عظات لـ القديس لاون الكبير بابا رومية
الفهرس
- في صلاح المحبة
- الأيام بين قيامة الرب وصعوده
- الحكمة المسيحية
- لكل عمل أجرته
- المسيح الحي في كنيسته
- ينقي الإنسان نفسه بالصوم وبأعمال الرحمة
- خدمة المهمة الرسولية
- هو سر مصالحتنا
- الشريعة أعطيت عن يد موسى وأما النعمة والحق فقد أتيا عن يد يسوع المسيح
- أجعل شريعتي في بواطنهم
- أظهر الله مجده للعالم كله
- صليب المسيح هو ينبوع جميع البركات
- اعرف أيها المسيحي كرامتك
- حملتْه في روحها أولا قبل جسدها
- يا لقوة الصليب العجيبة يا لمجد الآلام الذي لا يوصف
- اعرف كرامة طبيعتك
- ميلاد الرب هو ميلاد السلام
رد: الأيام بين قيامة الرب وصعوده
(العظة الأولى في الصعود، 2-4 : PL 54، 395-396)
الأيام بين قيامة الرب وصعوده
لم تبق فارغة، أيّها الأحبّاء، تلك الأيّام التي انقضتْ بين قيامة الرّبّ وصعوده. بل ثبّتتْ فيها أسرار كبيرة، وكشفتْ فيها أسرار كثيرة.
فيها زال الخوف من الموت القاسي، وعرفْنا ليس فقط خلود النفس بل والجسد أيضا. فيها أرسل بفيض من الربّ الروح القدس إلى جميع الرسل. وبعد تسليم مفاتيح الملكوت، عهد إلى القديس بطرس الرسول من دون غيره في رعاية خراف الربّ.
في هذه الأيّام، انضمّ الربّ رفيق درب ثالث إلى التلميذيْن السائريْن إلى عماوس. وليبدّد كلّ ظلام شكوكنا، أخذ يؤنّب قلة الإيمان في هذيْن الخائفيْن والمرتعديْن. فدخل النور في قلبيْهما وأخذتْ شعلة الإيمان تتّقد. كانوا فاتريْن، ثم أخذا يزدادان اضطراما كلّما فسّر لهم الربّ الكتب. وعند كسر الخبز انفتحتْ أعين هذيْن الآكليْن. ولمّا انفتحتْ أعينهما وظهر لهما الربّ في مجد طبيعته البشريّة، فرحا، فكان نصيبهما أفضل من أبينا الأول، أبي جنسنا البشريّ، الذي غشيه العار بسبب معصيته.
ففي كلّ هذه المدّة، أيها الأحبّاء، التي انقضتْ بين القيامة والصعود، هذا ما اهتمّتْ به عناية الله، هذا ما علّمتْه، هذا ما أظهرتْه لعيونهم وقلوبهم، ليعرف يسوع المسيح حقّا: أنّه قام من بين الأموات، وأنّه ولد حقّا وتألّم ومات.
ولهذا فإنّ الرسل الطوباويّين وجميع التلاميذ الذين ارتعبوا من مصير الصليب وشكّوا في القيامة، قوّى الربّ إيمانهم بالحقيقة الساطعة. ولذلك، لمّا صعد الربّ إلى أعالي السماوات، لم يحزنوا بل امتللأوا فرحا عظيما.
وفي الحقيقة كان مصدر فرح عظيم لا يمكن وصفه، مشهد الطبيعة البشريّة، وقد أعطيتْ أمام جماعة الرسل المقدّسة كرامة تفوق الكائنات السماويّة: علتْ فوق رتب الملائكة، وارتفعتْ فوق رؤساء الملائكة، ولم تنلْ أسمى المخلوقات ما نالتْ من الرفعة. وبرضى الآب الأزليّ شاركتْه على عرش مجده، لأنّها كانتْ متّحدة به في الابن.
رد: عظات لـ القديس لاون الكبير بابا رومية
(العظة 92، 1 و2 و3: PL 54، 454-455)
لكل عمل أجرته
قال الربّ يسوع المسيح: "إنْ لم يزدْ برّكم على الكتبة والفرّيسيّين لا تدخلوا ملكوت السّماوات" (متى 5: 20). وكيف يزيد البرّ إن لم "تتغلّبْ الرحمة على الدينونة" (ر. يعقوب 2: 13)؟ وأيّ شيء أحقّ وأوجب من أن تتمثّل الخليقة بخالقها الذي خلقها على صورته ومثاله؟ أراد الله أن يكون إصلاح المؤمنين وقداستهم بمغفرة الخطايا، فإذا أزيلتْ شدّة الانتقام، وكفّ كلّ عذاب، أعيدت البرارة إلى الخاطئ، وكانتْ نهاية الآثام بداية للفضائل.
في هذا يمكن أن يزيد برّ المسيحيّ على برّ الكتبة والفرّيسيّين، إذا لم ينبذْ الشريعة، بل نبذ فهمها بحسب الجسد. ولهذا لمّا علّم الربّ التلاميذ كيف يصومون قال لهم: "إذا صمْتم فلا تعبّسوا كالمرائين، فإنّهم يكلّحون وجوههم، ليظهر للنّاس أنّهم صائمون. الحقّ أقول لكم إنّهم أخذوا أجرهم" (متى 6: 16). وما هو هذا الأجر سوى مديح الناس؟ ففي سبيل الحصول على هذا المديح يتظاهر البعض غالبا بالبرّ والتقوى، غير مبالين بالضمير، ويطلبون الشهرة على أساس من الباطل، مثل الخطيئة التي تعيش في الخفاء وتسرّ بالمديح الكاذب.
