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس" (عب 2: 14). والقول أيضاً هو إنّه "كان ينبغي أن يشبه إخوته في كل شيء لكي يكون رحيماً ورئيس كهنة أميناً في ما لله حتى يكفِّر خطايا الشعب، لأنّه في ما هو قد تألّم مجرَّباً يقدر أن يُعين المجرَّبين" (عب 2: 17 – 18). فقط في الخطيئة لم يشبه إخوته، في معطوبيتهم، لأنّ الخطيئة نكران لله وما الربّ يسوع بمنكرٍ نفسَه. هذا حصل للربّ يسوع بإفراغ الذات والصيرورة عبداً في شبه الناس (في 2: 7). بلى، بالمحبّة، بالروح القدس، بالتوحّد بالناس، لا بالمظهر ولا بالتمثيل بل بالتمثُّل، كابد الربّ يسوع الألم والموت معنا وعنّا "لأنّه لاق بذاك الذي من أجله الكلّ وبه الكلّ وهو آتٍ بأبناء كثيرين إلى المجد أن يكمِّل رئيس خلاصهم بالآلام... فلهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم إخوة قائلاً أُخبر باسمك إخوتي وفي وسط البيعة أُسبِّحك" (عب 2: 10 – 12).
هكذا غلب الربّ يسوع الخطيئة في الجسد لمّا غلب الموت والشيطان حتى، لما مدّ نفسه لنا بالروح القدس وجعل في متناولنا ما حقّقه لنا، بات بإمكاننا، نحن أيضاً، بالإيمان به، أن نعرف الحقّ ونسلك فيه ونتحرَّر من خوف الموت وربقة الخطيئة واستبداد الشيطان إلى الخلاص، إلى العافية، إلى سيرة الكمال على شبه الله، إلى التألّه، إلى ملكوت الله والحياة الأبدية.
[/FRAME]
-يتبع-
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
[FRAME="13 70"]
الجزء السابع
يوحنّا الحبيب، الرسول الذي كان يسوع يحبّه، لا يتكلّم عن المحبّة إلاّ مقرونة بالحقّ. ولا غرو فالمحبّة هي الحقّ متجسِّداً. المسيح هو الحق والمحبّة. كل حقّ، في الدنيا، ينتمي إلى المسيح. كل حقّ في الدنيا شهادة للمسيح. كل ما هو حقّ، في الدنيا، يأتي بصاحبه إلى محبّة المسيح. إنسانية الإنسان تتجلّى في الحقّ وفي المحبّة. بغيرهما يفقد الإنسان إنسانيته.
ما فعله السقوط بالناس أنّه حرمهم، بمقدار، من الحقّ. شوّشه عليهم. حرمهم من المحبّة. صار الإنسان مائلاً، تلقائياً، إلى الباطل وإلى محبّة نفسه. غشيته الظلمة. ولكنْ بقيت المحبّة فيه قائمة ولو مخنوقة. الحقّ، أيضاً، بقي فيه ولو مشوباً بالباطل. الإنسان صار تحت تأديب من نوع آخر. صارت تؤدِّبه أعماله، يؤدّبه سقوطه، تؤدّبه خطيئته. والحقّ أنّ الله قليلاً ما يؤدّب الناس مباشرة متى ضلّوا سواء السبيل. ما يزرعه الإنسان إيّاه يحصد. الدينونة هي أنّ النور جاء إلى العالم وأحبّ الناس الظلمة أكثر من النور لأنّ أعمالهم شرّيرة. حين يستغرقون في محبّة الظلمة، حين تكون أعمالهم شرّيرة، إذ ذاك تكون دينونتهم. خطيئتهم عينها هي دينونتهم!
ولكن بما أنّ الخطيئة لا تُشبِع، لهذا في الإثم سرّ كامن. والسرّ هو أنّ الإنسان، في السقوط، صار مقبلاً على الخطيئة، مدمناً عليها، لكنّه، في آن، في قرارة نفسه، يتسنى له أن يعرف أنّ الخطيئة جوفاء، أنّها فارغة. لا شكّ للخطيئة خِلابتها وغوايتها، لكنّها خاوية. الإنسان الذي يُقبل على المُسكِر مثلاً ويدمن عليه، يتداوى بالتي كانت هي الداء. يتألّم، ولا شك، يعاني كثيراً. وقد تمرّ في وجدانه أُويقات تجعله يتمنّى لو يخرج من خطيئته، لو لم يكن قد اقتبلها وسلك فيها. سرُّ الإثم يجعل الإنسان عبداً، يُفقده حرّيته، لكنّه يبعث في نفسه شيئاً من الصحو، شيئاً من الخيبة العميقة. هذا قد يلقيه في اليأس وقد يلقيه في التمنّي، الذي قد يستحيل رجاء. ليتني أخرج من الهوّة التي سقطتُ فيها!