من أحبّ الله يكفيه أنّه يرضي من يحبّ. ولا يمكنه أن ينتظر مكافأة أكبر من المحبّة نفسها. لأنّ المحبّة من الله، بل الله نفسه هو محبّة. والنفس التقيّة العفيفة تفرح بامتلائها بهذا الحبّ، فلا ترغب في أيّ شيء سواه. وكلام الربّ حقّ كلّه حين قال: "حيث يكون كنزك يكون قلبك" (متى 6: 21). وما هو كنـز الإنسان إلا ما جمع من جهود وما جنى من ثمار؟ لأنه "إنّما يحصد الإنسان ما يزرع" (غلاطية 6: 7). وبحسب ما كان العمل تكون الأجرة. وحيث يجد الإنسان مسرّته يضع القلب همّه. وبما أنّ أنواع الغنى كثيرة وأسباب الفرح مختلفة، فكنـز كلّ واحد هو موضوع رغبته. فإن كانتْ رغبته في الأرضيّات فلن يجد فيها السعادة بل الشقاء.
وأمّا الذين يرغبون في الأعالي لا في الأرضيّات، ولا يضعون همّهم في ما يفنى، بل في ما يبقى ويدوم، فإنّهم يكدّسون لهم أموالا لا تفنى، وفيها قال النبي: "كنـزنا وخلاصنا قريب، وهو الحكمة والعلم ومخافة الله: هذه هي كنوز البرّ" (ر. أشعيا 33: 6). بهذه الكنوز، وبنعمة الله، حتى الأموال الأرضيّة تنقل إلى السماء، عندما يستخدم المؤمنون أموالهم التي ورثوها أو اكتسبوها بطرق أخرى كأداة لأعمال البرّ. فإذ يوزّعون على الفقراء ممّا أمكنهم أن يوفّروه فإنّهم يجمعون لهم أموالا لا تبلى، لأنّ ما وفّروه بالصّدقة لا يمكن أن يفقدوه بعد. وحقّا يكون قلبهم حيث يكون كنـزهم. وتكون سعادتهم الكبرى في العمل على زيادة مثل هذه الأموال التي لا خوف عليها من الزوال.
رد: المسيح الحي في كنيسته
(العظة 12 في الآلام 3، 6-7: PL 54، 355-357)
المسيح الحي في كنيسته
لا شكّ، أيّها الأحبّاء، في أنّ ابن الله اتّخذ الطبيعة البشريّة، فاتّحد بها اتّحادا صميما، وبذلك أصبح المسيح نفسه موجودا ليس فقط في الإنسان الذي هو بكر الخليقة كلّها، بل وفي جميع القدّيسين أيضا. وكما أنّ الرأس لا ينفصل عن الأعضاء، كذلك لا تنفصل الأعضاء عن الرأس.
ومع أنّ حياته لا تقاس بهذا الزمن، بل هي أبديّة، لأنّه الله، وهو كلّ شيء في الكلّ، إلا أنّه منذ الآن مقيم من غير انفصال في هيكله الذي هو الكنيسة، بحسب وعده: "هاءنذا معكم طوال الأيّام إلى نهاية العالم" (متى 28: 20).
فكلّ ما صنع وعلّم ابن الله من أجل مصالحة العالم ليس أمرا نعرفه فقط من التاريخ الماضي، بل نشعر به اليوم أيضا بقوّة أعماله الحاضرة.
هو الذي ولد بقوّة الروح القدس من مريم العذراء، والذي يجعل كنيسته الطاهرة خصبة بالروح نفسه، فتلد بالمعموديّة جمهور أبناء الله الذي لا يحصى، والذين قيل فيهم: "الّذين لا من دم، ولا من رغبة لحم، ولا من رغبة رجل، بل من الله ولدوا" (يوحنا 1: 13).
هو الذي فيه يتبارك نسل إبراهيم الذي يشمل العالم كلّه. وهو أبو جميع الأمم، بما أنّ أبناء الوعد لا يولدون بحسب الجسد بل بحسب الإيمان.
هو الذي لا يستثني أمّة من الأمم، فيجعل من كلّ أمّة تحت السماء قطيعا واحدا مقدّسا يشمل جميع الخراف. وهو يتمّم كلّ يوم ما وعد به حيث قال: "ولي خراف أخرى ليستْ من هذه الحظيرة، فتلك أيضا لا بدّ لي أن أقودها، وستصغي إلى صوتي، فتكون هناك رعيّة واحدة وراع واحد" (يوحنا 10: 16).
ومع أنّه قال للقديس بطرس خاصّة: "ارع خرافي" (يوحنا 21: 17)، فإنّ الربّ الواحد هو الذي يرعى خدمة جميع الرعاة، ويغذّي في المراعي النضرة والمرويّة جميع الخراف المقبلة إلى الصخرة. فتتقوّى الخراف العديدة المسمّنة بقوّة المحبّة. وكما أنّ الراعي الصالح تنازل فبذل نفسه في سبيل خرافه، كذلك لا تتردّد هي أن تبذل نفسها في سبيل راعيها.
هو الذي تشارك في آلامه ليس فقط جماعة الشهداء الممجّدين، بل وإيمان جميع المولودين منذ لحظة ولادتهم.
لهذا يحتفل بحسب الشريعة بفصح الربّ بفطير الصدق والحقيقة، وينبذ خمير الخطيئة القديمة، فتنتشي الخليقة الجديدة بالربّ نفسه وفيه تجد غذاءها.
وما ينجم عن المشاركة في جسد المسيح ودمه هو أنّنا نتحوّل إلى ما نأخذه ونتغذّى به. فنحمله في كلّ شيء وفي كلّ مكان، في روحنا وفي جسدنا، وهو الذي متْنا ودفنّا وقمْنا معه.
رد: ينقي الإنسان نفسه بالصوم وبأعمال الرحمة
(العظة 6 في الصوم، 1- 2: PL 54، 285- 287)
ينقي الإنسان نفسه بالصوم وبأعمال الرحمة
أيها الأحباء، إن "الأرض ممتلئة دائما برحمة الرب" (ر. مزمور 32: 5). فالطبيعة نفسها تعلم كل واحد عبادة الله، إذ إن السماء والأرض والبحر وكل ما فيها يشيد بصلاح الله وبقدرته. والجمال العجيب في العناصر المسخرة لخدمتنا يفرض على الخليقة العاقلة شكرا واجبا لله.
وبما أننا أقبلْنا على هذه الأيام التي تشير بنوع خاص إلى أسرار التكفير وتوبة الإنسان، وهي الأيام التي تسبق عيد الفصح، يجب علينا أن نستعد بجهد خاص لتطهير أنفسنا أمام الله.
يتميز الاحتفال الفصحي بأن الكنيسة كلها تنال فيه مغفرة الخطايا. ولا توهب المغفرة فقط لمن ولدوا ولادة ثانية في المعمودية المقدسة، بل وأيضا لهؤلاء الذين عدوا منذ القدم بين أبناء التبني.
هي المعمودية التي تجدد الإنسان بصورة خاصة. ومع ذلك فعلى الجميع أن يسعوْا في تجديد أنفسهم في كل يوم ليزيلوا عنهم صدأ الموت. وفي المسيرة نحو الكمال لا يوجد أحد إلا ويمكنه أن يكون أفضل مما هو عليه. ولهذا لا بد من مواصلة السعي والاجتهاد حتى لا يبقى أحد في يوم الفداء منغمسا في رذائله القديمة.
أيها الأحباء، ما يعمله المسيحي في كل حين، يجب أن يعمله في هذه الأيام بعناية وتقوى فائقة، فيحافظ على أيام الصوم التي تعود إلى الرسل، ولا يقلل من الطعام فقط بل يمتنع بصورة خاصة عن الرذائل.
وأعمال الرحمة أفضل عمل يمكن أن يضاف إلى أعمال الصوم الحكيمة والمقدسة. وتشمل لفظة الرحمة أعمالا تقوية عديدة وجديرة كلها بالثناء: فبها يتساوى جميع المؤمنين، وإن كانوا في إمكاناتهم وأموالهم غير متساوين.
المحبة الواجبة لله وللناس معا، لا يحول دونها أي مانع، بحيث إن المؤمن هو دائما حر للقيام بما توصي. قال الملائكة: "المجد لله في العلى، والسلام في الأرض، للناس أهل رضاه" (لوقا 2: 14). فالسعادة هي بأعمال الرحمة وبالسلام. وسعيد هو كل من يرحم ويخفف من ألم أي إنسان يعاني من أي نوع من الشقاء.
كثيرة هي أعمال البر، وبتنوعها تمكن جميع المسيحيين الحقيقيين من الإسهام في توزيع الصدقات، فلا يتصدق الأغنياء والموسرون فقط، بل وأهل الوسط والفقراء أيضا. ومن لم يكونوا متساوين بالمقدرة على السخاء يتساوون أقله بمشاعر المحبة في النفس.
رد: عظات لـ القديس لاون الكبير بابا رومية
(الرسالة 28 الى فلافيانوس 3-4: PL 54، 763-767)
هو سر مصالحتنا
تنازل الجلال فظهر في تواضعنا، والقوي أخذ ضعفنا، والخالد أخذ طبيعتنا المائتة. ولكي يؤدى الثمن المفروض على طبيعتنا الخاطئة، اتحدت الطبيعة التي لا يمسها تبديل أو ضعف بطبيعتنا الخاضعة للآلام. وقدم العلاج المناسب لنا، وهو الوسيط الوحيد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح نفسه، الذي من حيث إنه إنسان استطاع أن يموت، ومن حيث إنه إله لم يكن للموت عليه من سلطان.
إله حق وإنسان حق ، ولد واتخذ طبيعة الإنسان بتمامها وكمالها. كامل فيما هو لله وكامل فيما هو لنا. وما هو لنا هو طبيعتنا البشرية التي منحنا إياها الخالق منذ البدء، والتي تعهد بإصلاحها.
كل ما أحدثه فيها إبليس المخادع، وكل ما قبل الإنسان المخدوع في ذاته، لم يكنْ له أثر في المخلص. وهو لما شاركنا في ضعفنا البشري، لم يصبحْ بذلك شريكا في آثامنا.
اتخذ صورة العبد، ولم يتخذْ وصمة الخطيئة: رفع الإنسان ولم يحط من قدر الله. لأن ذاك التفاني الذي غدا به غير المنظور منظورا، والذي به أراد الخالق وسيد كل الخليقة أن يكون واحدا منا نحن الخاضعين للموت، كان تنازل رحمة لا عجز من حيث القدرة. ومن ثم، الذي خلق الإنسان وهو في صورة الله، هو نفسه صار إنسانا في صورة العبد.
دخل إذا ابن الله في ضعة هذا العالم، منحدرا من عرشه السماوي، من غير أن ينقطع عن مجد الآب، حين ولد بحسب نظام جديد وولادة جديدة.
نقول "نظام جديد"، لأنه أصبح غير منظور من حيث إنه إله، ومنظورا من حيث إنه إنسان. لا يدركه العقل، وتدركه العيون. قديم قبل الزمن، وصار له بداية في الزمن. سيد الكل، واتخذ صورة العبد، وحجب عن الأنظار عظمة جلاله. إله فوق كل ألم، ولم يأنفْ أن يكون إنسانا قابلا للألم. ومع كونه خالدا خضع لشريعة الموت.
إله حق وإنسان حق، ولا انتقاص في هذه الوحدة، لأنهما متماسكان معا، أي تواضع الإنسان ورفعة اللاهوت.