مَن هو الإنسان الذي تغويه الخطيئة؟ هو مَن لم تستعبده بعد. هذا يؤخذ بمظاهر الأمور. يقع في رياء الخطيئة. لكنّه يكتشف، شيئاً فشيئاً، أنّه كان ضالاً. كأنّي بالخطيئة تأتي به إلى واقعيّة، إلى إدراك ما، إلى حسّ ما، ولو كان، بشرياً، بلا جدوى، لأنّ الإنسان قد استؤسر، بالكامل، لخطيئته. رغم ذلك، يُبْقي الله على الخطيئة تأديباً للإنسان حتى إن مَن لا يشاء أن يخلص بالبرّ، تراه يخلص بالمعاناة. يُعطَى فرصة أن يخلص بخطيئته بعد أن يكون قد عانى طويلاً، بعد أن تكون قد أذلّته وأفرغته من طاقته وحيويّته بحيث بات، في ذاته، في عين نفسه، كتلة لا نفع منها.
لاحظوا أنّ كلّ الذين سلكوا في الخطيئة حتى الثمالة، بين القدّيسين، قبل أن يهتدوا، هؤلاء، بالإضافة إلى غواية الخطيئة، اختبروا جحيمها. هذه قد تكون ربما للحظات. قد لا تكون بصورة دائمة. فالإنسان، بالخطيئة، دائماً ما يحاول أن ينسى. لكنَّ هذا لا يمنع أن يأتي بعض اليقظة من الحسّ الداخلي بالخطيئة. أمثال القدّيسَين موسى الأسود ومريم المصريّة ذهبوا في خطيئتهم إلى حدود بعيدة وعانوا الكثير. القدّيس موسى عانى الخوف والوحشة والقلق. كان يحاول، دائماً، أن يقوى على خوفه وعلى وحشته وعلى قلقه، ولكنْ بالمزيد من العنف والأعمال الشائنة، لأنّه كان مدمناً الخطيئة. ولكنْ لنلاحظ، الإنسان القوي لا يحتاج أبداً لأن يظهر بمظهر القوّة. الله قوي ولكنّه ظَهَر بمظهر الضعف. لم يظهر بمظهر القوّة. كل مَن يتظاهر بالقوّة يكون، في قرارة نفسه، ضعيفاً. هذا يختبر الضعف في عمق كيانه. يحاول أن يختبئ، أن يتوارى كيانياً. يحاول أن يحمي نفسه بالتظاهر بمظهر القوّة. الناس يغضبون غضباً شديداً من باب حماية أنفسهم. الإنسان، في نهاية المطاف، مسكين!
إذاً، موسى الأسود كان عنيفاً جداً لأنّه كان، بالأكثر، في قرارة نفسه، واهياً جداً. لاحظوا، في الطبيعة، الحيوانات التي تكون رقيقة رخصة، في داخلها، هذه تتلبّس بلباس قاس لتحفظ نفسها. مثل ذلك البزّاق والسلحفاة. ومريم المصريّة، أيضاً، كانت تمجّ الوحدة. الوحدة كانت تضنيها. لهذا انشغلت بعشّاقها. عشقت الخطيئة لتخرج من عزلتها. ثمّ مَن اعتاد الخطيئة اجترّها لأنّ حياته تصير منها ولو علم، في قرارة نفسه، أنّه في الضلال. القصّة قصّة إدمان، قصّة وَهْم. الخطيئة كاذبة وينام الخاطئ عن الحقّ كما ليهرب. ليس كالخطيئة مجال للهروب!
إذاً للخطيئة تأديبها. مَن لا يتأدّب بالكلمة ولا بسيرة القدّيسين، هذا له فرصة أن يتأدّب بخطيئته. لكن تأديب الخطيئة قاس ولا أقسى. وأعظم ما في قسوة تأديب الخطيئة أنّها تُفرِغ الإنسان، كيانياً، من إنسانيته. تشيّئه. تحوّله إلى ما دون البهيمة. وهو إذ يسترسل في الخطيئة يدرك، قليلاً أو كثيراً، في لحمه وعظامه، كم هو مستأسَر، كم هو ضعيف، كم هو مستحيل عليه أن يخرج، بشريّاً، من ذاته. يصير كأنّه في قبر نفسه كلعازر. لكنَّ ثمّةَ فرصةً أن يخرج، إذ ذاك، كلعازر، بقوّة الله، إذا اتّضع، إذا صرخ. "إلى الربّ صرخت في ضيقي فاستجاب لي ومن جميع أحزاني نجّاني". هذه فرصة أن يعود الإنسان إلى نفسه بعد أن تكون الخطيئة قد أذلّته وسحقته. لكنَّ كثيرين يفوّتون على أنفسهم هذه الفرصة ويموتون في خطاياهم. يبلغون في خطيئتهم حدّ اليأس بدل أن يبلغوا حدّ الاتضاع.