فكما أن الرحمة في الله لا تحدث تبديلا في طبيعته الإلهية، كذلك كرامة اللاهوت في الإنسان لا تذيب طبيعته البشرية. يعمل بحسب كل طبيعة، مع مشاركة الطبيعة الأخرى في ما هو خاص بكل منهما: يعمل الكلمة بحسب ما يناسب الكلمة، ويعمل الجسد بحسب ما يناسب الجسد.
تسطع إحداهما بالآيات، وتثقل الأخرى بالإهانات. وكما أن الكلمة لم يكف عن أن يكون مساويا للآب، كذلك لا يتوقف لحظة عن أن يكون إنسانا بكامل طبيعة جنسنا البشري.
والقول الذي يجب أن يقال دائما هو هو نفسه، وهو قول واحد: إنه ابن الله حقا وابن الإنسان حقا. الله من حيث إن الكلمة كان منذ البدء، والكلمة كان لدى الله، والكلمة كان الله. وإنسان من حيث إن الكلمة صار بشرا وسكن بيننا (يوحنا 1: 1 و14).
(راجع طومس لاون على الرابط التالي http://web.orthodoxonline.org/librar...il_and_Leo.htm
و اقنوم واحد في طبيعتين (في فكر الآباء) على الرابط التالي http://habib.orthodoxonline.org/?p=159)
رد: الشريعة أعطيت عن يد موسى وأما النعمة والحق فقد أتيا عن يد يسوع المسيح
(العظة 51، 3-4 و8: PL 54، 310-311 و313)
الشريعة أعطيت عن يد موسى
وأما النعمة والحق فقد أتيا عن يد يسوع المسيح
كشف الله عن مجده أمام شهود مختارين، فتألق جسده الشبيه بكل جسد، حتى صار وجهه ساطعا مثل النور وثيابه بيضاء مثل الثلج.
كان الهدف الرئيسي من التجلي إزالة الشك من قلوب التلاميذ بسبب الصليب. فبعد مشاهدتهم جلال كرامة المسيح المخفية لن يضطرب إيمانهم عندما يرون مذلة الآلام التي سيتحملها طوعا.
وبتدبير إلهي ليس أقل شأنا كان ذلك تثبيتا لرجاء الكنيسة، إذ يعي جسد المسيح كله أي تبدل سيجرى فيه، ويترجى جميع أعضاء الجسد المشاركة في المجد الذي تجلى في الرأس.
وفي هذا قال الرب نفسه، لما تكلم على مجيئه في العزة والجلال: "والصديقون يشعون حينئذ كالشمس في ملكوت أبيهم" (متى 13: 43). وقد أكد ذلك الطوباوي بولس حين قال: "أرى أن آلام الزمن الحاضر لا تعادل المجد الذي سيتجلى فينا" (روما 8: 18). وقال أيضا: "لأنكم قد متم وحياتكم محتجبةٌ مع المسيح في الله. فإذا ظهر المسيح الذي هو حياتكم، تظهرون أنتم أيضا عندئذ معه" (قولوسي 3: 3 و4).
وقد بين للرسل في هذه الآية تعليما آخر، ليثبتهم وليزودهم بمعرفة أكمل.
فقد ظهر موسى وإيليا، أي الشريعة والأنبياء، يكلمان الرب، فتم حقا بحضور هؤلاء الرجال الخمسة ما قيل في الإنجيل: أن "يحكم في كل قضية بناء على كلام شاهديْن أو ثلاثة" (متى 18: 16).
وأي كلام أثبت وأقوى من الكلام الذي يتفق فيه العهد القديم والجديد، والذي فيه تؤيد العهود القديمة تعليم الإنجيل.
نعم، لقد اتفقتْ أقوال العهد القديم والجديد. فما تم الوعد به تحت غطاء الأسرار أظهره جليا ساطعا نور المجد الذي ظهر في التجلي، وصح ما قاله الطوباوي يوحنا: "الشريعة أعطيتْ عن يد موسى، وأما النعمة والحق فقد أتيا عن يد يسوع المسيح" (يوحنا 1: 17). به تمتْ وعودٌ تنبأ بها الأنبياء بالصور والرموز، وتعاليم الشريعة، لأنه علم النبوة الحقيقية لما حضر، وبالنعمة جعل العمل بالوصايا أمرا ممكنا.
فلْيثبتْ إذا إيمان الجميع بحسب تعليم الإنجيل المقدس، ولا يخجلْ أحدٌ بصليب المسيح الذي به فدى العالم.
ولا يخفْ أحدٌ أن يتألم من أجل البر، ولا يشك في الوعود المقبلة، لأن المؤمن يعبر من التعب إلى الراحة، ومن الموت إلى الحياة. وبما أنه تحمل كل ضعف في جسدنا الوضيع، إذا ثبتْنا نحن في الاعتراف به وفي محبته انتصرْنا بنصره وقبلْنا كل ما وعد به.
فحتى نكون قادرين على تتميم الوصايا، والصبر على الآلام، يجب أن يصدح دوما في مسامعنا صوت الآب القائل: "هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيْت،، فله اسمعوا" (متى 17: 5).
رد: عظات لـ القديس لاون الكبير بابا رومية
(العظة 95، 1-2: PL 54، 461-462)
أجعل شريعتي في بواطنهم
أخذ ربّنا يسوع المسيح يعظ بإنجيل الملكوت في الجليل كلّه، ويشفي الكثيرين من أمراضهم. فانتشر صيت معجزاته في جميع أنحاء سوريا. وتوافدت الجموع الكثيرة من جميع أنحاء اليهودية على الطبيب السماوي. فلأنّ الإنسان لجهله بطيء في الإيمان بما لا يراه، وفي رجاء ما لا يعرفه، كان لا بدّ من تقويته بالتعليم الإلهيّ، وبفوائد جسدية، وبمعحزات ملموسة. فإذا اختبروا قدرة الله وإحساناته لم يبق لديهم شكّ في أنّ تعليمه يؤدّي إلى الخلاص.
ولكي يحوّل العلاج الخارجيّ إلى علاج داخليّ، ولكي يشفي النفوس بعد أن شفى الأجساد، اعتزل الجموع المحيطة به، وصعد جبلا على انفراد، ودعا رسله، ليلقّنهم تعاليمه السامية من هذا المكان الرامز إلى أمور سابقة. فبالمكان الذي اختاره، وبالتعليم الذي ألقاه، أراد أن يرمز إلى أنّه هو نفسه الذي تنازل مرّة وخاطب موسى. خاطبه في ذلك اليوم في مظهر العدل الرهيب، وأما هنا ففي أقدس مظهر للرأفة، ليتمّ ما كان الله قد وعد به، بحسب قول إرميا النبي: "تأتي أيّام، يقول الرّبّ، أقطع فيها مع بيت إسرائيل وبيت يهوذا عهدا جديدا، لا كالعهد الّذي قطعْته مع آبائهم. وهو أنّي أجعل شريعتي في بواطنهم وأكتبها في قلوبهم" (إرميا 31: 31 و33).
فالذي كلّم موسى كلّم الرسل، ومثل كاتب سريع كتبتْ يد الكلمة وصايا العهد الجديد في قلوب الرسل. ولم تحطْ بهم الغيوم المظلمة، ولا دويّ الرعود المرعبة والبروق، التي أبقتْ الشعب بعيدا مرتعبا لا يجرؤ على الدنوّ من الجبل. بل كان ذلك بحديث بسيط هادئ بلغ آذان المحيطين به. كذلك تزال قسوة الشريعة بلين النعمة، ويزال خوف العبودية بروح التبنّي.
وما هو تعليم المسيح؟ كلماته المقدّسة تبيّنه. تبيّن لمن يريد بلوغ السعادة الأبديّة كيف يرتقي درجات الصعود السعيد. قال: "طوبى لفقراء الرّوح، فإنّ لهم ملكوت السّماوات" (متى 5: 3). عن أيّ فقراء يتكلّم الحقّ سبحانه؟ قد يكون في كلامه لبس لو لم يضف بعد "طوبى للفقراء" كيف يجب أن يفهم الفقر، وأنّه لا يكفي لاستحقاق ملكوت السماوات أن يكون الإنسان في حالة عوز أو ضرورة قصوى. أضاف وقال: "طوبى لفقراء الروح"، مبيّنا أنّ ملكوت السماوات يعطى للذين تواضعتْ أنفسهم وليس للذين قلّتْ أموالهم.
رد: أظهر الله مجده للعالم كله
(العظة 3 في عيد ظهور الرب، 1-3 و 5: PL 54، 240-244)
أظهر الله مجده للعالم كله
شاء الله بعنايته الرحيمة أن يأتي لمساعدة العالم الهالك عندما تم الزمان، فحدد أن يكون الخلاص لجميع الشعوب في المسيح.
وكان الله قد وعد أبانا إبراهيم في قديم الزمان، بأنه سيكون له نسلٌ عديد، ليس بحسب الجسد، بل بحسب خصوبة الإيمان. ولهذا شبهه بعدد كواكب السماء، لكي لا ينتظر أبو جميع الشعوب نسلا
أرضيا، بل نسلا يكون بحسب سنن السماء.
لتدخلْ، لتدخل الشعوب كلها في أسرة الآباء. ولْيتباركْ أبناء الوعد ببركة نسل إبراهيم، بينما تركها أبناؤه بحسب الجسد. لتسجدْ جميع الشعوب مع المجوس الثلاثة لخالق الكائنات، ولْيكن الله معروفا ليس فقط في اليهودية، بل وفي المسكونة كلها، ليكون اسم الرب عظيما في كل الأمم (ر. مزمور 75: 2).
معلمين بأسرار النعمة الإلهية هذه، فلْنحتفلْ، أيها الأحباء، في فرح الروح، بيوم ولادتنا، وبدء دعوة الشعوب إلى الإيمان. ولْنشكر الله الرحيم، لأنه، بحسب قول الرسول "جعلنا أهلا لأن نشاطر القديسين ميراثهم في النور. هو الذي نجانا من سلطان الظلمات ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته" (ر. قولسي 1: 12-13). وكما قال أشعيا النبي: "الشعب السائر في الظلمة أبصر نورا عظيما، والمقيمون في بقعة ظلام الموت أشرق عليهم نورٌ" (أشعيا 9: 1) وقال أيضا موجها كلامه إلى الله: "ها إنك تدعو أمة لم تكنْ تعرفها، وإليك تسعى أمةٌ لم تكنْ تعرفك" (أشعيا 55: 5).
رأى إبراهيم هذا اليوم وفرح (ر. يوحنا 8: 56)، لما عرف أن أبناء عهده سوف يتباركون في نسله أي في المسيح، ولما رأى أنه سـيكون أبا لجميع الشـعوب عن طريـق الإيمان به، "فمجد الله متيقنا
أن الله قادرٌ على إنجاز وعده" (روما 4: 21).
ترنم داود أيضا بهذا اليوم في المزامير قال: "جميع الأمم التي
صنعْتها تأتي وتسجد أمامك، أيها السيد، وتمجد اسمك" (مزمور 85: 9). وقال أيضا: "كشف الرب خلاصه، لعيون الأمم كشف بره" (مزمور 97: 2).
ونعرف أن هذا كله تم لما جاء المجوس الثلاثة، وقد دعاهم الله من بلادهم البعيدة، وقادهم بالنجم، ليعرفوا ويسجدوا لملك السماء والأرض. ويحملنا النجم نحن أيضا على الطاعة نفسها، أي أن نصغي بقدر ما نستطيع إلى النعمة التي تدعو الجميع إلى المسيح.