ليست الخطيئة مزحة. لا نستهينن بما يمكن أن تفعله الخطيئة فينا. صحيح أنّ الله يشاء للناس أن يخلصوا، يعطيهم صليبه، لكنْ مهما بدا صليبه قاسياً لعيوننا فصليب الخطيئة أقسى بما لا يقاس. حِمْل المسيح، في نهاية المطاف، خفيف ونيره ليِّن!
لهذا، الحكمة تقضي بأن يكون سعي كل منّا منصبّاً على اقتبال صليب المسيح مهما بدا صعباً. صحيح، السير مع الله أوّله صعب لكنّه يسهل شيئاً فشيئاً بنعمة منه إلى أن يصبح فردوساً. الصليب شجرة الحياة. صليب المسيح، مهما قلّبناه، صليب فردوسي، صليب قيامي، صليب للفرح لأنّه صليب المحبّة القائم في الحقّ. كل محبّة محبّةٌ صليبية. الإنسان الذي يحبّ لا يمكنه إلاّ أن يبذل. هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد. لكنَّ هذا البذل، هذا الصليب مُشبَع بالبهاء، مُشبَع بالفرح لأنّه قائم في المحبّة على الحقّ.
فلو أدركنا هذا الأمر لاستسهلنا كل تبعات الصليب واستهنّا بكل تداعياته في حياتنا، لأخذنا الصليب على عاتقنا بفرح، لأنّنا ننظر إلى ما نحن مقبلون عليه بشغف ونتخطّى كل الصعوبات الآنيّة الآتية علينا، وكلّها عابر. المهم أنّنا إن عرفنا أنّ وجهة سيرنا هي إلى المدينة المقدّسة، إلى أورشليم السماوية فإنّ فرح الملكوت يطغى على مشاق السفر، على أتعاب الطريق. هذه تصبح كلا شيء. فرح الربّ قوّتكم. المهم ألاّ يفقد الإنسان الرؤية، أن يعي دائماً إلى أين هو ذاهب. "تعالوا إليّ يا جميع المتعَبين والثقيلي الأحمال وأنا أُريحكم".
-يتبع-
[/FRAME]
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
اخي سليمان الله يقدسك
جميل جدا تامل ابائي رائع المجد لله الذي وضع فيك هذه الثقة في استقامة الايمان والفكر والروح
الى الامام وبانتظار المزيد من العشق الالهي
الاب الياس خوري
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
شكرا على المقال الهام جدا و لدي سؤال :
لقد افتدانا السيد المسيح و خلصنا بموته و قيامته
و انتصر على الموت و الخطيئة
فهل نحن نتمتع بحرية تجعلنا نتمتع بسيادة
أي هل نحن أسياد بخلاصنا من الخطيئة و أبناء لله
أم أننا و رغم خلاصنا ينبغي ان تكون علاقتنا بالله علاقة سيد و عبد صالح ---
عندما نصلي نقول :يالله ارحمني انا عبدك الخاطئ و خلصني
ماذا تعني كلمة عبدك
و لماذا لا اقول : ارحمني انا ابنك الخاطئ و خلصني ....
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
سلام الرّب لروحك أختي رويدة, أهلا بك أختاً لنا في رحاب منتدى شبكتنا المباركة. ويسعدني أن تكون مشاركتك الأولى بهذا السؤال الجوهري الذي عادة يدور في فكر الأخوة المعارضين "البروتستانت". أقول حبذا لو أعدت النظر بما ذكرناه سابقاً بدقة وأناة لوجدت الإجابة على ما خطر بفكرك. إليك قولاً آخر علّه يشفي غليلك.