وفي هذا الجهد، أيها الأحباء، يجب أن تعضدوا بعضكم بعضا،
لتضيئوا مثل أبناء النور في ملكوت الله، الذي نبلغ إليه بالإيمان القويم وبالأعمال الصالحة. بربنا يسوع المسيح الذي يحيا ويملك مع الله الآب ومع الروح القدس، إلى أبد الدهور. آمين.
رد: صليب المسيح هو ينبوع جميع البركات
(العظة 8 في آلام الرب، 6-8: PL 54، 340-342)
صليب المسيح هو ينبوع جميع البركات
أما وقد أنار الروح القدس ذهننا، فلْنقبلْ بقلب نقي حر مجد الصليب المشع في السماء والأرض، ولنتفحصْ بعين القلب ما قاله الرب لما كان يتكلم على آلامه الوشيكة: "أتت الساعة التي يمجد فيها ابن الإنسان" (يوحنا 12: 23). ثم أضاف: "إن نفسي مضطربة، فماذا أقول؟ يا أبت نجني من تلك الساعة، وما أتيْت إلا لتلك الساعة. يا أبت، مجد اسمك" (يوحنا 12: 27-28). ثم سمع صوت الآب من السماء يقول: "قد مجدْته وسأمجده أيضا" (يوحنا 12: 28). وأجاب يسوع الحضور فقال لهم: "لم يكنْ هذا الصوت لأجلي، بل لأجلكم. اليوم دينونة هذا العالم، اليوم يطرد سيد هذا العالم إلى الخارج، وأنا إذا رفعْت من الأرض جذبْت إلي الناس أجمعين" (يوحنا 12: 30-32).
يا لقدرة الصليب العجيبة. يا لمجد الآلام الذي لا يوصف، حيث اجتمع محكمة الرب والحكم على العالم وقدرة الصليب.
جذبْت الجميع إليك، يا رب. وما كان يتم في هيكل واحد في اليهودية بطريقة الصورة والرمز، تحتفل به اليوم تقوى جميع الشعوب في السر الكامل والمعروض للجميع.
لرتبة اللاويين اليوم مجد أكبر، وللشيوخ كرامة أوفر، ومسحة الكهنة أكثر قداسة. لأن صليبك هو مصدر جميع البركات، وسبب جميع النعم، بها يمنح المؤمنون القوة في الضعف، والمجد في المهانة، والحياة في الموت. لقد توقف التعدد والتنوع في الذبائح الجسدية. وجميع القرابين المختلفة حل محلها قربان دمك، لأنك أنت الحمل الحقيقي الذي ترفع خطايا العالم. فتتم في ذاتك جميع الأسرار. وبما أن الذبيحة هي الآن واحدة بدل جميع الذبائح القديمة، كذلك هناك ملكوت واحد يجمع جميع الشعوب.
لنعترفْ إذا، أيها الأحباء، بما اعترف به بصوت جهير معلم الأمم، بولس الرسول حيث قال: "إنه لقول صدق، جدير بالتصديق على الإطلاق. وهو أن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخاطئين" ( 1 طيموتاوس 1: 15).
ومن ثم فإن رحمة الله لنا عجيبة وتزداد عجبا في نظرنا لأن المسيح لم يأت للأبرار ولا للقديسين بل للخطأة والكفار. وبما أنه لم يكنْ بمقدور شوكة الموت أن تصيب الطبيعة الإلهية، فقد ولد بحسب طبيعتنا، وتحمل كل ما يقدر أن يتحمله لكي يقدمه لله من أجلنا.
كان العدو القديم يهدد موتنا بقوة موته، فقال على فم هوشع النبي: "يا موت سأكون موتك، وسأكون شوكتك، يا مثوى الأموات" (ر. هوشع 13: 14). فبموته خضع لشريعة مثوى الأموات. ولكنه بقيامته فك قيود تلك الشريعة. ومن ثم حد من شريعة الموت الأبدية. فبعد أن كان الموت أبديا جعله أمرا موقتا. "كما يموت جميع الناس في آدم، فكذلك سيحيوْن جميعا في المسيح" ( 1قورنتس 15: 22).
رد: عظات لـ القديس لاون الكبير بابا رومية
(العظة الأولى في ميلاد الرب، 1-3: PL 54، 190-193)
اعرف أيها المسيحي كرامتك
أيها الإخوة الأحباء، اليوم ولد مخلصنا، فلْنفرحْ ولْنتهللْ! لا مكان للحزن حيث ولدت الحياة، فأزالت الخوف من الموت، وغمرتْنا بفرح الأبدية التي وعدْنا بها.
لا يمنع أحد عن المشاركة في هذا الفرح. واحد هو سبب سرورنا جميعا: وهو أن الرب يسوع المسيح، مبيد الخطيئة والموت، إذ لم يجدْ أحدا خاليا من الخطيئة، جاء ليحرر كل البشر. ليتهلل القديس، لأنه قريب من الظفر. ولْيفرح الخاطىء، لأنه مدعو إلى الغفران. ولْيتشدد الوثني، لأنه مدعو إلى الحياة.
لما تم ملء الزمان الذي حددتْه مشيئة الله في عميق سرها الذي لا يستقصى، اتخذ ابن الله الطبيعة البشرية ليصالحها مع خالقها، وليهزم إبليس مبدع الموت بالطبيعة نفسها التي بها هزم الإنسان.
ولد الرب، فتهلل الملائكة، وأنشدوا: "المجد لله في العلى"، وبشروا "بالسلام في الأرض لذوي الإرادة الصالحة". وقد رأوْا أورشليم السماوية تمتلئ بجميع الأمم. فإذا فرح الملائكة في السماء كل هذا الفرح، لما صنع الله بعظيم حبه، فكم بالأحرى يجب أن يفرح الإنسان في تواضعه!
وعليه، أيها الإخوة الأحباء، فلْنشكر الله الآب بابنه في الروح القدس، لأنه رحمنا برحمته العظيمة التي أحبنا بها. "فمع أننا كنا أمواتا بزلاتنا أحيانا مع المسيح" (أفسس 2: 5)، لنكون فيه خليقة جديدة، وصورة جديدة.