صلّ لأجل ضعفي
أخيك الخاطئ وأحقر خَدَم الرّب
[FRAME="13 70"]
معلِّم الصلاة بامتياز هو العشّار الوارد الكلام عليه في إنجيل لوقا، الإصحاح الثامن عشر، الآيات العاشرة إلى الرابعة عشرة. صعد إلى الهيكل ليصلّي. كان يعمل السيئات عنوة وإلاّ ما صعد لأنّ القول الإلهي: "كل مَن يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتي إلى النور لئلا تُوبَّخ أعماله" (يو 3: 20). كيف يعمل الإنسان السيئات عنوة؟ بقوّة العادة، وبالأَولى لأنّه، في أذهان الناس، مصنَّف. تصرّفات الناس، أحياناً كثيرة، تحدّدها توقّعات الآخَرين. إذا صنَّفوا أحداً زانياً لا يتوقّعونه غير زانٍ ولا يصدّقونه إذا رأوه قد عفّ. يقولون يتصنَّع، يمثِّل. والناس مرآة. إذا قالوا فيك شراً مِلتَ بالأكثر إلى الشرّ، وإذا قالوا فيك خيراً مِلتَ، بالأحرى، إلى الخير. لذا لا يساعد الناس الشرّير على التوبة بل تلقاهم يستحلون غبطة شرّيرة إذا ما رأوا أحداً مصنَّفاً يغرق. صعب على الشرّير، والحال هذه، أن يتوب. وإذا ما تاب كان عليه إما أن يغادر معارفه أو يكون على تواضع كبير وتوق كبير إلى الله. العشّار (أنا وأنت) صعد إلى الهيكل لأنّه ملّ الخطيئة حتى العَظم ولمّا يعدْ يبالي بما يقوله الناس فيه. هذا ترافق وشعور عميق لديه برحمة الله.
وقف العشّار، في الهيكل، عن بُعد. قَرُب من الله عن بُعد. اعتبر نفسه غير مستأهل. لم يبعد عن الله. فقط وضع نفسه. التواضع، بالضبط، هو هذا أن تقرب الله عن بُعد. تقرب الله لأنّه ليس لك آخَر تذهب إليه. "إلى مَن نذهب، كلام الحياة الأبدية عندك". لكنك في دنوِّك منه تستبعد روحك عنه. تفعل ذلك، مادياً، بحركات شتى كما فعل العشّار. "وقف عن بُعد". "لم يُرد أن يرفع عينيه إلى السماء". "كان يقرع صدره قائلاً: اللهم ارحمني أنا الخاطئ". لم يشأ في هيكل الله أن يكون كمَن في بيت أبيه. لم يعامله الله كغريب. عامل نفسه كذلك. كدخيل. في الداخل ولكن كدخيل. لم يشأ أن ينظر إلى السماء. السماء ملء الله، وجهته. حين لا ترفع عينيك إلى فوق تكون كمَن يتوارى في خجل نفسه. كل العشّار كان خَجَلاً. كل خطاياه حضرته في تلك اللحظة لا كأحداث وحسب بل كواقع كياني مضنٍ. الخطيئة على الخطيئة في نفس التائب وجع على أعماق. كلّما عمقت الخطيئة عمق الوجع. ولمّا يُصَلِّ كأهل البيت. أهل البيت يصلّون كمَن لهم دالة لأنّ حفظ الوصايا، في وجدانهم، يجعلهم من الأقربين. أما هو، العشّار فصلّى كغريب يطلب القربى. "ارحمني أنا الخاطئ". أنا غريب عنك لأنّي خطئت إليك. آثامي هجّرتني عنك. قارب العشّار ربّه برهبة، رهبة الغريب المعرّض لأن يُطرد خارجاً. "اطرحوه في الظلمة البرّانية". الصلاة بحاجة إلى مثل هذه الرهبة وإلاّ لا تكون. بالتواضع جعل العشّار نفسه خارجاً. لست أنت مَن يدخل بيت الله. الله يُدخلك. ربما تدخل المكان لكنّك لا تدخل القلب. لكي تدخل القلب تضع نفسك خارجاً فيأتي ويدعوك إليه. منطلق العشّار الكياني كخاطئ، لا بل كخطيئة، أي كل كيانه كَجِبْلَةِ خطيئة، هو ما أهّله لأن يدخل إلى الداخل. "ما جئت لأدعو صدّيقين بل خطأة إلى التوبة". كيف تكون هناك توبة إن لم يكن هناك شعور حاسم بالخطيئة؟"
عين العشّار كانت على خطيئته. "خطيئتي أمامي في كل حين". ومع ذلك قلبه كان على رحمة الله. "ارحمني". قرباه من الله تمثّلت في يقينه العميق بأنّ الله رحيم. لذا بدا العشّار قريباً على بُعد وبعيداً على قرب من ربّه. في هذا الكرّ والفرّ الكيانيَين استبانت صلاة العشّار لغة الإنسان الخاطئ واقفاً بإزاء ربّه ولغة الإله الرحيم بإزاء ابنه الشاطر الذي انشطر وشطرته الخطيئة عنه إلى بلاد بعيدة.
ركنا الصلاة اللذان لا ينفصمان: الشعور بالخطيئة ورحمة الله. إذا ما اكتفيتَ بالإحساس بالخطيئة اصطادك الشيطان إلى اليأس بقوله عنك: لا خلاص له بإلهه". وإذا ما اعتبرت رحمة ربّك تحصيل حاصل ألفيت الباب موصداً دونك. علامَ يرحمك؟! إذا لم تكن عليلاً، إذا لم يكن إحساسك بالعلّة يضنيك فأنت تسخر من الطبيب إن سألته العافية. الإحساس بعماك أولاً حتى يعطيك البصر. الإحساس بالنجاسة أولاً حتى يمنّ عليك بالنقاوة. الإحساس بالخطيئة أولاً حتى يسبغ عليك الغفران. عبداً تأتيه وتشعر بأنّك كذلك فيجعلك ابناً. لذا لا حسّ بالله ما لم تحسّ أولاً بخطاياك. الإحساس بالخطيئة يذيقك تواضع القلب وتواضع القلب يدنيك من ربّك. بالتواضع تستدعي العليّ إليك.
هكذا أضحى العشّار معلّم الصلاة، بيقينه العميق أنّه إنسان وضيع، خاطئ وبيقينه العميق، في آن، أنّ الله رحيم.
إذا كان الإنسان مساهماً الإحساسَين معاً، في كونه خاطئاً وفي كون الله رحيماً، فالله مساهم أيضاً. من دون الله، في الحقيقة، لا إحساس حقيقي بالخطيئة في مستوى الكيان. الخطيئة كواقع غريب عن كيان الإنسان، كظلمة، كغربة. يحضرك الله بنعمته وأنت في الخطيئة فتعي أنّك في غربة عنه. لأنّك تشعر بحضرته تصبح غربتك عنه واقعاً مأساوياً. كذلك من دون رحمة الله لا تذوق الإله الرحيم ولا ترنو إليه. لا تشتاق. لا تنشدّ إلى ما تفتقده. لذا الله حاضر في الخاطئ حضوراً كبيراً. لا في خطيئته بل في شخصه. هكذا يتمثّل إفراغ الله الكامل لنفسه فينا كل حين.
كل هذا إذا ما تمثّلناه في تعاطينا العبادة كل يوم يؤتينا صلاة من الأعماق. بخوف الله وإيمان ومحبّة تقدّموا. خطيئتي أمامي في كل حين. لا تصرف وجهك عن عبدك فإنّي حزين، انظر إلى نفسي وخلّصها. الهيكل مكان لقاء. ألتقيه ويلتقيني. آتيه مجرّحاً فيغمرني بحنانه. آتيه ضالاً فيوجدني. آتيه ميتاً فيحييني. الصلاة، في نهاية المطاف، حياة. حين قال السيّد عن العشّار إنّه نزل إلى بيته مبرَّراً دون ذاك (أي دون الفرّيسي) فهذا لأنّ البر رضى الله، والله يرضى عن الذين يضعون أنفسهم بإزائه. الخطيئة ليست بشيء. حتى الخطيئة جعلها الربّ الإله للخلاص، للفرح. لا لأنّها فرح في ذاتها بل لأنّها معلّمة الاتضاع. وبالاتضاع والدموع نأتي إلى الفرح. "تواضعوا تحت يد الله لكي يرفعكم في حينه، ملقين كل همّكم عليه لأنّه هو يعتني بكم" (1 بط 5: 6 – 7).
وأيضاً قال الرّب
«وَمَنْ مِنْكُمْ لَهُ عَبْدٌ يَحْرُثُ أَوْ يَرْعَى يَقُولُ لَهُ إِذَا دَخَلَ مِنَ الْحَقْلِ: تَقَدَّمْ سَرِيعاً وَاتَّكِئْ.
بَلْ أَلاَ يَقُولُ لَهُ: أَعْدِدْ مَا أَتَعَشَّى بِهِ وَتَمَنْطَقْ وَاخْدِمْنِي حَتَّى آكُلَ وَأَشْرَبَ وَبَعْدَ ذَلِكَ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ أَنْتَ. فَهَلْ لِذَلِكَ الْعَبْدِ فَضْلٌ لأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ؟ لاَ أَظُنُّ. كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضاً مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ. لأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا».
[/FRAME]
لنا عودة لنتابع معكم دراسة
البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
بمعونة الرّب
"لأن الله شاء فكانت مشيئته"
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رويدة
شكرا على المقال الهام جدا و لدي سؤال :
لقد افتدانا السيد المسيح و خلصنا بموته و قيامته
و انتصر على الموت و الخطيئة
فهل نحن نتمتع بحرية تجعلنا نتمتع بسيادة
أي هل نحن أسياد بخلاصنا من الخطيئة و أبناء لله
أم أننا و رغم خلاصنا ينبغي ان تكون علاقتنا بالله علاقة سيد و عبد صالح ---
عندما نصلي نقول :يالله ارحمني انا عبدك الخاطئ و خلصني
ماذا تعني كلمة عبدك
و لماذا لا اقول : ارحمني انا ابنك الخاطئ و خلصني ....