لنضعْ عنا إذا الإنسان القديم وأعماله (ر. أفسس 4: 22)، ولْنقلعْ عن أعمال الجسد بما أننا صرْنا شركاء في سر ميلاد المسيح.
اعرفْ، أيها المسيحي، كرامتك. صرْت مشاركا في الطبيعة الإلهية، فلا تعدْ بعد إلى ضلال سلوكك القديم. بل تذكرْ من هو رأْسك، وفي أي جسد صرْت عضوا. تذكرْ أنك انتشلْت من سلطان الظلمات ونقلْت إلى نور الله وملكوته.
بسر المعمودية أصبحْت هيكلا للروح القدس. فلا تحملْ هذا الضيف الكبير على الهرب بسبب أعمالك السيئة، فتعود مرة ثانية إلى عبودية الشيطان. ثمنك هو دم المسيح.
رد: حملتْه في روحها أولا قبل جسدها
(العظة الأولى في ميلاد الرب، 2 و3: PL 54، 191-192)
حملتْه في روحها أولا قبل جسدها
اختار الله بتولا من نسل داود الملك، لتحمل وتلد ابنا إلها وإنسانا، فحملتْه في روحها أولا قبل جسدها. ولأنها كانتْ تجهل التدبير الإلهي وحتى لا تخاف من الأمور الخارقة التي ستتم فيها، علمتْ من كلام الملاك ما سيتم فيها بالروح القدس. وآمنتْ أن طهارتها ستبقى بتمامها إذا ما غدتْ والدة الإله. ولماذا تضطرب وتخاف من هذا الجديد في الحمْل، فقد وعدتْ بأن الأمر سيتم بقوة العلي. وثبت الله إيمانها بشهادة أعجوبة سابقة، فأليصابات أصبحتْ حاملا على غير رجاء: فالذي وهب الحمْل للعاقر لا شك أنه قادر أن يهبه للبتول.
فكلمة الله، الله وابن الله الذي كان "منذ البدء لدى الله، والذي به كل شيء كون، والذي بدونه لم يكونْ شيء مما كون" (ر. يوحنا 1: 3) صار إنسانا لينجي الإنسان من الموت الأبدي. ولما تنازل فاتخذ تواضعنا من غير أن يلحق نقص بجلاله، بقي على ما كان، واتخذ ما لم يكنْه، فأضاف حقا صورة العبد إلى صورته، التي هو بها مساو للآب، وجمع بينهما. جمع بين الطبيعتيْن بحيث إن مجد الطبيعة العليا لم يزلْ الطبيعة الدنيا، ولا باتخاذه الدنيا أحدث نقصا في العليا.
فمع الاحتفاظ بخاصية كل من الجوهريْن، ومع الجمع بينهما في شخص واحد، اتخذ جلاله تواضعنا، وقدرته ضعفنا، وجذبتْ الأبدية من كان قابلا للموت. وليؤدى دين طبيعتنا، اتحدت الطبيعة التي لا تتبدل بالطبيعة المتبدلة، إلها حقا وإنسانا حقا في الرب الواحد. وليتم الشفاء بحسب ما يلائم طبيعتنا، استطاع الله الواحد نفسه، "الوسيط بين الله والناس" (1 طيموتاوس 2: 5)، أن يموت بحسب الطبيعة الإنسانية وأن يقوم من الموت بحسب الطبيعة الإلهية. فميلاد الخلاص حقا لم يسببْ أي مساس بالكمال البتولي، بل إن ولادة الحق سبحانه كان حافظا لتمام البتولية.
هذه هي الولادة التي كانتْ تليق بالمسيح، "قدرة الله وحكمة الله" (1 قورنتس 1: 24)، بها تساوى مع طبيعتنا الإنسانية مع بقائه متميزا بطبيعته الإلهية. لو لم يكنْ إلها حقا لما أتى بالعلاج، ولو لم يكنْ إنسانا حقا لما كان لنا مثالا.
لهذا ترنم الملائكة متهللين بولادة الرب وأنشدوا: "المجد لله في العلى"، وبشروا "بالسلام في الأرض للناس أهل رضاه" (لوقا 2: 14). فقد رأوْا أن أورشليم السماوية تتكون من جميع شعوب العالم. وكم يجب أن يفرح الإنسان في تواضعه بعمل حب الله الذي لا يوصف كما تهلل وفرح الملائكة في العلى.
رد: يا لقوة الصليب العجيبة يا لمجد الآلام الذي لا يوصف
(PL 54: 340-341)
يا لقوة الصليب العجيبة
يا لمجد الآلام الذي لا يوصف
أيها الإخوة، عندما ننظر إلى المسيح المرتفع على الصليب، لا نفكرْ فقط في الصورة التي ظهرتْ لعيون الخطأة الذين قيل لهم على فم موسى: "وتكون حياتك أمام عينيْك، ويملأك الرعب ليل نهار، ولاتأمن على حياتك". لم يقدرْ هؤلاء أن يروْا شيئا في صليب المسيح، سوى خطاياهم. وقد ملأهم الرعب والخوف، لا لأن الإنسان يجب أن يبرر بالإيمان، بل لأن ضمير الخاطئ سوف يبقى دائما عرضة للعذاب. وأما نحن فلْنستقبلْ بعقلنا الذي ينيره روح الحق، وبقلب حر نقي، مجد الصليب المالئ بنوره السماء والأرض. ولْننظرْ بعين الروح لنفهم معنى كلام يسوع، لما تكلم على آلامه الوشيكة فقال: "اليوم دينونة هذا العالم. اليوم يطرد سيد هذا العالم إلى الخارج. وأنا إذا رفعْت عن الأرض جذبْت إلي الناس أجمعين" (يوحنا 12: 31-32).