بعد أذن الأخ سليمان اسمح لي أن أخرج عن موضوعك.. فأرجو أن تغفر لي:
[FRAME="11 90"]
أذكر أننا فيما كنا نتكلم يوماً عن التواضع، سَمِعَنا واحدٌ من أعيان مدينة غزة نقول أننا كلما اقتربنا من الله عرفنا أنفسنا خطأة، فتعجب وقال: "وكيف يمكن أن يكون لك؟".
لم يفهم، وكان يطلب تفسيراً، فقلتُ له:
"أيها السيد الشريف من تراك تظن نفسك في بلدك؟"، فقال: "من أعيان البلد"، فقلتُ: "وإن ذهبت إلى قيصرية فمن تكون هناك؟"، قال: "طبعاً أقل مستوى من كبا المدينة هناك"، قلتُ: "وإن ذهبت إلى أنطاكية؟"، قال: "أحسب نفسي كالقروي"، قلتُ: "وفي القسطنطينية قرب الأمبراطور؟"، قال "كالذليل"..،
قلتُ: "وهكذا القديسون كلما اقتربوا من الله رأوا أنفسهم خطأة".
عن كتاب "التعاليم الروحية" دوروثاوس غزة...
[/FRAME]
ولهذا نقول: "يالله ارحمني انا عبدك الخاطئ و خلصني" ولا نقول "ارحمني انا ابنك الخاطئ و خلصني ...."
لأننا في الأولى نقرّ ونعترف أننا خطأة وأننا لا نستحق نعمة البنوة التي أغدق علينا بها الآب في الابن بالروح القدس..
وفي الثانية ندعي أننا نستحق الخلاص بأنفسنا..
ففي الأولى تواضع أمام الرب والثانية تكبّر..
هو عظيم وكثير الرحمة فينعم علينا بما لا نستحق... بأن نكون أبناءً له... ونحن، المؤمن الحقيقي، يعرف أنه لا يستحق هذا بجهده الخاص فيعترف لله أنه ليس إلا عبد خاطئ وحقير....
أرجو أن تكون الإجابة مع أنها مختصرة إلا أنها أفادت الغرض..
وأهلاً بكِ أخت رويدة في منتدياتنا وننتظر منك المشاركة الفعالة...
اغفري لي واذكريني في صلواتك
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
اشكر الجميع على الاجابات الصادقة ..
يالله ارحمني انا عبدك الخاطئ و اغفر لنا جميعا لنحظى بنعمة البنوة
المجد لله في الأعالي و على الارض السلام ...
اني ارى في الاب رحمة عارمة و حبا فياضا للجنس البشري
و اشعر براحة كبيرة عندما التمس حنانه الدائم ...
المجد لك يا الهنا المجد لك ..
-
رد: البشريّة المريضة بيت الداء وحقيقة الدواء
[FRAME="13 70"]
الجزء الثامن
ليس معنى "الخطيئة" واضحاً لدى أكثر الناس. كثيرون يعتبرون أنّهم يكونون خطأة إذا ما ارتكبوا إحدى الكبائر، قتلاً أو سرقة أو زنى الخ... آخرون يظنّون أنّ الخطيئة هي مخالفة وصايا الله دون أن تكون الوصايا محدّدة في أذهانهم. بعض الناس لا إحساس له بالخطيئة يُذكر، والبعض يعرفها انتقائياً، يقول عن نفسه إنّه ليس بخاطئ، وعندما تسأله لماذا يعتبر نفسه كذلك يجيبك: "أنا لست بزانٍ!" الحقيقة الحقيقة أنّ في الأذهان الكثير من الإبهام من جهة معنى الخطيئة، ولكلٍ اجتهاداته الخاصة في شأنها حتى لتكاد دلالات اللفظة تختلف باختلاف الأشخاص وكأنّ لا شيء يجمعها.