يا لقدرة الصليب العجيبة. يا لمجد الآلام الذي لا يوصف: إذ تتجلى فيه محكمة المسيح، والحكم على العالم وقدرة المصلوب. لقد جذبْت كل شيء إليك، يا رب، لما فتحْت ذراعيْك النهار كله إلى شعب غير مؤمن مخاصم، فقبلك العالم كله وعرف جلالك واعترف بك. لقد جذبْت كل شيء إليك، يا رب، لما حكمت العناصر كلها حكما واحدا على خطيئة منْ صلبك، فأظلم نور السماء، وتحول النهار ليلا، واهتزت الأرض على غير عادة، وأنكر الكون كله ما صنع الأثمة. جذبْت كل شيء إليك، يا رب، لما انشق حجاب الهيكل، وتباعد قدس الأقداس عن الأحبار غير المستحقين: لما صار الرمز حقيقة، والنبؤة ظهرتْ، والإنجيل حل محل الشريعة.
جذبْت كل شيء إليك، يا رب: فبعد أن كانت العبادة تتم في هيكل واحد في اليهودية بالصور والرموز، صار يحتفل علنا وصراحة بالسر في الشعوب والأمم كلها. الآن، زادتْ رتبة اللاويين مجدا، وكرامة الشيوخ مهابة، ومسحة الكهنة قداسة. لأن صليبك هو مصدر جميع البركات وسبب جميع النعم. به تعطى للمؤمنين القوة في الضعف، والمجد في المهانة، والحياة في الموت. الآن كفتْ جميع أنواع الذبائح الجسدية، وغدتْ كل أنواع القرابين قربانا واحدا، هو قربان جسدك ودمك. لأنك أنت الحمل الحقيقي الذي تحمل خطايا العالم. ولهذا فيك تمتْ جميع الأسرار. وكما أن الذبيحة واحدة لجميع الأضاحي، كذلك سيكون الملك واحدا لجميع الشعوب.
رد: عظات لـ القديس لاون الكبير بابا رومية
(العظة السادسة في ميلاد الرب، 2-3 و5 : PL 54، 213-216)
ميلاد الرب هو ميلاد السلام
لم يأنف ابن الله في جلاله أن يمر بمرحلة الطفولة، ثم ينمو ويتقدم في السن حتى يبلغ قامة الإنسان الكامل. وبعد ذلك تحمل الآلام وقام منتصرا. كل هذه الأعمال تمتْ في طبيعتنا المتواضعة التي اتخذها من أجلنا، وقد أصبحتْ الآن من شؤون الماضي. إلا أن الاحتفال بعيد ميلاد يسوع المسيح من مريم البتول اليوم يعيدنا إلى مبادئنا المقدسة. ففيما نسجد لمجيء مخلصنا نحن نحتفل برأسنا.
ميلاد المسيح هو مبدأ الشعب المسيحي، لأن ميلاد الرأس هو ميلاد الجسد.
كل واحد من أبناء الكنيسة قبل دعوته الخاصة به بحسب نظام محدد وفي أزمنة متعاقبة. إلا أن جماعة المؤمنين صعدتْ معا من جرن المعمودية. وكما صلبتْ مع المسيح في آلامه وقامتْ معه بقيامته، وجلستْ عن يمين الآب مع صعوده، كذلك ولدتْ كلها معه بهذا الميلاد.
كل إنسان مؤمن، في أي جزء من العالم، يولد ولادة ثانية في المسيح، فيتحول بهذه الولادة الجديدة إلى إنسان جديد، ويتحرر من الخطيئة الأصلية القديمة. ولا يبقى بعد ذلك منتسبا إلى نسل والده بحسب الجسد، بل إلى نسل المخلص الذي صار ابن الإنسان لكي نقدر أن نكون أبناء الله.
وفي الواقع، لو لم يتنازلْ هو متواضعا ويأت إلينا، لما قدر أحد أن يصل إليه باستحقاقه.
ومن ثم فإن عظمة الهبة المعطاة لنا تقتضي منا تكريما يليق بجلالها. يقول القديس بولس إننا لم نأخذْ روح هذا العالم، بل روح الله لنميز المواهب التي أعطانا إياها الله. ولا نقدر أن نعبده العبادة اللازمة، إلا إذا قدمْنا له كل ما وهبنا إياه هو نفسه.
وماذا يمكننا أن نجد في كنـز الكرم الإلهي ما يليق بكرامة العيد الحاضر سوى السلام الذي بشر به الملائكة، وكان أول رسالة لميلاد المسيح؟
هو السلام الذي يلد أبناء الله، ويغذي المحبة ويلد الوحدة. هو مسكن الطوباويين ومقر الخلود. وميزته الخاصة وفائدته المميزة هي أن يصل بالله كل من فصلهم عن العالم.
فالذين لم يولدوا "من دم ولا من رغبة لحم ولا من رغبة رجل بل من الله" (يوحنا 1: 13) عليهم أن يقدموا لله الآب الوحدة والوفاق بين الأبناء. ويجب أن يسارع جميع أبناء التبني لاستقبال بكر الخليقة الجديدة، الذي جاء، لا ليتمم مشيئته، بل مشيئة الذي أرسله. لأن نعمة الله تبنتْ ورثة محبين بعضهم بعضا ومتفقين في الرأي، لا متخاصمين ولا متنازعين. فالذين خلقوا خلقا جديدا بصورة واحدة، يجب أن يكونوا أيضا ذوي نفس واحدة.
ميلاد الرب هو ميلاد السلام. قال الرسول: "هو سلامنا الذي جعل من الجماعتيْن جماعة واحدة" (ر. أفسس 2: 14)، "لأن لنا به جميعا سبيلا إلى الآب في روح واحد" ( أفسس 2: 18)، وذلك سواء لليهودي أو اليوناني.