توضيحاً للصورة أقول إنّ علينا، أولاً، أن نميّز بين الخطيئة والخطايا، الخطايا كتجاوزات، في الفكر أو في القول أو في الفعل، تنال من الوصيّة الإلهيّة أو المقبولَ في العلاقة مع الله، والخطيئةُ كوضعية داخلية أو كحالة كيانية تشمل كل الناس، الشيخ والشاب والرضيع. لا شكّ، مثلاً، أنّ ما ورد في المزمور الخمسين "بالخطيئة ولدتني أمّي" إنما يتكلّم على هذه الحالة العامة للناس دون التجاوزات الفردية على تنوّعها. كذلك الأمر بالنسبة للقول الرسولي أنّ "الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله" (رو 3: 23) والقول المزموري "ليس بار ولا واحد" (المز 13). البار هو مَن يرضي الله. وحده الربّ يسوع أرضى الله لذا شهد له الآب: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررتُ!" وحده الربّ يسوع كان بلا خطيئة. فقياساً بالربّ يسوع أو، بكلام آخر، إذا كان الربّ يسوع في خلفية كل منّا فماذا تكون الخطيئة؟
في نظامنا الشمسي تدور الكواكب في فلك الشمس. هكذا كان في مطلع حكاية الناس. كانوا يدورون في فلك الله. قوّة الانتماء إلى فلك الله، نعمة الله، كانت تضبط حركتهم في علاقتهم بالله وعلاقتهم بعضهم بالبعض الآخر. منه، من الله، كانوا يستمددون النور والحياة. في كل ما يعملون كانت قوّة الله حاضرة فاعلة فيهم. انتظام الأمور وثباتها كان مؤمَّناً لأنّ الكل كان مشدوداً إلى المحور، إلى المركز، إلى الله. ووقعت الواقعة التي عبّر عنها سفر التكوين بـ "السقوط"، سقوط آدم وحوّاء. ثمّة خلل في العلاقة، علاقة الناس بالله، حصل، قيل عنه "العصيان"، وهذا كان ممكناً لكون الإنسان حرّاً، أي قابلاً للثبات في فلك الله وقابلاً للخروج منه إرادياً. بخروج الإنسان من فلك الله انحرم من قوّة الله، من حياة الله.
في الأساس كان الإنسان يدور حول الله كما حول نفسه في آن. لكن دورانه حول نفسه كان محكوماً ومضبوطاً بدورانه حول الله. أما الآن فقد صار يدور حول نفسه من دون الله. دوران الإنسان حول نفسه من دون الله هو، بالضبط، الخطأ والخطيئة. هذه الحالة كل الناس دخلوا فيها بلا استثناء. صاروا، بصورة تلقائية، يدورون حول أنفسهم من دون الله. وإذ انحرموا من نعمة الله، من حياة الله، دخلوا في الظلمة وذاقوا الموت. لذا قيل "كأنّما بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع" (رو 5). ماذا يعني عملياً أن يدور الإنسان في فلك نفسه من دون الله؟
حين تدور حول نفسك من دون الله يكون محورك أناك. لا تعود تفكّر إلاّ بنفسك ولا تتكلّم إلاّ عن نفسك ولا تعمل إلاّ لنفسك. طبعاً تفكّر بغيرك أيضاً، تتكلّم عن غيرك أيضاً وتعمل للآخرين أيضاً، لكنّك، في كل ذلك، في العمق، لا تطلب إلاّ ما لنفسك. فكرك يتمحور في نفسك. الموضوع يكون أنت، ما تحصّله، ما ينفعك. همّك نفسك. الآخرون، كيانياً، يستحيلون أدوات. تكون لنفسك الألف والياء. كل شيء، ينطلق، في حسّك الداخلي، مما ترغب، مما تريد، مما تشتهي، وكل شيء يصبّ فيك، في ما هو لك، في أناك. علاقتك بالآخرين تكون علاقةً بنفسك من خلال الآخرين. لا تبالي بالآخرين إلاّ بمقدار ما يعينوك على أمور نفسك. قد تكون لك مصلحة مشتركة مع الآخرين وقد تكون في ذلك مستقيماً، صادقاً، رجل أخلاق، ولكنْ ساعة توقن أنّه لم تعد لك في شريكك ما ينفعك تتخلّى عن شركتك معه، تُسقطه. الموضوع هو أنت أولاً وثانياً وأخيراً. أنت الثابت وهو المتغيّر. هذه الحال قد يعتبرها الأكثرون طبيعية خُلق الإنسان عليها. ما نسمّيه، كتابياً، "العالم" الذي يقول فيه الكتاب العزيز "محبّة العالم عداوة الله"، هذا العالم هو، بالضبط، هذه السلسلة من العلاقات الإنّية (من الأنا) بين الناس. طبعاً يجعلون لهذه السلسلة قواعد وأصولاً وضوابط اجتماعية وسياسية واقتصادية لئلا يَفنوا، من باب حفظ البقاء. يعطونها طابع المؤسّسة وتتّخذ شكل الإنّيات الجماعية فتتشكّل منها الدول والقوميات والأعراق والأحزاب والجمعيات وما إلى ذلك، لكنّ الخلية الأساسية فيها هي "الأنا"، دوران الإنسان، فرداً، حول نفسه. كل إنسان في العمق جزيرة. كل إنسان غريب. تلاقي الناس، اجتماع الناس، هو في أساسه عَرَضي، أما الحقيقة الكيانية فهي أنّ كلّ إنسان وحيد. الإنسان، في قرارة نفسه، كل إنسان، مقيم في الخوف، في القلق، في الضياع. يحاول دائماً أن يلهو عن مأساته، أن يغضّ الطرف عمّا في أعماق نفسه، بابتداع الأنشطة، بتحقيق الإنجازات. الإنسان، في كل ذلك، في حال من الهروب من نفسه. ولكن إلى أين المفرّ؟ متى خلد إلى نفسه ولو للحظات ألفى نفسه في فراغ كبير عبّر عنه الإنجيل بالقول: "ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه". يبحث عن الجواب بالهروب ولا جواب بالهروب. كيانياً كل إنسان تَعِبٌ، ثقيلُ الأحمال، فإلى مَن يذهب؟ "تعالوا إليّ يا جميع المتعَبين والثقيلي الأحمال وأنا أُريحكم".
الجواب هو المسيح! "هلمّ نصعد إلى جبل الربّ" (مي 4: 2). الجواب بالعودة إلى فلك الله. المسيح هو الطريق. "تعلّموا منّي!" "أقوم وأعود إلى أبي وأقول له أخطأت إلى السماء وأمامك ولست مستحقاً أن أُدعى لك ابناً اجعلني كأحد أجرائك".
العودة إلى فلك الله بأمرين يكون: بالإيمان بيسوع وبالتوبة إلى الآب السماوي. بالإيمان بيسوع أنّه المخلّص. اسمه، في كل حال، هو مَن يخلّص شعبه. "ليس اسم آخر، تحت السماء، قد أُعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص" (أع 4). "إن لم تؤمنوا فلا تأمنوا". "الحياة لي هي المسيح والموت ربح". لذا هتف الرسول المصطفى بعدما اكتشف يسوع: "لم أعزم أن أعرف شيئاً بينكم إلاّ يسوع المسيح وإيّاه مصلوباً" (1 كو 2:2). والعودة إلى فلك الله، استطراداً، هو بالتوبة إلى الآب السماوي. نعود فندور في فلكه من جديد. طبعاً لا دخول لنا إلى فلكه إلاّ إذا استوعَبَنا، بقوّة منه. ولكنْ نحن أيضاً لنا مساهمتنا. بدوننا لا يستطيع شيئاً. يريد خلاصنا ولكنْ لا خلاص لنا من دوننا. نتعاون مع الله، نشدّ أنفسنا إليه. نقرّر. نحزم أمرنا. نسير في ضياء أحكامه، بقوّة وصاياه. ننبذ فلكنا الخاص. ننبذ دوراننا حول أنفسنا. نكفر بأنفسنا. نطلب ما له هو. "وجهك يا ربّ أنا ألتمس". الخروج من فلك الذات صليب، أن يتخلّى الإنسان عن مركزية نفسه موت. والصليب دم، عنف مع الذات. الخطيئة لا تُداوى إلاّ بالصليب. للصليب وجه جهادي كل يوم. "أقوم وأذهب إلى أبي". ولكنْ له أيضاً وجه قيامي. الصليب فرح أيضاً. لماذا؟ لأنّه علامة الحبّ وأداة الحبّ. بالخطيئة كنت عاشقاً لنفسي، وبخروجي من نفسي باتجاه الله، أي بالصليب، أدخل في محبّة الله، أعرف المحبّة، أعرف إخوتي كما لم أعرفْهم من قبل. يصيرون عندي غاية لا وسيلة. أحبّهم لذاتهم لأنّي أحبّ الله لذاته. المحبّة لا تطلب ما لنفسها. وإذ أفعل ذلك، إذ أخرج من ذاتي، أجد ذاتي الحقيقية كما لم أكن. هذا لأنّ كياني مفطور على المحبّة. هكذا أُبدعت. لا يرتاح كياني ولا أجد نفسي، بعد ضياع الخطيئة، إلاّ بالحبّ. كنت قبلاً قلقاً لأنّي كنت غريباً عن نفسي. بالحبّ أُهلك صورتي عن نفسي أنّي محور ذاتي لأَلقى صورة الله فيّ أنّه هو محوري وحياتي.
بالخطيئة الخروج من الفرح (الفردوس) وبالإيمان الفاعل بالمحبّة عودة إليه. ليس الفردوس مكاناً بل كياناً. الله هو الفردوس، أن نقيم فيه، أن يكون فينا ونحن فيه. إذ ذاك تتأجج ناره فينا ولا نحترق. يصير ما لنا فيه وما له فينا. هذا ما فعله يسوع يوم اتّخذنا، يوم اتّخذ بشرتنا وجلسنا فيه من عن يمين الله الآب. "فكما بخطيئة واحدة صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة هكذا ببرّ واحد صارت الهبة إلى جميع الناس لتبرير الحياة" (رو 5: 18).
[/FRAME]
-يتبع-